كان يسير في ذاك الرواق الملكي بثبات؛ كل خطوة منه توحي بالثقة لا تتزعزع، زفر ونزع نظارته الطبية وعلقها على جيب مئزره؛ ثم رفع بيده الأخرى خصلاته الكستنائية التي تمردت على جبهته يعيدها للخلف\. إلتفت نحو نافذة الكبيرة على أيسره؛ وراى السماء الصافية البهية تحتضن سرب الطيور؛ يحلق بحركات بهلوانية راقصة رفقة نسمات الهواء البارد\. لمعت عيناه بوهج طفيف لإستذكاره شيئا، وأسرع لغرفته المهنية وظل يرتب الملفات و الأدوات هناك، يستشعر بحواسه الأخرى ماحوله فإذ بنقرات على زجاج الشرفة لفتت إنتباهه فابتسم\. رفع بصره وأقبل يفتحها وإسترخى جسده؛ حط الصقر الأسود على ساعده ؛ وراح يمرر أنامله على ريشه بروية؛ فلاحظ تاليا خدشا على جناحه، وضعه فوق المكتب تفحصه ثم تمتم يخاطبه كأنه يفهمه؛ مقتضب الحاجبين قلقا : " من أصابك بحق؟ إصابتك لم تمر بالأوتار او العظم هذا جيد كاروس " داعبه مكهكها ثم لمح الرسالة على مخلبه الأيمن؛ تسمرت أصابه لوهلة ثم مد يده وأخذها فقرأها \( إنزاحت الأغماد عن سيوفها فباتت الأنصال هشة \.\.\.\.وفقدت الشعلة وميضها\.\.\.نزف الجرح وما اندمل\.\.\. نفس مثقل مع الغسق المنبثق\.\.\.و في أواخر عقده تساقط الورق أرني عجائبك في إنتقاد ماكتبت \) دق خشن على باب غرفته تزامنا مع إنتهائه من قرائتها؛ ثنى الورقة على عجل ودسها في جيب سرواله، تحكم في تقاسيم وجهه ثم أجاب الزائر : " تفضل من هناك؟" إطلع أنذاك منه؛ رجل عسكري حاد البصر بشوش الوجه، رفع قبعته تحبة وأقبل صوب مكتب ليونيل؛ ثم إردف مرحباً: " أهلا بعودتك حضرة طبيب، كيف كانت رحلتك؟" " يسرني رؤيتك سيادة المارشال؛ كانت رحلة مفيدة نوعا ما" إبتسامة مصطنعة بشكل واضح على ثغر ليونيل كانت مرتسمة، فتجاهل الأخر ذلك وفقد صافحه فإذ طقطقة خفيفة فوق المكتب خلف الطبيب؛ تناهت على سمعهما فجعلت الزائر يقترب أكثر فضوليا فقط\. خفق قلب ليونيل بقوة ثم عض باطن خده منزعجا من الرجل الذي إقتحم خصوصية طائره، لكن المعني لم يلحظ ذلك ولم يبالي وإنما تقدم يفحص الصقر بحذر وثبات يجول بعينيه ذي اللمعة الفضولية من الجناح إلى المخلب ثم تراجع معلقا بإستمتاع: " هل هذا الصقر يخصك؟" " أجل " " لم أعتقد أنك تهتم بالحيوانات ليونيل" " بدأ إهتمامي بها قبل خمس سنوات فقط، منذ أن بدأت العمل هنا" أجاب بنبرة علت جدية بقدر ماتوارت سخرية مبطنة من خلفها ،رفع المارشال حاجبه إثر الجواب ومامنع نفسه من الضحك أفرد طائر جناحيه مغادرا تاركا إياهما، وسرعان ما أعاد إعتمار قبعته ونطق مغيرا دفة الحوار: " عموما، هل جهزت لي طلبي؟" همهم وسار نحو خزنة أدويته مستخرجا زجاجة بها سائل مائل لصفرة ثم قدمها له؛ مانحا نصيحته: " هذا زيت التربنتين؛ قمت بتخفيفه لك لاستخدامه على إلتهابات المفاصل، فقط عند إستخدامه تجنب النار فهو قابل للإشتعال سريعا" إردف بعبارات شكر وغادر\. أنذاك فقط ضرب ليونيل وجهه بكف يده؛ مزيلا قناع التملق والمجاملة الفاشلة عن وجهه\.\. " رويانا كانت محقة\! تصنعي الفاشل سيسبب مقتلي يوما ما هنا\!" \. \. \. \. \. باتت الشوارع العامرة خالية ساكنة؛ كمن نام أهلها في سبات مستقبلين الشتاء بخوف مذعن كانت رويانا رفقة كريس وكذا والدته في منزلهما ؛تفي بوعدها في تدرسيه بشغف وهي تبصر ولعة الحماسة في عينيه تتزايد\. ماظلت كثيرا عندهما؛ أنهت درسها ونهضت تودعهما لتغادر، دثرت عنقها بوشاحها الثخين وخطت تغادر ذاك زقاق " تبا، وشاحي المفضل لا أثر له منذ فترة أين أضعته بح\.\.\." تمتمت متذمرة من شيء سرعان ماصمتت؛ فقد إشتدت أنفاسها وتوقفت عن السير، ضاقت عينيها وشعرت بإضطراب يتخلل نبضاتها، وصداع أعاق تقدمها فتوقفت مكانها تلتفت يمينا وشمالا ومامن أحد\. " هل وصلت الرسالة لنيل؟\.\.\.هل سيتمكن من حلها والقدوم؟\.\.\.ماذا لز لم نستطع اللقاء؟ ماذا لو أصاب أركان ما أصاب كريس؟\.\.\." هواجس حاصرتها\.\. ووساوس طوقتها\.\.\.وها هي ذي مثقلة النفس مضطربة " أركان سيختطف\.\.\.سيتأذى\.\.سأبقى عاجزة \.\.ليونيل ليس هنا\.\.أنا بمفردي\.\. ماذا لو إختفى؟\.\.\.ماذا لو كان أركان أحد ضحايا\.\.\. " ظلت الأفكار تقتحم جدران عقلها بقوة تصد كل محاولة عابثة لإستعادة ثباتها، عضت شفتها وأطبقت جفنيها وشدت على سترتها بقبضتها الباردة، تعترض رغبة الصراخ تلك ورغبة الموت المتأججة في كنهها\.\. رشقتها زخات المطر دون ميعاد؛ فرفعت رأسها ولازال عقلها يضج بها فاهت بصوت واهن متحشرج؛ نزعت وشاحها وفتحت زر سترتها وتقدمت خطوة دون وعي \.\.ثم أخر \.\.\.ثم ركضت\. وشباك الهواجس من خلفها محكمة الوثاق بها " رويدك\.\.رويدك\.\.\.نوبة وسأتجاوزها\.\.\." \( أريد الموت\.\.\.لقد تعبت\.\.\.سأموت\.\.\.\) " لن أفعل\.\.لن أترك إبني وزوجي خلف ظهري" \( أصرخي وإبكي عودي لوالدك وأصرخي\) " لا تفكري لا تفكري" دقائق مرت كالدهر، هاهي ذي وجدت نفسها تقف أمام مركز الشرطة المغلق، نوبتها إنتهت وعاد تنفسها ونبضها معتدلا\. " بات تحكمي بنفسي سيء إذن، ياللخيبة" إستهزاء علا نبرتها وهي ترى حالها المثيرة لشفقة في عينها، أبصرت شعلة العدالة المنخمدة أمامها فتراجعت تتخذ طريقها صوب منزلها، ولازلت ريح طفيفة تهوي بداخلها\. بسطت يديها على جانبيها وتنفست لأربع ثوان ثم حبست لثانيتين\.\.تلاها شهيق لاربع ثوان أيضا وإستمرت على هذه الحال كما علمها زوجها\. وقفت عند باب منزلها وفور دلوفها لفحها دفئ يعبق في المكان؛ إرتدت خفها ونزعت سترتها؛ مشت حيث المدفأة أين كان آليستر جالسا رفقة أركان المستلقي على حجره، يسرد له حكاية عن طفولة والده\. " لقد عدت " صاحت تقطع خلوتهما ليستقيم أركان متهلل الوجه، صارخا بإسمها مسرعا ليرتمي في حضنها الدافي، دفن وجهه في عنقها ؛وهي أسندت ذقنها على كتفه تشتم عبيره الذي بدد أثر النوبة\. أبتعدا عن بعض أخيرا وراحت تقبل رأس آليستر الذي نطق بحنو: " من يراك يخال أنك لم تقابلي إبنك منذ دهر يا رويا" " وماذنبي يا والدي، فقلب الأم لا يحتمل" ضحكا معا ختمام كلامها، ثم نهض من مكانه متابعا بصارمة: " إذهبي وغيري ثيابك وإستريحي يابنتي، أما أنا وحفيدي سنذهب لإعداد العشاء" كسر سكون البيت ألسنة اللهب المحتضن في تلك المدفأة الخشب؛ جاعلا منه يتأكل رفقة دقات الساعة جلس ثلاثتهم حول الطاولة؛ وبدأو تناول العشاء في جو تعالت فيه ضحكات حتى قام ألأصهب الصغير يتحدث عن يومه : " أتعلمان لقد إصطدمت بالخطأ بعسكري أشقر الشعر؛ وقد إعتذرت منه\! ولكنه طويل جدا وذكرني بأبي\!" توقف صوت الملاعق وتجمد كلاهما؛ إكتفت رويانا بالهمهمة على غرار آليستر الذي لفاه مادحا: " من الجيد أنك إعتذرت " ماهي الا دقائق معدودات، ونهض أركان يأخذ طبقه للمطبخ؛ ثم صعد يستعد لنوم في غرفته، فيما بقي كلاهما هو يرتشف من كأسه وهي تلعب بالخاتم حول عنقها\. " هل أرسلت الصقر لليونيل؟" " نعم أبي، لقد مرت أربع أيام لذا على الأرجح وصلت" أفاقت من شرودها، إثر مانطق به رصينا، فأجابته بنبرة متزنة تخفي ورائها وهنًا؛ وتابع سائلا : " هل سيفكها برأيك" " أراهن أنه يتذمر الان؛ يحلل طريقة الشيفرة\!" ساخرة ردت كمن تحفظه عن ظهر قلب؛ كلاهما الأن يتخيلان ليونيل وسط غرفته متضايقا؛ يحاول تخمين الشيفرة التي كتبتها رويانا، تبادلا النظرات و توصلا لنقطة مشتركة؛ ألا وهي أنه بلا شك يبحث عن أقرب ركن ليضرب رأسه فيه، فتعالت سخرياتهما ثم سعل يختتم سيل ضحكاته؛ تزامنا مع هزيم الرعد الذي إخترق دجنة الليل، شدت على الخاتم أكثر ثم شعرت بنفسها يختنق؛ وبصوتها يتلاشى تحاول النطق ولكنها عاجزة، كقبضة قوية وضعت على صدرها\. " أبي\.\.ماذا لو أصيب أحدنا بمكروه؟\.\.\.\.ماذا لو تأذى أركان؟\.\.\." بحة صوتها وهي تناديه وكذا التعب الذي رافق جملتها؛تلك ؛كانت كصرخة باهتة الصدى\. لاحظ ذلك وعاينه بحكمة نهض من مكانه؛ ليقف قربها يربت على كتفها الذي تشنج لشدة توتر\. " رويانا، هذه الهواجس تقتلك ببطئ يابنتي، تقبلي وجودها فقط وركزي على حاضرك لا على مستقبل مجهول لُبه" تكررت حكمته على مسامع ذهنها؛ تحاول جعلها درعا أمام مخاوفها؛ ولكنه لن يفهم بنظرها\. شدت على قبضتها ثم همهمت له؛ تقابله بالفهم ولو كان كلامه عسير الفعل\. \. \. \. بات المطر الغزير خلال الأمس دِيمَة تبعث الدفئ لا البرد، على غرار القصر الملكي\. ففي الديوان على عرشه المقدس؛ جلس أزار بكل وقار يعلوا مكانته عن الحاضرين؛ وعدة نبلاء حوله؛ والمارشال على يساره فيما بقي الكرسي الأيمن فارغا دالا على مكانة الغائب منه\. كان الإجتماع في ذروته؛ والأطراف تتبادل شؤون الدولة ، فيما ظل هو مغمض الجفنين يستمع ، وإذ بها لحظات مريرة؛ فتح عينيه يمررها على الحضور والذين سرعان ماخيم الصمت بينهم وأخفضوا وجوههم\. فمامن جرأة تخولهم لنظر له ؛ وإن فعل أحدهم ذلك لبات الديوان مسرح من دماء قانٍ\. ولكن كمن لديه إمتياز وهو كذلك ؛ رفع حضرة المارشال بصره يقابل الملك مبتسما بعد أن أنزل قبعته إحتراما ونطق يتابع بشوشا: " جلالتك قد أوكلت الجنرال والفريق بمهمة لتحقيق في القضية التي أخبرتك عنها سلفا، ومن سوء الحظ مامن أدلة كافي\.\.\." " إعذر تدخلي حضرة المارشال، لكن لا يحق لك التدخل في هذه المسألة، فالقضية تدرس من قبلي كوني وزير العدل " قاطعه صوت حازم مندفع، لمن كان حذو الكرسي الفارغ ، رفت أهدابه وإلتفت لمصدر الصوت لكنه حافظ على معالمه؛ ثم اومأ وراح يحدث وزير العدل وإبتسامة متفهمة ترافقها نظرة داعمة: " اجل أعلم هذا يا أندريه، لكن القضية تتعلق بالشأن القومي ولدي كامل الحق والصلاحية لتدخل " " الإستعجال بالإدلاء والتنفيذ قد يسبب مشاكل على الصعيد الداخلي ويزعزع مكانة الدولة\!" " والبقاء كالمتفرج خلف الظلال كمن يقذف الزيت على النار لتشتعل\.\.إن لم نضع حدا سيتصاعد اللهب ويطغى التمرد على الرقعة" شدد أندريه على قبضتيه وبرز عرق جبينه، منفعلا من كل ماتبادر من المارشال الهادئ قبالته، وراح يدافع عن نفسه باندفاع مهاجما الاخر: " ماقلت أني ملتزم لصمت ولكن فعلتك تلك تعارض قوانين الملكية\!" رد هادئ من المارشال قاطعه ثم أندريه مندفعا وأمارات الإنزعاج والإمتعاض على وجهه؛ جعلت التوتر يتصاعد حول أرجاء\. ختاما تنهد المارشال كمن أحس بالذنب، أزال ملامح الحزم والجدية وتحدث بنبرة بلغت هدوءا وسكينة تقبض القلب : " أتفهم رأيك تماما أندريه ولك الحق في كل كلمة ، لكن ليس كل إنتظار لصالحنا؛ إنتشرت قضايا تفتك بشعبنا\! كل دقيقة تمر يزيد غيضهم خاصة وأن لا حركة ظاهرة من قاعدتكم" رفع أزار يده يضع النقاط على الحروف، شابك أصابعه وقلب بصره على كلاهما ولم يلبث طويلا وإذ به نطق: " كلاكما إلتمستما الصواب والخطأ، لكن نقاشكما عقيم يصم الأذان" إرتشف من كأس الماء قربه وتابع متحدثا : " أندريه سكيرڤ تابع دراسة هذه القضية حالا ؛ وأما أنت أيها المارشال إستمر في تحريك الرقع مؤقتا ولمنتصف شهر كانون الاول سسأقطع الحبل من أحدكما" نهض من مكانه معلنا بذلك نهاية الإتماع وغادر دون ان يلتفت للخلف؛ مدركا لرعشة إشتاحت الحضور ونظرات مرتبكة\. ما إن تلاشى ظله من أمامهم، تنفسوا بعمق كمن حبسوا ذلك منذ دهر، إستقام المارشال تاليا من مكانه؛ وإعتمر قبعته ثم مد يده لأندريه الذي نهض بدوره ليصافحه مطلقا زفيرا خانق\. أسند وزير العدل يده على الطاولة الكبير وراح يمد يده ولكنه توقف\. إرتجفت يده وأنكمشت ملامحه؛ إضطربت أنفاسه وتباطئت خفقات قلبه كأن قيدا يحكم القبض عليه، توسعت حدقتيه وأعاد يده الى صدره يقبضها بقوة، وهاهي ذي طعنات متفرقة تمركزت حول فكه السفلي ويسراه ، وماهي الا ثوان وتهاوت خطواته للخلف ثم سقط مرتطما بالارض فاقدا وعيه بعد صرخة خافتة أطلقها\. تيار ثقيل عصف بالبقية وشحبت وجوههم، ليصرخ المارشال مسرعا نحوه : " نادوا الطبيب الملكي حالا\!" ماكان لطب بعالم به؛ لكنه وضع أذنه على صدره يستمع لنبضه الخافت؛ ثم قرب انفه يتأكد من تنفسه المضطرب ،رفع رأسه تاليا للخلف وراح يفتح أول أزرار قميصه\. بلحظات دلف ليونيل مسرعا وبيده حقيبته وجثى قربهما متحدثا: " ماهي اعراض قبل أن يفقد وعيه؟" " لا نعلم تشنجت يده اليسرى وضغط باليمنى على صدره كأنه عانى من ضيق تنفس" همهم له ليتأكد من نبضات قلبه؛ ثم قبض يسراه فوق يمناه واضعا اياهما في منتصف صدره، وضغط بقوة معتدلة ثابتة عدة مرات؛ مردفا لمن قربه حازما أمر: " إرفع ساقيه ولا تنزلهما حتى أخبرك" عاد يستمع للخفقان الذي بات يتزايد ليثبت، ماهي الى دقائق مرت واعتدل تنفسه وخفقانه كأن القيد إنفك من على قلبه\. زفر ليونيل مرتاحا أخيرا وقعد مبتسما لهم : " لقد نجى تجاوزنا الخطر " تنفس الصعداء من الحضور وتراجع المارشال مستقيم الوقفة، بلل شفتيه وفاه : " يسعدنا ذلك، نشكرا مجهوداتك حضرة طبيب" تصافح كلاهما مبتسمين لبعض، سرعان ما إعتمر قبعته وغادر الديوان تاركا الطبيب والوزراء هناك \. \. \. " لو أن المارشال لم يتدخل في عمل أندريه لما مرض الان" " تدخل المارشال في قضية اختطاف رجال مدينة بلادميث كان واجبا، والا سيقوم تمرد " " هو يحاول الحفاظ على وطنه فقط، ولو اراد به سوءا لما تدخل وأقدم على مساعدة الطبيب في علاجه" إسترق ليونيل السمع لتلك الهمسات الواضحة، إدعى إنشغاله بإعادة أغراضه للحقيبة بعد أن أخذ الحراس المريض لقاعة علاجه وتابع في ذهنه: \( إختطاف رجال؟ أهذا ماعنته رويانا بالرسالة؟\!\) وأثناء تفكيره تجلى البيان والوضوح أنذاك ؛ همهم بعد أن وقف يرفع كمي قميصه ليحمل الحقيبة ويغادر \( أيا ماكان هناك حلقة مفقودة، فقد وجدت حل رسالتك يانا \) \*\*\*\*\* توقف المطر حتى مساء اليوم التالي؛ وإنخفضت الشمس في الأفق تكاد تغرب و تنساب من بين السحب المتراصة، لازالت الأرض طينية؛ وباتت طرقاتها بركا متقطعة\. خرج كل من إيثان وسيسيل من النزل؛ أحدهما يتثائب والأخر يعدل كمه\. بعد ان تلقيا رد اليستر المختصر، متشبثان ببصيص أمل زائف أن يتمكنا من حلها في أسرع وقت\. تحدث إيثان منهكا خشن الصوت ولازال النوم يعانق أهدابه : " الأمر مزعج؛ السفر من لندن لبلادميث ثم تحقيق مع تفقد؛ و فوقها إنشغالنا الكبير بقضايا كثيرة هناك" اعاد سيسيل خصلاته الشقراء للخلف ثم نطق بصوت أجش ينازع رغبة التثاؤب تلك: " اوكلنا بحل هذه المسألة لا مسألة فساد دولة؛ فالنركز على عملنا" همهم المعني مسندا راسه على يديه من الخلف؛ يتابع مسيره ليتحدث تاليا: " لنذهب للأزقة لعلنا نجد دليلا" وبالفعل وقفا عند زقاق خال حتى من المشردين؛ ذي إمتداد لأزقة أخرى أشد إنعزالا وأكثر رعبا\. داسا يعبرانه ولا يسمع أنذاك سوى طشطشة الوحل بخطاهم المتماسكة\. هنيهة مرت وإنتشل سيسيل سجارة يريد إشعالها وهو يلاحظ الأرض من حوله، لكن سرعان ماتقدم إيثان من خلفه ناطقا: " نحن نعلم طريقة الإستدراج؛ ولكن هناك مئات الإحتمالات حول المكان؛ من يدري لعلهم اخذوا الضحايا لخارج المدينة" " سنركز على هذه المدينة فقط" " دام الضحايا رجال لن يتم نقلهم إعتبارا للقوة البدنية والجهد المبذول؟" سأل ايثان وهو واقف حذوه؛ فأدار الجنرال راسه ناحيته، ليومئ بالإيجاب ثم تابع يجيبه بكل اتزان: " اجل الا في حالة انهم قتلوا؛ أنذاك بامكانهم نقل اي جثة لخارج المدينة او حتى دفنها؛ لكن ان كان الجاني ذكيا فلن ياخذ الضحايا لاماكن معزولة " " فسيضع احتمال ان المحقق ليس غبيا ليترك ثغرة كتلك" " ومن الجهل تحريك فيلق من اجل قضية اختطاف رجال ؛ وعلى العكس كثرة الجنود بقدر ماتزيد من ارباك الجاني ستزيد من صعوبة تحركنا" أثناء تبادل أرائهما سمعا صوت شهقات طفل عند زقاق قربهما، نظرة مبهمة علتهما، وتوجها ليجداه\. جالس على أرض يضم ساقيه يشهق بقوة؛ الرماد على وجهه وأسفل سرواله ملطخ بالطين وحاف القدمين\. " ما الأمر؟ لم تبكي ياصغير في زقاق خالٍ كهذا؟" نبس إيثان الذي تولى زمام الأمور مقتربا من الطفل ثم تقرفص قربه، ورفع الأخر المنزوي على نفسه رأسه ليظهر دموعه المنهمرة وديانا؛ مسح ماء أنفسه بكمه ووسط شهاقته إستنجد: " أبي، لم يعد منذ أن تركني هنا لساعات، وقال أنه ذاهب لمنزل في نهاية زقاق" \*\*\*\*\*\* وقفا عند المنزل الكبير المتدهور مظهرا، ، بعد أن أشاد به ، توقفا عند عتبته يستكشفان حولهما ؛ثم دلفا وداسا كلاهما على الخشب ؛فدوى صريره المتشقق الأشبه بأنين خافت\. خطى إيثان للأمام لتدوي طشطشة طين مجهولة المصدر؛ حديثة الوجود ، أخفض كلاهما بصرهما واشعلا المنزل ليضيء؛ مركزان على الأمام لا غير، حيث كانت خطوات رجل واضحة " يبدو ان الطفل محق " تمتم سيسيل وقد أسند ركبته على أرض ليفحصه؛ ثم انقسم كلاهما للغرف يتفحصانها\. أدركا في وقت لاحقا أن مامن أحد، لعل الرجل غادر أو نال ماناله غيره، زفرا بإنزعاج ليهما بالرحيل لولا أن أخر خطوة إتخذها سيسيل عند درج جعلته يتعثر بحجر ؛ فقد توازنه ثم ارتطم كتفه باللوحة قربه فوقعت \. التفتا نحوه ايثان مستغربا، فصفر ساخرا\. حمل اللوحة بين يديه؛ فلاحظ كلاهما خيطا أبيضا مثبتا على أعلاه، إلتمسه إيثان وإذ به مبلل فقربه من انفه ليميزه فكانت رائحة شديدة تركيز تحرق الانف؛ كخشب نفاذة حادة، أبعده بسرعة وقد أحس بحرقة في إصبعه ومسحه على عجل\. أما سيسيل فتتبع مسار الخيط الذي امتد لسقف الطابق الاول فقط ؛ولم يُلحظ عندما دخلا والان فقط لمحا الخيوط المنسابة منه كشباك عناكب تجاهلا وجودها سابقا، فاستشعرا ناقوص الخطر\. ومن ناحية اخرى كان فتيل الشمعة على فانوس أشعلاه قرب الحائط قبلا، قد تصاعد نتيجة سائل شفاف الذي إنساب بتأن من خيوط متراصة كشعوب موجودة أعلاه\. لازال إيثان يحاول استذكار الرائحة القوية التي تصدر من الخيط، وكأن سيسيل سمع الساعة المتوقفة قرب المدفئة تدق دون ميعاد\. قضب سيسيل حاجبه؛ والتفت صوب النار ثم عاد مجددا للوحة وأخرج منديلا وورقة قربه ليفرك الخيط به ثم شمه إكتاسته برودة وقبض فكه بقوة ليمسك كتف إيثان على عجل مردفا: " علينا الخروج حالا\!" تزامنا مع كلامه المبهم ،رشقت أخر قطرة الفتيل فتصاعد أكثر وأكثر ثم التمس الخيط الرفيع؛ فانتشرت النار تحتضن الخيوط والشباك المشتعلة بلهيب تراقص معها بتناغم\. **وما كربا يخرجا فإنفجر المكان**
Shika Maduji