بين الغسق والفجر

بين الغسق والفجر

18 0

إنهمر وابل المطر، فأصبحت الأرض طينية رطبة\.\. حيث كان يراقب من إحدى المسالك المسدودة\. تلك المقصلة القديمة \.\. ضرب البرق، فوجل قلبهُ يناظر تلك الجثة، التي سرعان ما سقطت على المقصلة\.\. " أبي\! " \*\*\* كانت شهقات الصهباء تعلو ثنايا الغرفة، متوسطة سريرها ودموعها تنساب تعلن حزنها، مال الجالس قبالتها برأسه يتنهد على حالها ؛ثم نطق مستغربا: "مالي أراك بين دموعك تائهة دوما رويانا؟" تزامنا مع قوله رفعت رأسها فغطت خصلاتها الحمراء وجهها، مسحت دموعها وأبعدت شعرها عن وجهها ، ثم أمسكت بكأس الماء الذي مرره إياها إبنها الصغير، مثبتا خضراوتيه على حالها ليستفسر بدوره: "أمي لم تبكين؟" أجابت بنبرة متهالكة لشدة البكاء ، تنظر لإبنها لتحضنه : "لقد مات بطل روايتي يا أركان\!" "رويانا إنك في سنتك الخامسة من عقدك الثاني؛ ولازلت ترهقين روحك من أجل خيال\!" كلماته التي إنسلت وهو يمرر حدقتيه الرماديتين عليها جعلها تمسك المخدة ورائها؛ و على مضض رمته بها صائحة في وجهه: "الخيال في عينك يارجل الطين\!" ظل أركان يربت على ظهر والدته؛ أما زوجها فكان يضحك على حالها، تقدم قليلا ليحتضن كلاهما يطبطب على ظهرها ويلعب بخصل ابنه؛ يراقب الشبه بينهما لينطق ساخرا: "وبحسكما المرهف قد علقت" إحتل الصمت أرجاء الغرفة؛ عدا شهقاتها التي باتت تنخفض حتى هدأت، مسحت دموعها ثم نطقت تضحك: "إرتحت الآن" مدت يدها تمسك يد إبنها تقبلها عدة مرات؛ ثم استرسلت في كلامها تتابع بعد أن إعتدلت: "بالمناسبة لم حينما دخلت ورشتك ليونيل تفاجئتما، ماالذي كنتما تخفيانه؟" "لا شيء مهم أمي ،فقط كان أبي يخفي كتابا في ورشته" فاه أركان مبتهجا يزحف نحو أمه ؛ في حين ضرب ليونيل وجهه بكف يده؛ تنهد بقلة حيلة لفعل إبنه، ثبتت رويانا خضراوتيها على زوجها ثم سألت : "منذ متى تقرأ الكتب؟" "كاذب هو" نطق بسلاسة؛ يمرر عينيه على أرجاء الغرفة مفتونا بجمال السقف، رفعت حاجبها تعقد يديها مع إحمرار طفيف في وجهها نتيجة البكاء: "مال عينيك زائغتان إذن؟" "من كثرة تحديقي بابنك" "بريء هو\!" دافعت عن إبنها الذي بدأ يزحف خلف أمه بعدما زل لسانه، تحدث ليونيل وهو يرى محاولته يائسة للهرب؛ رفع خصلاته الغرابية: "ومذنب أني أشركته في أمري، إنسى دخول الورشة فلم يجف الخزف بعد" سحب قدم أركان ليجره نحوه يتوعد بعقابه، لكن سرعان ما الآخر إنتفض يتخلص من قيد والده ينطق على عجل : "مامي إنه يخفي الكتاب أسفل طقم الخزف الجديد\!" "أيها الإبن العاق " هرب أركان ولحقه ليونيل صائحا ؛يصدران ضجة في أنحاء المنزل كافة، رمشت عدة مرات ثم فلتت ضحكة منها؛ نهضت بخفة تتسلل للورشة رغما عن أنف زوجها\. دخلت الغرفة الكبيرة في أخر رواق، تأكدت من عدم لحاقهكا بها وأغلقت الباب خلفها\. ساندتها اشعة الشمس المقتحمة سبل الورشة\. نظرت تتأمل الخزف المتشكل في كل مكان و يتوسط القاعة عجلة الخزاف، تقدمت ترفع شعرها لأعلى؛ ثم بدأت البحث، لحظات وعثرت على الكتاب أسفل طاولة بها فخار حديث الصنع\. ماكربت تفتح الكتاب تتفحصه ؛وإذ بكليهما يقتحمان الغرفة يلهثان ، شهقت متفاجئة فأسقطت مابيدها على الأواني الفخارية، عضت شفتها ترى شظايا فنه قد خربت بفضلها\.  نظرت لليونيل تبتسم بصعوبة تراه متصنما في مكانه وروحه تغادر مقبعه\. تراجع أركان واستدار يغادر بهدوء، أرادات أن تنبس بكلمة له؛ وإذ باغتها متنهدا يكبت غضبه وإنزعاجه: " رويانا إنك أكبر بلاء وقع على رأس فني\!" تجنبت النظر لملامحه وفقط إنسحبت بهدوء لتركض بعدها خارجا، تاركة إياه يحمل الكتاب يجمع شظايا التي جف بعضها والطين الذي إنتزع\. \*\*\* إنهال التعب على أركان؛ وغاص في نوم عميق، وضعته رويانا على سريره تلثم وجهه عدة مرات تبتسم مرتاحة البال\. نهضت ببطئ تغادر الغرفة وتغلق الباب خلفها، أرادات السير نحو غرفتها ثم التفتت لرواق المؤدي لورشة ليونيل، أغلق على نفسه هناك منذ ساعتين\. ترددت ولازال تأنيب يجولها؛ عضت باطن خدها، ولحظات حتى حطت عزمها لذهاب عنده\. دخلت ورشته دون دق؛ كان يتوسط الغرفة يخرج طين يضعه على الدولاب، ماكربت تتقدم خطوة أخرى حتى إنسابت كلماته بلمحة من الإنزعاج: "أنا في مزاج سيء الآن" "أغاضب أنت مني؟" سارت نحوه لتنخفض حذوه تشاهد عمله عن كثب، سألت متأسفة ورد هو الأخر منغمسا في فعله: "لا، غاضب لذهاب جهدي عبثا" "آسفة كان حادثا" أمالت رأسها تعتذر بصدق تتأمل ملامحه وهو يتابع فنه، عضت على شفتها ممتعضة فورما نطق شاردا: "أعلم، فقط دعيني أكمل عم\.\.\." "علمني صنع الخزف" لوعة الحماس في عينيها إثر مانطقته بإصرار جعلت الأخر يلتفت إليها يلاقي نظراتها مستنكرا: "أنت تكرهين هذا الفن أساسا" "وأريد أن أحبه من اجلك\!" علا صدق نبرتها ومحياها؛ راقبها لبرهة ما جعلها تترقب رفضه\. قابل ذلك بسخرية قادتها للإعتدال في وقفتها منزعجة حيث إردف: "هل أنت متأكدة أن نهاية روايتك لم تؤثر على عقلك؟" "إحمد الرب أني لم أدخل في حداد" "رويانا انت في حداد منذ شهرين بسببه\!" غلبها في نقاش؛ فأخرجت لسانها عمدا تستفزه ثم نظرت له تنتظر وبدوره وثب \. ماعاد يخفي الإبتسامة على وجهه، نزع المئزر يقدمه لها ماجعل الفرحة تشق وجهها\. "قدرتك على خداعي بكلماتك سيئة" تناولته من يده ترتديه تحل محله، تتبع تعليماته التي كانت عبثا\. إنتصف الليل ولا يسمع في الخارج سوى ريح هوجاء تتخبط النوافذ، كانت هذه قطعتها الخامسة تقلبها بين يديها وبائت بالفشل، ليونيل جالس يضحك وهي منزعجة من حالها ولسانها\. "بحقك نيل، يستحيل أن أحب اللعب بكتلة الطين اللزجة هذه\!" رمت مابين يديها ممتعضة ؛ استقامت تنزع المئزر تعطيه للآخر والذي سرعان مانطق : "لم تصنعي قطعة واحد حتى" واقعا على أرض يضحك بقوة على حالها البائسة، نسى غضبه يستمع لتذمراتها\. "تركتها لك\! أساسا كله منك لو أنك صارحتني بالكتاب الذي تخفيه لما حدث هذا\!" "المعذرة؟ لم أنت فضولية بشأنه\!" "بالتأكيد سأسأل دامك أحضرت شيئا تكرهه" فاهت تعدل خصلات شعرها وتمسح الطين من على وجهها،  لتستمع للذي هدأ أخيرا : "أردت تقديمه لك قبل شهرين وتركته في مكتبتك لعل وعسى أن تعثري عليه ،لكنك كنت منغمسة في قراءة روايتك الحزينة تلك فأخذته وخبأته هنا " "ولم ذلك؟ كان بإمكانك إعطائي إياه مباشرة" "لأستمع لتعليقاتك؟" "عيب عليك\!" "لعبتك مكشوفة يانا" ران الصمت لثوان ثم إنكسر من خلال ضحكاتهما، تلاشت الكلمات وبقت أواسر القلوب تتحدث فقط\. \*\*\* لاح الفجر على مطلع الأفق ينبثق ؛هدأت الريح وهب نسيم عليل، فكان إيثان واقفا يرشق الماء على رخام قبر أبيض يزيل الغبار عنه\. تنهد يضع الزهور  هناك ملتزما الصمت، شاردا في حمرة البتلات خاصتها\. نزع قبعته العسكرية؛ ثم وضع قبضته يضرب بها صدره، رفع ركبته ووضع يده اليسرى خلف ظهره ؛ثم حرر الكلمات الواثقة ذي سيط القوي من فمه، صارخا وعينيه الزرقاوتين باتت داكنة خالية المنبض: "وإني لمن زهق روحك لمنتقم بروحي فداك أمي، ولو هرب دهرا" تنهد مكشر الوجه، جال بأنامله يمسح فكه ذي لحية الخفيفة\. إستقام ينفض التراب العالق على ركبتيه يعيد إعتمار القبعة، لاح شبح ابتسامة على محياه ثم انحنى لأخر مرة يلف أدراجه للرحيل\. ظل يمشي يحرك يديه ؛ طرد الحزن المهيمن على قلبه لتحله راحة وسكينة يبعد نفسه عن متاهة عقل منهك\. وصل للقاعدة العسكرية؛ حيث استقبله الجنود بتحيات رسمية بادلهم هو الأخر، استفسر ثابتا بنبرة هادئة: "هل الفريق سيسيل هنا؟" "نعم حضرة الجنرال ،إنه في مكتبه ينتظر سيادتك" يديه خلف ظهره واقفا ،يجيب إيثان الذي بدوره إبتسم للجندي وساق نفسه إلى هناك\. \*\*\* أسلحته الخاصة مفككة فوق مكتبه في حين ملفاته موضوعة على الجانب، إرتدى نظارته ثم أخرج منديلا ينظف عتاده بدقة، كأنما لغير السلاح في يده لا بديل\. أعاد تفحصها لأخر مرة؛ ثم توقف لثانية جعلته من بعد ذلك يتنهد، رفع رأسه تزامنا مع إندفاع إيثان للغرفة صائحا: "أطلب لي فنجان قهوة لدي خبر قنبلة لك\!" "أي أنباء أتيت بها؟" أعاد تركيزه على أسلحته يركبها؛ يستمع لخطوات الأخر الذي جلس على الأريكة؛ واضعا ساقا فوق ساق، نزع قبعته كاشفا عن شعره البندقي الذي تمردت خصلاته على وجهه: "عثرت على الهدف" "صباح الخير، متأخر أنتَ" تحدث بسلاسة يزيح خصله الشقراء الداكنة عن وجهه، جاعلا ملامح الفخر على إيثان تتبخر، تابع بلمحة من السخرية: "المتهم في السجن يتغزل بنفسه" "تبا، دعني أنل الثناء لمرة واحدة ياهذا\!" صاح ممتعضا؛ يناظر سيسيل ينفخ على فوهة مسدسه مفتخرا بسلاحه، قاطع تنهده سيسيل الذي أكمل مابيده وجلس : " لدينا مهمة في مدينة بلايمث، ما يفوق الخمس رجال من مختلف الأعمار تم اختفائهم في ظروف غامضة" "من العامة؟" ضيق عينيه مع اخر كلمة، ثم نهض يرتكز على المكتب قبالة سيسيل، الذي بدوره اومأ وتابع هادئ النبرة يشير لملف على حافة المكتب: "أجل، إضافة لأنهم بمناصب عمل، حالهم ميسورة" رد إيثان ساخر يأخذ الملف يقرأه : "ياحبيبي كبرت وأصبحت أرى الرجال ينخطفون بدل الأطفال" "لعلمك يتم استدراجهم عن طريق أبنائهم" "وهل يعلم الملك بقرار ذهابنا؟" إستفسر تزامنا مع نهوض سيسيل ليعتمر قبعته : "المعجزة السابعة، هو من أمر بذلك" صاح إيثان على إثر كلمات صديقه؛ رمش عدة مرات وماكاد يتحدث حتى أشار له سيسيل بالصمت فرضخ للأمر\. تجهزا وغادرا القاعدة ولا زالت الدهشة تعتلي ملامحه؛ في حين صديقه أشعل سجارته يضحك على حال رفيقه\. \*\*\* كان ليونيل في غرفته، وقتها يجهز حقيبة سفره؛ فور إنتهائه إستقام يتوجه نحو المنضدة يمسك عقدا يتوسطه خاتم ليرتديه، ثم خرج ليتوجه لغرفة أركان هادئ الحال\. فتح الباب والتقاه أركان و رويانا نائمان جنبا لجنب، فما وسعه سوى أن يبتسم، ثم تقدم يجلس على الحافة الأخرى؛ مد يده يمررها على خصلات إبنه النارية ثم تقدم يلثم كافة وجهه يحتضن كفه الصغير ثم نام قربهما\. حل الصباح ؛وإستيقظ أركان قبل والديه النائمان يحتضنانه؛ راح يمسح وجهه يزيل آثار النوم يراهما ، شق الإبتهاج معالمه وراح يقبلهما ثم نهض بسلاسة يغادر الغرفة\. غسل وجهه وتجهز يحط المقادير أمامه، إستعان بكرسي وراح يبدأ صنع فطور الصباح لوالديه متحمسا بذلك\. فاق ليونيل على حس المطبخ فإعتدل يلتفت ليجد إختفاء أركان ونوم الأخرى، على عجل قام يغادر الغرفة يسرع لهناك\. تزامنا مع دخوله كان الطحين يغطي إبنه والبيض على أرض منكسر\. عض شفته متصنما لحالة صغيره ، التفت أركان مبتسما يصطنع البراءة ثم نطق: "صباح الخير أبي\.\.\." جال برماديتاه أنحاء المطبخ، خطى ليتجه لموقد النار يطفئه ، وما كاد يفعل ذلك، وإذ به داس على بيض مكسور أوقعه\. وقع تخبطه على أرض ؛جعل أركان يجفل يتراجع خطوة للوراء\.  شتم ليونيل حظه يستمع لخطوات سريعة كانت إلا لرويانا ،التي دخلت بدورها لتتيبس من هول ما رأت\. إستدار كلاهما لها ينتظران حركتها التالية، وهي فقط ضحكت؛ ران صوت ضحكاتها الأرجاء تمسك بطنها لشدة ذلك، تبادلا ليونيل واركان النظرات ليشاركانها اللحظة\. بعد هنيهة هدأت وتقدمت تساعد ليونيل للنهوض ثم توجهت تحمل أركان بين يديها تقبله عدة مرات ونطقت: "أنى لك أن تخلق هذه المشكلة منذ الصباح الباكر" "الهدف إعداد فطور صباح للصلح ولكن\.\.\." أجاب يلعب بأنامله مستمتعا، حطته رويانا تنفض طحين على وجهه\. فسأل ليونيل وهو ينظف الأرض : "وبدل الفطور حضرت نفسك لنأكلك؟ إبن من أنت بحقك" "إبن أمي طبعا" "لا عجب في ذلك" فاهت رويانا تعدل ثيابه لأخر مرة ثم باشرت تكمل ما بدأه\. تجهز ليونيل للمغادرة بعد أن تناول فطوره ،وعلى الباب يقف يقابل أركان، إتخذ وضعية القرفصاء ليرتمي الآخر على حضنه، جعل ذلك من كلاهما يقهقهان؛ دفن ليونيل رأسه في عنق إبنه وإذ به يرتجف، إقتحم التوتر والخوف ثناياه فتنهد يشد على الحضن يوقف إرتجاف جسده\. عضت رويانا على شفتها تبلع غصتها مرغمة، اسندت راسها على الباب ترى مشهدا أمامها جعل من خافقها ينبض ؛ تبتسم رغما عنها، إغرورقت عينيها دمعها وإذ بها تنهمر دون سابق ميعاد، أخفضت رأسها تمسحها على عجل تشتت ذهنها عن الذكرى التي إعتصرت قلبها\. تقدمت صوبهما تربت على كلاهما ترسم إبتسامة باهتة على شفتيها، قام من بعدها ليونيل يكهكه ثم فاه يرفع خصلاته الغرابية : "سأعود بعد أسبوعين أو ثلاث إنتبها لنفسيكما\." حمل حقيبته بيد ثم مرر عينيه على كلاهما، تنهد بخفة يربت على إبنه ينقل بصره لرويانا التي اكتفت بالنظر له بلمحة من الحزن\. أراد تقدم نحوها لكنه تراجع فقط ليومئ لها ويلتفت، نطق بضع كلمات ثم واصل المسير: "حيث الوعد كان، الكتاب هناك" على إثر تلك الكلمات إبتسمت تراه يغادر مرأى بصرها و تلويحات ابنهما متواصلة، وهنا فقط غادر الخوف مكانه ليحله راحة وسكينة\. \*\*\* "قرأت روايتك سرا بالفعل، علمت أنك ستحزنين على مقتل البطل، فأقتنيت هذا الكتاب لعلي أرى طربك لا لوعتك، و علمت أن النهاية ستجعلكِ تبكين رغم أنه شخصية من خيال فقط، ولكن أعلم مدى الألم والضغط الذي ستعيشينه وأنا أرمي ثقل الوحدة عليك\.\.\.لا تهلكي قلبك وعقلك ولا تجهدي نفسك بنبأ لا محل له من الصحة عزيزتي\.\.\. الكتاب هذا بين يديك لعل وعسى ينسيك مر موت زوجك الخيالي الذي بعتني من أجله\!\.\.\.\.فالتسامحي قلة قوتي ولنا اللقاء\." بكت بلوعة الحزن وهي تقرأ الرسالة الموضوعة مع أول صفحة في الكتاب تحت شجرة البولونيا، لم تستطع منع الإبتسامة أن تشق ملامحها رغم حالها، أخرجت العقد المحيط برقبتها ترفعه ترى الخاتم المتوسط إياه لتضحك؛ تمسح الدمع وتنهض تحتضن الكتاب لتعود إلى منزلها\. \*\*\* رفع قطعة الوزير البيضاء ليحطها على رقعة الشطرنج؛ يدفع بها الملك الأسود، في أجواء هادئة تحمل في ثناياها توترا مضمرا\. "كش الملك" فاه صاحب قطعة الوزير بصوت ثابت رغم بحته؛ وهو يسند ذقنه على يديه المتشابكتين، يمرر عينيه الذهبية بثقة للجالس قبالته مبتسما مثله : "لقد نلت النصر مجددا حضرة الملك أزار" تابع يتفحص ملامح أزار الذي بدوره أخذ يرتشف من فنجان قهوته قربه، ثم أسند مرفقه على ظهر الكرسي ليلعب هو الآخر بخصلات شعره الغرابية التي احتلها البياض : "لازلت بأوتار القطع تتحكم راسيل" "بأمر منك أزار" قام أزار من مكانه يضع يديه خلف ظهره حاملا قطعة الوزير البيضاء، مستقيما كاشفا عن بنيته الضخمة المشدودة رغم كبر سنه، يستمع لراسيل الذي تابع بذات النبرة : "إمنح أمرك وسترى سرادق عدوك تنهار واحدا واحدا" "ألا تملك أمورا أهم راسيل، كعائلتك مثلا؟" "أنى لها أن تدوم في مملكة يعمها الخراب؟" "خراب يعم الأرجاء كافة راسيل" فاه أزار وهو يقلب القطعة بين يديه شارد الذهن، لحظات فقط وحطها على طاولة يرتكز بيديه عليها بثبت بصره على الوزير أمرا إياه لا طالبا: "كن وزيرا مخلصا لي وإذهب لهناك تحت وطأة إمرتي" لاحت إبتسامة على ثغريهما خففت من سخط الجو، أومأ ثم قام يحمل مسدسه الموضوع على طاولة ليضعه خلف ظهره يتراجع في صمت حتى غادر الغرفة\. فورما تلاشى حسه في الأنحاء صاج صوت ضحكات قوية من أزار نفسه، أمسك قطعتي الملك البيضاء خاصته والوزير الأسود خاصة راسيل يقبض عليهما؛ ثم أردف يتقدم نحو النافذة المطلة على أفق الغسق: **"حقد مضمر خلف نقاء ظاهر، أحكم الوثاق وثبت نفسك على خشب هش لنرى أيهما يضمحل" **

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عرش من سراب

المؤلف Shika Maduji
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة