**_الزنبق الأبيض\. _** **_صمتٌ مخيف\.\.\. هالةُ حزنٍ وكآبةٍ تعمّ المكان،_** **_وكأنّ المنزلَ كلَّه في حدادٍ على روحه\.\.\._** **_الجدرانُ تبكيه بصمتٍ، والأثاثُ يحنُّ لملمس أنامله عليه\._** **_حتى ضوءُ الشمسِ صار غريبًا\.\.\. باهتًا،_** **_كأنّه يأبَى الدخولَ لرحيله\._** **_رائحةُ الموتِ تسبح في كل ذرةِ أوكسجينٍ في الهواء\._** **_بحثتُ عن البابِ بيديَّ دون أن أستديرَ لأُغلقه\._** **_صعد فيليب سريعًا إلى غرفته على الأرجح، وهانا هي الأخرى أخذت تلك الحقيبة إلى غرفتي، وماري في المطبخ على يساري، ترتشف كوب الماء ببطء، شاردةً في انعكاسها على سطحه\._** **_أقبلت أمي إليّ، يبدو أنها استيقظت للتو، كان ذلك واضحًا من الانتفاخة البسيطة حول عينيها\._** **_بابتسامةٍ عريضةٍ، عانقتني وهي تمسح على شعري، مميلةً رأسها على كتفي\._** **_بسطتُ كفّيَّ على ظهرها، ودسستُ رأسي في حضنها\.\.\._** **_كان ربما أطولَ عناقٍ لي في حياتي\._** **_وأنا متفاجئةٌ حقًا بقدرتي على حبس دموعي حتى الآن\._** **_"ارتاحي قليلاً، سأُحضِرُ لكِ شيئًا لتأكليه\."_** **_قالتها أمي وهي ترمقني بنظرةٍ حنونة\._** **_بابتسامة، أومأتُ بالإيجاب\._** **_تقدّمتُ، وأنا أتحاشى النظرَ إلى غرفة المعيشة على يميني،_** **_لا أريد أن أنهزم في آخر هذه الحرب الصغيرة\._** **_استدرتُ لأصعد الدرجات، وفي منتصفها تذكّرت أنني كنتُ أنوي الاستحمام\._** **_قلتُ بصوتٍ عالٍ قليلاً:_** **_"أريد أن أستحم\.\.\. أمي، أين المناشف؟"_** **_قطعت حديثها مع ماري الجالسة على كرسيّ الطاولة، ورفعت نظرها نحوي، وأجابتني:_** **_"إنهم في الدرج الثاني في غرفتكِ\."_** **_من الجيد أنني لن أُضطرَّ لجلبهم من حبل الغسيل في السطح\._** **_"حسنًا، شكرًا\."_** **_قلتها وأنا أصعد الدرجات بخطىً سريعة\._** **_مررتُ على غرفة ماري، تليها غرفة فيليب التي تنبعث منها همهماتٌ خافتة، يبدو أن هانا بالداخل\._** **_وها هي غرفتي الحبيبة في آخر الرواق\.\.\. كم اشتقتُ إليها\._** **_فتحتُ الباب ببطء، ومع دخول نسمة هواءٍ باردة، شممتُ رائحةً نفاذةً تسلّلت بخفّة إلى أنفي،_** **_تجمع بين عطر نقاء الصابون ورائحة الأرض بعد المطر\._** **_مزهريةٌ زجاجيةٌ رفيعة، تحوي زهرةً من التوليب الأبيض، وزهرتين من الزنبق الأبيض\.\.\._** **_كان هذا أولَ ما وقع عليه نظري بعد فتح باب الغرفة\._** **_جلستُ في مقعد المكتب وقربتُ المزهرية إليّ\._** **_أحضرنا أنا وماري هذه الأزهار من حديقة السيدة كروجر،_** **_وكدنا نموت خوفًا من أن ترانا،_** **_كادت تفتعل شجارًا أبديًا لأجل زهرتين،_** **_لكننا، رغم علمنا بذلك، آثرنا المخاطرة في سبيل والدي\.\.\._** **_الزنبق الأبيض\._** **_زهرته المفضّلة\._** **_استرجعتُ آثار هذه الذكرى الجميلة بتفاصيلها\._** **_\-\-\-_** **_"زهور الزنبق الأبيض\! انظري\.\.\. والباب مفتوح\!"_** **_قالت ماري بحماسة\._** **_نظرتُ إلى حيث تشير، فإذا به منزلُ السيدة كروجر\._** **_"حسنًا، اخفضي صوتكِ\.\.\. هيا بنا لنقطف بعضًا منها\."_** **_نظرت إليّ بخوفٍ ممزوجٍ بحماسة المغامرة الصغيرة المُقبلتين عليها\._** **_بخطىً صامتة دخلنا،_** **_أصدر الباب الحديدي صريرًا مزعجًا عند فتحه، فأوقفته فورًا\._** **_علينا أن ندخل الآن من هذا الشق الصغير\.\.\. لا بأس\._** **_ولأول مرة، أكون ممتنةً لوزني\._** **_قطفتْ هي ثلاثًا، وأنا أربع،_** **_وفي كل ثانية نرفع رأسينا لنرى إن كانت ترانا من نافذتها\._** **_ونحن على وشك الخروج، رأيتُ في الجهة الأخرى، بمحاذاة السور، صفًّا لزهور التوليب البيضاء\.\.\._** **_"ماري\! إنها زهور التوليب\!"_** **_"وبيضاء\.\.\.\!"_** **_"انتظريني، سأُحضِر واحدة\."_** **_وأنا في طريقي، علقت تنورتي بالباب، فأصدر صريرًا عاليًا\._** **_تجمّدتُ في مكاني\.\.\._** **_بقينا كلتانا واقفتين، نكتم أنفاسنا\.\.\._** **_"لم يحدث شيء\.\.\._** **_سأحضر الأزهار مهما كلفني الأمر\."_** **_قلتها بعد أن نزعت طرف التنورة العالق في المسمار البارز من الباب\._** **_"نيلا\.\.\. هيا\.\.\. قد تخرج في أية لحظة\."_** **_قالتها بنبرة خافتة\._** **_"وماذا في ذلك؟\.\.\. ما أسوأ ما قد يحدث؟"_** **_أجبتها بنفس النبرة\._** **_يا إلهي، ما أجملها\! فعلاً، تستحق المخاطرة\._** **_قطفتُ زهرتين، ويدي تمتد لقطف الثالثة\.\.\._** **_"هاااااي\! أنتما\! ما الذي تفعلانه؟\!"_** **_صرخت السيدة كروجر بصوتها المتهدّج، من شرفة الغرفة العلوية\._** **_تجمّد الدم في عروقي فجأة، وانتفض جسدي بلا وعي\._** **_"أسرعي\! لقد اختفت\.\.\. إنها في طريقها إلينا\!"_** **_قالت ماري برعب حقيقي\._** **_ابتسمتُ وبدأت بالركض بأقصى سرعة\._** **_لِمَ هي خائفة هكذا؟_** **_أعادت ماري الباب إلى موضعه بجزعٍ وارتباكٍ، وهي تضحك في آنٍ واحد\._** **_رأيناها تخرج من رواق منزلها بخطى متعرجة، توشك على التعثّر\._** **_"أيتها الشقيّتان\! ألا تعلمان أن التسلل إلى منازل الآخرين انتهاكٌ للخصوصية وجريمة تُعاقبان عليها\!"_** **_قالتها وهي تلوّح بعصاها الخشبية\._** **_أكملنا ركضنا ونحن نضحك بشدة، وبدأ صوتها يختفي تدريجيًا من خلفنا\._** **_"هاي، ماري\.\.\. ارفعي يديكِ\! أنتِ متهمة بالتسلل إلى قصر السيدة النبيلة كروجر\!"_** **_قلتُها وأنا أُكتم ضحكتي بالقوة\._** **_ضحكت ماري لتلتقط أنفاسها، وهي تشدّ معدتها التي آلمتها من شدة الضحك\._** **_قطفنا الأزهار وخرجنا وأغلقنا الباب، وهي لا تزال تنزل تلك الدرجات\.\.\._** **_قالت ماري مع تلاشي آخر ضحكاتها:_** **_"الحمد لله أنها عجوز\.\.\. هرِمة\."_** **_قلتُ\._** **_تذكرتُ أمر زهراتي، واجتاحتني موجة سعادةٍ ثانية\._** **_استنشقتُ رائحتها بعذوبة\._** **_مع أنها عديمة الرائحة، لكنها لسببٍ ما تُعجبني جدًّا هذه الأزهار\._** **_أعطيتُ واحدةً لماري\.\.\._** **_"لكن\.\.\. أنتِ تحبينها كثيرًا، ثم إنكِ أحضرتها بشق الأنفس\."_** **_"يا إلهي، ماري\.\.\. لا تكوني سخيفة\. كنتُ أخطط أصلاً أن أحضر واحدة لكل أفراد العائلة،_** **_لكن السيدة المحترمة منعتني من هدفي النبيل هذا\."_** **_بابتسامة، أخذتها مني\._** **_"شكرًا لكِ\."_** **_"لا تشكريني، فالأخوات لا يشكرن بعضهن\."_** **_"حسنًا إذًا، سأحتفظ بها حتى آخر يوم في حياتي\."_** **_قالتها وهي تتأمل الزهرة\._** **_"عديني إذًا بأنكِ ستتذكرينني كلما رأيتها\."_** **_قلتُ\._** **_"بالطبع سأفعل\."_** **_قالتها بجدية\._** **_هياَ بناَ اذاً، فوقتُ الزيارةِ علىَ وشكِ الانقضاءِ\. _** **_\-\-\-_** **_سألتُ الممرضة في مكتب الاستقبال:_** **_"أين غرفته؟"_** **_"في نهاية الرواق، على اليمين\."_** **_أشارت إلى مكان الغرفة بيدها\._** **_طرقت ماري الباب\. طرقة\.\.\. طرقتان\.\.\._** **_"تفضّل\."_** **_صوت عميق، ثقيل\.\.\. أعرفه جيدًا\._** **_عانقناه بقوة\._** **_"كيف حال فتاتيّ الجميلتين؟"_** **_قالها بنبرة مرحة وابتسامة عريضة\._** **_أجبته وكلّي فرح برؤيته\._** **_"نحن بخير\."_** **_"وكيف حالك أنت؟"_** **_"أنتما بخير، فأنا كذلك\."_** **_كان هذا جوابه الدائم على هذا السؤال\._** **_"أحضرنا لك هدية\."_** **_أخرجت ماري الزهور من جيب معطفها، ووضعتها خلف ظهرها بخفة لئلّا يراها\._** **_وقفتُ بجانب السرير، ووضعتُ يديّ على عينيه، ووقفت ماري مقابلةً له\._** **_قلت وأنا أترقّب رد فعله:_** **_"ما رأيك؟"_** **_"أووه\.\.\. تعاليا إلى هنا\."_** **_ضمّ كل واحدة منّا من جانب، وطبع قبلة على رأسينا\._** **_"من فضلكما، سينتهي وقت الزيارة بعد خمس دقائق\."_** **_"هذا الممرض\.\.\."_** **_"مُفسد اللحظات الجميلة\! لماذا عليه أن يقاطعنا دومًا في الأوقات الخطأ؟"_** **_قلتُ بتذمّر\._** **_قطعنا العناق، وضحكنا بخفة على ما قلته\._** **_وضعت ماري ثلاث زهرات من الزنبق في المزهرية الزرقاء على المنضدة قرب السرير، واحتفظت كلٌّ منا بزهرتين\._** **_هممنا بالمغادرة بعد وداعه\._** **_"شكرًا لكما على الأزهار\."_** **_قالها بنبرة تنمّ عن صدقٍ عميق\.\.\._** **_\-\-\-_** **_مسحتُ دمعة سقطت دون إدراك مني، بعد غوصي في أعماق هذه الذكرى\.\.\._** **_أخرجتُ زهرة التوليب وزهرتي الزنبق من المزهرية، وجففت جزئيهما السفليّ بمنديلٍ كان موضوعًا فوق المكتب\._** **_توجّهتُ إلى مكتبتي الصغيرة، ومسحتُها بعينيّ بحثًا عن كتابٍ مناسب\.\.\._** **_وها هو:_** **_"مذكرات من تحت الأرض" لدستويفسكي\._** **_قلّبت صفحاته سريعًا، فإذا بها تتوقّف تلقائيًّا عند صفحةٍ مطويّة\. سقط نظري على الأسطر الأولى المظلّلة بلونٍ أزرقٍ فاتح:_** **_"أقسم لكم سادتي، الإفراط في الوعي مرض حقيقي، مرض تام وكامل\."_** **_أتذكّر أنني بدأتُه قبل أسبوع، ثم نسيتُ أمره تمامًا\._** **_وضعت الأزهار الثلاثة بحذر في تلك الصفحة، وأغلقت الكتاب، واضعةً إيّاه فوق المكتب لأتذكّر إكماله لاحقًا\._** **_أحضرتُ منشفتي الزهرية من الدرج، وكانت رائحة صابونٍ خفيفة تفوح منها\._** **_وأنا أهمّ بالخروج، رأيتُ "هانا" تخرج من غرفة "فيليب"، وتقول بنبرةٍ مرحة وهي تهمّ بإغلاق الباب:_** **_"ولا تنسَ أنك أصبحتَ رجل المنزل الآن\!"_** **_قلتُ بعدما لحقتها لننزل الدرجات جنبًا إلى جنب:_** **_"ما الأمر؟ ماذا هناك؟"_** **_"لا شيء\.\.\. مجرد أعراض بداية مراهقة\. لا تنسي أنه في الرابعة عشرة الآن\."_** **_"معكِ حق\."_** **_قلتُها بعدم تصديقٍ لما تقوله\._** **_استشعرت في نبرتي بعض الارتباك، فقالت لتطمئنني:_** **_"لا تقلقي، نيلا\.\.\. ليس بالأمر الكبير\."_** **_قالتها بابتسامةٍ دافئة، وافترقنا بعد نهاية الدرج\._** **_أما أنا، فتوقفتُ أفكّر في كم هي دقيقة وشديدة الملاحظة، هذه الفتاة\.\.\. وبما أنها كانت معه، فلا شكّ أنه بخير\._** **_ثم إنها أكثر من يجيد المواساة، وحلّ الأمور\._** **_مجرد رؤيتي لفيليب تُسعدني، وكيف أنّه أكثر من يستطيع إضحاكي حتى في أسوأ حالاتي، لذا فـرؤيته حزينًا يكون وقعها ثقيلاً جدًّا عليّ\._** **_أخذتُ حمّامًا حارًّا وطويلاً، شعرتُ وكأني أُنفضُ ثقلَ الأيام القليلة الماضية عن كتفيّ، وكلّ قطرة ماءٍ تنزل من جسدي تُخفّف عن روحي وطأةً من أحزاني\._** **_خرجتُ من الحمّام بعدما ارتديتُ بيجامتي الزرقاء المُريحة، المُفضّلة لديّ\._** **_وجدتُ ماري وأمّي منهمكتين في الحديث حول أمرٍ ما، تُحضّران مختلف أصناف الطعام من كلّ شكلٍ ونوع\._** **_انضممتُ إليهما واقتربتُ من موقد النار الرباعي، وبدأتُ بفتح كلّ قدر:_** **_"حساءُ خضار\.\.\." ثم القدر الآخر، "أممم\.\.\. لفحتني رائحة البهارات والبصل المقلي\.\.\. إنها شرائح اللحم مع البصل\!"، وأخيرًا "أرزّ بصلصة جبن كريمية وبعض الأعشاب العطرية\."_** **_"يا إلهي، لماذا قمتما بكلّ هذا؟"_** **_وقبل أن أُكمل جملتي، أشارت إليّ ماري بعينيها نحو الفرن\._** **_استغربتُ وذهبتُ لأرى ما هناك\.\.\. جلستُ القرفصاء وقربتُ وجهي من زجاج الفرن\.\.\._** **_طبقٌ كبيرٌ من اللازانيا\.\.\._** **_"لِمَ أفسدتِ المفاجأة، ماري؟"_** **_قالتها أمّي بعِتابٍ مُصطنع\._** **_اجتاحتني موجةُ سعادةٍ غامرة، سعادةٌ دافئة، حقيقية جدًّا، مست كلّ خلية من جسدي\.\.\. كيف أنهما يعلمان أنه طبقي المُفضّل، وهما قد حضّرا ما يكفينا للعشاء وأكثر، إلا أنهما آثَرا إضافته من أجلي\._** **_مجرد اعتقادهما بأنّ هذا يُسعدني\.\.\. يُسعدني\._** **_"شكرًا، شكرًا جزيلاً لكما\."_** **_وعانقتهما بقوة\._** **_صعدتُ لغرفتي واستلقيتُ في سريري بعدما جفّفتُ شعري بعد عناءٍ طويل\. كنتُ أفكّر في قصّه، لكنّ طوله هذا يعجبني\.\.\._** **_بقيتُ شاردةً في الفراغ الأبيض فوقي، حتى قاطع شرودي طرقٌ على الباب\._** **_"تفضّل\."_** **_"أحضرتُ لكِ هذا، بما أنّكِ لم تأكلي طعام الغداء\.\.\. بسبب استيقاظك المبكر جدًّا هذا الصباح\."_** **_قالت جملتها الأخيرة بتململ\._** **_قلتُ وأنا أستقيم في جلستي، وجلستُ على طرف السرير:_** **_"حقًا؟\.\.\. هل تأخّرتُ في النوم؟"_** **_"أتت أختكِ لاصطحابكِ من المستشفى عند حوالي الساعة العاشرة والنصف صباحًا، ووجدتكِ غارقةً في سباتك، فقالت إنها لم تشأ إيقاظك، ولم تستفيقي حتى الساعة الواحدة ظهرًا\."_** **_"كيف لم أُلاحظ هذا؟"_** **_قلتها باستغراب\._** **_لم أعلم أنّي نمتُ كلّ هذه المدّة\.\.\. وهل يُعقل أني لم أُلاحظ أوقات النهار طوال اليوم؟ وأنّي لم آكل شيئًا منذ الصباح\.\.\. أقصد، مُنتصف النهار؟_** **_بقيتُ شاردةً، وأفكاري تتصادم في رأسي\._** **_لاحظتْ أمّي شرودي، وقالت:_** **_"لا بأس، حبيبتي، تحدث هذه الأمور أحيانًا\. والآن، تناولي قطع البرتقال والتفاح، إلى حين اكتمال إعداد العشاء\."_** **_أومأتُ بابتسامة، بادلتني إياها، وهمّت بالخروج\._** **_رفعتُ الشوكة الرفيعة من الصحن، وغرستُها في قطعة التفاح الأخضر المحبّب لديّ\. تناولتها ببطء، تُقابلني حديقةُ الملاهي في حيّنا\.\.\. ليست حديقة ملاهٍ بالمعنى الحرفي، فقط أُرجوحتان وزُحلوقة ولعبةُ الميزان، بالإضافة إلى عدّة مقاعد حول المكان\._** **_ابتسمتُ\.\.\._** **_فكلّ لعبةٍ تجمعني معها حكاية\.\.\._** **_\._** **_\._** **_\._** **_\._** **_"ها هو\.\.\. واحدٌ فارغ\."_** **_قلتُ وأنا أُشير إلى المقعد هناك\._** **_جلسنا جنبًا إلى جنب، والأطفال يلهون من حولنا\._** **_"لِمَ لا تركبين الأُرجوحة؟ أنتِ تحبينها، أليس كذلك؟"_** **_"بالتأكيد أحبّها، لكني فتاة كبيرة الآن\.\.\. أنا في العاشرة من عمري\."_** **_"وماذا في ذلك؟\.\.\. هيا، اركبي\!"_** **_يا إلهي\.\.\. يبدو مُصرًّا، أي إنني مهما رفضتُ، لن يقتنع\._** **_"حسنًا، سأفعلها سريعًا، ولحسن الحظ، لا يوجد ناسٌ كثر\.\.\."_** **_سحبني من يدي بلطفٍ وإصرار، ونظرةُ حماسٍ صغير في عينيه\._** **_جلستُ، وشعرتُ بحرارة جسدي تزداد، وسُخونةٍ في أُذني اليُسرى\.\.\._** **_يا إلهي، أنا محرجة جدًّا\.\.\. وخائفة أكثر\._** **_"استعدّي، نيلا\.\.\. سأدفع الآن\."_** **_جاءني صوته من خلفي\._** **_زادت سرعة دفعه ببطء، حتى وصلتُ إلى سرعةٍ مناسبة\.\.\. لا سريعة، ولا بطيئة\. _** **_وعاود الجلوس في مقعدنا، وشعرتُ به يراني دون أن أراه\._** **_بدأ خوفي يقلّ، ونسيت تمامًا نظرات الناس لي، وحاولتُ استغلال لحظتي الجميلة\._** **_ولد صغير في السابعة من عمره تقريبًا، بدأ يدفعني وهو يبتسم ببراءة\._** **_طلبتُ منه أن يتوقف، لكنه لم يسمعني\. ظللت أكرر ما قلته دون فائدة حتى أصبحت الأرجوحة سريعة جدًا، بدأ قلبي ينبض بسرعة جنونية، أحس به في معدتي بقوة، أنفاسي متقطعة ولا أستطيع التحكم بها\._** **_قلت لك: "توقف\.\.\."_** **_صرختُ به بعنف، حتى إن بعض الجالسين هناك استداروا ليروا ما الذي يحدث\._** **_ليشهد الرب أنني لم أقصدها\._** **_في نفس تلك اللحظة، كان والدي ورائي وقد أوقف الأرجوحة\._** **_أعطاني قارورة ماء، ارتشفتُ منها القليل، طمأنني بأن كل شيء على ما يرام، ولا شيء يستحق القلق، وأن تلك مجرد ذكرى قديمة، ولن أتأذى ثانية\._** **_رغم هلعي الشديد، إلا أنه كان شديد الهدوء، ولم يبالغ في رد فعله، ما أشعرني حقًا أن الأمر بسيط ولا يستحق القلق\._** **_بدأت أنفاسي تعود إلى طبيعتها، ونبضات قلبي تنتظم\._** **_رأيتُ بعدما أجلسني والدي في المقعد، الولد الصغير ينظر إلينا بأعين دامعة، فطرت قلبي، وشعرتُ بأني أسوأ شخص على الإطلاق\.\.\._** **_فور ملاحظتي لنظراته نحونا، أبعد ناظريه وذهب ليكمل لعبه بالكرة مع الأولاد الآخرين\.\.\._** **_لكن لماذا لا يعطيانه الكرة؟ يلعبان وحدهما وكأنه غير موجود تمامًا\._** **_في كل مرة يحاول الحصول عليها، يسحبانها بقدميهما ويمررانها لبعضهما\.\.\._** **_بالتأكيد لم أكن لأسمح للأمر أن يمرّ مرور الكرام\._** **_سأعتذر منه وأشرح له أنني لم أكن أقصد أبدًا الصراخ في وجهه\._** **_تفحصتُ جيبي\.\.\. جيد، يوجد ما يكفي\.\.\._** **_"أبي\.\.\."_** **_"هل يمكنني الذهاب للمتجر هناك؟"_** **_رفع نظره من الجريدة، نظر لمكان المحل وقال:_** **_"يمكنك الذهاب\."_** **_"هل تحتاجين المال يا ابنتي؟"_** **_"لا\.\.\. لا، شكرًا\. أملك ما يكفي\."_** **_"حسنًا، كوني حذرة وعودي سريعًا\."_** **_"مفهوم\."_** **_توجهتُ للمحل جريًا، خوفًا من أن أفقد أثر الولد\.\.\._** **_كان مالك المتجر رجلًا عجوزًا، تشعر حين تراه وكأنك تريد أن تجلس معه على شاطئ البحر عند الغروب وحدكما، وتحكي له جميع أسرارك باطمئنان تام\.\.\._** **_"هلّا أعطيتني البالون الأحمر الذي في الخارج، وقطعة الشوكولاتة تلك؟"_** **_أشرتُ على العلبة أمامه\._** **_ابتسم ابتسامة لطيفة تشبه ابتسامة والدي\._** **_"بالتأكيد يا صغيرة، تفضّلي\.\.\. هل تريدين شيئًا آخر؟"_** **_قال بعدما أحضر البالون\._** **_"لا\.\.\. لا، هذا كل شيء\. شكرًا لك\. كم حسابهما؟"_** **_قال لي:_** **_"ابتسامة منك تكفي\."_** **_لم أفهم ما قاله في الوهلة الأولى\._** **_"الأطفال الجيدون الذين يزورون المحل للمرة الأولى، ثمن ما يشترونه يكون ابتسامة صادقة\."_** **_وجدت الابتسامة ترتسم على وجهي تدريجيًا دون تحكم مني\._** **_ابتسم هو الآخر وقال:_** **_"ها قد أخذتُ حسابي\.\.\."_** **_سعدتُ جدًا بهذا الموقف البسيط، ولطافة الرجل العجوز\._** **_أخذتُ البالون وقطعة الشوكولاتة، ورحتُ أركض إلى الفتى\.\.\._** **_يا إلهي، أين هو؟\.\.\. مسحت كل شبر في الحديقة بناظريّ\.\.\. أيعقل أنه ذهب؟\.\.\._** **_قلتُ في نفسي\._** **_مشيتُ نحو مقعدنا وأنا أجرّ أذيال خيبتي، ورأيتُ والدي يتبعني بنظراته حتى وصلتُ عنده\._** **_نزع نظّاراته وقال وهو يوجه نظره نحو مكان أمامه:_** **_"إنه هناك، خلف الشجرة\."_** **_استدرتُ سريعًا، ورأيتُ قدمه ممدودة للأمام يظهر منها طرف سرواله الأزرق\.\.\. تحت الشجرة\._** **_ابتسمتُ، وعاد لي الأمل من جديد\._** **_جريتُ نحوه، ورأيته يعبث بورقة مقصوصة من دفتر ما\._** **_جلستُ أمامه على العشب الرطب، ونسيم الهواء اللطيف يلفح وجوهنا برقة، تحت الشجرة\._** **_"هل أنت من رسمها؟ إنها في غاية الجمال\."_** **_قلتُ بعدما ظهر لي محتوى الورقة\._** **_هزّ رأسه بفرح\._** **_"لكن من علّمك الرسم؟\.\.\. إن لوحتك رائعة بحق\."_** **_هزّ كتفه بافتخار وقال:_** **_"وحدي\.\.\. رسمتُها وحدي\."_** **_"يا لك من رسام ماهر\! وهل يمكنك أن تخبرني من هذه الفتاة التي رسمتها؟"_** **_قال وهو ينظر للفتاة في الورقة:_** **_"هذه سوزي، وهذا أنا\."_** **_ابتسمتُ لبراءته، وزاد شعوري بالذنب أضعافًا\._** **_"ومن تكون سوزي؟"_** **_فكر قليلًا وهو ينظر في عينيّ\._** **_"أختي الكبيرة\."_** **_"وهل تحبها؟"_** **_فتح ذراعيه عن آخرهما بحماسة وقال:_** **_"أحبها بهذا القدر\!"_** **_ابتسمتُ لفعلته\._** **_"أنا آسفة\.\.\."_** **_قلتها وأنا أمسح دمعتين من على وجنتي\._** **_أشعر بجسد صغير يحاوطني\.\.\._** **_يا إلهي\.\.\. كان هذا موقفًا حاسمًا لتنهمر بقيّة دموعي دون توقف\.\.\._** **_لماذا صرختُ في وجهه هكذا\.\.\._** **_عانقته، وأنفاسي ضاقت بسبب شهقاتي\.\.\._** **_"تطلب سوزي مني أن أعانقها كلما كانت تبكي\."_** **_شعرتُ بدفء علاقتهما، وضحكتُ كيف أنه كشف سرّها الصغير\._** **_قطع العناق، ونظر في عيني ليتأكّد إن كنتُ توقفتُ عن البكاء\._** **_قلتُ وأنا أمسح آثار دموعي:_** **_"شكرًا لك\."_** **_ابتسم بخجل\._** **_"أنا آسفة\.\.\. هل تعلم لماذا صرختُ في وجهك؟"_** **_"لا\.\.\. لا أعلم\."_** **_عندما كنتُ بعمرك تقريبًا، ركبتُ أرجوحة، ودفعَتني صديقتي بقوة كبيرة\.\.\._** **_فخفتُ جدًا ولم أستطع التحكم بها، ولخوفي الشديد من السقوط وتوتري، نزلتُ والأرجوحة في ذروة سرعتها\.\.\._** **_سقطتُ بعدها وانجرحتْ عيني، وصدمة رأسي كانت قوية بالأرض\._** **_"أترى هذه الندبة؟"_** **_أزحتُ شعري لأريه إيّاها\._** **_نظر لحيث أشير، وأومأ، بعدما كان منغمسًا في القصة\._** **_"إنها من تلك الحادثة\.\.\. كما أنني رفعتُ صوتي في وجهك لأنني خفت، وليس لأنني أردتُ ذلك\."_** **_"هل تسامحني؟"_** **_هزّ رأسه وابتسم لي\._** **_"انتظر لحظة\.\.\."_** **_وقفتُ سريعًا ودرتُ حول الشجرة\. كنتُ قد ربطتُ البالون في جذع من الجهة الأخرى من الشجرة بحيث لا يراه\._** **_أخذته، وتأكدت من أن قطعة الشوكولاتة في جيبي\._** **_"أحضرتُ لك هدية صغيرة\."_** **_تيقظت حواسه كلها بعدما سمع ما قلته\._** **_أعطيته البالون والشوكولاتة\._** **_أخذهما بصمت، وبسعادة مكتومة\._** **_رأيتُها في عينيه، على الرغم من أنه لم يُظهرها\.\.\. إنه خجول جدًا\._** **_مدّ يده وهو يُكَوِّر تلك الورقة\._** **_ماذا\.\.\. أيُعطيني إياها؟_** **_أخذتها منه ونظرتُ إليه\._** **_"إنها هدية\."_** **_"شكرًا لك\."_** **_قلتها بتأثر بالغ من فعلته هذه،_** **_قبلتُه على وجنته وودعته فرحةً جدًا بهديّته\._** **_آه، لحظة\! لم أسأله عن اسمه\._** **_استدرتُ لأسأله، فإذا بفتاة تبدو في السادسة عشرة من عمرها تقريبًا في طريقها إليه وهي تبتسم،_** **_فور ملاحظته لها ذهب ركضًا إليها وعانقها بقوة\._** **_علمتُ فورًا هوية الفتاة\.\.\._** **_عدتُ أدراجي إلى مقعد والدي، متمنيةً أن أجده في المرة القادمة التي نأتي فيها، لأسأله عن اسمه\._** **_رأيتُ والدي ينظر إليّ وشبح ابتسامة ارتسم على محيّاه\._** **_قال بعدما جلستُ بجانبه:_** **_"ما الذي شعرتِ به عندما رأيتِ الولد على وشك البكاء، بعد صراخكِ عليه؟"_** **_لم أفاجَأ بغوصه في الموضوع فجأة، إنه أمر اعتدتُه منه\._** **_وأنا أعبث بالعشب بقدمي قلت:_** **_"إنه شعور سيئ\.\.\. سيئ جدًا، شعرتُ أني شخص سيئ للغاية\."_** **_مسح على شعري وجذبني نحوه إلى جانبه\._** **_"أتدرين، نيلا، إن ما شعرتِ به أسمى وأنبل شعور قد يراود أي أحد\."_** **_بقيتُ شاردة في الأرض، أفكر فيما قاله، وأنتظر ما سيقوله\.\.\._** **_"راحة البال، يا نيلا، هي أعظم وأغلى هدية يُقدّمها المرء لنفسه\.\.\._** **_ولا يملك الجميع ثمن هذه الهدية\."_** **_توقفتْ قدمي عن العبث بالعشب، ورفعتُ رأسي وسألته:_** **_"وما هو ثمنها؟"_** **_"صوت الضمير\."_** **_"صوت الضمير عالٍ\.\.\. عالٍ جدًا\. لا يؤذي سمعنا فحسب، إنما يهزّ كل ذرة فينا\."_** **_"إن تردّد صدى صراخه يومًا في داخلك، فاحرصي دومًا أن تُوقفيه\.\.\._** **_لا تُوقفيه عن العبث في داخلك، إنما أوقفي السبب الذي دفعه للصراخ\."_** **_"فوجوده هو ما يجعلنا نُصحّح أخطاءنا، ونراعي مشاعر الآخرين، ونحرص دومًا على ألّا نكون سببًا في حزن أو ظلم أي أحد\."_** **_\-\-\-_** **_📜_** **_\-\-\-_** **_إلى كل من قرأ كلماتي بقلبه قبل عينيه\.\.\._** **_احفظوا لحظاتكم العابرة الجميلة رغم_** **_بساطتها، تلك التي قد تنبع فيها ضحكاتكم الصادقة، بين طيّات الذاكرة\._** **_استغلّوا كلّ ثانية منها\. _** **_فسيأتي يومٌ نتمنّى فيه الرجوع إليها، ولو بأغلى الأثمان\. _** **_حين يفوت الأوان\.\.\._** **_\-\-\-_** **_✨ نجومكم تضيئني ✨_** **_\_فِيُورَا\__**