⋆。˚ ❀ 𝓔𝓻𝔂𝓽𝓪 _إرِيتَا❀ ˚。⋆
لعبة بلاقواعد.
الثاني من أكتوبر 2007...
تأملتُ للحظة التاريخ المخطوط على الرزنامة فوق مكتبي. كأنّه يهمس بشيء لم أفهمه... وقفتُ سريعًا لئلا أتأخّر...
لا أعلم، هل أرتدي فستاني الأبيض الفضفاض، أم أكتفي بتنورة مع كنزة صوفية؟ الجو يبدو جميلًا ودافئًا، كما أنني ونتاليا اتفقنا على ارتداء فستان في يومنا الأول. وبحكم تغيبها البارحة، ربما سترغب أن نرتدي فستانين اليوم. ثم إنها ستلتقي لوكا، وأنا أعرف كم تهتم للتفاصيل حين يتعلق الأمر به.
أستطيع تخيلها الآن، تحاول إحكام شعرها بطريقة تبدو مرتجلة لكنها مدروسة، وتضع مساحيق التجميل بأسلوب لا يُظهر أنها وضعتها. دائمًا ما تقول إنها تحب هذا الأسلوب، ثم تغضب لأن حذاءها لا يلائم لون فستانها. ابتسمتُ، ورحت أمشّط شعري بينما أستعرض هذا المشهد في رأسي.
ارتديتُ فستاني الأبيض الطويل، ذو الأكمام الواسعة من منتصف الذراع، بياقة مرتفعة تُربط بخيوط رفيعة، وأزرار تمتد من البداية للنهاية. لم أشأ وضع الحزام حول خصري. بدا مناسبًا بدونه. بل، ربما لم أكن أحتمل أن أقيّد نفسي هذا الصباح. يكفيني ما أقيّده في داخلي. كما أنه لم يبدُ جميلًا عليّ.
رفعتُ شعري إلى كعكة منخفضة، وأنزلتُ طرفي غرتي الطويلة برفق. أخذت حقيبتي البنية متوسطة الحجم، ووضعتُ كتاب "فنّ الحب" لإريك فروم، الذي بادلته برواية "الغريب" مع كلارا حسب اتفاقنا ذلك اليوم. كنتُ سأضع هاتفي أيضًا بداخلها... لولا أن رنينه استوقفني.
كانت "نتاليا".
وقفتُ لحظة أحدّق في شاشة الهاتف، بينما انعكاسي في المرآة بدا باهتًا... لا جميلة، ولا قبيحة. فقط شخص أحاول أن أكونه.
- مرحبًا، لم تخرجي بعد؟ - انتهيت لتوي. أين أنت؟ - أنا على بُعد عشر دقائق من المحطة. - جيد، سأخرج الآن. - أنا في انتظارك.
أغلقتُ الهاتف ببطء. لا أدري ما أشعر به، وكأن شيئًا داخلي انطفأ. كنتُ متحمسة، أو ظننتُ ذلك. لكن الآن، لا شيء. ما الهدف؟ سأدرس التمريض، نعم، سأحقق حلمي... لكن، ثم ماذا؟ ما الذي سيختلف؟ ما الذي يهم حقًا؟
تنهدتُ بعمق وأنا أطرد تلك الأفكار التي لا تأتي سوى لتثقلني. ودّعتُ والدتي، حاولت إجباري على تناول شيء قبل خروجي. لكنني لا أحب الأكل فور استيقاظي. أقنعتها بأنني سأشتري مشروبًا في طريقي، فوافقت على مضض، وتمنّت لي يومًا هادئًا.
"يوم هادئ"... تعبير بسيط، لكنه كل ما أحتاجه الآن. يوم بلا صراعات نفسية، بلا تصادم أفكار، بلا مواجهة مع من حولي. يوم لا يؤذيني فيه شيء. يوم هادئ، فقط.
رأيتُ نتاليا تلوّح لي من بعيد. بفستانها الوردي الذي يصل إلى أسفل الركبة، وشعرها الأشقر المائل للذهبي منسدلًا على كتفيها، بدت فاتنة كعادتها. إطلالتها مميّزة، تشبهها.
- "نيلا... تبدين جميلة جدًا!" باغتتني كلماتها، وأنا التي كنتُ أخطط لقول الشيء ذاته لها.
- "وأنتِ كذلك، عزيزتي."
- "حقًا؟ هل يبدو كل شيء جيدًا؟ شعري... ربما يجب أن أرفعه، أليس كذلك؟" قالت وهي تتأمّل انعكاسها في المرآة الصغيرة بقلقٍ خفيف.
- "لا، يبدو جميلًا هكذا. كما أن ياقة فستانك منخفضة قليلاً، والشعر المنسدل يليق بها أكثر."
ابتسمت، وبدت مرتاحة، ثم تمتمت:
- "شكرًا... أنتِ الوحيدة التي تجيد قول الأشياء بطريقة تطمئنني. لا أعلم... كل شيء منكِ يبدو مختلفًا."
كلامها... كم خفّف عني ثِقل هذا اليوم. غريب كيف يمكن لبضع كلمات صادقة أن تمسّك في الداخل وتعيد إليك شيئًا منك كنت تظنّه مفقودًا.
- "أنا لم أقل شيئًا كبيرًا، عزيزتي. أنتِ جميلة، قلتها فقط."
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
بقيت نتاليا في كافيتيريا الجامعة، بينما ودّعتها متّجهة إلى محاضرتي، فجدولها لا يبدأ باكرًا هذا اليوم.
"لا تنسي، سأنتظرك هنا بعد انتهاء محاضرتك."
قالت نتاليا، تذكّرني باتفاقنا السابق.
"نعم، ستنتهيِ محاضرتي بعد حوالي نصف ساعة فقط."
" وداعًا."
" وداعًا."
أكملتُ طريقي ممتنّة لأن إحدى صديقاتي لا تزال بقربي. اختبرتُ شعور الغربة والوحدة البارحة، ولا أرغب أن أضطر لعيشه مرة أخرى. كلٌّ منّا سلكت مسارها نحو المستقبل؛ تخصّصتُ في التمريض، ونتاليا اختارت الدراسات اللغوية والثقافية، أما كاثرين فبدأت دراسة العلوم القانونية في جامعة برلين الحرة. بيلا تفكّر في إكمال دراستها خارج البلاد، في روسيا، حيث تعيش والدتها، ولأنها تعشق الأدب والفلسفة والكتابات العميقة، يبدو لها ذلك الخيار الأمثل. وأشعر، كلما تأملت اختياراتنا، أنّ كل واحدة منّا سلكت الطريق الذي يشبهها تمامًا، كما لو أن المسارات خُلقت على مقاس أرواحنا.
دخلتُ القاعة، ومن حسن الحظ أنني وصلت باكرًا. لم يكن هناك الكثير من الطلاب، فقط مجموعة من الفتيات، وبعض الطلاب المتفرّقين هنا وهناك. جلستُ قرب الحائط، والمقاعد أمامي فارغة، أنتظر وصول البروفيسور. محاضرة اليوم من مادة تشريح الجهاز العصبي والنفسي، وقد سمعت أن دكتور المادة صارم جدًا، وصعب الإرضاء للغاية.
"مرحبًا"
حدثتني فتاة جميلة للغاية، ذات عينين واسعتين وشعر مموّج قصير.
أجبتها بابتسامة: - مرحبًا.
سألتني بِوُّد:
- من فضلك، هل أجد عندك مرآة صغيرة؟
أومأتُ، ورحت أبحث في حقيبتي.
مددتُها لها، فقالت وهي تتأمل نفسها:
- لم أتوقّع أن أجد عندك مرآة... ظننتك تتجنّبين رؤية نفسك، لا أقصد وجهك طبعًا. كنت أعني هذا الجسد النحيل فقط.
قالت ذلك وهي ترمقني من رأسي الى أخمصِ قدميْ بازدراء، وتضغط على شفتيها بعدما لونتهما بلونٍ أحمر فاقع.
تجمّدت حركتي تمامًا... كيف تحوّلتْ بهذه الطريقة؟ نظراتها أظلمت فجأة. بدت لطيفة في البداية. لا أحب أن أسكت عن الإهانة، لكنها لم تترك لي فرصة للرد؛ فقد وضعت المرآة أمامي ببطء، ثم ذهبت بهدوء.
جيّد...
جيّد جدًا. هذا ما كان ينقص يومي ليزداد سوءًا.
أحكمتُ قبضتي على المرآة بقوة دون وعي حتى شعرت أنها ستتكسر في يدي، ثم خبّأتها في حقيبتي بيدٍ مرتجفة، أحاول أن أبدو طبيعية قدر الإمكان.
أريد أن أرتاح قليلًا... أريد أن أغفو لوقتٍ طويل... طويل جدًا علّني أستيقظ بخير. أشعر بالضيق، وكأن عالمي هذا لا يسعني.
في الجهة المقابلة، عينان ناعستان مصوّبتان نحوي. يد موشومة يستند فكه عليها وينظر في اتجاهي مباشرة، لمَ يلبس قميصا باكمام قصيرة مع ان الجو بارد هكذا؟
ثم ما الذي يفعله هنا؟ أليس يدرس علوم الحاسوب؟ ما شأنه من التشريح والأعضاء؟ استدرتُ إليه ثانية علّه يخفض بصره، لكنه لم يفعل. لا يهم. لا أريد التحدث مع أي أحد.
دخل البروفيسور، فاتّخذ الجميع مقاعدهم وتوقّفوا عن الشوشرة، صامتين تمامًا. بعد مدة قصيرة، دخل دانييل، وتأسّف عن تأخّره. خاطبه البروفيسور وهو يعبث بأوراقه دون أن ينظر إليه:
- خمس دقائق قد تفصل بين الحياة والموت. اجلس في الخلف، ولن يُحتسب حضورك، ولن يُعاد شرح شيء.
لم يجب دانييل، ودخل بخطى ثابتة. لمحني، ابتسم لي، فبادلته ابتسامة باهتة، ثم اتّخذ المقعد بجانبي. جيد أنه لم يقترب كثيرًا، وجيد أن البروفيسور لا يسمح بالتكلم خلال المحاضرة. لا طاقة لي لذلك.
الضوء الأبيض القاسي ينعكس على الطاولات المعدنية، والمقاعد شبه ممتلئة. يبدو البروفيسور في أواخر الخمسينات، قامته مستقيمة، بذلته رمادية داكنة بلا أي تكلّف.
وضع الملف على الطاولة، ثم التفت إلى السبورة وهو يتحدث:
- هذه المادة ليست عن العواطف. بل عن العضو المسؤول عنها.
يستدير، وعيناه تتفحّصان القاعة.
- أنتم هنا... لتفهموا كيف يعمل الدماغ. لا كيف تشعرون حياله.
صمتٌ تلا كلماته.
- اسم المادة: التشريح العصبي والنفسي. نعم، هناك فرق. لا ترفعوا أيديكم، لن أشرح الفرق الآن. من لا يعرفه، فليبحث. ومن لا يبحث، فليغادر.
نقر بإصبعه على الطاولة.
- أنتم ممرضون، أطباء، باحثو أعصاب. بعضكم ما زال في بداياته. البعض يظن أنه يعرف أكثر مما ينبغي. لا يهم. هذا الدماغ لا يُكافئ من يظن، بل من يفهم.
اقترب خطوة.
- أكره الثرثرة. أكره التسويف. أكره من يتأخر عن المحاضرة. خمس دقائق تأخير تعني غيابًا كاملًا.
عيناه تتحرّكان ببطء بين الوجوه.
- بعضكم يظن أن هذه مادة نظرية. خطأ. ستتعاملون مع جثث، نماذج، وشرائح حقيقية. ستشمّون رائحة الفورمالين. وربما تتقيأون. لا يهم. من لا يحتمل، فلن يحتمل التعامل مع مريض فقد نصف ذاكرته.
يرفع ورقة بيضاء:
- هذا هو الجدول. لا تغييرات. لا أعذار. من يطلب رأفتي، لا يعرفني. من يطلب علمًا، سيجده هنا... واضحًا، صارمًا، وغير قابل للمساومة.
ثم يضيف، بصوت منخفض ولكن حاد:
- في النهاية، الدماغ لا يُسامح. والمعلومة التي لا تفهمها... ستكلف مريضك حياته.
صمت.
ثم كتب عنوان المادة على السبورة، وقال: - افتحوا دفاتركم. المحاضرة تبدأ الآن.
(- العقل والنفس... لا أعتقد أن بينهما فرقًا حقيقيًا... فهما لا ينتميان للبنية نفسها أصلًا. لنقارن مثلًا بين النفس والعقل؟ برأيي، معظم ما نعتبره نشاطًا دماغيًا، ليس سوى انعكاسٍ لما يجري في النفس. الدماغ لا يخلق، بل يُترجم. والنفس هي اللغة التي يُترجمها.)
فكّرتُ في نفسي. أعترف أنني لا أجرؤ على مناقشة دكتور بهذه الصرامة.
تنحنح صوت من خلفي، ببحة خفيفة، واسترسل في الحديث:
- لكن أليست النفس مجرد نتيجة حتمية لتشابك الشبكات العصبية والتفاعلات الكيميائية في الدماغ؟ أعني... إن كنا لا نملك دليلًا علميًا واحدًا على وجودها خارج الجسد، فكيف نعتبرها شيئًا منفصلًا؟ أليست بذلك مجرد وهمٍ جميل ينتجه الدماغ؟
لم أستدر لأرى من المتحدث. كان خلفي تمامًا، لكن سؤاله بدا غبيًا... غبيًا جدًا... حدّ الذكاء.
أسلوبه جدلي، لا يشبه أسلوب طالب متسائل. ينسب للبروفيسور ما لم يقله أصلًا، بوضوح. كما أن عباراته العلمية تكشفه: تناقضه بين قوله إن النفس نتيجة حتمية، ثم قوله إننا لا نملك دليلًا على وجودها خارج الجسد... هو يعلم جيدًا ما يفعل. ليس غبيًا، بل يتظاهر بذلك ليبلغ غايةً محددة.
كما أن جرأته هذه، مع بروفيسور كهذا، وكأنه يستفزه عمدًا... ترفع لها القبعة.
البروفيسور، بنظرة ثابتة ونبرة باردة:
"- إن كنتَ تُنصت فعلًا، فستدرك أنني لم أنفِ العلاقة بين النفس وبنية الدماغ، بل قلت فقط إن بينهما فرقًا. ولم أُعرّف شكل العلاقة، لأن ذلك يتطلب أكثر من نظرة اختزالية في سؤالٍ غير محكم. حين تتقن فن السؤال، يمكنك أن تستفسر. حتى ذلك الحين... أصغِ أولًا."
صمت لثوانٍ، ثم واصل - هذه المرة بصوت أعمق قليلًا:
" - لكن بما أنك فتحت الباب... النفس ليست نتيجة لعمليات كهربائية ولا لتكوينات الشبكات العصبية كما تظن. هذه أدوات، لا منشأ. يمكنك أن تفكّك الدماغ إلى بلايين العصبونات، وتراقب كل ناقلٍ كيميائي بدقة ميكروسكوبية، وستظلّ عاجزًا عن أن تلتقط لحظة خوف، أو معنى ألم، أو سبب الحنين. ما نرصده علميًا هو تجلٍّ، أثر، صدى... لا الكيان ذاته.
- ما هو الخوف؟ ما هي السعادة؟ الضمير؟ هل يمكنك أن تُحدّد لها شكلًا؟ قالبًا؟ حجمًا؟ كل ما نرصده في الدماغ ليس هذه الأحاسيس ذاتها... بل آثارها فقط."
ينظر حوله بحدّة، ويواصل:
" - الخطأ الذي يرتكبه كثيرون هو الظن بأن التفسير المخبري يُغني عن الفهم الوجودي. وهذا ما لن أسمح به في هذه القاعة."
ما قاله... من أعمق ما سمعته في حياتي. لم يكن مجرد شرح، بل بدا وكأنه يؤيد وجهة نظري في أن النفس تسبق العقل، وأنها الأصل، لا نتيجة له. والمثير... أن يصدر هذا من بروفيسور يُجاهر بإيمانه بالعلم، ويكاد يُقدّسه. تأييد كهذا، حتى لو لم يُصرّح به، يُشبه تمردًا نادرًا على قفص التجربة والمختبر. وهذا ما شدّني.
يبدو أن صاحب البحة نال ما أراد فعلًا. فالبروفيسور، رغم صرامته، شرح فكرته كاملة... وكأن السؤال كان مفتاحًا أجبره على فتح الباب. ذلك الطالب لم يكن هدفه الجواب، بل معرفة رأي البروفيسور الصريح. يعرف جيدًا كيف يُثير السؤال دون أن يسأله مباشرة، ويُخاطر بذكائه ليحصل على ما يريد.
لم يجب. شعرتُ به وقد جلس. هل اقتنع فعلًا بهذه السهولة؟ أم أنه لم يأتِ ليقتنع أصلًا؟ لو كان هدفه الاقتناع، لناقش... دافع... تمسّك بما يؤمن به. لكنه لم يفعل. كأنّ هدفه لم يكن أكثر من استثارة إجابة.
بدأت الهمهمات والأحاديث هنا وهناك، بعدما أعلن البروفيسور انتهاء المحاضرة قبل انتهاء الوقت المخصّص، مما أتاح فرصة للنقاش والتحدث.
"- كيف حالك؟ لم أستطع إلقاء التحية سابقًا."
خاطبني دانييل بابتسامة محرجة.
_"لا بأس، أعلم ذلك، أنا بخير. كيف حالك أنت؟"
قلتُ وأنا أبتسم، فهو لا يحتاج إلى تبرير عدم تحدثه، أعلم أنه لم يستطع.
_"جيّد... جيّد جدًّا.
ما رأيكِ في ما قاله البروفيسور؟"
فكّرتُ للحظة، ثم أجبته:
_"في الحقيقة، أنا أوافقه في كل ما قاله. فكرة أن الدماغ نتيجة لما تنتجه النفس هي وجهة نظري في هذا الموضوع أصلًا."
_"حقًّا! فاجأني فعلاً رأيه حول الموضوع، أن يُصرّح بفكرة بهذه الجرأة... ليس أمرًا معتادًا من البروفيسور رولاند."
(إذا كنتُ محقة، ففكرة تصريح كهذا لا تبدو مألوفة أساسًا، وفي النهاية ذاك السؤال الذكي المغلف بالغباء هو ما دفعه للتصريح.)
_"نعم، معك حق تمامًا. غير مألوفة، لكني أراها الأقرب إلى الحقيقة."
_"نعم، ربما..."
دق الجرس معلنًا نهاية المحاضرة، ودّعني دانييل وذهب مسرعًا، قال إن لديه أمرًا مستعجلًا. رحت أجمع أوراقي، تذكرت فجأة أمر ذاك الطالب، استدرتُ مع محاولة لعدم لفت الانتباه. لكنّي لم أجده، المقعد خلفي كان فارغًا...
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
رحتُ أمشي بخطى متسارعة في ذلك الممر الطويل، لا أدري لماذا بدا خاليًا على غير العادة. خطوات ثابتة خلفي... ليست قريبة بما يكفي لتقلقني، لكنها ليست بعيدة لتُنسى. لم ألتفت. فقط أسرعتُ أكثر، وتجاهلتُ الإحساس السخيف بأن أحدًا يتبعني.
دخلتُ إلى المقهى، تنفست، ثم التفتُّ. دخل صاحب تلك الخطوات بعد لحظات، شاب طويل يرتدي الأسود بالكامل. معطف طويل ثقيل يصل إلى الركبتين، وحذاء جلدي بدا مُستعملًا دون أن يفقد هيبته. بنطال داكن ضيّق عند الكاحل، وقميص فحميّ اللون يختفي نصفه تحت طيّات المعطف.
شعره المموّج بدا مبعثرًا قليلًا، وكأنه نسي ترتيبه هذا الصباح أو لم يهتمّ بذلك أصلًا. مرّ بجانبي، فتسللت إلى أنفي رائحة خفيفة... مزيج غريب بين الملوحة والدفء، كأنها نسيم بحر عبر فوق جلد دافئ. تحمل أثر شيء حيّ ومتقلّب، وبين تلك الطبقات الهادئة، كان هناك أثر دخان خافت، لا يخنق لكنه يهمس، كما لو أن العطر ذاته يفضح أن صاحبه مدخّن.
وإذا به يقصد نفس الطاولة التي أخطو نحوها. حيّا لوكا باعتيادية، وسحب كرسيّه بهدوء وجلس قربه.
لوّحت نتاليا حين رأتني، وابتسمت وهي تخاطبني بنبرة توحي باللوم:
"لِمَ تأخرتِ، نيلا؟"
جلستُ إلى جوارها بحيث تواجه هي لوكا، بينما يقابلني ذلك المتشح بالسواد. وضعتُ حقيبتي فوق الطاولة، إذ لم يكن الكرسي مريحًا بما يكفي لحملها، ثم قلت:
"في الحقيقة... تهتُ قليلًا. كما تعلمين، لم أعتد بعد على طرق الجامعة."
أومأت بخفّة، ثم أشرقت ملامحها بحماس طفولي:
"إذًا، هذا هو لوكا!"
نظرتُ إليه، ابتسمتُ تلقائيًّا، ومددتُ يدي:
"تشرفتُ بمعرفتك."
يبدو كما وصفته نتاليا، شابًا لطيفًا، ذو ملامح مريحة بعينين عسليتين وشعر مائل للسواد، وبشرة خمرية اللون.
قالت نتاليا وهي تلتفت نحوه:
"إنها نيلا، صديقتي التي أخبرتك عنها كثيرًا."
بادلني لوكا الابتسامة، وصافحني بحرارة:
"سعيد بلقائك... فعلاً، سمعت الكثير عنك."
أشرتُ برأسي بابتسامة صغيرة، ثم وقعت عيناي على الآخر... الجالس بصمت، لا يبدو أنه ينوي المشاركة في الحديث.
قطع لوكا ذلك الصمت وهو يشير إليه:
"وهذا مثاياس... صديقي."
لم يتحدث، فقط اكتفى بإيماءة خفيفة نحونا، وابتسامة شبه خفيّة عبرت على ملامحه ثم اختفت كأنها لم تكن.
جلستُ، وما زال في داخلي شيء لم يُسمّه اسمه بعد.
قالت نتاليا وهي تفتح قائمة الطلبات الورقية:
"ماذا تشربين؟"
أجبتها دون تفكير:
"سوداء بدون سكر... كالعادة."
أشارت برأسها وهي تغلق القائمة، وقالت بخفة:
"وفيّة كالعادَة."
ابتسمتُ، والتفتَ لوكا ينادي النادل، ثم نظر نحوي:
"قهوة بدون سكر."
ثم التفت إلى صديقه:
"وأنت؟"
أجابهُ دون أن يرفع نظره:
"شاي مثلج."
لحظة...
ذلك الصوت...
عميق، فيه بُحة خفيفة، بدا مألوفًا جدًّا.
عيناي استقرّتا عليه دون وعي. أيعقل؟
إنه هو...
"ما الذي تقرئينه؟"
ارتشفت نتاليا عصيرها ببطء، وقالت وهي تشير بعينيها إلى كتابي الذي ظهر نصفه من حقيبتي.
بعدما وضع النادل كأسينا على الطاولة، ويبدو أنني لمحت عيناه السوداوان مصوبتان نحو كتابي، أمسكني متلبّسة أنظر إليه، فخفضت بصري سريعًا، ورحت أجيبها:
"فنّ الحبّ لإريك فروم."
ارتشفت رشفة من قهوتي المرّة، وشعرت بنظراته لا تزال مصوّبة نحوي. لا يبدو أنه صرفها منذ لمحني أنظر إليه. واصلتُ حديثي بعدما كان الجميع في انتظار استئناف حديثي حول الكتاب:
"رغم أنني لم أُكمله بعد، لكن تصويره لمفهوم الحب على أنه فنّ يُتعلَّم، لا لحظة عابرة كما نسمع كثيرًا، فمثلًا يقول فيه: 'الحبّ فعل لا انفعال، إنه استمرار، لا لحظة من اللحظات العابرة.'"
تحدثتُ وأنا أوجّه بصري نحو قهوتي بين يديّ، ونظراتهم نحوي تُنصت لما أقول.
قالت نتاليا، تحدثني:
"يبدو أن الكتاب يصوّر الحب بمفهوم مختلف تمامًا عمّا اعتدناه."
همهم لوكا موافقًا.
بينما تنحنح المدعو مثاياس، وقال بصوته ذي البحة والنبرة العميقة، ونظراته مشدودة إلى حدّ مُربك:
"الحب... لا أراه فنًا يمكن التدرّب عليه، هو المفهوم الذي يُروَّج له كخلاصٍ وحيد. مجرّد مبالغة بيولوجيّة... نتيجة تفاعلات كيميائيّة، احتياج، ميل، وهم. ما نسمّيه حبًا، ليس أكثر من تزامن بين ضعف داخلي ورغبة في النجاة بشخصٍ آخر. إنه انعكاس لنقصٍ فينا... نقص نأمل أن يملأه الآخر."
أصغيتُ لكل حرف قاله، رغم أنه يُناقض رأيي تمامًا، لكن وجهة نظره تُحترم فعلًا.
أجبته بعدما أنهى حديثه، وقد صوّب نظره نحو النافذة:
"أرى أن الحب بسيط للغاية، ولا يحتاج إلى كل هذا التعقيد المُتداول. رغم بساطته، أرى أن تاريخنا وكوننا كلّه يقوم عليه. فهو الشعور الذي يجمع بين اثنين، هو ما يدفعنا إلى ما نحن عليه الآن، هو بداية العلاقة الأولى بين البشر."
توقفتُ قليلًا، خفّضت بصري إلى فنجاني، وكان لوكا ونتاليا يُنصتان لحوارنا بتمعّن.
"وهو... لعبة بلا قواعد، ولا نتيجة. تبدأها وأنت تجهل كل شيء فيها. تشبه متاهة طويلة لا نهاية لها، وهي في الوقت ذاته... الملجأ. هو المكان الذي تكون فيه 'أنت كما أنت'."
لمحته في نهاية كلامي وقد ارتفع حاجبه، لا أعلم، ربما ساخرًا، لكنه لم يقاطع. ربّت يديه على الطاولة، بحيث أصبح أقرب، وعيناه غاصتا في عيني، ثم قال بنبرة هادئة تحمل شيئًا من التحدّي:
"جيد. وصف شاعري... لكن أخبريني، يا 'ملجأ العاشقين'،
ماذا عن أولئك الذين دخلوه... وخرجوا منه محطّمين؟ ألا تعتقدين أن هذه 'اللعبة بلا قواعد' قد تكون فخًا؟ أن تكون 'كما أنت'، كما تقولين، يعني أن تكون هشًا، عاريًا من أي حماية. والحب... لا يرحم الهشّين. إنه يفتحك، ثم يتركك، مثل كتاب نُسي في منتصفه.
الناس يحبّون لأنهم يخافون الوحدة. لكن هل يسمو الحب فوق هذا الخوف؟ أم أنه ابن الخوف ذاته؟"
شعرتُ بتوتر خفيف، لكني واصلت النظر إليه وقلت:
"هي لعبة بلا قواعد، أي أنك لا تدرك كينونتها أصلًا. وليس مفاجئًا أن تخرج منها محطّمًا، بل هو أمر منطقي تمامًا. الحب لا يرحم الهشّين؟ بل الحب ملجأ الهشاشة بذاتها. كلّ منا هشّ في داخله مهما أنكرنا ذلك، والحبّ هو الملجأ الوحيد لهشاشتنا.
يجب أن يكون في حياة الإنسان، ولو شخصٌ واحد، يتعرّى أمامه من كل شيء... من كل الأفكار، والمعتقدات، والأقنعة، والمظاهر.
يكون لك كحضن دافئ، يتقبلك بكلّ ما فيك، تمامًا. ومن قال إن الناس يحبّون لأنهم يخافون الوحدة؟ الناس يحبّون لأنه لا بدّ من ذلك.
الحبّ أساس، وليس اختيارًا. الكون بأكمله قائم على الحب. ولا تنسَ أن الحبّ اختيار، لا صدفة، إنه اختيار دقيق.
فإن خرجتَ يومًا من اللعبة محطّمًا... فلا تلُم إلا نفسك."
ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبيّة خافتة، بالكاد تحرّكت بها زوايا فمه. مال بجسده إلى الخلف، واتّكأ على الكرسي، يداه في جيبَي معطفه الفاحم، ولاحظت أنه لم يمسّ شايه بعد.
حرّك بصره نحو النافذة، وقال بنبرة متسائلة:
"ملجأ الهشاشة، إذن؟"
كرّر كلماتي كمن يُجرّبها على لسانه. ثم واصل بصوت ثابت واثق:
"جميل... لكني لا أصدق أن كل الناس يحبّون لأنهم 'لا بدّ أن يحبّوا'.
هذا يعطي الحب طابعًا قدريًّا، وكأننا مُسيّرون له. وأنا... لا أحب فكرة أنني مُسيَّر لأي شعور. الحبّ، يجعلك ضعيفًا... حتى أمام فكرة أنك قوي."
ثم مال برأسه قليلًا، ناظرًا إلى عينيّ مباشرة، لا بتحدٍّ، بل بتساؤل هادئ:
"وهل تختارين الحبّ فعلًا؟ أم تختارين الشخص الذي ترين فيه شيئًا يُشبهك... دون أن تدري؟ أحيانًا... الحب ليس اختيارًا واعيًا، بل ردّ فعل داخلي تجاه شخصٍ كشف عن ألمٍ تعرفينه جيدًا. وكأنك تودّين أن تلمسيه... لتُشفي شيئًا فيكِ، لا فيه."
ثم تنفّس ببطء، وأضاف بصوت منخفض:
"وإن كان لا بد من أن نُحبّ... فهل يعني ذلك أننا سنُحَبّ بالقدر نفسه؟ لعبة بلا قواعد، كما قلتِ. وأنا لا أجيد اللعب كثيرًا."
صمته في النهاية بدا أكثر صدقًا من كل كلماته، وكأنّ ما لم يقله هو الأهم فعلًا.
بعد كلماته الأخيرة شعرت بأن ثقته قد تزعزعت، رغم أنه لم يُظهر شيئًا من ذلك. وقد اتخذ الحوار منحًى شخصيًا قليلًا، إذ إنه... بين السطور، كان كأنه يتحدث عن نفسه.
واصلتُ دفاعي عمّا قلته سابقًا:
"ما وصفته على أنه ردّ فعل داخلي...
أراه أسمى أنواع الحب. أن يفهمك أحدهم، تلك أسمى صفات الحب صدقني.
حينَ قلتَ انك لاتحبُ أنْ تكونَ مسيرًا للحبْ ، ولو قِسنا على كلامك، فأنت مُسيَّرٌ للتنفس، للاستيقاظ، للعيش أصلًا. نحن في الحقيقة مُسيَّرون للحياة بأكملها. في رأيك، هل نحن من اختار أن نُولَد، ونعيش، ونُحيا؟"
نظرتُ إليه بثبات.
"لا، بالطبع... أليس هذا تسـييرًا في اعتقادك؟ الحب ليس قالبًا أو شيئًا ماديًا ثابتًا، وليس نقصًا أو فورة هرمونات كما وصفته سابقًا. في رأيي، هو ملجأ وحسب.
إن رأيتَ في أحدهم ملجأ لك... فأنت تحبّه."
ثم أضفت، بنبرة أكثر هدوءًا، وعيناي مثبتتانِ على خاصته:
"قلتَ إنك لا تجيد اللعب، لكن هل جرّبت التدرب قبل ذلك؟ وهذا تحديدًا ما يتحدث عنه إريك فروم: قبل أن تلعب، لا بد أن تتعلم . فهي لعبة ربح وخسارة، وعلينا أن ندخلها بفكرة الفوز... لا الهزيمة.
وإعلم أنه لا يعني أننا سنُحب بالقدر ذاته أبدًا.
قد تجد نفسك تلعب وحدك... في منتصف الملعب."
ضحك بخفّة، ضحكة قصيرة، ثم أنزل بصره ونظر إليّ بهدوء، ولمحت في عينيه شيئًا من التشويش... أو عدم الاقتناع، لا أعلم، ثم قال:
"أنتِ تُدافعين عن الحب كمن يُدافع عن وطنٍ خفيّ... لا يراه سواك.
"وهذا...
هذا وحده ما جعلني أُصغي."
ثم واصل بهدوء وكأنه يخاطب نفسه:
- نعم، نحن مُسيَّرون أحيانًا، وربما معظم الوقت، كما قلتِ...
لكنّي أُقاتل الفكرة، لأني لم أُرِد يومًا أن أكون ناتج صدفة بيولوجية أو فورة هرمونات، وهذه حقيقة لا يمكنك إنكارها...
حتى الحب... إن كان قدرًا، فأُريده أن يأتيني بعد أن أُدركه، لا أن يُفلتني كما أفلتَ غيري.
وأنا لا أقول إني لم أُجرّب اللعب...
بل أظنني شاهدته من بعيد، مرارًا، ولم أدخله.
كنتُ أتفرّج، فقط. أخشى أن أركض خلف كرة لا أحد يمرّرها إليّ، أن أركض وحدي...
نظر إليّ بحدة، وصوت أهدأ:
- لكنك على حقٍّ في شيء واحد، أو ربما في كلّ شيء قلته.
أن يُحبك أحد لأنه رآك كما أنت، لا كما يتخيّلك... تلك معجزة.
وأنا... لا أُصدّق كثيرًا بالمعجزات، لكن يبدو أنكِ تُجيدين ترويض الشكّ.
ثم أطرق وابتسم ابتسامة مختلفة، وقال:
- أن تتحدثي عن الحب بهذه الطريقة...
هذا وحده... لعب خطير.
لم أفهم ردّه الأخير، ولم أعرف تمامًا ما إذا كان بدأ في الاقتناع، أم لا.
الشيء الوحيد الذي أعرفه الآن...
أنه يُشبهني.
يُشبهني كثيرًا.
رغم رأينا المتضارب تمامًا،
لكن زاوية تفكيره، وطريقته في قولها، ثم نقاشه معي...
يُشبهني فعلًا.
ظلّ لوكا ونتاليا يرتشفان مشروبهما ويتابعان حوارنا بإنصات، ولم يقاطعانا أبدًا.
أحببتُ ذلك كثيرًا...
ابتسمت نتاليا وهي تمسح قطرات الماء عن كوبها بخفة، وقالت بهدوء:
"أنصتُّ لما قلتماه عن الحب... بدا كما لو كنتما تتحدثان عن شيء لم يحدث، لكنه ترك أثرًا فيكما."
لوكا، بابتسامة تكاد تبدو ضحكة هامسة:
"أو كأن أحدكما سأل سؤالًا لم يكن سؤالًا في الحقيقة."
شبح ابتسامة ارتسم على وجهي، وقد تذكّرت أمرًا ما، فقلت بنبرة حيادية مشبعة بما لا يُقال، ونظري موجه نحو النافذة:
"بعض الأسئلة تُسأل لتُختبر الإجابة... لا ليُسمع الجواب."
قال مثاياس، وهو يطأ الأرض بطرف حذائه، دون أن ينظر إليّ:
"ربما لم يكن الجواب هو الهدف أساسًا...
إنما أن تُفهم الغاية من طرح السؤال منذ البداية."
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
بينما نتمشّى أنا ونتاليا جنبًا إلى جنب في الحرم الداخلي لجامعة نورد، الهواء كان ناعمًا، يلتفّ حول أكمامنا كوشاحٍ خفيف، ورائحة العشب المبلول تُخالطها رائحة قهوة خرجت للتو من إحدى النوافذ المفتوحة.
كلّ شيء من حولنا بدا ساكنًا، كأنه يحبس أنفاسه في هدوء.
خطواتنا كانت تنقر الأرض بنعومة، والممر الرمادي الواسع الذي سرنا عليه تقطّعه ظلال الأشجار بتماثل مدهش، كما لو أنّ أحدهم صفّها بمسطرة.
بعض الأوراق اليابسة تساقطت بهدوء، واحدة منها التصقت بحذاء نتاليا، فرفعت قدمها بلا انتباه، وسقطت الورقة لتُكمل رحلتها.
سألتني نتاليا، وفي نبرتها رجاء خافت:
"بالمناسبة... أخبريني، رجاءً، أن والدتك لم تمانع أمر إقامتك في السكن الجامعي؟"
أجبتها، مُعلنة سبب تردّدي في أمر الإقامة:
"في الحقيقة، ليست موافقة والدتي ما يمنعني من ذلك. لقد تحدّثت إليها، وقالت إنّ عليّ أن أقرّر كما أراه مناسبًا...
لكن..."
قالت بسرعة، وقد توقفت عن المشي ونظرت إليّ بعينين متسائلتين:
"لكن ماذا؟"
أجبتها بتردد ظاهر:
"السكن، كما تعلمين، مختلط... ولا أعلم إن كنتُ سأشعر بالراحة هناك."
ابتسمت باطمئنان، ونحن نواصل السير بخطى ثابتة، وقالت:
"أفهمك تمامًا، وأقدّر قلقك. فكّرتُ مثلكِ في البداية، لكن بعد أن تعرّفتُ إلى لوكا جيدًا...
وكما تعلمين، سنُصبح خطيبين قريبًا، ثم بعد لقائي بمثاياس... وكما رأيتِ، يبدو شابًا مهذّبًا.
وأظن بأنكما انسجمتما دون مشاكل، فلا أعتقد أن الأمر يستحق القلق.
ولا تنسي أنني سأكون هناك معكِ. سنتشارك الغرفة، نسهر سويًّا، وربما نطبخ معًا.
الأمر ليس بالسوء الذي تتخيّلينه، نيلا."
(قالت من قبل إن لوكا يُقيم مع صديق له، لكني لم أتوقع أن يكون مثاياس.
ويبدو أن ما قالته صحيح.
فلوكا خطيب صديقتي، ومثاياس صديقه، ونتاليا ستكون برفقتي...
لا أظن الآن أن الأمر بهذا التعقيد.
لم يكن يستحق كلّ ذلك القلق فعلًا.)
رددتُ عليها بارتياح، حاسمة قراري:
"معكِ حق... يبدو أنني موافقة."
رأيت السعادة تتلألأ في عينيها، وابتسامة عريضة ارتسمت على وجهها.
كان لوكا ومثاياس قد غادرا بعد نقاشنا ذاك، بما أنه لا توجد محاضرات تخصّهما لبقية اليوم.
ظلِلنا نتمشّى بصمت وهدوء، ونسيم الهواء البارد يلامس وجوهنا بخفّة.
ثم اجتاحتني موجة شعور ثقيل...
تذكّرت أمر تلك الفتاة صباحًا، ثم مشاعري المُحبطة التي بدأت منذ بداية اليوم.
شعرتُ بانطفاءٍ مفاجئ... وكأن شيئًا ما بداخلي انكمش فجأة.
وأعلم، في قرارة نفسي، أنّ كلمات تلك الفتاة صباحًا... لن تمرّ بسلام الليلة.
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
فتحتُ تلك الرسالة، ورحتُ أتمعّن في كلّ حرف فيها...
(ليست المشكلة أنك لم تُنقذها، المشكلة أنك كنت تستطيع.)
كلمة "كنت تستطيع" تعني أنه كان بوسعه إنقاذ شخص ما، لكنه لم يفعل.
لنفترض أنها زوجته... رغم أنني لا أعرف تفاصيل الحادثة.
(ثلاث لحظات، لم يكن عليك أن تصرخ، لم يكن عليك أن تركض، فقط أن تُجيب.)
ثلاث لحظات فقط... مدة لا تكاد تُذكر.
ثم قال: "أن تُجيب"... تُجيب ماذا؟ صراخًا؟ هاتفًا؟ لا يمكنني الجزم.
(وحدهم الأحياء يخطئون، لكن ليس كل خطأ يُغفَر. البعض يُدفن، البعض يدفنك.)
جملة ثقيلة، متشابكة، إيحائية.
أعتقد أنه يعني أن بعض الأخطاء تُغتفر وتُنسى، بينما بعضها الآخر يقتلك، بطريقة أو بأخرى.
(أنت لم تقتلها، لا أحد قال ذلك، لكنك تعلم لماذا ماتت. لا تقل شيئًا، لم تعد تملك الوقت.)
من المقصود هنا؟ سأفترض أنها زوجته أيضًا.
هو لم يقتلها، لكن ربما فعل شيئًا... أو لم يفعل، ما أدى بطريقة غير مباشرة إلى موتها.
ربما...
طرقٌ خفيف على الباب قطع أفكاري.
- "نعم؟ تفضّل."
دخلت هانا بخطوات مترددة، وقالت وهي تُميل رأسها باستغراب:
- "ما الذي تفعلينه؟ أ... تدرسين؟"
رفعت بصري نحوها، وقلتُ بلهجة شاردة:
- "لا... أُحلل هذه الرسالة."
أغلقت الباب خلفها، ثم تقدّمت وجلست على طرف سريري، قرب المكتب، وعقدت ذراعيها وهي تراقبني بنصف ابتسامة:
- "وهل توصّلتِ إلى شيء، حضرة المحقّقة؟"
تنهدتُ، وأجبتها بإحباط:
- "لا... لا شيء. لكن... كل مايبدو واضحا هو أنه يقصد زوجته في الرسالة سواء كان كاتبها القاتل ام الضحية توصّلت إلى احتمال."
هزّت كتفيها، وقالت بنبرة هادئة:
- "لا يهم من يقصد... المهم، هل مات مقتولًا أم منتحرًا؟"
سألتها وأنا أرفع حاجبي بترقّب:
- "وهل تعرفين أنتِ؟"
أجابتني بصوت منخفض:
- "لا أعلم...، ربما."
وقفت، واتجهت نحو الباب وقالت وهي تهم باغلاقه بعد خروجها:
- "ما هو الدليل البسيط، الذي إن وُجد، يُثبت قطعًا أن الضحية مات منتحرًا؟"
الدليل البسيط؟ كيف؟...
جلستُ في مكاني أفكر...
حسنا..
سأحاول تخيّل الأمر.
نفترض أنني قررت الانتحار...
أُحضر كرسيًا، ثم حبلًا، أُعقده حول عنقي، وأربطه بشيء مرتفع، ثم أركل الكرسي... وأسقط.
لكن... ماذا لو كان شخص آخر يريد قتلي بالطريقة ذاتها؟
سيُحضِر الكرسي، والحبل، ويربطه في شيء مرتفع... ثم يُعقد الحبل حول عنقي.
أعقدهُ...
العقدة...
العقدة! يا إلهي... تلك هي!
عقدة الحبل... إن عقدتُها بنفسي، ستكون بطريقة غير محكمة وبسيطة.
أما إن عقدها لي شخص آخر، ستكون مختلفة، محكمة جيدا، أو معقّدة بأسلوب آخر.
نهضتُ كمن عثر على مفتاح لغز قديم، وانطلقت نحو الطابق السفلي والرسالة لا تزال في يدي.
وجدتُ هانا جالسة في غرفة المعيشة، تقرأ.
تقدّمت منها بسرعة:
- "قولي لي... بما أنكِ زرتِ موقع الجريمة، كيف كان شكل العقدة حول عنق الرجل؟"
رفعت حاجبها، ونظرت إليّ بإعجاب خفيف، وكأنها لم تتوقّع مني هذا السؤال، ثم قالت بهدوء:
- "كانت عقدة بسيطة، وتُعرف في التحقيقات باسم... العقدة الانزلاقية."
وجدتُها اذا...
العقدة الانزلاقية، إحدى أقوى الدلائل على أن الجريمة حادثة انتحار، لأنها تُعقد بحيث تشتد تلقائيًا عند السقوط.
لا تتطلب شدًا من طرف آخر، وزن الجسم وحده يكفي.
ويصعب على القاتل استخدام هذه العقدة دون ترك أثر.
قالت هانا، بصوت فيه شيء من الخيبة:
- "لكن لا يمكن الحسم رغم ذلك... رغم أن الشرطة تخطّط لغلق الملف باعتباره انتحارًا."
أجبتها وأنا أفكر بصوتٍ عالٍ:
- "صحيح... خاصة مع أسلوب تلك الرسالة."
وأنا أعود إلى الطابق العلوي، سمعت صوت أمي يناديني لتناول العشاء بعد قليل.
- "حسنًا، قادمة!"
أجبتها، وأنا أعود للتحديق في الرسالة.
وضعتها مجددًا على مكتبي، ووضعت رأسي على كفّي...
الأرجح أن الضحية كتبها بنفسه، وكأنه يكلّم نفسه.
ربما شعر بالذنب تجاه شيء ما.
الأمر منطقي... إلى حدٍّ ما.
لكن... ذاك التوقيع.
ذاك الرمز.
ما الذي يعنيه؟
أسندتُ ذقني إلى مرفقيّ، وضوء المصباح الأصفر يُضيء الورقة، وفجأة... باغتتني ذكرى قديمة.
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
"أتَعلَمين، نيلا؟"
قال والدي بصوته الهادئ بينما كان يُرتّب أوراقًا على مكتبه. انعكست ظلال يديه على الجدار، كأنها تحاول ترتيب شيء ما داخله.
"الناس يقولون إن الرموز شيءٌ عبثي... لكنهم ينسون أن الحروف نفسها كانت رموزًا ذات يوم."
نظرت إليه بدهشة، بعينين صغيرتين تسألان أكثر مما تفهمان.
ابتسم، وأكمل وهو يخط شيئًا على ورقة:
"كل رمز يحمل ظلّ نية، وكل نية تُخفي حكاية... حين يكتب أحدهم شيئًا غريبًا، لا تسألي: ما معناه؟ بل اسألي: لماذا اختار أن لا يكون واضحًا؟"
ثم أدار الورقة نحوي، وعيناه تلمعان بشيء من المرح والجدية معًا:
"حين لا يفهمكِ أحد، ضعي المعنى في طيّ الغموض، واتركي الذكاء... هو من يزيحه."
هززت رأسي آنذاك، وأنا لا أُدرك تمامًا ما يعنيه، لكنني الآن...
وأنا أحدّق في الأحرف الجامدة أمامي، شعرتُ بشيء ينبض خلفها.
لماذا اختار أن لا يكون واضحًا؟
لو كان كاتبها شخصًا غير الضحية... فلا شك أنه تعمّد الغموض. لم يشأ أن نعرف من هو.
لكن لمَ؟ ما غايته؟ هو قتل وانتهى، فلماذا يكتب رسالة قد تُوصلنا إليه؟...
أطفأتُ مصباحي، لملمت أوراقي، وخبّأت الرسالة في دُرج المكتب. لا يمكنني الوصول للحقيقة الآن. ولا أريد تضييع وقتي أكثر.
نزلتُ لتناول العشاء، وقدّمت الرسالة لفيليب، الذي أخذها مني وكأنه أُهدي قطعة من كنزٍ مدفون.
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل.
الضوء الخافت المنبعث من المصباح الجانبي بالكاد يُلامس طرف وسادتها، والستائر تتحرّك بحذر مع نسمةٍ ليليةٍ خجولة.
نيلا مستلقية على جانبها، عيناها مفتوحتان نحو الفراغ، وصمت الغرفة أكثر ضجيجًا من النهار.
الجملة تتكرّر في رأسها، بنفس النبرة، بنفس الابتسامة المائلة:
"لم أتوقّع أن أجد عندك مرآة... ظننتكِ تتجنّبين رؤية نفسك. لا أقصد وجهكِ طبعًا، كنتُ أعني هذا الجسد النحيل فقط."
تُغمض عينيها بقوة، كأنها تطرد صدى الصوت، وتلك النظرة التي تحمل ازدراءً واستصغارًا شديدين.
لكنّها تبقى...
تشدّ الغطاء على كتفيها، تتقلّب، ثم تثبّت نفسها على ظهرها، تنظر إلى السقف.
هي ليست نحيلة إلى تلك الدرجة، تعرف ذلك.
المرآة ذاتها قالت لها الحقيقة مرارًا...
لكن التنمّر لا يحتاج إلى منطق، بل إلى فتحةٍ صغيرة في الداخل ينفذ منها.
وهي؟ لسببٍ ما، فتحت له الباب.
تفكر في نفسها:
"إنها لا تعني ما قالت... كانت فقط تحاول الطعن.
لكن... لماذا شعرتُ أن الطعنة وجدت لها مكانًا؟
لماذا أشعر وكأنني أصغر من جسدي؟ أضعف من أن أردّ؟
لماذا؟ لماذا لم أردّ عليها؟ لماذا؟"
تتنهد.
تمدّ يدها ببطء نحو بطنها، تضع كفّها هناك، كأنها تحاول التأكد...
هل هذا هو "النحيل فقط"؟
تبتسم بسخريةٍ مريرة. لا إجابة.
تقلب الوسادة، تبحث عن بردٍ جديد، وكأن دفء الوسادة صار خانقًا.
تُغمض عينيها مجددًا.
لكن الجملة تبقى.
وهي، رغم إدراكها أنها مجرّد محاولة لإيذائها،
لا تستطيع أن تُطفئ أثرها بسهولة.
وتُغمض عينيها من جديد، تحاول النوم، تحاول أن تُقنع عقلها أن الأمر تافه...
لكنه لم يكن كذلك.
فبعض الكلمات لا تُؤلم حين تُقال، بل حين نُفكّر أننا صدّقناها.
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
أنتنّ جميلات.
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
⋆。˚ ❀ 𝓔𝓻𝔂𝓽𝓪 _إرِيتَا❀ ˚。⋆
★نجومكم تضيئني★
⋆。˚ ❀ فِيُورَا ❀ ˚。⋆༶