⋆。˚ ❀ 𝓔𝓻𝔂𝓽𝓪 _إرِيتَا❀ ˚。⋆
فطيرة التفاح.
ظننتُ أن قراري هذا سيمنحني ثباتًا، فإذا بي أشدّ اهتزازًا. لا أنكر أنني أشعر بالرضا لكوني أعمل على تحقيق حلمي، لكن...
هو في كلّ شيء.
القلم في يدي... هو من أعطاني إيّاه. أروقة الجامعة، بل وجودي هنا أصلًا، يُذكّرني به. حتى الشيب في رأس البروفيسور بات يذكّرني به.
هو من أردتُ أن يزورني لأوّل مرة، ويراني وأنا أرتدي المعطف الأبيض، أن أقيس نبضات قلبه كما كنت أفعل وأنا صغيرة، أن أرى نظرات الفخر في عينيه.
لن تكتمل سعادتي أبدًا بغيابه.
هو جزءٌ منّي، فكيف أسعد، ونصفي الآخر ليس هنا؟
"عفوًا يا آنسة."
جاءني صوتٌ رجوليّ من المقعد المجاور.
استدرتُ إليه...
عينان بلونٍ أخضر داكن، لم ألحظ خضارهما في الوهلة الأولى، مع شعرٍ كستنائيٍّ أملس، مشّطه باتجاه جانبه الأيمن.
"لقد أسقطتِ قلمكِ في الاتجاه الآخر."
نظرتُ إلى حيث أشار بإصبعه، وانحنيتُ لالتقاط القلم.
"شكرًا جزيلًا."
قلتُها بابتسامةٍ ممتنّة.
ظلّ ينظر في اتجاهي، ولم أدرِ ما أفعل، فأنزلتُ بصري إلى أوراقي المبعثرة.
"هل لي بسؤال؟"
"نعم، تفضّل."
قال وهو ينظر إلى جملةٍ كتبتُها في أوراقي:
"ما الذي قصدتِ بهذا؟"
(هل ننسى آلامنا، أم أننا فقط نعتادها؟)
شردتُ لوهلة في تلك الجملة، ثم قلت:
"أعتقد أن المشاعر السيئة التي تراودنا لا تُنسى، بل نعتادها مع الأيام. لا نتخطّاها، إنما نألف وجودها. فهول الصدمة وتأثيرها الكبير علينا يخفّ تدريجيًّا، ومع الوقت نتعايش مع الحزن حتى نعتاده، فيفقد أثره العميق علينا."
"تقصدين أن الحزن لا يختفي، إنما يظلّ موجودًا، لكن تعايشنا معه يُقلّل من تأثيره؟"
"تمامًا."
هزّ رأسه بتفكير، وقال:
"فهمت. وجهة نظر مقنعة ومنطقية."
فكرتُ في نفسي:
أحبّ الحوارات من هذا النوع، لكني نادرًا ما أجد من يُبدي وجهة نظره بصدق، أو من يملك رأيًا من الأساس.
في أغلب الحوارات، طرفٌ واحد يتكلم، والآخر يوافقه فقط.
أريد من يُناقشني وهو مقتنع بفكرته، أن أخوض نقاشًا فلسفيًّا حادًّا. لا يهمّني أن أفوز، بل ما يهمني هو الحوار ذاته.
وللأسف، لا يمكنني طلب هذا.
"تشرفتُ بلقائكِ... أدعى دانييل فون براندت."
فون براندت؟ يا إلهي، من يكون هذا؟ لا يبدو عليه الثراء الفاحش...
"وأنا أكثر، أدعى نيلا هنريك روزنبرغ."
"نيلا..."
"اسمٌ غريب...
لكنه جميل جدًا، ما الذي يعنيه؟"
أجبته:
"معك حق، يبدو غريبًا قليلًا، لكنه يحمل عدة معانٍ في ثلاث ثقافات:
في الألمانية، يعني النقاء أو الفتاة النقية.
وفي الهندية، يشير إلى اللون الأزرق أو 'ذات الأزرق الداكن'.
أما في الإسبانية واللاتينية، فيعني 'الفتاة الصغيرة'.
سمّاني والدي بهذا الاسم بعد أن سمعه في رحلة له إلى إسبانيا، فأعجبه كثيرًا.
في يوم ولادتي، كان لون جلدي يميل إلى الأزرق، وشفتاي كذلك.
قال إنني جمعتُ كل معاني الاسم: ابنته الصغيرة النقيّة، ذات البشرة الزرقاء.
قال لي إنه علم أنني سأكون كذلك منذ رآني أول مرة.
تقول أمي إن الطاقم الطبي كانوا في غاية القلق، وظنّت هي أني لا أستطيع التنفّس، بينما كان والدي يحملني وهو يضحك، فقط لأني جسّدتُ معاني الاسم بالكامل."
ضحك دانييل بصوتٍ عالٍ، كاد يسمعه البروفيسور.
ثم قال:
"أنتِ محظوظةٌ جدًّا بوالدكِ."
"نعم...، كنتُ كذلك... جدًا."
ارتفعت نبرة صوت البروفيسور قائلًا:
"كان هذا موضوعَ مادةِ أساسيات علم النفس المقررة عليكم إلى نهاية العام الدراسي.
سنبدأ الآن...
سيُعرّف كلّ واحد منكم عن نفسه وسبب اختياره لاختصاصه، وسنكتفي اليوم بالمدرجات الثلاث الأولى لضيق الوقت."
قرأ شيئًا من ورقة أمامه، وأضاف:
"الطالب برونر، فليبدأ."
استقام الطالب المدعو في الزاوية اليسرى للقاعة من ورائي، تنحنح وقال بصوت ثابت:
"أُدعى فيليكس برونر، طالب علم النفس العصبي الإكلينيكي. الدماغ والسلوك والعلاقة بينهما طالما أثارت فضولي، وهذا ما حفّزني لاختيار هذا التخصص."
ظل البروفيسور "ميلر" يصغي لكلام الطالب، وجميع من في المحاضرة فعلوا المِثل.
عدّل البروفيسور وضع نظاراته، ووجه كلامه لفيليكس:
"لا أريد سببًا طفوليًا لاختيار مهنة الأحلام...
نحن هنا لإفادة المجتمع بمهنتنا المختارة، لا لإشباع الفضول وتحقيق الغايات الشخصية..."
"فليقل رجاءً إنه يمزح... أهو جاد؟"
قلت بصوت منخفض أحدثُ نفسي.
قال دانييل، بعدما بدا أنه سمع حديثي:
"لِمَ لا؟ هو محقّ نسبيًا فيما قاله."
"لا نسبيًا ولا كليًا! قل لي بحقك: كيف يمكن للإنسان أن يُجيد عمل شيء لا يُحبه؟ أو أن يُتقنه، أو أن يحاول اكتشاف أمرٍ لم يثر فضوله يومًا؟"
"يا آنسة... باستطاعتك أن تُشاركينا موضوعك الأهم من المحاضرة."
خاطبني البروفييور بحدة.
استدار الجميع إليّ بنظرات ثاقبة من كلّ الجهات. شعرت بتوترٍ شديد وحرجٍ مضاعف.
لكني قلت بهدوء، وبصوتٍ حاولتُ أن أُخفي الرجفة بين حروفه:
"نعم... بالتأكيد."
رأيت نظرة تعجّب من الأستاذ وأشار الي بأن اتكلم.
وقفتُ وواصلتُ حديثي:
"قلتَ إننا هنا لأجل تحقيق إفادة للمجتمع، لا لتحقيق غاياتنا الشخصية...
أودّ قبل مناقشة هذه الجملة أن أسألك سؤالًا، وتُجيبني عليه؟"
"بالتأكيد، آنسة. اسألي ما شئتِ."
حمحمتُ وقلت بثقة:
"هل يمكن للإنسان أن يُفضّل مصلحة الآخر على مصلحته الشخصية؟"
نظر إليّ مطوّلًا، ثم أجاب:
"نعم، بالتأكيد. بل هو أمر شائع جدًا.
إليكِ أبسط مثال: حُبّ الأم لوليدها، رغم ما يسببه لها من أذى.
تعلمين، كما يعلم الجميع هنا، أن الجنين في بطن أمه يتكوّن ويتشكل جسده من خصائصها، مما يسبب لها تساقط الشعر، وتكسر الأسنان، وهَرم العظام، والتعب الشديد، وغيرها من الأعراض.
ولو لم تُفضّل مصلحته على نفسها، لما حاولت الإنجاب أصلًا."
تنهدتُ بعمق وقلت:
"مع كامل احترامي، وبغض النظر عن جوابك الذي لا يُجيب عن سؤالي السابق، قل لي الآن:
هل أحبّت هي الأمومة قبل الإنجاب، أم كرهتها ومع ذلك فضّلت مصلحة طفلها وقررت إنجابه؟"
صمت مطوّلًا، كما عمّ الصمت القاعة، ثم قال:
"لا يمكن إنكار أنها أحبّت الأمومة قبلًا."
أردفتُ قائلة:
"وبغضّ النظر عن أنها فُطرت على حب الطفل أصلًا، أي أن لا مصلحة غائبة هنا، فالأمر غريزة بشرية.
وهنا يكمن خطأ مثال جوابك.
لذا، من وجهة نظري، لا يمكن للمرء أن يُفضّل مصلحة الآخر على مصلحته، ما لم يكن في ذلك منفعة -ولو ضئيلة- له هو أيضًا، مهما ادّعى النُبل.
النفس تبقى في المرتبة الأولى دائمًا.
ثم، ولو افترضنا أن كلامي خاطئ، فما الضرر لو اختار كل شخص ما يُحبّ، أو ما حلم به منذ الصغر؟
أو الشيء الذي أثار فضوله وأراد اكتشافه؟
ألا تعتقد -حضرة البروفيسور- أن هذا هو الدافع الأقوى، بل الأهم، لإتقان المهنة وتأديتها على أكمل وجه؟"
وضع يديه خلف ظهره، ونظر إليّ نظرة ثاقبة من فوق نظاراته الطبية.
قلبي ينبض بقوة شديدة، وقدماي قد تسقطاني في أية لحظة.
من يراني وأنا أتكلم هكذا لا يُصدّق كمَّ التوتر الذي أشعر به.
طال صمته، وبدأت الهمهمات من حولي.
"ما اسمكِ يا آنسة؟"
"نيلا هنريك روزنبرغ."
لماذا سألني؟ هل سيطردني من مادته؟ أو يكتب تقريرًا عن سوء تصرف، أو قد يبلغ عني الادارة؟...
أوّل يوم لي يبدأ بمشكلة؟ ما الذي فعلته...؟
رفع البروفيسور كلتا يديه، وقال بصوت مرتفع قليلًا:
"فليُصفّق الجميع للآنسة روزنبرغ."
ماذا؟ هل ما سمعته صحيح؟
يا إلهي...
صوتٌ قويّ دوّى في القاعة، وربما خارجها.
الجميع يصفّق بحماسة.
يا إلهي... ليس وقت البكاء الآن!
لم على دموعي أن تحشر أنفها في كل موقف؟
لستُ أنا من يستحق التصفيق...
من علّمني، ومن أوصلني إلى هنا، إلى حيث أقف الآن والجميع يصفّق... هو وحده من يستحقه.
هو من يستحق التصفيق.
أحببت أن الأستاذ، وأمام الجميع، طلب منهم التصفيق بعد نقاش دار بيني وبينه...
حقًا، أحيّيه على هذا.
أحسستُ بنظراتٍ تخترقني من المقعد بجانبي، إنّه دانيال.
كنتُ رائعة بحق، أحسنتِ.
"شكرًا... شكرًا لك."
يبدو دانيال شخصية محترمة، مُراعية لمشاعر الآخرين، ويحبّ عمق التفكير، لكنه لا يُجيده تماماً
لستُ واثقة من هذه النقطة
لكن هذا ما أظنّه.
كما أن اسم عائلته "فون براندت"، أحد أغنى العوائل في ألمانيا،
إلا أنه لا يبدو بذلك الثراء...
"لم أسألكِ عن تخصصك، إن كنتِ لا تمانعين الإجابة طبعًا."
سألني دانيال:
"لا، أبدًا، لا أمانع...
أنا مختصة في التمريض النفسي."
بابتسامة ونظرة سعادة طفيفة، قال دانيال:
"يا لها من صدفة...
فأنا أدرس الطبّ النفسي."
شقت الابتسامة وجهي وقلتُ:
"شرفٌ لي مقابلتك، حضرة الطبيب."
"بل الشرف لي، يا حضرة الممرضة."
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
رحتُ أتجوّل وأستكشف أركان الجامعة في طريقي لزيارة المكتبة لأوّل مرة. كنّا قد اتفقنا، أنا ونتاليا، أن نحضر معًا صباح يومنا الأول، لكنها مرضت فجأة ولم تستطع المجيء.
في مساء ذلك اليوم، حين حدثتني عن أفكارها تلك، أرسلتْ لي رسالة قصيرة تقول فيها إنها زادت فوق همّي همًّا، وإنني من كنتُ بحاجة إلى المواساة، لا العكس. طمأنتُها بأنّ الأمر عادي، ولا شيء يستدعي الاعتذار.
أخبرتني أنها بدأت تشعر بالارتياح أكثر مع لوكا، وأن تلك الهواجس القديمة خفّت شيئًا فشيئًا.
شعرتُ بالراحة أنا أيضًا، وعلمت أن موعد خطبتهما لم يتأجل، وأنه على بُعد أقل من شهر.
وصلتُ أخيرًا إلى مكتبة جامعة هومبولت، ذلك الصرح العريق الذي يُعدّ من أكبر وأجمل المكتبات في أوروبا.
واجهتها الكلاسيكية، بأعمدتها البيضاء الضخمة، تخفي خلفها عالمًا هادئًا من الورق والصمت.
في الداخل، كانت الرفوف الخشبية الشاهقة تحتضن ملايين الكتب من شتّى صنوف المعرفة، وكأنها تعانق السقف المزخرف بلطف.
سلّمٌ دائريّ من الحديد الأسود يتوسط القاعة، يصعد بك كأنك تتسلّق طبقاتٍ من الزمن، صفحةً بعد أخرى.
الضوء الذهبي المنبعث من المصابيح المعلّقة يمنح المكان مسحة دافئة، تشبه رائحة الكتب القديمة التي تعبق في الجو.
وقفتُ عند الباب طويلًا، مأخوذةً بسحر هذا المشهد، أشعر أنني أمام حكايةٍ عظيمة توشك أن تبدأ.
"ابتعدي... أنتِ تسدّين الطريق."
قالها وهو يلكزني على كتفي بقوة، بصوتٍ خشن يكاد يعلو على هدوء المكان.
لم أتمكن من رؤية وجهه، ثم كيف سمحوا له بالدخول وذراعه موشومة حتى الرسغ؟ من يظنّ نفسه هذا المتبجّح؟
"هاي، أنتْ!"
صرختُ لألفت انتباهه، فقد ابتعد قليلًا.
قلتُ بعدما استدار إليّ وهو يعبث بهاتفه:
"أنتَ تعلم أنني لم أكن أقف في طريقك، ثم إنّ الباب يسع مرور عشرة أشخاص."
رفع نظره نحوي، ويبدو أنه لم يسمع شيئًا مما قلتُ.
ظلّ ينظر إليّ، وفي عينيه لمعة غريبة... دهشة، ربما.
أبطأ حركة يده حتى أخفض هاتفه تمامًا، وظلّ على هذا الحال لثوانٍ.
"ما بك؟ أنا أتحدث إليك."
قلتُ وأنا ألوّح بيدي أمام عينيه السوداوين.
"سوارين..."
همس بها، بحروفٍ متقطعة. نظرته كانت مركّزة تمامًا على ملامحي.
"سوارين؟ من تكون سوارين؟"
أغمض عينيه، ووضع إبهامه وسبابته على كلٍّ من عينيه، كمن يريد أن يطرد صورة ما.
"ما الذي تريدينه؟ لمَ أوقفتِني؟"
أيّ جنونٍ هذا؟ نظرتُ إليه باستنكار، ثم واصلتُ طريقي...
أدركتُ أنه لا جدوى من الحديث مع أمثاله.
بدأتُ أبحث عن مكانٍ أحجزه لنفسي طوال العام الدراسي.
لا بدّ أن يكون قرب نافذة، يضمن لي دخول أشعة الشمس الخافتة، ويبتعد عن الضوضاء والزوايا المزدحمة.
ربما يجب أن أصعد إلى الطابق العلوي، علّني أجد مكانًا مناسبًا.
صعدتُ الدرجات ببطء، أُمعن النظر في روعة تصميم المكان؛ الطاولات الخشبية المتوسطة الحجم تمتدّ في صفوفٍ على طول الجدران، مصقولة بعناية تليق بالمكان، ومزوّدة بمصابيح قراءة صغيرة تنشر ضوءًا ناعمًا يبعث على التركيز.
الكراسي كذلك، خشبية لكنها مريحة، ذات قاعدة مبطّنة توحي بالثبات والهدوء.
وجدتُ أخيرًا مقعدًا فارغًا قرب نافذةٍ عالية، فسارعت إلى الجلوس كأنني عثرت على ملاذٍ شخصيّ وسط هذا الامتداد الشاهق للكتب من حولي.
ماذا؟ هذا الأهوج... ثانية؟
- "إنه مكاني."
قلتُ وأنا أرمقه بازدراء لأخذه المقعد المثالي.
- "عفوًا؟"
قالها بنظرةٍ مستغربة، كأنّه لم يتوقّع رؤيتي من جديد.
- "أنتِ مجددًا... ماذا تريدين؟"
قلتُ:
- "هذا المكان... الذي جلستَ فيه لتوّك، كان لي."
لكنني تردّدت، فقد سبقني إليه فعليًا.
نظرات عينيه الناعستان كانت معلّقة على وجهي.
- "هل من الممكن، من فضلك، أن تسمح لي بالجلوس هنا؟"
سألتُ بلطفٍ مفتعل، أُمسك خيوط وُدّي لأحصل على المقعدِ فحسب.
لكنه لم يُجب مباشرة. بقي صامتًا، ونظراته متسمّرة عليّ، كأنّه يقرأ ملامحي لا يسمع صوتي.
ثم خفَض بصره، وفتح دفترًا ما، وقال ببرودٍ لا مبالٍ:
- "لا."
كم تمنّيت أن أصفعه. هذا المغرور... من يظنّ نفسه؟ ألا يعرف كيف يرفض بأدب؟
"ألم يُعلّمك أحد الاحترام، أو الرفض بلطف؟"
- "للأسف، نعم، لم يُعلّمني أحد."
أكملت طريقي بحثاً عن مقعد آخر بينما
جاءني صوته من خلفي، يحمل نبرة سخرية قاتلة.
"يمكنك الجلوس معي...
إن لم تمانعي، بالطبع."
أيسخر مني؟
قلتُ وأنا أتجه نحو طاولة خلف طاولته، بعدما نهضت الفتاة الجالسة هناك.
"وهل أعدّ هذا عرضًا مغريًا أم استفزازًا من نوعٍ آخر؟"
__"استفزازًا مغريًا."
قالها دون أن ينظر إليّ.
"أنتما تُسبّبان إزعاجًا، هلّا خفّضتما صوتيكما؟"
قالت فتاة من بعيد، تخاطبنا.
__"نحن آسفان، لم نقصد ذلك."
أجبتها معتذرة.
__"آسفة وحدك، لا تُقحِميني في الموضوع."
قال هو بجفاف.
همستُ تقريبًا:
__"ماذا؟ الفتاة تحدّثت مع كلينا، ثم إنّ كل هذا بسببك.
لو أنك سمحت لي بالجلوس في مقعدك لكان كل شيء على ما يُرام، ثم إننا فعلاً رفعنا صوتينا، ما الضّرر لو اعتذرتْ؟"
ظلّ شاردًا يحدّق فيّ.
"من تظنّين نفسك؟"
يحاول استفزازي؟ لا يليق به سوى طريقته ذاتها.
قلتُ بثقة عمياء:
__"أنا؟ ... أنجيلا ميركل."
وكأنّي لمحت شبح ابتسامةٍ ارتسم على وجهه.
__"كيف هو شعور منصب المستشار إذًا؟"
قال بنفس النبرة الهامسة.
أجبتهُ:
__"ولا في الأحلام."
__"أنتما..."
استدرتُ إلى الرجل الذي خاطبني أنا وذلك الأحمق.
__"أنتما ممنوعان من دخول المكتبة طوال الأسبوع."
قالها بلهجة صارمة.
__"ماذا؟ لماذا؟"
__"اشتكى قبل قليل عدّة طلاب من الضوضاء التي سببتماها."
ظلّ ذو العينين الناعستين جالسًا وكأن الأمر لا يخصه.
__"هيا، أسرعا بالخروج واتركا بطاقتيكما عند موظفة الاستقبال."
يا إلهي... جمعت كتبي في الحقيبة بينما ظلّ هو جالسًا في مكانه.
__"هاي، أنتْ! ألم تسمع ما قاله الموظف؟"
__"من؟... آه، تقصدين ذاك السمين ذو النظّارة العوجاء؟"
__"ما الذي كان يثرثر به؟
لا يهم."
مستحيل... البرود الذي يتمتع به!
__"ليس عدلًا، أنت السبب في كل هذا! فلتخرج."
وقف، ووجّه نظره إليّ واقترب بخطواتٍ بطيئة، ظلّ ينظر في عينيّ مطولًا، ثم قال بهدوء وبطء:
__"أنا... وأنتِ، لسنا متعادلَين أساسًا.
فلا تُقارني فتاةً وضيعة مثلكِ بأمثالي."
ذهب بعدما نفث كلماته المسمومة، وهمّ بجمع كتبه.
شعرتُ بتوترٍ شديد ممّا قاله، لكن لا بدّ أن أردّ عليه.
قد أختار الصمت في بعض الأحيان، لكن في أمور كهذه، لا بدّ من الردّ بالطريقة ذاتها.
قلت بهدوء و ببنبرة ثابتة:
__" الوضيع يا عزيزي هو من يرفض الاعتذار حين يُخطئ...
ويظن أن هذا يزيده قوة، وهو من يستغل ضعف فتاة ليستعرض سلطته عليها...
وهو أيضًا من يُهين غيره، واهمًا بأن ذلك يرفعه مكانة.
وما تفعله اليوم يعود عليك غدًا، وإن لم يُصبك، فقد يُصيب قلبًا أحببته."
توقفت يداه عن جمع أغراضه، لكنه لم يستدر. ومن الخلف، كان اهتزاز كتفيه كافيًا لأفهم أنه كان يضحك بصمت.
علا صوت ضحكاته. سمعته من بعيد وأنا أنزل الدرجات.
يبدو مختلًا بحق.
أعطيت بطاقتي للموظفة، فطبعت عليها علامة حمراء، وأعادت عليّ كلام الرجل بأنني ممنوعة من الزيارة لمدة أسبوع.
__"عذرًا..."
وأنا أُهمّ بالخروج، تخلّل إلى مسمعي صوت فتاة وكأنها تود سؤالي عن شيءٍ ما.
__"نعم؟"
غلفتُ إجابتي بابتسامةٍ صغيرة. كانت الفتاة طويلة، بشعرٍ بني فاتح، متوسط الطول، وبشرة تميل إلى السمرة الفاتحة.
__"كنت أودّ سؤالك عن إيفان... ما طبيعة علاقتكما؟"
قالت كلماتها بتردّد شديد.
__"إيفان؟ من يكون؟ يبدو أنكِ أخطأتِ."
استغربتْ من إجابتي، وقالت:
__"لا تعرفين إيفان؟ أأنتِ جادة؟ ذاك الذي ذراعه موشومة، وكنتِ تتحدثين معه قبل قليل في الأعلى."
أنا جادة؟ لماذا عليّ بحق الإله أن أعرفه؟ ثم من يكون؟ أكثر شخص مستفز وقليل الاحترام على وجه الكرة الأرضية؟ أم ماذا؟
(قلت هذا في نفسي طبعًا. الفتاة تبدو محترمة رغم سؤالها المستفز. ثم يبدو أنها مُعجبة به أو شيء كهذا، ورؤيتها له يتحدث معي أدخلت الشك في قلبها وجعلها تأتي لتسألني).
__"لا أعرفه، ولولا أنكِ أخبرتني باسمه الآن، لما كنت لأعرفه. وكلامنا في الأعلى كان مجرد صدفة، لا أكثر."
قلتُ أطمئنها.
ابتسمت بود، وصافحتني بحرارة، وقالت:
__"أُدعى إليزا فيرنر، سعِدت بلقائك."
ابتسمت لها وقلت:
"وأنا كذلك، اسمي نيلا هنريك روزنبرغ."
سألتي بتردد:
"إن كنتِ متفرغة، هل يمكنني دعوتكِ على مشروب تُفضلينه في مقهى الجامعة؟"
فكرت قليلًا في عرضها هذا، رغم أنني أجد صعوبة في التحدث مع من لا أعرفهم جيدًا، لكن وبما أنني متفرغة، والمحاضرة التعريفية تبدأ بعد حوالي خمسٍ وأربعين دقيقة، فلا بأس.
أجبتها بابتسامة عريضة، تبدو هذه الفتاة ظريفة فعلًا:
"نعم، بالتأكيد، لا مانع لدي."
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
كما كنت أقول، هو الابن الوحيد للبروفيسور رولاند، كما أن والدته هي الصحفية الشهيرة والناشطة في "جمعية أجنحة الغد" مارغريت رولاند، ألم تريها على التلفاز؟ إنها امرأة في غاية الجمال والرقة والنعومة، لا أعلم كيف أقنعها السيد رولاند بالزواج منه، وكما يبدو فإن إيفان ورث وسامته الشديدة من والدته. ثم ألم تتسائلي لمَ سُمح له بالدخول رغم أن ذراعه موشومة؟ بالطبع لأنه ابن البروفيسور الكبير...
(هكذا إذًا... لهذا هو يعتقد بأنه فوق الجميع، فقط لأن والده ذو مكانة.
لم يخرج حين طرده الموظف، ويبدو ذو شعبية كبيرة بين الفتيات هنا، ثم إن إليزا تبدو مغرمة به حدّ النخاع، تعرف أدق معلوماته، ومنذ جلسنا هنا وهي تثرثر عنه فقط دون توقف. سأجاريها في الحديث...)
"فهمت الآن، إذًا وما هو اختصاصه؟"
"إنه في سنته الثالثة في اختصاص علوم الحاسوب وتحليل البيانات، كما أنه متفوق جدًا، وعلاماته طوال أعوامه الثلاث ممتازة."
(لا يبدو وكأن مجاله علمي، ولا يبدو ذكيًا ولا متفوقًا أبدًا. مظهره يوحي بأن آخر همه هو الدراسة، وكل ما يهمه هو استفزاز وجرح الآخرين...)
أردفتُ قائلة:
"هل أنتما في نفس الاختصاص؟"
ردت وعقدة طفيفة بين حاجبيها:
"للأسف لا، فأنا طالبة سنة ثانية في علم الاجتماع، بذلت جهدي للحصول على معدل أعلى لأتوجّه إلى علوم الحاسوب، لكن للأسف لم يحالفني الحظ."
(يا إلهي ما خطب هذه الفتاة؟ لمَ قد يخاطر أحدهم بمستقبله من أجل أحد آخر؟)
ابتسمتُ لها وقلت بود، فرغم كل شيء تبدو إليزا عاشقة.
لا بأس عزيزتي، فأنتما في نفس الجامعة.
ابتسمت بفرح وقالت:
"معكِ حق، المهم أني أراه كل يوم."
"لم تخبريني أنتِ، ما هو اختصاصكِ؟"
"أدرس التمريض في المجال النفسي، في سنتي الأولى."
"إذًا أنتِ ممرضة! رائع، يليق بكِ جدًا."
سعدتُ جدًا بإطرائها هذا، وأجبتها بابتسامة عريضة:
"شكرًا لكِ..."
(إليزا فتاة جميلة وبسيطة، وتبدو ثرثارة، وهي تبدوا طيبة جدا، وهذا ما ظهر لي. لكن لا أفهم تعلقها الشديد بإيفان...)
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
ظللت أرتشف قهوتي السوداء ببطء، وأنا أتأمل الطلاب في الفناء من نافذة المقهى...
"هل تشربين القهوة دون سكر تمامًا؟"
أجبتها، فلطالما طُرح عليّ هذا السؤال:
"نعم، أحبها هكذا رغم مرارتها."
"لكن لمَ؟ لما قد تحبين القهوة على الرغم من أنها شديدة المرارة؟"
"لا يمكنكِ أن تقولي إنك تحبين القهوة، ولم تتذوقي مرارتها..."
"يا إلهي! أنتِ شاعرة بحق!"
ضحكات خافتة صدرت مني:
"لا، لست كذلك. إنها وجهة نظري فحسب."
"وجهة نظر شاعرية."
قالت.
"إذًا قولي لي، هل ستُقيمين في إقامة الجامعة أم منزلكِ ليس بعيدًا؟"
ظللت أفكر، فأنا حتى الآن لم أقرر بعد، ولم أتحدث مع والدتي جيدًا حول الأمر.
أجبتها عن سؤالها وأنا آخذ رشفة من قهوتي:
"لا زلت أفكر في هذا، لم أقرر بعد."
"إن اخترتِ أن تُقيمي هنا، يمكنكِ أخذ غرفة بجانب غرفتي إن أحببتِ."
(يا إلهي، إنها فعلًا لطيفة.)
أجبتها بود صادق وابتسامة أرجو أنها عبرت عن صدق شعوري:
"شكرًا لكِ إليزا، أنتِ في غاية الطيبة."
احمرّت وجنتاها إثر كلماتي وقالت:
"وأنتِ في غاية الجمال."
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
"إذًا، كيف كان يومكِ الأول؟"
سألتني ماري بحماسة، وأنا أعلّق معطفي على العلّاقة الخشبية قرب الباب.
لم أرَ أحدًا متحمسًا لدخول الجامعة كماري، هي تحب كل ما يتعلق بالدراسة الجامعية.
"جيد جدًا... تخيلي أن كل الطلاب في القاعة صفقوا لأختكِ!"
قلتُ بحماسة وفخر، وأنا أُسارع في الجلوس على الأريكة بجانبها.
"لا تقوليها... حقًا!"
غطّت يدها فمها، وهي مدهوشة.
"ولِمَ الصدمة؟ أليس هذا متوقعًا؟"
ضحكتُ على تعبيرها المصدوم، وواصلت حديثي:
"في الحقيقة، كان الأمر صدفة، فلقد ناقشتُ الدكتور في موضوعٍ ما، ثم طلب من الجميع التصفيق لي."
"رائع! بداية موفقة جدًا في أول يومٍ لكِ."
رفعتُ حاجبيّ كناية عن فخرٍ صغير.
سألتُها وأنا أتوجّه إلى المطبخ:
"ألم تأتِ أمي بعد؟"
"لا، ليس بعد. عند الرابعة كالمعتاد."
(جدولها مزدحم قليلًا في أيامها الأولى بعد العطلة الصيفية، خاصةً وأنها تغيبت كثيرًا مؤخرًا.)
رحتُ أُحضّر شطيرة جبن، ولاحظتُ بيضتين موضوعتين فوق منضدة المطبخ.
"من وضع البيضتين هنا؟"
سألتُ ماري وأنا آخذ قضمة من الشطيرة.
"لا أعلم. هانا من اشترته، وأظن أن فيليب هو من طلب منها ذلك، ثم رأيتُه قبل قليل يعبث هناك، قد يكون هو من وضعهما."
أجابتني.
أعرف أنّ لديه ميولًا للطبخ، لكن هذه الميول تنتهي عادةً برمي ما حضّره في القمامة.
"وهانا، أين هي؟"
لم تأتِ صباحًا رغم أن مناوبتها في المساء، سألتُها عن السبب فقالت إنها ذهبت مع إميليا لحلّ أمرٍ ما.
أمور إيميليا، المثيرة للاهتمام....
تعمل صديقة هانا كمحققة جنائية، لذا فأحيانًا تُنقَل الحالات المصابة إلى المستشفى الذي تعمل فيه أختي، وتكون تلك الحالات متعلّقة بقضيةٍ ما تحقق فيها إيمي، ولهذا فإن هانا تتدخّل أحيانًا لحلّ هذه الأمور.
لو لم أختر التمريض، لكنتُ حتمًا اخترتُ التحقيق.
صعدتُ الدرجات متوجهةً إلى غرفتي، سأنام قليلًا ثم أتحدث مع أمي وهانا حول مسألة الإقامة...
سأسأل فيليب عن أمر البيضتين، طرقتُ طرقة، ثم فتحتُ الباب...
ما هذه الوضعية؟ لمَ هو نائم هكذا؟
ابتسمتُ للغطاء المرمى وطريقة نومه الفوضوية.
غطّيتُه، وأطفأتُ النور، وأغلقتُ الباب بهدوء.
استلقيتُ في سريري بعدما أظلمتُ الغرفة.
لم أستطع النوم. أشعر برغبةٍ في فعل شيء ما، كما أنني لا أشعر بالتعب رغم استيقاظي باكرًا هذا الصباح.
أشعلتُ التلفاز بملل وأنا أقلب القنوات بحثًا عن شيء مثير للاهتمام.
كلها رسوم متحركة، أخبار مملّة، سياسة... ما هذا؟
استوقفني حديث المذيعة:
"عُثر صباح اليوم على رجل في الأربعينيات من عمره مشنوقًا داخل شقته غرب برلين، بعد شهرٍ واحد من وفاة زوجته في حادث سيرٍ مأساوي. الشرطة لم تعثر على أي آثار عنف أو اقتحام، فيما وُجدت رسالة غامضة بجانبه، لم يُكشف عن مضمونها بعد."
اعتدلتُ في جلستي بعدما أصغيتُ لكلّ حرفٍ قالته المذيعة، وقلتُ في نفسي:
"رسالة غامضة؟ أيمكن أن تكون رسالة انتحار؟"
تبِعَ تقرير المذيعة تصريح المراسل من موقع الحدث:
"بحسب تصريح الضابط 'شتاينر' من شرطة برلين: الموقع لم يُظهر أي علامات صراع، والباب كان مغلقًا من الداخل. لكن الرسالة الموجودة بجانبه تفتح عدّة احتمالات... لا نستبعد شيئًا في هذه المرحلة."
إليكم شهادة من أحد الجيران:
"كان رجلًا هادئًا... محطمًا بعد وفاة زوجته. لكن لا يمكنني تخيّله يفعل هذا بنفسه. لم يكن يبدو كمن يخطط للانتحار."
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
رسالة لا أعلم فحواها، تبدو كرسالة انتحار، والباب مغلق من الداخل، ولا وجود لعلامات صراعٍ أو شجار بين الضحية والجاني، ولا أثر لاقتحام أو عنف. الضحية محطّم بعد وفاة زوجته قبل نحو شهر... وقد وُجد مشنوقًا.
هل يُعقل أن الجاني شنقه بعد تخديره مثلًا، ثم لم يترك أي دليل ليبدو الأمر كحادث انتحار؟
أم أنه فعلاً شنق نفسه نافيًا كلّ شيء؟
لكن ما الهدف من تلك الرسالة؟
هل كتبها الضحية أم الجاني؟
"أوه! يا إلهي..."
دسستُ رأسي بين كفّيّ محاوِلةً طرد هذه الأفكار التي لا جدوى منها.
وكأنني أستطيع حلّ لغز الجريمة دون أي دلائل ملموسة أو زيارة لموقع الحادث والأهم معرفة فحوى تلك الرسالة..
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
"ما الذي تفعله؟"
وجّهتُ سؤالي لفيليب وأنا أنزل الدرجات.
التفتَ إليّ ورفع بصره نحوي، وقد بدا عليه الهلع:
"فطيرة... فطيرة التفاح."
"هكذا إذًا... أنت من أخرج البيضتين من الثلاجة."
"هل وضعتَ كأس ماء في المجمّد؟"
سألتُه وأنا أملأ كوبًا بالماء. أعلم أنه لم يفعل.
"لا... لقد نسيت. نسيتُ الوصفة بأكملها. كنتُ على وشك مناداة ماري أو هانا لتُذكّراني بها."
رفعتُ حاجبيّ وأنا أضع الكوب في المجمّد وقلتُ:
"ولِمَ لم تفكر في مناداتي أنا؟ ألستُ أفضل من يصنع فطيرة التفاح في العالم حسب قولك؟ ثم، لِمَ تبدو متوترًا هكذا؟"
"لا شيء... وظننتُ أنكِ نائمة، ولم أشأ إيقاظك."
نظرتُ إليه بعدم تصديق، وبدأتُ في التحضيرات لبدء اعداد العجينة:
"نحتاج نصف رطلٍ من الزبدة المقطعة قطعًا صغيرة، بيضتين بدرجة حرارة الغرفة، رشّة من الملح، وأخرى من الفانيليا، وحوالي ملعقتين من الماء البارد جدًا، ثلاث ملاعق كبيرةً من السكر وكمية من الطحين حسب الحاجة."
"هلا أحضرتَ وعاءً زجاجيًا من الدرج قرب الثلاجة؟"
"حاضر... تفضّلي."
"والآن، ضع الزبدة."
قلتُ آمرةً. لن أحضّرها بدلًا عنه.
"حسنًا، وضعتُها. ثم ماذا؟"
"الآن أضف كمية مبدئية من الطحين. ليس الكثير، احذر."
"لا، فيليب! أخبرتك أن تضع القليل وحسب، انها كمية كبيرة!"
"لا بأس، وما في ذلك؟ نضيف بعض الحليب وينتهي الأمر، لا تُضخّمي الموضوع."
قالها بانفعال، وهو المتوتر أكثر مني.
"حسنًا، لا بأس. الآن، حاول إذابة الزبدة بدمجها مع الطحين باستخدام رؤوس أصابعك."
"جيد جدًا. أضف الآن رشّتَي الملح والفانيليا... آه، تذكّرت، انتظر."
أحضرتُ حبة ليمون خضراء طازجة من الثلاجة، ورحتُ أبشر قشرتها العطرة.
"سأضيف مبشور الليمون، سيُعطّر العجين أفضل من الفانيليا."
قال:
"ثم البيضتان، صحيح؟"
سألته:
"نعم، صحيح. أين وضعتهما؟"
"إنهما قرب الفرن، هناك."
أحضرتهما وكسرتهما، وراح فيليب يخلط كل شيء بيديه.
"أترى؟ العجين لا يزال يابسًا بسبب كمية الطحين الكبيرة. سنبدأ الآن بإضافة الماء البارد حتى يصبح قوامه مناسبًا."
وبينما أُضيف الماء وفيليب يجمعُ العجين، قال:
"لم تخبريني بعد، كيف كان يومكِ الأول في الجامعة؟"
"كان رائعاً جدًا. صفّق الجميع لي، تعرّفتُ على صديقة جديدة، والقليل من المزعجين. والمكتبة في الجامعة ضخمة، لن تصدّق كم هي جميلة!"
توقّفَ عن التحريك، ونظر إليّ بحدّة:
"مزعجين؟"
"لا... أقصد، قد نصادف أناسًا سيئين في أي مكان، وحسب. لا تقلق."
ضحكتُ على أن لا شيء لفت انتباهه في حديثي سوى هذه الجملة.
"أقسم، لو أنكِ تعرضتِ لمضايقةٍ ما ولم تخبرينا، أقسم أني لن أسامحكِ أبدا، يا نيلا."
علتْ ضحكاتي، وقلتُ من بينها:
"يا إلهي، فيليب... شكرًا لك، لا تقلق، ستكون أول من يعلم، صدّقني."
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
أكملنا تحضير حشوة الفطيرة بوضع خليط قطع التفاح مع القرفة وعصير ليمونة وثلاث ملاعق سكر، وتركناه على النار حتى نضجت قطع التفاح.
رائحة القرفة الممزوجة بحموضة الليمون وحلاوة التفاح الشهية عبقت أرجاء المنزل.
جاءني صوت والدتي وهي تخرج من غرفتها، بينما كنت أنا وفيليب نضع اللمسات الأخيرة على شكل الفطيرة قبل إدخالها إلى الفرن.
"نيلا عزيزتي، أنتِ هنا؟ كيف كان يومكِ الأول إذًا؟"
(لماذا يستغرب الجميع وجودي هنا؟)
أجبتها بابتسامة مطمئنة. أعلم أنهم جميعًا قلقون عليّ وعلى جامعتي.
"جيد جدًا كبداية للحياة الجامعية."
سألتها:
"لم تخرجي باكرًا اليوم؟ لمَ؟"
"تعاني المدرسة من نقص في أساتذة التاريخ، لذا طُلب مني تدريس ساعات إضافية لبعض الأقسام إلى حين توفير أستاذ جديد."
"هكذا إذًا... لم أرَ هانا منذ الصباح، أين هي؟"
"إنها في غرفة المكتب على ما أظن."
يبدو أنها مشغولة بأمر ما، ولا أرغب في مقاطعتها.
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
أشعر بالتعب من الوقوف طوال هذه المدة، ظللت أطل من شرفة المطبخ وأتأمل السماء والشارع لما يقارب النصف ساعة دون أن أشعر بالوقت.
هل انقطعت الكهرباء؟
يبدو ذلك.
لكن غرفة المعيشة مضاءة... دخلت المطبخ، وفجأة.
أضيئت الأنوار والجميع يصفق لي.
"أول يوم جامعة مبارك!"
قالت ماري وهي تضحك والجميع كذلك، وفيليب يحمل فطيرة التفاح وقد غرس فيها شمعة صغيرة.
هانا وأمي، تتلألأ السعادة في عيونهما.
بقيت أنظر إليهم، بفرح... بل بشيء لا أعرف كيف أصفه. كأن قلبي فاض راحة ومحبة لهم جميعًا. بدأت دموعي الحارّة بالانسياب دون إرادة مني، فمسحتها بسرعة. تقدّمت هانا لتعانقني، ثم تبعها الجميع.
إن طُلب مني تعريف السعادة، فستكون على هيئة لحظاتي هذه...
جلسنا حول الطاولة، أمام كلٍّ منا قطعة من الفطيرة وكأس من عصير الليمون والبرتقال.
فهمت الآن لماذا بدوا متوترين من تحضيري للفطيرة، ولماذا لم ينادِني فيليب لمساعدته... كانوا يخططون لمفاجأتي، لعلمهم بمدى حبي لها. لكنني أفسدت المفاجأة بتحضيرها بنفسي تقريبًا.
ابتسمت لطرافة الحادثة.
تذكرت أمر الإقامة، ووجهت سؤالي لوالدتي:
"أمي... أفكر في أمر الإقامة، ما رأيكِ؟"
"اختاري ما ترينه مناسبًا يا ابنتي، مع أني أفضل إقامتك هنا في المنزل. لكن بحكم المسافة إلى الجامعة، فلكِ أن تختاري ما يُريحكِ ولا يعرقل دراستكِ."
فكرت في كلامها. إقامتي في مبنى الجامعة تبدو أفضل من نواحٍ عدّة، لكن فكرة ترك المنزل، وأمي، وإخوتي... هي ما تجعلني أتردد.
ثم تابعت قائلة:
"ثم إنّ حالات السرقة والاغتيال كثرت هذه الأيام، فكوني حذرة رجاءً."
"آه، نعم! هل رأيتم خبر ذلك الرجل الذي شنق نفسه؟"
قال فيليب بصوت مرتفع وحماس طاغٍ.
"توقف يا فيليب، لا تتحدث عن هذه الأشياء المريعة!"
نهرته ماري، وتعبير الاشمئزاز يعلو وجهها.
"نعم، رأيت الخبر. قالوا إنهم وجدوا رسالة ما... لا تتخيل كم أرغب في معرفة ما تحويه."
فور أن أنهيت جملتي، مدت لي هانا ورقة ما وقالت:
"تفضّلي، نسخة من الرسالة الأصلية."
ماذا؟...
"هل ما سمعته صحيح؟ أهي جادة؟ من أين لها بها أصلًا؟"
ظل فيليب يسعل من اختناقه بلقمة فطيرة، بعد صدمته من ورقة هانا.
قال وهو يمد يده نحوي:
"أعطني إياها."
"كلا... بعدما أنتهي من قراءتها، سأفكر في أمر إعطائك إياها."
"لا تكوني سخيفة."
ضحكت على انزعاجه وتذمّره.
طويت الورقة وخبّأتها في جيب سروال بيجامتي. سأقرأها بعد أن أصعد إلى غرفتي، لأركّز في محتواها جيدًا.
لحظة...
"من أين لهانا بالرسالة؟"
"كيف حصلتِ عليها؟"
سألتها بنبرة فضول وتساؤل حقيقيين.
"إيمي كُلّفت بالتحقيق في الجريمة، وطلبت مني الذهاب معها لزيارة موقع الحادثة. ثم إن الشرطة هناك قامت باستنساخ عدد كبير من تلك الرسالة."
فهمت... بفضل إيمي إذًا.
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
أنرت المصباح الصغير على مكتبي، وجلست بهدوء وكأنني أخشى أن يسمعني أحد.
فتحت الرسالة ببطء.
كانت مكتوبة بخط أنيق، مائل، ذو حروف متناسقة...
___________________________________
ليست المشكلة أنك لم تُنقذها.
المشكلة أنك كنت تستطيع.
ثلاث لحظات، لا أكثر.
لم يكن عليك أن تصرخ،
لم يكن عليك أن تركض،
فقط... أن تُجيب.
هل سمعت الصوت؟
أم كنت مشغولًا بترتيب الكلمات التي لن تُقال؟
وحدهم الأحياء يخطئون.
لكن ليس كل خطأ يُغفر...
البعض يُدفن.
البعض... يَدفنك.
أنت لم تقتلها.
لا أحد قال ذلك.
لكنّك تعلم لماذا ماتت.
لا تقل شيئًا.
لم تعد تملك الوقت.
Y.W.Y.D.Y.I.O.R.I.T.Y 🜍
_____________________________________
لم يكن هناك توقيع.
فقط ذلك الرمز، محفورٌ في الأسفل كجُرحٍ بلا دم.
⋅ ────── ❈ ⁕ ❈ ────── ⋅
⋆。˚ ❀ 𝓔𝓻𝔂𝓽𝓪 _إرِيتَا❀ ˚。⋆
★نجومكم تضيئني★
⋆。˚ ❀ فِيُورَا ❀ ˚。⋆༶