في متاهه راسي

في متاهه راسي

22 0

استيقظت\.\.\.و لا أعلم كم مر من الوقت ، حين فتحت اعيني بتثاقل ارفع راسي ليس من فوق الطاوله بل من الارض البارده\.\. شعرت بعقلي يتأكل وعروق نابضه بجبيني من شده ألالم\.\.\. تأوهت اشعر ببروده الارض تحت جسدي ولم اكن استطع رفعه شعرت بأن قيود تلتف حولي تثبتني ، مررت عيناي بتعب على ما يستطيع عقلي استيعابه\.\. لم يعد هناك\.\.\. لا أثر لذلك الظهر العريض، ولا تلك الرائحة التي كانت تعطي نكهه للمكان \. مجرد مقعد فارغ، وطاولة باردة، ولكنني لم أكن وحدي تماما، لأن المراقِبة كانت فوق رأسي، شفتيها تتحركان، لكنني لم أسمع شيئا\. صوت الألَم في رأسي كان يعلو عليها، ذلك الصفير الحاد الذي يشق جمجمتي كأنه يريد أن يمزقني\.\. ابتلعت ريقي بصعوبة، شعرت بجفاف خانق في حلقي\. رفعت جسدي المخدّر محاوِلةً الوقوف، لكنني لم أصل حتى منتصف الطريق قبل أن أجد نفسي على الأرض مجددا\. وللمرة الألف، يحدث هذا\.\.\. هنا وامام هذه المرأه \.\. "ألا تسأمين من تكرار هذا ؟" نبرة تهكمية جافة خرجت من المراقِبة وهي تبتعد عني، تجلس على كرسيها، ترمقني بنظرة استحقار لم تحاول حتى إخفاءها\. دفعت شعري إلى الخلف، جمعت نفسي من الأرض، ووقفت اخذ نفسا عميقا لاسيطر على اعصابي ثم اقتربت من مكتبها التقطت هاتفي من فوق الطاولة، علقت حقيبتي على كتفي، ثم غادرت دون أن أنبس بكلمة\.\.\. لم أكن أتظاهر\. أقسم أنني فقدت السيطرة على جسدي للحظة\. كنت أشعر بالخدر، بالألم الذي يطحن عقلي، لكن من سيهتم بذلك؟ من سيصدق\.\.لا اعلم ما مشكلتي مع السرير والمقاعد لما كل مره انام استيقظ واجد نفسي على الارض\.\. وانا اسير اصطدمت بأحدهم عند الزاوية، جسدي المتعب لم يكن قادرا حتى على الانحراف عنه لاسمعه يتمتم بنبره حاده "خرقاء" "أعتذر" قلت ذلك بصوت خافت، مضطرب، دون أن أنظر إليه، ثم تجاوزته، مكتومة الغصة، مسرعة نحو الحمامات قبل أن يلاحظ أحد أنني بالكاد أستطيع التنفس\. "كريستينا، ماذا حدث؟" رفعت رأسي نحو روزي التي كانت بالحمام تقف امام الحوض ترسم احمر شفاه والتي توقفت فجأة عند رؤيتي، عيناها توسعتا بصدمة، وكأنني خرجت لتوي من فيلم رعب\. تجاهلت قلقها واتجهت مباشرة إلى المرآة، وما إن وقع بصري على انعكاسي حتى فهمت سبب ردة فعلها\.\.\. بشرتي كانت شاحبة، وكأن الحياة تسربت مني، وهالات سوداء أثقلت جفوني، شفتاي جافتان وكأنني لم أشرب الماء منذ أيام\.\.\. اللعنه اين اختفت مساحيق التجميل التي صبغت وجهي بها قبل ان اخرج من المنزل صباحا\.\.\. "لا شيء" نبست ببرود، متجاهلة الغصة التي تخنقني\. روزي ومولفر لا يعرفون شي عن كريست المضطربه وانا دائما احاول ان ابدو بحال افضل هنا في الجامعه واتصرف بطبيعيه ولكنني حقا اشعر ان ما يحدث معي لم يكن يوما طبيعياً\.\.\.\.، روزي اكتفت بنظره قلقه ثم عادت لما تفعله في هذه الأثناء، كنت قد التقطت بسرعة مساحيق التجميل، وبدأت أصبغ وجهي، أخفي آثار التعب وأرسم قناعا جديدا، كما أفعل دائما\. تأملتني روزي للحظة، قبل أن ترفع ذراعيها وتعقدهما، قائلة : "إذن؟ كيف كان العقاب هذه المرة؟" زفرت وأنا أرسم لمسة من أحمر الخدود على وجنتيّ وقلت بأبتسامه مزيفه : " لنكن صريحات علي شكر البرافيسور نتريس\.\. لقد منحني فرصة عظيمة للنوم\.\.\." قهقهت روزي وهي تهز رأسها: "نعم، واضح أنك نمتِ بسلام\! وجهك كاد يفزعني\.\.\. " ضحكت بخفه اقترب من المرأه لرسم باطن عيني بكحل غليظ بينما سألت روزي "الم يستدعنا رئيس القسم للأن؟" "لا" "هذا غريب كل مره ندخل بشجار يأتي بنفسه ليأخذنا لمكتبه" "اظن انه سئم منا" قالت روزي بغمزه فضحكت بخفه "لا إلومه" أمسكت حقيبتي وعلقتها على كتفي، متوجهة نحو الباب روزي لحقت بي وهي تبعثر شعرها الاشقر بشقاوه\.\. خرجنا من الحمام بهدوء، أستطيع أن أشعر بأنني أستعيد بعض توازني بعد ذلك الصداع الذي كاد يفتك بي\. كانت روزي تسير بجانبي، تتحدث عن البرافيسور نتريس وكيف قام بأحراج آنيا طالبا منها اعاده الشرح\.\.\. وصلنا إلى خزائن الطلبة، وكل واحدة منا كانت مشغولة بأغراضها\. فتحت خزانتي، وحينما نظرت داخلها، أطلقت آهة قصيرة "يا إلهي، إنها الزهره ذاتها\.\.\." رفعت يدي لأمسك بالزهرة، وكانت تبدو غريبة للغاية\. شفافه، لامعة، وكأنها قطعة من الكريستال\. كنت قد رأيتها في مكان آخر من قبل، وعرفت أنها لا تنمو بالطبيعة\. إنها تلك الزهور التي يتم معالجة بتقنيات وصبغات كي تتحول إلى شكلٍ كهذا\. لكن من الذي يضعها في خزائني؟ "المعجب السري؟" قالت روزي، وقد أخذت الزهرة بفضول وشمتها بتمعن، عينيها تلمعان بإعجاب "كم انتِ محظوظه كريس هناك من يعمل بجد ليصنع لك زهره كريستاليه ليعبر لك عن اعجابه" ضحكتُ في نفسي بينما أخرجت كتبي من الخزانة: "إذا كان معجبا، فليذهب ويحضر لي قهوة وكتاب جميل في المرة القادمة بدلاً من هذه الزهور الغريبة\.\.\. " أخذت الزهرة منها بيد مرتجفة قليلاً، ثم أومأت برأسي وعيني تركز على سلة النفايات بجانبي\. دون تفكير، ألقيت الزهرة داخل السلة كما افعل دائما ، كانت تلك الاشياء تقلقني،بالاخص انني لا اعرف مصدرها ولما لي فأتخلص منها فورا كأنني أريد أن أفرغ قلبي من كل هذا الإزعاج الذي تراكم حولي\.\.\. كل يوم خميس اجد زهره كريستاليه في خزانتي، لا اعلم من يضعها ولما في يوم الخميس تحديدا ولكنه منذ ان بلغت الثامنه عشر يفعل ذلك،سابقا كنت اجد الزهره موضوعه على نافذتي او في حديقتنا في المكان الذي كنت اجلس فيه دائما اسفل شجره الجوز،ذات مره اختبئت وبقيت طوال الليل اراقب النافذه لأرى من يضعها ولكن لم اجد شي \.\.\. همست روزي في أذني، ، وهي تقترب بعناق جانبي ، وكأنها تهمس بسر: "ألا تظنين أنه اوليف ؟" ضحكت بخفة، وهززت رأسي في نفي : "ذوقه سيئ في الزهور \.\.\. فضلا عن انه لايمتلك المال لشراء تلك الصبغات لقد بحثت عنها وعرفت انها تستورد خصيصا من اسبانيا لذا لا ليس هو\.\. " حملت كتبي وخرجنا معا نحو القاعة\.\.\. جلسنا في أماكننا، وأخذنا مكاننا المعتاد\. بعد لحظات، بدأنا نسمع صوت آينا، التي كانت جالسة في المقعد المجاور لنا، ترمي كلماتها الثقيلة علينا، مثل رائحة عطرها الفاقع\.\.\. كيف سأعيش مع هذه الشخصية تحت سقف واحد؟" تساءلت في عقلي للمره الألف وأنا أرمقها عن بعد لابد أن إحدانا ستقتل الأخرى في النهاية\.\. مررت اعيني بملل حول القاعه بينما اضع القلم بين شفتاي سمعت صوت اوليف ، الذي، كالعادة، كان يخفض رأسه بأدب وابتسامة خفيفة\. بدا وكأنه يحرص على أن يكون ودودا، بينما عينيه الخجولتين تتجنبان الاتصال المباشر مع عيوننا\. كان يرتدي كنزه ملونة بنقوش مربعة صفراء وحمراء وبنطال بني بسيط\. نظارته كانت محاطة بعينيه اللتين تعكسان تواضعه، \.\.\. كان ذلك النوع من الأشخاص الذي يبذل جهدا مستمرا ليكون لطيفا ومحترما، حتى حين يُستغل من قبل الآخرين\.\.\. "احضرت هذه لك" قالها بصوته اللطيف فخفضت اهدابي انظر للشيئ الذي قدمه نحوي لتتفرق شفتاي بأستغراب وانزل القلم من بينهما "ما هذه؟" "لصقه جروح" قطبت حاجباي بأستغراب فعدل نظارته بتوتر وقال بأبتسامه خجله "اصبعك مجروح، اخشى ان يتجرثم " حين قال هذا فتحت يداي ونظرت لاصابعي فرأيت سبابتي مخدوش خدشا بسيطا حتى انا لم انتبه له او اشعر بالالم منه، فكيف انتبه هو رفعت اعيني لاوليف مجددا فشعرت بحراره على رقبتي وقشعريره حارقه احرقت عمودي الفقري فرمشت واخذتها اشكره بنبره خافته وكأن صوتي اختفى فجاه لم استطع التنفس حتى انسحب من امامنا حينها فقط اطلقت زفيرا عاليا اضع لصقه الجروح بحقيبتي وتجاهلت روزي التي رمت راسها فوق الطاوله تقوم بحركات هائمه وكأن ذلك اثر بها\.\. "الرجل يحبك" "اصمتي روزي" جسدي كان منقبض اشعر بأنفاس قريبه جدا من وجهي لدرجه انني شعرت بالغثيان\.\. "انها الحقيقه انظري من كان سيلاحظ اصبعك المخدوش، تلك علامات الحب" مسحت وجهي و رقبتي بكلتا يداي ولا اعلم لما شعرت بالاختناق والضيق\.\.\.\. راقبته يسير نحو مقعده ويجلس بهدوء مخرجا كتبه ليدرس\.\. انا اعلم انه يحبني لكنني لا أستطع أبدا أن أقترب منه\. لم يكن غريبا أنه اعترف لي بحبه، لكن شيئا ما في داخلي كان يعترض على هذه الفكرة بشكل غير عقلاني\. "أكره هذا الشخص، ولا أعرف السبب" عقلي كان يصرخ عندما أكون بالقرب منه، متسابقا في توجيه الشتائم له كلما وقفت أمامه\. كان الأمر سيئا لدرجة أنني في إحدى المرات تقيأت على قميصه، لكنه لم يتغير\. لم يُظهر أي تذمر أو انزعاج، بل استمر بابتسامته التي تُسخّر كل صباح لي، وكأن شيئا لم يكن\.\.\. عندما يكون قريبا مني اشعر بطاقه غريبه تجعلني مشمئزه منه وكأنني انفر منه وكأن هناك من يأمرني بالابتعاد عنه\.\. وبمجرد ان يبتعد اشعر بالتحسن واستطيع التنفس بهدوء \.\. وانا على يقين انه ليس السبب بما يحدث معي هو لطيف جدا ومحبوب والعله مني انا، انا غريبه الاطوار اللعينه انا ومشاكلي التي لا تنتهي مع الجميع\.\.\. تحدثت روزي ذات يوم عن قميص احتياطي كان يحمله في حقيبته\. كانت تُعلق ضاحكة أن اوليف كان يحضر دائما قميصا آخر، تحسبا إن تقيأت عليه مرة أخرى عندما يحادثني\. وبالرغم من كوني على علم بمدى لطفه، وكامل الاحترام الذي يعامِلني به، إلا أنني لم أستطع التخلص من مشاعري السلبية تجاهه\.\.\. أكره نفسي لذلك\.\.\. كيف يمكنني أن أكره شخصا لطيفا جدا مثله؟\.\. الحقيقة هي أنني لا أستحقه، بل بالكاد أستحق نفسي في بعض الأحيان\. كيف لرجل مثله، يمتلك كل هذا النبل والطيبة، أن يتحمل شخصا مثلي؟ويبقى ودود معه بل ويحبه\.\. كنت أراقبه عن كثب لمحت آينا ترمقني بحقد من اعلاي لاسفلي ثم دفعت شعرها للخلف ورتبت منظرها تحمل كتابها وتسير نحو اوليف بأبتسامه حاولت جعلها مهذبه قالت له شي بصوت ناعم جدا فأبتسم بلطف وافسح لها المجال لتجلس بجانبه لعلها طلبت منه ان يشرح لها شي ما\.\.\. كالعاده\.\. ورغم انني لا اطيق آينا الا انني لا يمكنني ان انكر انها تستحقه أكثر مني\. لانها تملكه في قلبها\.\.\. ربما تكون علاقاتنا أسوأ من الجحيم، نعم، لكن هناك شيء في طريقة تعبيرها عن مشاعرها يعكس صدقا لم أستطع فهمه\. كانت دائما تحاول إظهار نفسها الأفضل امامه ، تخترع حججا للاقتراب منه، تستغل أي فرصة ليشرح لها، دون أن يلاحظ كيف كانت عيونها تتبع كل حركة منه بهيام\.\.\. وربما هذا هو السبب في كراهيتها لي، أنها تخشى أن أخطفه منها\. ولكن ماذا أفعل؟ هو حتى لا يلاحظها بالطريقة التي تظنها، لا يراها كما تراه هي\.\.\. لقد رفضته صراحة، وكنت متأكدة أنني لا أحتاج إليه أو إلى تلك المشاعر التي يحملها لي\. \.\.\. لا أحتاج هذا النوع من الإحراج في حياتي\.\.\. لا أريد أن أُعذب نفسي أو أُدخله في حياتي بهذا الشكل المزعج\. كان أفضل لي ألا أتعامل معه، وأفضل له أيضا\. ولكن حتى بعد كل هذا، هو لا يزال ثابتا في مكانه\. وأنا\.\.\. لا أستطيع تقديم له ما يريده\.\.\. كنت في زاويه من عقلي ، عينياي شاردتان في الفراغ، حيث تتقاطع الأفكار في عقلي كما لو كانت معركة بين عقلين\. عقل واحد يحاول أن يقترب، أن يفتح أبواب قلبه، وعقل آخر يصرخ في وجهي، ينبهني أن أبتعد، أن أحتفظ بمسافتي مع الجميع\. لا أعرف كيف أصف هذا التناقض الذي أعيشه، ولكنني بدأت أشعر بأنني شخصان مختلفان في جسد واحد\.\.\. أحياناً، أظن أنني لا أمتلك نفسي\. هناك جزء مني يحلم بأن يأتي فارس الأحلام، يركب حصانه الأبيض، ويأخذني بعيدا عن كل هذا الصراع الداخلي\. ولكن في نفس الوقت، أكره الرجال، أخاف منهم\. لا أستطيع أن أتقبل فكرة أنني يمكن أن أكون ضعيفة أمام أحدهم\.\.\. \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ 🐚🐚🐚🐚🐚🐚 بعد الجامعه مررت على عياده شارلوا الذي كان ابن عمه صديقتي روزي، كان رجلا ذو ملامح هجينه يابانيه وبريطانيه بحكم ان والده ياباني ووالدته بريطانيه ، لقد قضى طفولته في اليابان وكانت لغته البريطانيه مكسره عندما استقر هنا بعمر العشرون وذلك سبب له مشكله في التعامل مع العملاء مما جعله يختلط بالأخرين اكثر ويكثف قراءته للصحف والمجلات البريطانيه لغرض اتقان اللغه انا اعمل عند العمه ايليت والدته لأسدد اجور جامعتي ولذلك كنت التقيه كثيرا في المطعم وذات يوم طلب مني ان اذهب معه لمشاهده فلما في السينما غايته منه هو تحسين لغته، فوافقت وتكرر ذلك كثيرا واصبحت علاقتي به جيده، كان كأخ كبير لي مثل هارلد تماما\.\. "مرحبا، شارلوا\.\.\." نطقت بتحية هادئة ، ترافقها ابتسامة باهتة وانا ادخل لعيادته ، فبادلني ابتسامة صامتة، كانت كافية لتُفهم كتحية، إذ كان منشغلا بقياس ضغط الدم لعجوز ممددة على السرير، فيما حفيدتها تقف عند رأسها، تمسح على جبينها بقلق ظاهر\. كان يبتسم للعجوز بحني وهو يراقب جهاز الضغط ليقول بصوته الدافئ بعد انتهاءه : "مجرد هبوط بسيط في الضغط، لا داعي للقلق\. سأمنحك بعض الأدوية، ومن الأفضل أن تتناولي شيئا مالحا\.\.\. " تنفست الفتاة الصعداء، ، ثم أعانت جدتها على الجلوس بينما  شارلوا يفتح كيسا طبيا، يستخرج منه بضعة أدوية سلمها للفتاة بلطف مع ابتسامة مطمئنة، ثم انحنى وقبل جبين العجوز قائلاً: "اعتني بنفسك يا جدتي، سأزورك مساء اليوم لأطمئن عليك\.\. " ضحكت العجوز بخفة وهي تبعثر خصلات شعره: "وسأهزمك كالمعتاد\." ضحك، ثم التفت إليّ بعد أن غادرت الحفيدة وجدتها، وأسند كفيه إلى خصره وهو يرمقني بنظرةٍ فاحصة، تبدأ من رأسي وتنتهي عند قدميّ، ثم أطلق زفيرا هادئا وقال بنبره مازحه : "عجبا\.\.\. تبدين بخير\.\." أومأت برأسي بخفة، أراقبه وهو يغلق جهاز قياس الضغط ويعيد ترتيب السرير\. كان يرتدي مئزرا أبيض فوق قميص أسود وبنطال جينز، وخصلات شعره تتدلّى على جبينه مع كل حركة منه قلت بسخرية مريرة: "وكأنني آتيك كل يوم سابحه بالدماء لتتفاجأ بسلامتي\.\.\." ضحك بخفة، ثم جلس على كرسيه وقال: "ربما لا ارى دماء، بل هاوية ألم\.\.\. " تنهّدت وجلست على الكرسي المقابل، أقول بلهجةٍ جادّة: "أريد باراسيتامول، وإيبوبروفين، وأي شيء آخر يُخفف هذا الصداع اللعين\.\. " نظر إلي بهدوء، يعبث بقلمه على سطح المكتب وكأن عينيه تطرحان سؤالا صامتا: هل تظنين أن كل هذا سينتهي ببعض الأقراص؟ أجبته بصمتي، وأنا أحدق في السقف هربا من نظراته نهض، وسحب بعض الأدوية من أحد الأدراج، ووضعها أمامي\. أخرجتُ من حقيبتي بعض النقود ومددت يدي نحوه، لكنه دفعها بلطف جانبا وقال: "أعطيكِ إياها لأنك تطلبينها، لا لأنني أؤمن أنها ستنفعك\. ولهذا، لا يمكنني أن آخذ ثمنها\.\." زفرت بضيق، ووضعت المال على سطح مكتبه رغماً عنه: "إن لم تأخذه، سأعطيه لابنة خالك روزي ، هي لا تقول لا للمال\.\. " قلب عينيه باستسلام، ثم جلس أمامي وأردف بلطف: "أعرف طبيب اعصاب  بارعا، \. ما رأيكِ أن\.\.\." قاطعته ببرود واضح، وأنا أشيح بوجهي: "لا داعي، أستطيع السيطرة على عقلي\.\." كان على وشك الرد، لكنه تراجع حين لاحظ ضيقي، فاكتفى بالتنهيد وقال بنبرة شفقةٍ خفية: "كما تشائين، كريس\. لكن إن غيرت رأيك، فأنا هنا\.\.\. دوما\.\.\." أومأت له شكرا، ونهضت متجهة إلى الباب، لكن صوته استوقفني: "كريست\.\.\. والدك كان هنا قبل نصف ساعة\.\." توقفت، نظرت إليه بجدية، شعرتُ بانقباضٍ مؤلم في صدري، بينما تابع: "أخذ أدوية مهدئة ومنومة\.\.\. من أجلك\.\." تشنجت أصابعي على الكيس، وارتسمت على وجهي ابتسامة مصطنعة، تخفي خلفها كلمات اختنقت في حنجرتي، ترفض الخروج\. ابتسم وقال بمكرٍ لطيف: "خذيها، طعمها جيد\.\." عقدت حاجبي بدهشة، فاقترب مني وربت على كتفي وهمس: "استبدلتها بأقراص حلوى\.\. " ارتجف قلبي، وغمرتني عاطفة مباغتة كادت تفضحني، فابتسمت له امتنانا، ولم أنبس سوى بكلمة "شكرا" خرجت مبحوحة بسبب غصتي\.\. لم يكن شارلوت مجرد طبيب يحاول مساعدتي على مواجهة تلك الظواهر الغريبة التي تطاردني، بل كان أشبه بأخٍ آخر لي اكثر من كونه ابن عمه صديقتي روزي ،كان يعتني بي، ، ويقف بثبات في أكثر لحظاتي هشاشة\.\. كم من مرة دخلت عيادته بحالة هيستيرية، غاضبة، أبحث عن مهدئ كما يبحث المدمن عن جرعته، وكم مرة جرحته بشفرات حادة حين حاول منعي من إيذاء نفسي\.\.\. ومع ذلك، لم يذهب ليخبر والدي، بل جلس إلى جواري، فهمني، حاول تشخيص حالتي، لكنه عجز\.\.\. لأنه ببساطة لا يوجد تفسير\.\.\. ما يحدث معي لا يرتبط بألم الرأس فحسب، بل بالكوابيس\.\.\. بالخوف\.\.\. بذلك الرعب الذي يلاحقني ، بتلك الأنفاس التي تزفر قربي، بتلك اللمسات التي تخترقني فجأة وكأن شيطانا جاثما فوق صدري يمتلكني كل ليلة\.\.\. دون أن أراه\.\.\. الألم حقيقي\.\.\. والشعور به حقيقي\.\.\. كل شيء حقيقي، وبنفس الوقت، ليس كذلك\. لأن كل ذلك لا يحدث إلا في رأسي\.\.\. فقط أنا من أراه، ومن يشعر به\. وذلك تحديدا ما يجعلهم يتهمونني بالجنون\. ولهذا السبب أضغط على نفسي كل صباح\.\.\. لأبدو بخير رغم نفاذ طاقتي\. \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. • • • • • "أحقاً فعلتِها؟\!" اتسعت حدقتاي، أصارع الفكرة التي انبثقت في رأسي كبرقٍ في ليلة ظلماء، حدّقت بدلو الماء وطبق الملح الملقى أمام باب حجرتي\. اندفعت إلى الداخل كالمذعورة، وعيناي تلتهمان كل زاوية بفجيعة\. عضضت على شفتي، وأفرك صدغاي في محاولة يائسة للتماسك\. "اتمازحينّي امي؟\!" تسللت نبرتي غاضبة، رغم محاولاتي البائسة لإخفاء غضبي الذي كان يفور كمرجل يغلي\. وقفت أمام الباب أرقب أمي، وهي تمرر الممسحة على أرضية غرفتي التي أضحت لا تُشبهني\. انكمشت ملامحي من الرائحة النفّاذة التي هجمت عليّ دون رحمة، رائحة البخور الذي طالما كرهتها\.\. "كريست\.\.\." همهمت باسمي وهي تضع الممسحة جانباً، تقترب مني بخطوات تحمل تبريراً واهياً\. نظرت إلى أثاثي الذي تبدّل، وملاءاتي التي لم تعد كما كانت، وحبيبات الملح المنتشرة في الزوايا كأطياف غريبة، والكتاب المقدس الذي أُلقي تحت وسادتي\. "حسناً، شكراً يا أمي" نبستها بألمٍ يكسوه تصنّع الهدوء\. أعلم أنها لا تملك عذراً مقنعاً، ولن تجرؤ على إلقاء شكوكها كلها في وجهي دفعة واحدة\. كيف يمكنها أن تصارحني بأنها تعتقد أن غرفتي مسكونة، أو أن شيطاناً قد تلبسني؟ ولا إلومها هي تؤمن بالسحر والشعوذه\.\. "هناك أمر آخر" "ما هو؟" جاءت كلماتي متحشرجة، كأنني أبتلع حريقاً في حلقي، أحاول كبح غيظي الذي كاد يفلت من بين أصابعي\. لكن حين رفعت يدها إلى عنقي، ووضعت قلادة الصليب حوله، تجمدت عيناي بذهولٍ يعجز اللسان عن وصفه\. لم أجد في وجهها سوى نظرة حنو مريبة، قبل أن تنحني لتقبل جبيني برقة، وتهمس: "لا تنامي على بطنك، عزيزتي\.\." ثم انصرفت، مخلفةً وراءها باباً مغلقاً وجواً مشحوناً بعبق البخور\. أفرغت شحنة غضبي، وأخذت نفساً عميقاً أثقل صدري، وأنا أحدق في غرفتي التي لم تعد ملكاً لي\. رائحة البخور تخنقني، والصليب يضغط على عنقي كحبل مشنقة\.\.\. توجهت إلى الحمام، وغسلت جسدي بماء دافئ، علّه يغسل أفكاري التي تساقطت فوقي كأشواك\. ارتديت منامة من المخمل ، وجلست على سريري أحاول التصالح مع كل شيء، محتفظة بالصليب فقط من أجل أمي\. لكني أعلم، في أعماقي، أن كل هذه الطقوس لن تجدي نفعاً\.\.\. لن تجعله يغادرني\.\.\. لا اعلم ما هو بالضبط ولكنه لن يغادر\.\. عضضت على شَفَتي السفلى بمرارةٍ ساخرة، بينما بصري مشدودٌ إلى الكرسيّ المُترنّح أمامي\. ومع كلّ خطوة أقتربها نحوه، كانت نسمةٌ باردةٌ تجتاحني، تلهو بخصلات شعري المتمردة، فتُدفن خلف عنقي كأنها تبحث عن مأمنٍ\.\. جذبت كرسيا آخر، ووضعته قبالة الكرسي الهائج الذي لم يَهدَأ إيقاع اهتزازه\. حين جلست، ارتعشت أوصالي كأن تيارا من الرهبة اجتاح جسدي، فتشبّثت بمساند الكرسي باستماتةٍ لم أدركها إلا عندما شعرت بخدوش أصابعي على الخشب البارد\.\.\. أنفاسٌ ساخنةٌ لامست وجهي، وكأنّ صاحبها يجلس أمامي، مستقرا على الكرسي المهتزّ، مُتحديا نظراتي بنظرةٍ ساخرة تتغلغل في عظامي\.\.\. وذلك جعلني ابتلع ريقي بأرتباك\.\. "لا اريد ان اخافك اريد ان افهمك " كانت كلماتي شاردة، خرجت من فمي بألمٍ وجرأةٍ مُصطنعة، وكأنني أُحدّث العدم\. هل فقدت عقلي؟ لأول مرة في حياتي أفتح حوارا مع شيء لا أراه، لكنه حاضرٌ بقوةٍ تفوق الواقع\. اتسأل أكان صوتي حقّا كفيلا أن يُبيد الظنون؟ أم كنتُ أهذي في حديثي للعدم؟ مع ازدياد وتيرة اهتزاز الكرسي، كانت صورة تخيُّلية تتجسّد أمامي؛ هو مُسترخٍ عليه، يرمقني بتهكّمٍ يُشلّ حركتي، ويُجمّد الدم في عروقي\.كان جسدي يتصلّبُ رويدا، ونبضي يلهثُ كأنه يعدُّ أنفاسي الأخيرة\. قضمت شَفتي دون وعي، فتسبّبت بأسناني في جرحٍ خفيف\. كنت خائفة، رغم ادّعائي الصمود والشجاعة، وأوهام القوة التي حاولت بناءها كجدارٍ هشّ أمام هذا الكيان المُخيف\.\.\. ربما كان وهماً\. ربما هو غير موجود\. لكنّ إحساسي به كان حقيقةً دامغة، حاضرة في كلّ زاوية من حياتي، في غرفتي، في الجامعة، وحتى بين حشود الناس\. كأنه يُذكّرني في كل لحظة بأنه لا يزال معي، يراقبني، يلاحقني\.\. يخنقني\.\.\. كما الآن، حين تعرضت لنفخه قاسيه جعلت خصلات شعري تفزع من جانبي وجهي لاندفع للخلف متسببه بانقلاب الكرسي الذي كنت أجلس عليه ، لاسقط معه\. تجمّد جسدي لحظة الصدمة فوجدت نفسي مرتميةً على الأرض الباردة كأنما أُلقيتُ في عتمة قبر\. حاولت أن أُقلب نفسي بصعوبة، أطرافي ثقيلة كأن جبالاً أُلقيت فوقها، \.\.، ثم تقلّبت ببطءٍ لأستقر ممدّدةً على الأرض، أحدّق بثريّا منطفئة، كأنني أُخاطبُ ظلامها بصمتٍ بائس\.\.\. التقطت أذناي صوت الكرسيّ للمرة الأخيرة، وهو يستقرّ في مكانه كأن شيئا لم يكن\. ارتعشت عندما شعرت برطوبة الأرض الباردة تتسرّب عبر قماشة منامتي، تلتصق بظهري، تُضفي على رعشتي خوفا مضاعفا\. أغمضت عينايّ، وأطبقت شَفتيّ بشدّة\. أظافري غرست نفسها في لحم يديّ المتشابكتين على بطني، كأنني أحاول كبح موجات الخوف التي اجتاحتني\. اختلطت أنفاسي المتقطّعة بأنفاسٍ أخرى، ساخنة، قريبة جدا من وجهي\. لم أستطع التفوّه بكلمة واحدة\. جمّدني الذعر، كما لو أن لساني تلاشى\.\.\. كنت اشعر بوزنٌ ثقيلٌ، كأنه كيسٌ من الطحين، انضغط فوق صدري، وألصقني بالأرض كأنني خُلقتُ جزءا منها\. حاولت الصراخ فتحت فمي ولكن الانفاس الساخنه التي ابتلعتها جعلتني افقد صوتي واهتز بذعر احاول الهرب، شي مر اقسم انني ابتلعته وسرى في حلقي ولم استطع اغلاق فمي شفتاي كانت ترتجف ومن فتحاتها تسمح لتلك الانفاس المره بالتسلل لداخلي، انقبضت معدتي وانا افتح اعيني على مصرعيها بهلع انظر حولي بحثا عن اي دليل يخبرني انني لست وحدي في الغرفه\.\.\. وانني لا اتخيل\.\. رغم انني لم اكن بحاجه لدليل\.\.\. سمعت صوتٌ خشن، مُشبعٌ بكراهيةٍ لا تقبل التفسير، هزّ كياني كما لو أن أذنيّ ارتطمتا بصدى البركان\. ارتعش جسدي بقوةٍ، وابتلعت ريقي للمرة الثانية، محاولة استيعاب ما سمعته\.\. "ڤِرْهاش تال مِيناك" تلك الكلمات الثلاث أشعلت صدري، ارتجف قلبي كأن أحدهم قبض عليه\.\.\. اي لغه تلك التي سمعتها اذني بهمسه الخشن الذي لايشبه صوت رجال ولا نساء ؟\.\. لم يمنحني لحظه لاعيد ما قاله حتى احفه ليحدث ما لم أستطع إنكاره\.\.\. قلادة الصليب التي كانت تستقرّ على عنقي، ارتفعت في الهواء كأن يدا غير مرئية تمسك بها وكأنه يستهزى بي وبطرقي المبتذله للتخلص منه شعرت ببرودة المعدن وهي تسري فوق جبيني، نزولا إلى عنقي ثبتها على نحري شعرب بان معدنها يكاد يخنقني وقبل ان اسعل او ارفع يدي لانزلها ّ افلتها لتسقط بمكانها على صدري الذي كان يرتفع وينخفض بذعر\.\. دموعي انهمرت بهدوء، رغم أن عيناي كانتا مغمضتين تبللت اجفاني تنزف دموعي لاذني ثم لمسقط الارض، تقطعت اوصالي وتصلب جسدي\. وكأنني ان تحركت فسأموت ثم وبعد دقائق من البكاء الصامت والالم المميت الذي ارهقني ارتخت عضلاتي المتشنجة أخيرا، وتقلبت على بطني اضرب بتحذير امي عرض الحائط دون اردتي وكأنني لعبه هو يحرك خيوطها ، وجدت نفسي أستسلم لغبار النوم الذي بدأ يحتلّني دون سابق إنذار موقفا بكائي وعقلي عن التفكير \.\.\. شعرت بدفءٍ غريبٍ يحيط بي\. لم تعد الأرضية باردةً كما كانت\. كان الأمر أشبه بالطفو فوق سطحٍ آخر، رغم أنني ما أزال أستلقي على الأرض\. هل كنتُ على جسد ما ؟ أم أنني وقعتُ في براثن الحلم؟ رفعت جفنيّ قليلا، فوجدت خدي ملتصقا بالأرضية الباردة، لكن الشعور بالدفء والاحتضان لم يزل\. وكأنني أتكئ على صدره، ويداه تُمسكان بمعصميّ بخفةٍ لا تشلّ حركتي فحسب، بل تأسرني بالكامل\.\.\. وكأنه هناك شي حدث فرغت من فزعي وتجردت من خوفي وكأن هناك شيء غادر وحل محله شيئ اخر\.\. غمرني شعورٌ غريب مزيج من الراحة والطمأنينة، لم أستطع مقاومته\.\.\. استسلمت للنوم، تاركة كل أسئلتي عالقة في الفراغ\.\.\.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كاثارسيس 143

المؤلف 𝓪𝓱𝓷𝓮𝓮𝒛
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة