رأيتكِ يا نجمة 1934/09/02 امزداثن /تيزي وزو 14:03 pm كانت السلة معبئة بالاغطية و الاقمشة و وجب نشر محتوى تلك السلة قبل تساقط الامطار المرجح نزوله بعد المغرب انبطحت ريحان امام السلة على الارض مكشرة على ساعديها تَهِمُّ برفع السلة ، و وضعتها على جنبها الايمن لتخفيف الثقل توجهت نحو الدرجات المؤدية الى السطح و بدأت تصعد واحدة تلوى الاخرى تحاول ضبظ انفاسها التي ارهقتها الأعمال الشاقة لا تنتهي في هذا البيت كيف ينتهي و الزوار و الضيوف يتوافدون يوميا ، سواء اذا كانوا اقارب احد أفراد العائلة المقيمة او ضيوف الكبير محند لصفته كبير القرية بلغ عدد الساعات التي عملت فيها ريحان هذا اليوم حد الان 8 ساعات من بداية الساعة السادسة صباحا بدون راحة الامر اشبه بكونها خادمة هنا و ليس احد بنات الكبير " لا تتكاسلي يا ريحان " صدر صوت عمة ريحان خلفها ببضع درجات و هي تراقبها بوجه متهكم تنتقد عملها لم ترد ريحان سماع كلمات ناقدة اخرى لذا سارعت بخطواتها واصلة الى السطح ضربتها الريح العاتية اخذة شعرها الاسود المموج يترنح بعيدا عنها رفعت ريحان رأسها للسماء بعد ان وضعت السلة على الارض و هي تحدق بالغيوم المبلدة الرمادية المعلنة عن نزول الامطار حقا لم تتكاسل ريحان و اخذت اول غطاء قابلها و هي ترفعه للسماء و تحركه بقوة لتنزل قطرات الماء المتبقية عليه حتى بعد العصر بالأيدي رمته ريحان على احد الخيوط المعلقة بين جدارين متوازين في السطح و اخذت تمسح عليه و تفكه ليأخذ مساحة اكبر على الخيط لينشف بسرعة ربطت نهايتاه مع بعضهما مشكلة عقدة تمنعه من الطيران بعيدا في حال قررت الرياح اخذه بعيدا كحال شعرها الذي لا يزال يتحرك أثر الرياح رفقة نهاية ثوبها الذي ترتديه فعلت ريحان نفس الشيء مع الغطاء الثاني تربط نهايته مشكلة عقدة بعد نشره فوق الخيط و مع رفعها للغطاء الثالث سمعت صوت ساحِرها " مُجدة في عملكِ كالمعتاد ، و لكن لا تدعي الرياح تأخذكِ بعيدا عني " ارتسمت البسمة تلقائيا مع سامعها صوت امير معشوقها و هو متسلل بين السطوح كعادته لرؤيتها ولكنها استوعبت أنه الصباح لذا تقدمت نحو الصوت لتُعاتب صاحبه على كسره لنصائحها عن عدم زيارتها صباحا فالمنزل كخلية الان احتمالية رؤية احدهم له كبيرة ولكنها توقفت مكانها و هي تسمع دقات قلبها و هو ينبض بعنف بعد رؤيتها لأميرها شعرهُ الكستنائي كانت خصلاته تتحرك مع الرياح مع مقدمة قميصه أين كانت الازرار الاولى مفتوحة تسمح لها برؤية عنقه و بداية صدره و ذلك جعلها تنزل رأسها بخجل ناسية امر العتاب " اعرف ما ستقولينه ، و لكِنِّي أسِيرُ عَينيكِ ، فبأيِ حقٍّ تمنَعِين أعيُنَكِ من اصدَار حُكمِهِما عَلَي ؟ " اردف امير كلماته ببحة صوته التي تسرق نبضات قلب ريحان كل ما حرك شفاهه ابتسمت ريحان مظهرة غمازتها اليسرى الوحيدة هي تنظر إليه بعسليتيها " ما الذي جاء بك الى هنا ؟ " تكلمت ريحان و هي مبعدة نظرها عنه لخجلها و راحت تمسك احد الاغلفة في السلة و ترميه على حبل الغسيل " ألم تسمعيني ؟ جئت لأُرضي روحي برؤيتك ، فرؤيتك ليلا مرتين في الاسبوع لا يُشبعني يا ريحانة " راح امير يمشي بين الاغطية المنشورة على الحبال و هو يتوارى تارة بينها و تارة اخرى يظهر لريحان فيجدها تنتظر ظهوره و كل هذا بفعل الرياح التي تحرك الاغطية " تستطيع القدوم الليلة ، فوالدي خارج في مهمة عمل رفقة بعض المسؤولين " " يُسعدني ذلك يا ريحانة " " اسمي ريحان و ليس ريحانة " " هل تلومين لساني لاطالته لفظ اسمك الجميل ؟ " كانت الكلمات تلعب بهما متشكلة في حوار تتحدث به الأعين قبل الالسنة حيث كان يتوارى أمير بين الاغطية التي تهزها الرياح و ريحان كانت مقابلة له ، و مايحدهما هو الاغطية و الاغلفة المنشورة ، كانت تستطيع رؤية تفاصيله حينما تلعب الرياح بالاغطية و تأخذها بعيدا ، و كلما طارت تتلاقا أعينهما مباشرة دون البحث عن بعضهما خلفها حيث المُرشد كان قلبيهما " ريحان ألم تنتهي بعد ؟ " مباشرة عند سماع ريحان ذلك السؤال نزلت قطرات الماء من السماء تداعب وجهها ، و في نفس اللحظة سمعت همس أمير يقول " ألقاكِ الليلة " و مباشرة رأت ظله و هو يجاري الرياح و يقفز بين الاسطح أحيانا تشك ريحان بأنه مجرد رجل بسيط عندما تراه يقفز بهذا الشكل ، و كأن له اجنحة تطير بيه و لكن ريحان لم تعلم ان اجنحة الحب كانت ملتصقة بأمير منذ اللحظة التي ختمت قلبه بحُبِها لم تستفق ريحان من شرودها الا عندما وضعت تلك الشابة راحة يدها على كتف الاخيرة هازة إياها " ريحان بحق السماء ألا تسمعينني ؟ " استدارت ريحان لتجدها ' توسمان ' ابنة عمها الصغرى و هي تضع يدها الاخرى فوق رأسها في محاولة لمنع المطر من لمس شعرها الاسود الطويل " بسرعة انزلي الاغطية قبل ان تتبلل " " سأفعل " راحت توسمان تفك عقد الاغطية لتنزعها و اخذت ريحان تساعدها بينما تقوم الامطار بغسل شعورهن مبللة الاغطية \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. 20:30pm اجتمعت النساء ليلا حول طاولة الطعام جالسات فوق كراسٍ قصيرة و بعضهن يجلسن فوق بعض الوسائد نظرا لقصر طول ارجل الطاولة كان هنالك مجمعين للنساء المجمع الاول الذي يضم ماما فاطمة و تاماريس الزوجة الثانية للكبير و ساليس اخت الكبير و عمة ريحان و بعض نساء القبيلة ، فنظرا لكون الدار دار كبير البلدة فالمنزل لا يخلُ من الضيوف ليلا و نهارا و الجميع منشغل اما المجمع المقابل فكان يضم الشابات اليافعات ، ريحان و اختها سيرام ، و ابنة عمتهن توسمان التي هي بعمر سيرام ، و اريناس اخت توسمان التي تكبر ريحان بعام واحد ، بالإضافة الى بعض الشابات اللواتي بعضهن بنات الضيوف و البعض الاخر قريبات اهل الدار من بعيد كانت اهم الأطباق هي الكسكس القبائلي المزين بالخضر و و قطع من لحم الخروف اعلاه و الاحاديث الجانبية التي تتسلل تلقائيا لمثل هذه المجامع خاصة عندما تكون النسوة ضمن المجمع و على عكس ريحان لم تكن تتحدث كثيرا في مثل هذه التجمعات ، و لأنه بحضور ابنة عمتها أريناس تسرق كل الأضواء و تُسلط كل الانظار نحوها قد تكون الكاريزما التي تطلقها سببا في ذلك\.و لكن بشرتها الحنطية المُسمرة كانت كفيلة بسرقة الانظار شعرها الاسود كان متسلسلا وراء ظهرها و بعض الخصلات كانت تسقط على جبهتها معطية شكلا اشبه بالغرة حاجباها كثيفان و رموشها المسودة كانت تلتف حول أعينها الزرقاء معطية ظلا خفيفا لها تضع بعض الحلي الفضية مبرزة اعينها الزرقاء المسحوبة بعض الشيء ، و قبل كل كلمة كانت تقولها تُعطي ابتسامة خفيفة للحضور كحركة منها لاظهار غمازتيها اجمل و اشهر شابة في البلدة ' اريناس ' و لكن بالرغم من كل هذه المحاسن هنالك فئة تصفها بالمتكبرة ، المغرورة ، الحسودة ،صاحبة العين ، ابنة ناكرة الجميل ، الساحرة ، المشعوذة و المعادية لريحان و سبب التسمية الاخير غير معروف في مثل هذه التجمعات ، لا تأخذ ريحان حقها في الحديث كمن هن في عمرها خصوصا في الفترة التي تكون والدتها غائبة في زيارة لاهلها في قسنطينة و تاماريس زوجة والدها تكون المسؤولة عنها في مثل هذه الفترات ، او بالاحرى توليها مهاما و اوامر اكبر من الوقت التي تكون والدتها فيه هنا حتى ريحان تعشق الكسكس القبائلي خاصة عندما تكون ماما فاطمة مشرفة على تحضيره ، و لكنها اُمرت الليلة بتقليل عدد المغارف التي تتناولها ليكفي الحاضرات معها في نفس المجمع لذا ما ان وضعت الملعقة حتى سمعت صوتا يناديها خارج الصالة بين ضحكات الشابات في المجمع و تسامرهن ، لذا استقامت تتوجه نحو مصدر الصوت و هي ترسم البسمة على محياها و هي تمر بمجمع النساء الاول ' وصلت للصوت و وجدتها' لويزة امرأة في نهاية خمسينياتها و الشيب نال من معظم شعر رأسها خادمة المنزل الوفية منذ ان فتحت ريحان عينيها في هذه الدنيا و لويزة تعمل هنا و يُرجح انها بدأت العمل في بيت الكبير منذ ولادة جدة ريحان لويزة : ساعدينا في حمل صناديق الفاكهة من الاسفل ريحان و هي ترفع اكمام ثوبها الى ساعديها : حاضر يا خالة لويزة و هي تتجه ناحية الدرج لتنزل و تتبعها ريحان : اربطي شعرك لكي لا يتساقط على الثمار ريحان : حاضر يا خالة وصلتا الى الطابق السفلي ، و رأتا مجموعة من الصناديق المملوئة بالفاكهة بشتى أنواعها مصطفة حيث بوابة المنزل الكبيرة همّت ريحان بحمل الصناديق مع لويزة بعد ان ربطت شعرها كما اخبرتها بعد حوالي نصف ساعة عند الانتهاء من نقل الصناديق الى المطبخ بدأتا بغسل الفاكهة و وضعها في صحون متفرقة اخذ ريحان صحنين بيديها و راحت بخطوات حذرة الى مجمع النساء لوضع صحن عند مجمع نساء ماما فاطمة و الصحن الٱخر عند مجمع الشابات رفقة اريناس وضعته حيث هن ، و عندما همت بالرجوع الى المطبخ قالت احدى الفتيات : هل نترك لكِ البعض ؟ بعض الشابات وجهن انظارهن نحو اريناس و بالبعض الاخر نحو ريحان لما تُحب النساء بمختلف اعمارهن إثارة الفتن بين بعضهن ؟ " قد لا تسمح لها لويزة بالأكل ايضا " قالت احداهن فتُسمع بعض الضحكات المكتومة من بعضهن " اذهبي يا ريحان " نطقت أريناس و هي تتناول بين يديها فاكهة رمان و راحت تقطعها نصفين بواسطة سكينة حادة وجهت الشابات انظارهن نحو ريحان التي همَّت بالمغادرة بعد ان تمنت لهن شهية طيبة لم تكترث لهن ريحان لأنهن شابات يبحثن عن الجدالات دائما بسبب همسهن و اطلاقهن للاشاعات المستمر فإن احاديثهن لا تكتمل بدون ذكر بنات الكبير وصلت للمطبخ و وجدت لويزة تغسل اواني مجمع الرجال الذي وصلت للتو لذا راحت تساعدها في التنظيف ، لم يستغرق الامر وقتا طويلا حتى تفرقت نساء المجمع و ذهبن لصالة اخرى و بدأت تصل أواني المجمع من طرف سيرام و توسمان انتهى التنظيف و صرفت لويزة ريحان و اخبرتها بأن تأخذ راحتها أطلت ريحان من نافذة المطبخ لترى والدها راحلا رفقة بعض الرجال و الشيوخ في عربتين تجرهما الاحصنة و ارتسمت عليها ابتسامة كتمتها لكي لا تُفضح راحت لغرفتها المشتركة مع سيرام و اخرجت خمارا اسود من الدولاب و لفته على رأسها لكي لا يتعرف عليها احد ان تم ضبطها لتصل الى الدرج المؤدي للسطح عليها ان تمر على باب الصالة التي اجتمعت النساء فيها مجددا لا تُحضر ريحان مثل هذه التجمعات و لا مانع ان لم تحضر بحسب قول عمتها الا في التجمعات المهمة ، و لكن لا فرق من حضورها و غيابها فهي لا تُلاحظ في جميع الاحوال مرت من باب الصالة بخفة و هي تسمع احاديثهن و تسامرهن و حتى بعض الضحكات ، ولكن لا شيء يغريها كرؤية معشوقها في ليلة تُضيئها النجوم وصلت للدرج و بدأت تصعده و تجاوزت بعض الدرجات حتى من فرط حماسها وصلت للسطح و على عكس الصباح كانت السماء صافية تلمع بها النجوم و يبرق القمر اخذت نفسا عميقا تستنشق الهواء و ما إن زفرته حتى شعرت بوجوده خلفها لتستدير و تجدهم معشوقها مُبتسما يرتدي القشابية و يضع قلنسوتها على رأسه انبطح أمير على قدمه و الاخرى يرفعها يتوازن بها مادًا يده نحوها قائلا : ا تسمحين ؟ نظرت ريحان ليده ثم لعينيه البُنية قائلة بثمالة حب : أقبل وضعت يدها على راحة يده فأحكم عليها و استقام و هو يلفه جسد ريحان ليدور و ثوبها يتطاير معها احاطها بيديه عند انتهاءها من الدوران و نزل مع جزئها العلوي ناحيتها مما دفع قدم ريحان اليسرى ترتفع لا تلقائيا بينما ترتكز على قدمها اليمنى " من أين هذه الحركات ؟ " تكلمت ريحان و هي تحدق بعينيه بكل شغف فقال مبادلا اياها الشغف نفسه و هو مبتسم : روى لي احد اصحابي المقيمين في العاصمة و عن حفلات الفرنسيين الذين يقيمونها في الخفاء ، و من ضمن احادثيه اخبرني كيف يرقصون اهتزت ريحان أثر ضحكها مما دفع أمير بالتحديق بغمازتها اليسرى التي ظهرت و هو يسمعها تتساءل : اذا نحن نرقص الان ؟ " ما رأيك ؟ " " لنرقص بعيدا اذا " تكلمت ريحان و مع آخر جملة قالتها ردا على أمير استقام و هو يعقد يده مع خاصتها محدثا إياها و هو ينظر للقمر فوقهما : بعيدا اذا راح أمير يركض و ريحان وراءه ممسكا بيدها حتى وصلا لحافة السطح من الجانب الاخر للمنزل حيث لا يطل على احد كان مقابلا لدار الكبير منزل آخر لا يبعد عنه الكثير و هو تابع للكبير و لكنه يسكن بعض العاملين عنده و كأنه ملحق صغير استدار أمير برأسه نحو ريحان ففهمت مسعاه و هي تقول مندهشة : هل سنقفز \!؟ " الى السطح المقابل ؟ اجل سنفعل " رد عليها امير مبتسما و لكنها اجابته مستنكرة : أتظنني شخصا خارقا مثلك يقفز فوق الاسطح ؟ " انا لَستُ شَخصًّا خَارِقًا ، انَا فقط شخصٌّ مُغرَم " مع كل حرف قاله كان قلب ريحان ينبض بعنف و كأنه مستعد للموت اذا كان ٱخر شيء يتجرعه هو كلمات معشوقها الساحرة و ٱخر شيء يضخه بدل الدم هو حُبُها له الذي لن ينتهي حتى لو توقفت نبضاته " لقد وقعت حُبا لك ، فهل تظن انني سأخاف من السقوط من أعلى السطح ؟ " قالت ريحان كلماتها و كأنها لم تكن الشخص المستنكر قبل قليل ترك أمير يد ريحان و تراجع بضع خطوات للوراء تحت نظرات ريحان الغير مصدقة من أنه سيقفز ، و كأنها لم تره يقفز من قبل ركض أمير ناحية حافة السطح و قفز فوقها ، ثم أثر دفعة اخرى من قدمه اليمنى طار أمير الى فوق و اصبح بين الهواء في المنتصف بين دار الكبير و الملحق التابع له و في لحظة اخرى دفع نفسه في الهواء ليسقط على ارضية السطح المقابل و ما إن فعل حتى اندفعت ريحان بقوة ناحية الحافة بقلق و هي تنتظر منه الوقوف ليُطمئنها عن نفسه فهو معتاد على مثل هذه القفزات استقام أمير ضاحكا فارتاح قلب ريحان لضحكته وهي تحدق به كأنه تحفة فنية غالية الثمن مستعدة لسرقتها " الامر ممتع ، هيا اقفزي " نبس أمير موجها كلماته لريحان فعبست ريحان قائلة : ألست خائفا علي من السقوط ؟ " كلا لستُ كذلك ، لن ادع الخوف يمنعني من مشاركتك قفزةً مثل هذه " " و لكن يجدر بك القلق على الأقل " " و من اخبركِ انني لستُ قلقا ؟ " " لقد قلتَ للتو انكَ لست خائف " " و قد قلتي قبل قليل انكِ لا تخافين من السقوط بعد سقوطكِ في حبي " " لا تحاول قلب الطاولة علي " " هيا اقفزي ، سٱخذكِ لمكان جميل " انهى أمير الحوار الذي كان متيقنا أنه سينتهي بعبوس ريحان و قلبه لن يقبل ذلك تراجعت ريحان الى الوراء ، ثم بنفس الخطوات اندفعت بقوة لتقفز فوق الحافة ، و في لحظة اصبحت ريحان تطوف في الهواء ، بدأت الجاذبية بتسليط قوتها عليها و لكن قبل ذلك دفعت نفسها نحو السطح و ليس فوقه ، و ما إن ايقنت انها لن تسقط فوق السطح و انها نهايتها امسكها امير بكلتا ذراعيه من ذراعيها و كانت الحافة هي التي تمنع امير من السقوط رفعها امير من الهاوية و سقط الاثنان على سطح الدار المقابلة لدار الكبير استقاما على ارض السطح بالقرب من بعضهما و هما يتأملان النجوم و القمر في لحظة صمت " كلما شعرتِ بالشوقِ لي ، انظري الى ألمع نجمة في السماء و ابتسمي " نبس أمير كلماته ببطء يوجهها نحو ريحان التي كانت تستمع بانصات " و لكن لا توجد نجوم في الصباح " تكلمت ريحان ليهمهم أمير و هو يقول : معكِ حق " ماذا افعل اذا ؟ " " بالاضافة إلى النجمة في السماء ، كلما سمعتِ نبضات قلبكِ ، تذكري قلبي الذي ينبض فقط لأجلك " نبض قلب ريحان بعنف و هي تستمع لكلماته و ادارت وجهها للجهة الأخرى خجلا منه ابتسم امير و هو يرى حركتها هذه فوجه نظره نحو السماء و قال : لنحسب النجوم " ا هذا هو المكان الجميل الذي تحدثت عنه ؟ كما تعرف كان يمكنني دخوله و الصعود الى السقف في منتهى البساطة " اردفت ريحان مكشخة على وجهها فأجابها أمير مبتسما : و أين المتعة في ذلك ؟ نظرت بصمت بعسليتاها نحوه و هي متنهدة " كلما اُلقي نفسي فوق العشب الاخضر في الليالي التي لا يمكنني فيها مقابلتكِ ، احسب النجوم حتى اخطئ الحساب و اعيد الكرة مرارا و أقول في نفسي لو اجتمعت النجوم كلها في ٱن واحد هل سيعادل ذلك حبي لها ؟ " توقف أمير لحظات و هو يحدق بعسليتي ريحان ثم تابعا قائلا : و الاجابة كانت لا ، حبي لكِ ليس مقدارا ليُحسب و ليس حجما كي يُعبر عنه في احجام اخرى ، سأبقى اتجرع حبكِ في كل غروب شمس من مغربها و شروق شمس من مشرقها " هل يجب علي التأثر بكلماتك ؟ " سألت ريحان " لما تسألين ؟ " " لأنني تجاوزت مرحلة التأثر و وصلت لمرحلة الثمالة في كل مرة اسمعكَ تعبر عن حبِكَ لي بهذا الشكل " لم يُجب أمير و ظل يحدق ببعينيها اللتان تأسرانه بشدة و نسي امر أخذها للبساتين فهو متأكد انها لم تذهب هنالك تحت ضوء القمر من قبل \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. 1936/04/03 امزداثن / تيزي وزو / دار الكبير كانت تلك ٱخر حفنة من التراب على قبر أمير بإشراف الكبير محند ، تم دفن جميع ضحايا الغارة و تم اعلام اهلهم و أقربائهم ليحضروا جنازتهم تبلدت السماء و انتشرت الغيوم الداكنة معلنة عن نزول المطر فوق ريحان التي كانت تنظر لشاهد القبر الذي يحمل اسم معشوقها لم تظن يوما انها قد ترى اسمه مكتوب على شاهد قبر ، و كم تمنت ان تكون هي مكانه تحت التراب كانت هي و والدتها و بعض النسوة ينظرون الى الرجال بالقرب من القبر و هم يهللون و يكبرون " لا اله الا الله '' " ماتوا شهداء " " انا لله و انا اليه راجعون " ما إن انتهوا من جميع المراسم حتى عادوا ادراجهم كل واحد لبيته تقدم ايلان الى رانيا الممسكة بريحان المنهارة قائلا : سيدة رانيا ، لقد جهزت العربة للمغادرة ادارت رانيا رأسها ناحيته تحدق به بأعينها المحمرة من البكاء تارة و بريحان المفترشة على الارض و الدموع تنهمر منها تارة اخرى تقدمت ڨمرة من ريحان و قرفصت لتصل لها ممسكة بكتفيها نحاول جذب انظارها لها " ريحان ، هيا لنرحل ، و نستطيع العودة لاحقا " نبست ڨمرة لريحان التي كانت تراقب قبر معشوقها و كأنه سم ينهمر الى حلقها و هي تحرك رأسها يمينا و يسارا رافضة فكرة الرحيل لمحت رانيا من بعيد محند و هو يشير لها بالمغادرة فهمَّت الى ريحان رافعة إياها بمساعدة ڨمرة التي فهمت مسعى خالتها رانيا مع تخبطات ريحان و تحركها المفرط بين ڨمرة و رانيا الحقت بهما بعض الكدمات في محاولة منها للفرار و البقاء اكثر عند القبر عند مغادرة الرجال و لكنها لم تفلح استطاعت رانيا و ڨمرة ادخال ريحان للعربة و راح ايلان يضرب باللجام الحصان لينتقل فبدأت عجلات العربة بالدوران أثر تحرك الحصان أسقطت ريحان رأسها في حضن والدتها ريحان و هي تحاول كتم دموعها ، احاطت رانيا ريحان بذراعيها و ضمتها اكثر لحضنها تبكي معها لا تستطع ڨمرة تحمل الموقف فبدأت تشهق بالبكاء هي الاخرى مُخبئة وجهها بكفيها بعد مسيرة ليست عسيرة وصلوا للدار ، نزل ايلان ليساعدهن على الهبوط و لكنه وجدهن يشهقن بالبكاء و لم يدركن انهن وصلن لم يستطع مقاطعة هذه اللقطة فأدار وجهه للناحية الاخرى و الدموع تنهمر منه هو الاخر لم يُحس ايلان بنفسه الا وهو في الارض بعد لطمة قوية داهمت وجهه رفع رأسه ليجده الكبير محند وهو متجهم الوجه ينظر اليه قائلا : ماذا كانت مهمتك بحق السماء ؟\!؟ رفع ايلان كفه يتحسس أثر اللكمة على وجهه وهو ينظر لكبيره وهو يسحب شعر ريحان من داخل العربة تحت صرخاتها و رانيا و ڨمرة استمر بسحب شعرها حتى سقطت من العربة و اخذ يجرها للداخل لحقته رانيا نازلة من العربة صارخة به ليترك ابنتها و لكنه لم يعرها ذرة اهتمام حاولت ريحان الافلات من قبضته و هي تتخبط في الارض بقدميها و لكن قوة قبض والدها على شعرها كانت قوية للغاية لدرجة انها شعرت ببعض الخصلات و هي تُنزع من فروة رأسها دخل محند المنزل و هو لا يزال يجرها معه و دخل بها الى اقرب غرفة كانت اقرب إلى الباب و التي كانت غرفة الجلوس الصالة الكبرى في المنزل لحقت به رانيا و هي لا تزال تصرخ استنجادا لابنتها من بطش والدها و ڨمرة وراءها تجري خوفا على ريحان و على خالتها التي تبدو و كأنها ستسقط في اي لحظة رأت لويزة رانيا من خارج المنزل و هي تحمل بعض الصناديق و ما كان منها سوى ان تسقطها ارضا و تهم الى داخل المنزل و ما إن وصلت حتى استفسرت عن الامر و ادركت الوضع ما إن سمعت صرخات ريحان من الغرفة تستطيع الشعور بمدى الألم الجسدي و النفسي التي تتعرض له ريحان حاليا من صوت صرخاتها المتعالية و هي تُضرب من طرف والدها بواسطة السوط " اخرسي ايتها الشمطاء \!\! كان انجابك اكبر غلطة في حياتي ، كان علي قتل والدتك عندما رفضت امري بالتخلص منكِ عندما عرفتُ انك فتاة " استمر محند بضرب ريحان بالسوط رادفا بكلماته تلك التي لم تكن بمثل وقعِ ضرباته على جسد ريحان فهي اعتادت على مثل كلماته ، و لكن استعمال السوط و بهذه الوحشية كان جديدا عليها " بحق السماء و بحق جدك توقف يا محند " صرخت ماما فاطمة بالامازيغية بعد ان سمعت صرخات ريحان من غرفتها في الطابق الثاني " لن اتوقف ، كان هذا الزواج امرا منحوسا منذ بدايته ، حب الاسطح \!\! اي عار الحقتِه بنا يا ابنة الصهباء " استمر محند بالضرب و كأن ذلك سيشفي غليله منها و يروي عطش بطشه كانت خداوج والدة محند و زوجة ابن ماما فاطمة تشاهد ذلك المنظر باشمئزاز و ابنتها ساليس من وراءها تنظر للندوب و الجروح التي ظهرت جرّاء السوط على جسد ريحان بينما كانت ڨمرة منهارة امام باب الصالة و هي تتوسل محند ليترك ابنتها الوحيدة رفقة ڨمرة افترشت الارض مع خالتها تحاول مساعدتها على الوقوف مع لويزة ، كانت تاماريس الزوجة الثانية لمحند واقفة في المرر بالقرب من الباب و هي تسمع صرخات ريحان و نحيب والدتها على الارض بنظرة كانت اقرب للاستمتاع ادارت تامريس رأسها ناحية الدرج أين وجدت أريناس مع سيرام و توسمان كانت سيرام مختبئة وراء اريناس و هي تبكي بخفوت ، اما توسمان فقد مكشرة و منزعجة من تلك الاصوات بينما اريناس تمسح على فروة رأسها لعلمها ان تلك طريقة اختها في التعبير عن خوفها توقف فجأة صوت ارتداد السوط على جسد ريحان فتوجه نظر تاماريس ناحية الباب لترى محند و هو يخرج من الصالة و والدته و اخته الكبرى تنظران له بينما رانيا هرولت الى ريحان رفقة ڨمرة و رفعتها الى حضنها و دفنتها فيه و تبكي بحرقة و ماما فاطمة تتلمس شعر ريحان بحزن شديد على حالها " اعطني سببا واحد جعلك تضربها بهذا الشكل " اردفت رانيا ببحة في صوتها بسبب بكائها فأدار محند رأسه ناحيتها و هو يتقدم منها ببطء بوجه متجهم و لكن ماما فاطمة ردعته عندما وقفت بعكازها تتوسط بينهما " اعطِني سببا واحد الان يجعلني اتحملك ولا ارمي عليك يمين الطلاق " شهقت رانيا و ساليس من الخلف بعد كلمات محند الذي دار ثانية قائلا وهو يوجه كلماته لوالدته : احبسيها في مكان لا شعاع شمس يدخله ولا ضوء قمر يتسلل اليه همهمت خداوج رافعة حاجبها ناظرة الى ريحان المغشي عليها و تضم يديها المنقوشتين بالحناء الى صدرها غادر محند المكان بأسره مخلفا وراءه صدى كبير في المنزل قد يكون موت أمير خلَّف ٱثارا في حياة المحيطين به و ليس فقط ريحان ففي مكان ٱخر تحت الارض كانت مجموعة من الشبان مجتمعين حول طاولة خشبية الصنع فوقها الكثير من الاوراق المتناثرة و الخرائط كان الشبان في حالة فوضى بادية على ملابسهم و التعب يترسم على وجوههم كل واحد منهم كان شاردا في زاوية ما من المكان المُضاء ببعض الشموع المنتشرة حول المكان سُحبت انظارهم تلقائيا الى مصدر الصوت الذي كان صرير الباب الذي فُتح و كان الداخل هو يزن استقام بعضهم فور رؤيتهم له و همُّوا اليه يحدقون بتراسيم وجهه التي افصحت عن خيبته " لقد تم دفنه بعد صلاة الجمعة رفقة من ماتوا أثر الغارة " اردف يزن منزلا رأسه للاسفل غير قادر على نطق حقيقة مُرة كهذه على افراده " لا اله الا الله" " كان بطلا و مات بطلا " " انا لله وانا اليه راجعون " " رحمه الله و أسكنه فسيح جناته " كانت تلك تعازي الشبان على موت رفيقهم امير كان معشوق ريحان فردا من أفراد مجموعة مُنقلبة على حكم الاستعمار كان من الثوَّار الذين رفضوا الانصياع ذل الحياة التي كانوا يعيشونها كانت الجزائر حُرة و ستبقى حُرة ارضها فقط لأحرارها و لا غير سواهم قد تكون مأسورة مُكبلة بأصفاد الظلم و الاستبداد و لكن مفتاح الخلاص بيد الأحرار الثوار \. \. \. \. يتبع