حلَّ الليل سريعًا، ونشر ظلمته في أنحاء المملكة، هبَّت نسمات الهواء العليلة تضفي للجو مزيدًا من السكينة والهدوء، ارتأت (حور) أن هذا الوقت هو الأفضل لها لتنفرد بنفسها، فقلبها الذي تحطم وتبعثرت أجزاؤه، أبى أن يسمح لها بالنوم، لم تكد تغمض جفنيها حتى تكرر ذلك الكابوس المرعب كما يحدث في كل مرة، الحقيقة هي أنها لم تنعم بنومٍ هانئ منذ تلك الحادثة التي نزلت كالصاعقة عليها فذبلت كل أوراق الحياة بداخلها، هي التي اشتهرت برقتها وجمالها يومًا، وكانت مثالًا يضرب في التسامح والمحبة، لكن الأحوال تتبدل، فتتبدل معها نفوس البشر، صدمة ذلك اليوم جعلت غضبها دليلها، والإنتقام طريقها. خرجت من غرفتها الموجودة داخل قلعة جاوا، ونزلت لتتنفس هواء الليل لعله يريحها قليلًا، كانت هذه المرة الثانية التي تأتي بها للمملكة برفقة (مروان) وأصدقائه، تشعر بالامتنان الشديد لهم، فلولاهم لكانت في عداد الموتى منذ زمن، أو ربما أسوء. داعبت الرياح خصلات شعرها الأسود وهي تمشي في حديقة القلعة الكبيرة، لمحت بعيونها الزمردية غرفةً كانت مضاءة داخل الحديقة، عرفتها فهي إحدى الغرف الموزعة بكثرة في الحديقة، والتي كان الهدف منها هو التدرب، رغم أنها كانت تبحث عن الوحدة، إلا أنها كانت تعلم من سيكون داخل الغرفة في مثل هذا الوقت، لذا فقد قررت الذهاب هناك لعلها تهرب من أفكارها. * * * * * * * * * * تزخر جاوا بالخفايا والألغاز، كما وتحيط بها الأسرار من كل جانب، وتعد الحديقة الموجودة داخل نطاق قلعة جاوا إحدى تلك العجائب، فهي موجودة في الجهة الخلفية للقلعة، وتقسم لثلاثة أجزاء، تنتقل من جزء لآخر كلما توغلت فيها، وفي أول جزء منها يتم تدريب الجنود وتوفير كل ما يحتاجونه من أدواتٍ للقتال، حيث تنتشر فيها غرف تدريبٍ كبيرة، يمكن لكل غرفة منها استيعاب فصيلٍ من خمسين مقاتل. أما القسم الثاني فهو كمنتزه للعائلة الملكية، تكثر فيه المناظر الخلابة، والمعالم الساحرة الأخاذة، ويبرز في وسطها بحيرة تكاد لا تفارقها مقلات أعين من يشاهدها من شدة جمالها. وآخر أجزائها فهو محظورٌ دخوله، ممنوعٌ ولوجه، لا يسمح لأحدٍ الإقتراب منه إلا بإذنٍ من الملك فقط. وفي الجزء الثاني من الحديقة، تحديدًا قرب شجرةٍ كبيرة، فوق هضبةٍ صغيرة، جلس اثنان يتبادلان أطراف الحديث دون توقف، لم يلحظا مرور الوقت، حتى أسدل عليهما الليل أجنحته، ليُسمع صوت اعتراض احدهما، بنبرة رجاء وتمني: _ لا أريد النوم الآن، أستطيع أن أبقى مستيقظةً لفترةٍ أطول. كانت فتاةً في خريفها السادس عشر، بعيونٍ نعسة، ووجهٍ بريءٍ سيطر عليه التعب، تحاول أن تقاوم النوم، تجلس أمام شعلة نارٍ صغيرة، بجانبها شقيقها الوحيد، والذي تصغره بست سنوات، كان (وليد) وأخته (دانا) يجتمعان دائما في ليلة سهرٍ وسمر، عندما يعود من مغامراته التي يمكن أن يغيب فيها لشهور، ولطالما انتظرته (دانا) طوال فترة غيابه على أحر من الجمر، فمنذ وفاة والديها، لم تجد سوى أخيها سندًا لها في هذه الحياة، ودت لو أنها تستطيع مرافقته في مغامراته، لكن الرفض هو الإجابة الوحيدة التي تتلقاها دائمًا، حتى عندما أقنعت أخاها أخيرًا بالذهاب معه، وبعد كثير من المحاولات والمطالبات، وجدت صخرةً أكبر أمامها تتمثل في (مروان) الذي منعها بشكل حازم، بل ودون أن ينصاع لأي من كلماتها، (فمروان) كان يعاملها كأخته الصغرى، ولم يفرق بينها وبين أخيه (مراد) في التعامل، فما كان منها إلا أن تستسلم للأمر الواقع. _ يبدو عليكِ الإرهاق، يكفيكِ تحاملًا على نفسكِ، فقد انتصف الليل بالفعل. _ هذا ليس عدلًا، كنتم دائمًا تبقون قرابة الأسبوع عندما تعودون، لماذا ستغادرون هذه المرة بهذه السرعة. نظر إليها وليد، وابتسامته التي لا تفارقه تغطي وجهه، ثم حول نظره للسماء وكأنه يحاول انتقاء كلماته. _ ألم أخبركِ بالفعل أن وراءنا عملًا لم ننهيه بعد؟ عبست (دانا) التي كانت طوال الوقت، تحاول إقناعه بأن يؤجلوا سفرهم بضعة أيام أخرى، ولكن دون جدوى. _ ألست أفضل صديق (لمروان)؟ لو طلبت منه البقاء ليومين أو ثلاثة فلن يعترض، حاول إقناعه بهذا أرجوك. _ بالطبع لا أستطيع طلب هذا منه، لكن لدي هدية صغيرة لكِ، سأعطيكِ إياها إذا وعدتني بالذهاب للنوم بعدها. مد يده لجيبه وهو يرى ابتسامتها ترتسم على وجهها من جديد، وأخرج خاتمًا بني اللون، يتوسطه حجر أزرق. _ أظن أنكِ عرفتِ ما هذا، إنه خاتم اتصال، يمكنكِ الاتصال بي متى ما أردتِ ذلك، وهو غير الخاتم الذي أتحدث به مع (مروان) والبقية، بمعنى آخر هذا خاص بي أنا وانتِ فقط. أخذته وهي تحملق به بفرح، لم تتوقع هدية من هذا النوع، فخواتم الاتصال يصعب صنعها، وأحجار الطبيعة التي تنقل الصوت نادرة، وليس بالسهل تحصيلها. وبعد كثيرٍ من كلمات الشكر التي استمرت (دانا) بإلقائها على (وليد)، حتى ظن أنها لن تتوقف أبدًا، قرر تذكيرها بالوعد الذي بينهما، وهو ذهابها للنوم بعد استلامها لهديتها، فاستسلمت على مضض وهي تسير بجانبه عائدين إلى القلعة. * * * * * * * * * * كانت (حور) تجلس على أحد المقاعد في الجانب الأيمن من الميدان الرئيسي في غرفة التدريب، اختارت أقرب المقاعد للميدان، رغم أن المدرج خلفها كان فارغًا، وسبب ذلك هو أنها تريد مراقبة النزال القائم أمامها بكل وضوح وتركيز. وهناك حيث كانت تنظر متمعنةً في كل حركة، وقفت فتاتان بدا عليهما التعب وكأنهما استمرتا بالتدرب لأكثر من ساعة، هذا ما استنتجته (حور) التي حضرت منذ دقائق وبدأت تراقبهما بصمت. كانت إحدى الفتاتين، (راما)، وهي فتاةٌ بشعر بني طويل، تحمل عصًا سوداء يبرز من جوانبها نتوءات صغيرة، لكنها حادة كالسكاكين، تتحول العصا لسوط من الجلد في كل مرة تقوم فيها بالهجوم، وتعود لعصا مرةً أخرى عندما تقوم بالدفاع وصد الهجمات، وكأنه سلاح متعدد الأشكال تستطيع التبديل بين كل شكل برغبتها الخاصة. وجهت هجومها إلى مجموعة من الجذور المتشابكة التي خرجت من باطن الأرض فجأة، فقطعتهم بسوطها، وتحركت بسرعة متفاديةً بعض أوراق الشجر المحترقة الموجهة نحوها، كان هذا آخر هجوم يائس أقبلت عليه (تسنيم) بعد كثير من المحاولات لإصابة (راما) ولو بضربة واحدة، لترتمي بعدها (تسنيم) على الأرض، وهي تلهث من التعب، ثم تقول بصوت يتقاطع مع أنفاسها مع كل شهيق وزفير: _ كما.. هو متوقعٌ.. منكِ.. لقد تجنبتِ.. كل هجماتي. على عكسها، كانت (راما) ما زالت تزخر ببعض القوة للمشي باتجاهها، وبوجهٍ راضٍ عن نتيجة القتال، جلست بجانب (تسنيم)، ثم أشارت (لحور) للإنضمام إليهما. _ ربما لو كان قتالًا حقيقيًا لأصبتني ببعض الجروح، لكن هذا وحده ليس كافيًا، انتِ لم تتحكمي بقواكِ جيدًا. (تسنيم) حاولت جاهدةً، وللعديد من المرات، أن تهزم (راما)، لكنها في كل مرة كانت تُمن بنفس النتيجة، فمع أنهما عاشتا معًا لسنين، حتى قبل أن يتعرفا على (مروان) والبقية، ولم تفارقا بعضهما البعض منذ الصغر، إلا أن الفارق في القوة بينهما كبير ورغم أنها موهوبة، إلا أن موهبة (راما) فاقتها بكثير. كانت (تسنيم) فتاةً بشعر أسود قصير، عمرها تسعة عشر سنة، تصغر (راما) بسنتين، كانت منذ الصغر تحب النباتات والأشجار، حتى استفاقت قدراتها فأصبحت متحكمةً في الأثير من نوع الطبيعة والنباتات، لكنها لم تستطع التعرف على كامل قواها بعد. _ ليس الأمر أنني لا أريد ذلك، لكني لا أرى بوادر التطور، مهما تدربت، ومهما بذلت من الجهد، لا أشعر بأني أزداد قوة. اعترضت (حور) التي كانت تراقب وتستمع طوال هذا الوقت: _ انتِ تزدادين قوة، لكنكِ عجولة، لو قارنت نفسي بكِ، أنا التي انضممت إليكم حديثًا، فما زال أمامي شوطٌ طويل، ربما سنينًا من التدرب، أما انتِ ففي كل قتال تكتشفين شيئا جديدًا عن قدراتكِ، حتى ملاحظات (راما) تقل بعد كل نزال بينكما. وافقتها (راما) على كلامها، كانت تريد أن تضيف بعض الكلمات لدعم (تسنيم) وتشجيعها، لكنها اختارت أن تحتفظ بتلك الكلمات داخلها، لغايةٍ في نفسها. (راما) و(تسنيم) لم تكونا أختين، لكنهما عرفتا بعضهما البعض بعد أن فقدتا كل شيء، عندما كانتا مجرد فتاتين صغيرتين، لم تتجاوزا العاشرة من عمرهما، وبين الحطام الذي ملأ شوارع قريتهما الصغيرة، والرماد الذي انتشر في الجو يتنفسه الصغار والكبار، والأمراض التي انتشرت في ذلك الوقت تفتك بمن تبقى حيًا بعد الحرب التي أودت بحياة الآلاف، قررتا أن تواجها هذه الصعاب معًا، فنبتت زهرتان من بين اليباب، تعاهدتا على أن لا يستسلما مهما قست عليهما الحياة. _ أظن أني سأخبر (سارة) بأن تجهز لكِ برنامجًا تدريبيًا صارمًا، عندما نصل لإمبراطورية سيبار، حتى لا تتذمري مرةً أخرى. نظرت (تسنيم) لميدان التدريب وهو يقوم باستصلاح نفسه بعد كم الدمار الذي حل فيه أثناء التدريب، ثم وقفت وبدأت تسير مبتعدةً دون أن ترد على استفزازات (راما)، وعندما وصلت لباب الغرفة الكبير، التفتت وابتسامةٌ تلوح على وجهها، وكأن الحماسة دبت بها من جديد. _ أظن أنني سأفعل هذا، سأطلب من (سارة) تدريبي. تفاجأت (راما) التي كانت قد اقترحت هذا على سبيل المزاح. _أأنتِ واثقةٌ من هذا؟ ألا ترين (حور) وهي تعاني من شدة التدريبات التي غمرتها بها (سارة)؟ _ لهذا أريدها أن تتكفل بتدريبي أيضًا، أظنني سأحصد نتائجًا أفضل. قاطعتها (حور): _ لن أوقفكِ، لكن لا تعضي أصابعكِ ندمًا بعدها. رفعت (تسنيم) قبضتها دليلًا على حماستها وقبولها للتحدي. _ أظنني سأذهب للنوم، لقد تأخر الوقت بالفعل، وغدًا لن يقبل (مروان) أي تأخير، فهو كعادته يحب الإلتزام بالوقت والمواعيد. وهكذا أطفئت غرفة التدريب، وغادرن ثلاثتهن، واستمرت الغرفة بإصلاح نفسها كما تفعل في كل مرة، فبعد انتهاء كل تدريب تتفعل أحجار الطبيعة التي صنعت منها، ككل غرف التدريب التي في الحديقة، وكانت من نوع يسمح لها بإعادة ترميم نفسها بعد كل ضرر يلحق بها. * * * * * * * * * * خيوط ذهبية، لاحت في أفق السماء، ناشرةً النور والضياء، تعلن عن بدء يومٍ جديد، كانت شمسه ساطعةً ظاهرة، لا تشاركها الغيوم، ترسل سهامها للأرض فتعيد رسمها من جديد، بعد أن تمحو الظلام الذي كان يغطيها. مع هذا الصباح الباكر الذي يملؤه الهدوء، تتدحرج عجلات ثلاث عربات عبر الطريق، محولةً هذا الصمت لنغمةٍ يتبعها صوت صهيل الخيول ليضفي إليها المزيد من الجمال، ربما يظن البعض أن هذا المزيج من الأصوات مجرد إزعاجٍ وصخب، لكن بالنسبة (لمروان) وأصدقائه، فهو لحنٌ يسمعونه في كل بداية رحلةٍ جديدة، فقد اعتادوا هذه الأجواء، من صوت حوافر الأحصنة، إلى كثرة الإهتزازات للعربات، كانت كلها طقوسٌ تطبع في نفوسهم الراحة. لكن هذه المرة على غير العادة، فقد كان ثلاثةٌ منهم، تخالجهم مشاعر نكتت على قلوبهم، لكنهم حبسوها داخلهم، فقد كانت جاوا هي البيت والوطن بالنسبة لهم، وهم الآن على مشارف مغادرتها دون رجعة، كان كل من (مروان) و(وليد) و(سارة) مستعدين للتضحية بكل شيءٍ مقابل سلامة مملكتهم العزيزة، ولم يتوقعوا أن يخرجوا منها يومًا وهم منفيون منها، لكنهم لم يجدوا حلًا لإنقاذها سوى بهذه الطريقة. كان الاتفاق بين (مروان) ووالده، هو أن يصدر مرسومًا رسميًا بتنحية (مروان) عن العرش كليًا، ونفيه خارج جاوا دون أجلٍ مسمى، وهو ما حصل، فبعد ساعةٍ من عبورهم لجدران جاوا، تم الإعلان عن هذا وانتشرت الأخبار في جاوا كانتشار النار في الهشيم، ليتوجه الآن مروان لوجهته القادمة وكما كان قد خطط من قبل، نحو الشرق، تحديدًا إلى امبراطورية سيبار. الموعد المحدد لبلوغ سيبار وبدء الإجتماع، كان ثلاثة أيام، وهو ما أخبر به امبراطور سيبار، لكن بعد ثلاثة أيام، ووقت اجتماع الممالك التابعة لسيبار، كان المقعد الذي خصص (لمروان) خاليًا، كان بعض الملوك الجالسين حول الطاولة المستطيلة والكبيرة، ينتظرون بدء الإجتماع، غاضبين لعدم قدوم الضيف الموعود. _ هذا استهتارٌ لا يجب السكوت عنه! _ امبراطورية سيبار هي من أعظم قوى العالم، كيف يمكن لذلك الغريب أن يتخلف عن اجتماعٍ مهمٍ كهذا؟ _ كنت معارضًا لهذا الأمر منذ البداية، كيف يمكن لنا أن نعهد ببعض أمورنا الداخلية لبعض الغرباء، بل وفي النهاية تبين أنه شخص لا يحترم مواعيدنا واجتمعاتنا. علت الأصوات التي كان أغلبها هجوميًا ومعارضًا، بينما كان البعض حيادًيا ينتظر الإمبراطور حتى ينطق، وبالفعل بعد أن أفرغ المستنكرون ما بجعبتهم من كلام، تحدث الإمبراطور بصوتٍ جهوري: _ أتفهم غضبكم مما جرى، فأنا مثلكم أكره أن يتم مقاطعة اجتماعٍ مهم بسبب تأخر شخص ما عنه، لكن وصلني هذا الصباح خبرٌ من الرسول الذي أرسله الشخص الذي تعاقدنا معه، بأن طارئًا طرء له وهو على الطريق، لذا فإني أطلب باسمي انا إمبراطور سيبار، أن تغلقوا هذا المسألة مؤقتًا لحين قدوم ضيفنا. وبهذا ورغم كثرة الكلام الموجود داخل كل واحد من الملوك، إلا أنه وبعد كلام الإمبراطور، لم يستطيعوا مخالفة أمره، فما كان منهم إلا أن يرضخوا لطلبه، مع نيةٍ لاستكمال هذا الحديث، عندما يحين وقت لقائهم بضيفهم العزيز.
osama rh