ما حدث ذلك اليوم

ما حدث ذلك اليوم

18 2

عبرت أشعة الشمس نافذة السماء، ونشرت ضيائها في كل حدب وصوب، تفتحت الأزهار ورائحة عبقها ملئت الأرجاء، إرتدت الأرض رداءًا أخضر جميلا، راسمة لوحة فنية لصورة الربيع، الربيع الذي لطالما عبر عن الدفئ والسلام، واتخذه العشاق رمزا للحب والهيام، هبت نسمات الهواء العليلة وتراقصت مع أوراق الأشجار، كان منظر السماء الصافية أخاذا وساحرا. إستيقظت مملكة جاوا في ذلك الصباح، لم يكن سوى يوم جديد مثل أي يوم آخر، انطلق كل شخص إلى عمله، وركض الأطفال في الشوارع والساحات وهم يلعبون ويضحكون، وصوتهم يضفي بهجة وسعادة على وجوه من حولهم، ثم هناك في قلعة جاوا وقف الأمير والوصي الأول على المملكة (هزيم) وهو ينظر من شرفة غرفته الكبيرة والمطلة على الساحة المركزية، كانت عيونه بنية اللون، وشعره أسود كثيف، وكانت الإبتسامة تعلو وجهه. كان الأمير (هزيم) محبوبا من شعبه جدا، ورأوا فيه خير خلف لوالده الملك الحالي، فقد ساهم (هزيم) في كل من الجوانب الإقتصادية والعسكرية في المملكة، حتى أعتبرت جاوا أقوى مناطق الشمال، وأكثرها ازدهارا في التجارة والصناعة، وكان قويا أيضا حتى أنه قتل تنينا لوحده بعمر العشرين، ولم ينسى أحد مشكلة الحارة السفلية التي كانت ستتسبب في حرب أهلية لولا أنه تدخل وقام بحلها، كان ذو حنكة وذكاء، وقوة وبأس، كان يتطلع دائما لجعل هذه المملكة الأفضل في العالم. _ أنظر يا عزيزي، إن (مروان) يضحك سمع صوتا رقيقا يناديه من الخلف، فالتفت باتجاه الصوت وعاد إلى الغرفة حيث كانت زوجته تحمل طفلا رضيعا لم يتجاوز الخمسة أشهر، كان ابنهما (مروان). _ أتمنى لو أستطيع البقاء لأشاهد كل حركاته وسكناته طوال اليوم، لكنني مضطر للذهاب الآن، سمعت أنهم قد اكتشفوا كهفا آخر مليئا بأحجار الطبيعة وعلي أن أذهب إلى هناك مبكرا بدت علامات الحزن على ملامح زوجته، لكنها مسحتها سريعا بابتسامة خفيفة وقالت: _ أحجار الطبيعة مرة أخرى؟ لقد وجدنا منها في هذا العام فقط ما يكفينا لعقد كامل، بل ويمكننا تجهيز جيوش بالكمية التي نمتلكلها. _ نعم، لكننا بالفعل نمتلك ما يكفينا من الناحية العسكرية، سيكون من المفيد أكثر استغلالها في التجارة، على أية حال، عليَّ أن أذهب، أراكِ قريبا، إعتني بفسكِ وبـ(مروان) جيدا. كانت هذه المحادثة كأي محادثة طبيعية قد تحدث بين أي زوجين، فمع هذا الصباح الجميل واللطيف، والأجواء الهادئة والمليئة بالسكينة، لم يتخيل أحد أن فاجعة قد تحل لتحوله لأسوء صباح مر على مملكة جاوا. أثناء توجه الأمير (هزيم) إلى الباب ليفتحه مغادرا الغرفة، فإذا بهزة تضرب الأرضية والجدران، تبعتها صرخة تصم الآذان، لم يكن ليخرج هذا الصوت إلا عن وحش مخيف مَهيب، لم يحتج (هزيم) إلا لثوانٍ حتى يدرك منبع الصوت، فقد أحس بطاقة كبيرة تتجمع في مكان واحد، وكأنها تنجذب نحو شيء ما. _ إن الصوت قادم من أقصى الشمال، إنه حيث توجد جزر التنانين، أشعر بتجمع هائل لطاقة الأثير، يبدو أن وحشا ما قد استيقظ، ويبدو أيضا أننا مقبلون على كارثة! لم يكن خوفه قادما من شكوك وأحاسيس لا معنى لها، بل كانت عن فهم للواقع، ودراية لما يحدث، فقدرته على استشعار طاقة الأثير من حوله، مكنته من معرفة أن هذا الأثير يسير باتجاه الشمال وكأنها قطعة حديد منجذبة نحو مغناطيس كبير. نظر نحو زوجته ثم قال مهدئا إياها، ومحاولا طمأنتها: _ سأذهب لمناقشة هذا الأمر مع والدي الملك، ثم سنحاول اكتشاف وفهم ما حصل للتو، إبقي بأمان هنا فلا أظن أن شيئا آخر قد يحصل. نظرت إليه زوجته (سناء) وهي تحتضن صغيرها بقوة وكأنها قد تفقده في أي لحظة اذا ما تركته، ثم وعندما تأكدت من سلامته بين أحضانها قالت بصوت يشوبه القلق والشك: _ لن تذهب إلى جزر التنانين، أليس كذلك؟ _ ليس قبل أن نفهم ما حدث أولا، ثم إن الذهاب إلى هناك يحتاج يوما كاملا، وبالنسبة لي، الأولوية ستكون لحماية مملكتي ولن أذهب بعيدا عنها بينما هي بين براثن الخطر. بهذه الكلمات غادر (هزيم) الغرفة متوجها نحو والده، كان يدرك أن والده يفكر في نفس ما يفكر به هو، فلطالما حكى له عن تلك القصة القديمة وعن أحداثها المشابهة لما حدث قبل قليل، لذا فقد كان مستعدا في قرارة نفسه لمواجهة الأسوء وتحمل الصعاب من أجل مملكته، من أجل شعبه، ومن أجل عائلته، كان مستعدا لتقديم التضحيات اللازمة في سبيلهم، رغم أنه لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، إلا أنه يحمل على كتفيه مصير أمة. مشى (هزيم) والأفكار تتناطح داخل رأسه، يتمنى مقابلة والده سريعا ليسمع رأيه، فهو كان أحد الذين حضروا تلك الحادثة التي هددت وجود البشرية من قبل، كان يزيد من سرعته شيئا فشيئا مارا من بين الحراس الموزعين بشكل منتظم في كل شبر من هذه القلعة الكبيرة، وعندما وصل إلى الباب الموجود في آخر الرواق، كان هناك حارسان على الباب، بزيهما شديد السواد، والخطوط الذهبية على جانبي الزي والتي تضفي جمالا وهيبة له، كان هذا هو اللباس العسكري الخاص بمملكة جاوا، ألقيا التحية عليه سريعا قبل أن يفتحا له الباب، وما إن دخل حتى سمع صوت والده، الملك ذو الوقار والهيبة، كان يجلس على عرشه يرتدي ردائه الأحمر، كان شعره قد شاب، ووجه امتلئ بندوب وجروح، أبرزها ذلك الخط الكبير المائل والذي يعبر من جبهته حتى أنفه. _ توقعت بأنك ستأتي على الفور يا (هزيم)، هل شعرت بحركة الأثير في الجو؟ التقط (هزيم) أنفاسه، ثم تحرك للوقوف أمام والده قبل أن يجيب: _ أجل، إن ما حدث شبيه لقصة الوحش الذي حدثتني عنه وعن قتالك معه، ما السبب في رأيك؟ _ لست متأكدا تماما لكن، أنت تعلم أن أحجار الطبيعة لها القدرة على جمع الأثير بداخلها وتخزينه، على النقيض من ذلك فيستطيع البشر والوحوش التحكم في هذا الأثير وإخضاع عناصره، لكن ما شعرنا به للتو كان وكأن وحشا يقوم بتخزين هذه الطاقة بداخله، وكأنه حجر طبيعة متحرك، لذا إذا اعتبرنا أن هذه الحالات، حالات شاذة، يمكن فيها السيطرة على طاقة الأثير وتخزينه في نفس الوقت، فهذا سيعني أن كارثة قد ولدت من هذه الحالة الشاذة. لم يحتج (هزيم) لطرح المزيد من الأسئلة، فقد فهم على الفور المغزى من كلام والده، الأثير هي طاقة الحياة الموجودة في كل مكان مثل الهواء، إلا أن الهواء هو عنصر وشكل واحد من أشكال الأثير، فالأثير يرمز للحياة نفسها، تستطيع الكائنات الحية كالبشر والوحوش أن تتحكم فيه على درجات مختلفة ومتفاوتة، ف (هزيم) مثلا كان متقنا لعنصر النار متحكما به، أما أحجار الطبيعة أو ما يسميها البعض بأحجار الأثير، فهي تعمل على تخزين هذا الأثير وتعزيزه عند مستخدمه، فإذا كان هناك سيف مصنوع من حجر الطبيعة من نوع ما، فستكون إمكاناته وقدراته الأثيرية الخاصة بهذا النوع غير محدودة ما دام مستعمل هذا السيف قادرا على مجاراة هذه القدرات، وحقيقة أن هناك شخصا أو وحشا يمكنه تخزين الأثير والسيطرة عليه تعني أنه لا يوجد مخلوق آخر بإمكاناته أو بقوته، سميت هذه الحالة الشاذة ب"الكارثة"، وسجل ثلاثة حالات فقط في آخر قرنين، وهذه ستكون الرابعة. حلت فترة الصمت لثوان، قبل أن يكسرها الملك قائلا: _ فرقة القائد (سليم) كانت في إحدى الممالك القريبة من جزر التنانين، لا بد أنه سيتصل عن طريق "خاتم الصوت" ليعطينا تقريره، بعدها سنقرر ما سنفعل. لم تمر سوى ثوانٍ قليلة حتى إهتز الخاتم في يده، كانت هذه الإشارة لتلقي الإتصال، فهذه الخواتم هي نوع من أنواع أحجار الطبيعة يمكنها التقاط إشارات من حجر آخر من نفس النوع ثم نقل صوت المرسل للمتلقي وأحيانا صورته أيضا. _ هنا القائد سليم المسؤول عن فرقة الإستكشاف الأولى، ما حصل قبل قليل كان ناجما عن تنين كبير، شوهد للتو قادما من جزر التنانين، تتبعها أعداد كبيرة منها، وما تم التأكد منه حتى الآن هو أنه قد دمر بعض المدن في طريقه، وأنه يسير بخط مستقيم متوجها إلى مملكة جاوا! رغم موجة القلق والتوتر التي ضربت المكان بعد هذه الكلمات، إلا أن الملك لم تهتز له شعرة، وكأنه توقع هذا الأمر، وقف شامخا كقائد مستعد حتى لخلع الجبال الرواسي مقابل حماية مملكته، لطالما انبهر (هزيم) بشجاعة والده، كان مقداما ومثالا للقائد والملك، حاول دائما أن يسير على خطاه. _ (هزيم) إجمع الجيش وقسمهم لقسمين، قسم سنرسله لينضم إلى بقية الممالك لنشكل إتحادا ونجابه ذلك التنين، والقسم الثاني سيبقى للدفاع عن المملكة في حال احتجنا لذلك، يمكن لعربة الأحصنة أن تعبر الطريق من هنا إلى أقصى الشمال ما يقارب اليوم، لذا فعلى أقل تقدير سيحتاج سرب التنانين ما يقارب نصف اليوم، ستكفينا هذه المدة لتجهيز أنفسنا ولصنع تحالف، لذا فسأحتاجك هنا معي. انطلق (هزيم) ليجهز الجيش، انهى أمر التحالفات بسرعة، وتم حشد الكثير من المقاتلين والجيوش من ممالك ومدن أخرى، حتى شاركت بعض ممالك الشرق والغرب، تموقعت الجيوش في منطقة قريبة من مملكة جاوا، ليست قريبة بما يكفي لمشاهدتها بالعين، لكنها ليست بمسافة كافية لعدم سماع صوتها، مرت الساعات وبدأ المساء يقترب، سجل التاريخ كل نضالات البشرية للتخلص من الكوارث، لكن ربما لم يسجل التاريخ انتهاء كارثة من هذا النوع في نفس اليوم الذي بدأت به، كان (هزيم) يرجوا أن يحدث هذا، ذهب ووقف على أسوار المملكة، ينتظر أي إشارة على بدء المعركة أو إنتهائها، كان يتمنى لو أنه يقاتل في الصفوف الأمامية، لكنه أمر الملك، بأن يبقى مستعدا للدفاع عن مملكته، ساعات تلت الساعات، كان متأكدا أن الحرب قد بدأت منذ زمن، أصوات الصرخات تكاد تسمع من بعيد، أخذته الأفكار بعيدا قليلا سائلا نفسه: "لماذا لم يتوجه التنين إلى باقي الممالك فقد مر بالفعل ببعضها، لماذا توجه إلى مملكتنا وكأنه يقصدها دون غيرها؟ ". كانت فكرة عابرة، أو هذا ما ظنه، شخص نظره إلى السماء ليرى لهيبا أحمر مغطى بالسواد متوجها نحوه، فكرته العابرة التي تمثلت في أن هذا التنين سيحاول الهرب من جموع الجيوش ليأتي إلى هنا قد تجسدت أمامه، كان المشهد مخيفا حقا. حلت غيوم سوداء كئيبة فوق مملكة جاوا، سحاب داكن يحمل شرا يقدح في السماء، نفحات من الرعب والقلق تسللت الى كل شكل من اشكال الحياة، ظلام دامس غطى السماء وكأن الليل لم يحل إلا عندما ظهر هذا التنين، رفرف جناحاه الكبيران في السماء، يندفع منهما الشرر مع كل تلويحة، تتبعهما صرخة بين الفينة والأخرى، كان ذو جلد صلب ومدبب، ورأسه ذو قرنين طويلين، نظر بعيونه المرعبة إلى مملكة جاوا بنظرات ساخطة يملئها الغضب. لكن (هزيم) لاحظ أنه قد أصيب بالفعل بالكثير من الخدوش والجراح، أمسك سيفه مستعدا لغرزه فيه بمجرد أن يقترب منه، لكنه لاحظ ظلا إلى جواره، كان والده يحمل عصا عرفها (هزيم) بمجرد أن رءاها. _ هذه العصا هي السلاح الذي استخدمه ذلك الوحش الذي صنف على أنه كارثة أليس كذلك؟ _ أجل هو بذاته، هذه العصا التي هددت البشرية من قبل، سأستعملها لإنقاذها بها هذه المرة. تصديا بكل قوتهما للتنين، حاول (هزيم) إختراق جلده الصلب بقوته، لكن طار من شدة الإصدام، لم يكن أمام الملك الوقت الكافي لإنقاذ ابنه لذا فاختار أن يضرب هو بدوره، ضربة اخترقت رقبة التنين وفجرت الدماء من حوله، لكنه دفع ثمن تلك الضربة غاليا، فقد أمسكه التنين بأحد أنيابه ممزقا وجه الملك، ثم طار مسرعا نحو السماء، سقط الملك مدرجا بالدماء، لكن لم تكن تضحيته قد ذهبت سدى، فها هو التنين يترنح في الهواء، كانت الضربة التي تلقاها كافية لتدمير جزيرة كاملة، فقد التنين السيطرة على جناحيه ليسقط بدوره، لكن... لم يكن (هزيم) بكامل وعيه، فقد خارت قواه تقريبا، لكنه شاهد ما حدث بعد ذلك، سقط التنين مباشرة على القلعة، كان أول ما خطر بباله هو أسرته، كان يتمنى لو أن معجزة تحصل فينجون من الإنهيار الذي سيتبع سقوط هذا التنين الضخم، لم يملك القوة لتحريك قدميه، كان كل ما يستطيع فعله هو المشاهدة فقط، اغرورقت عيناه وهو يدعو بأن تكون أسرته بخير. بدأت القلعة تنهار، فمع سقوط التنين لم يبقى حجر على حجر، كانت (سناء) زوجة الأمير (هزيم) تحاول جاهدة حماية طفليها (رجاء) ذات الأربع سنوات، و(مروان) ذو الخمسة أشهر، مع هول الفاجعة لم تعرف ماذا تفعل، لولا قدرتها على التحكم بعنصر الهواء لكانت سحقت مع أولادها، لكن هذا وحده لم يكفي، انهارت الأرضية تحتهم كما انهارت من فوقهم، هل كانت النهاية؟ أسرعت (سناء) بلف نفسها وأولادها بدرع من الهواء، لكن سرعان ما انكسر هذا الدرع ووقعوا جميعا، إلا أن الجدران قد أطبقت على بعضها مانعة الحجارة المهدمة من السقوط فوقهم، شعرت بالراحة كانت معجزة لا تكاد تصدق، وبعد ثوانٍ قليلة، لم تكد (سناء) تأخذ نفسها حتى أدركت أن (مروان) ليس بجانبها، تلفتت وذهب تبحث عنه، وما وجدته كان أكثر شيئ لا يمكن تصديقه. كانت عيون الطفل (مروان) موجهة إلى عيون التنين، يبدو أنه سقط معهم حتى هذه المرحلة، كان التنين شبه ميت، إذ لم يكن يتحرك، وفجأة وكأن لعنة حلت على هذا الطفل، طار بضع سنتيمترات في الهواء، وأحاطت به هالة سوداء، وكأن هذا التنين يلقي سحرا عليه. كانت ثوانٍ قليلة، لكنها ستستمر مع هذا الطفل حتى يوم وفاته، لم يدرك أحد كنه ما حدث في هذه اللحظة، مات التنين أخيرا، ومات الملك تاركا الحكم لإبنه (هزيم)، وعاش (مروان) وهو لا يعلم ما ينتظره مستقبلا، الكثير من الألغاز تحوم هنا وهناك، ما الذي فعله التنين بالضبط؟ وكيف سيؤثر، هذا على حياة (مروان)؟ لم يعرف هذا أحد حتى الآن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة التنين

المؤلف osama rh
2025/06/27 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة