ألصقها يعقوب بالحائط بقوة، وما إن رفعت وجهها حتى وجدته قريبًا جدًا منها، لدرجة أنها شعرت أن ركبتيها قد خذلتاها. أدركت جيدًا هذه المرة أنه لا مفر لها، فبدأت تتمتم بتلعثم شديد: زينب (مرتبكة): خـ...ـو...ـيـ...ـا... يعقوب (بعينين تشتعلان): أخوكِ هو من أحضرك إليّ، ولم يجبرك أحد على المجيء... هذه المرة أتيتِ برجليك. زينب (تحاول الدفاع عن نفسها): أرجو أن... أن تتركني أشرح... يعقوب (يزداد قربًا منها): وماذا عساك تشرحين؟ وأنتِ أتيتِ بنفسك وكأنك لا تخشين شيئًا! زينب (تتلعثم وهي ترتجف): والله... جئت فقط لأبلغكم، لم أقصد أي شيء آخر، مجرد مزحة! يعقوب (بصوت منخفض ولكن خطير): لست مهتمًا، أنا أقسمت عليك من مدة طويلة... هل ظننتِ أنني نسيت؟ وكانت يده على وشك أن تتحرك ليفرغ غضبه، لكن فجأة، فتح ياسر الباب ودخل عليهم، فتجمد المشهد لثوانٍ وكأن الزمن توقف. ياسر (متفاجئ): أوه... عذرًا، يبدو أنني دخلت في وقت غير مناسب... زينب (بأعلى صوتها وهي تكاد تبكي): أنقذني بالله عليك! ألا ترى أخاك سيطفئ النور فوق رأسي! لقد جئت فقط لأخبركم أنكم مدعوون لتناول الطعام عند خالتي فاطنة! أخيرًا فهم ياسر الموقف، وتقدم نحوهم ليبعد يعقوب عنها بهدوء، لكن بحزم. ثم التفت إليها وقال بنبرة تحذيرية: ياسر: هذه المرة، سامحتك... لكن في المرة القادمة، لا تلومي إلا نفسك، هل فهمتِ؟ هزّت زينب رأسها بسرعة كمن وقّع على عقد إنقاذ، ثم هربت من المنزل وكأن كلبًا طاردها، ولم تلتفت خلفها حتى وصلت إلى البيت، وهناك فقط تنفست بعمق، ووعدت نفسها ألا تكرر هذه المغامرة مهما حصل. صعدت إلى الطابق العلوي ووجدت الجميع في انتظارها، فسألوها عن سبب تأخرها، لكنها كذبت ببساطة: زينب: لا شيء، كنت فقط أتمشى في الزقاق... صدقوها بسهولة، فلم يكن من بينهم من يهوى التحقيق، رغم أن وفاء نظرت إليها نظرة شك، فهي الوحيدة التي كانت تعرف متى تكذب أختها، لكن رغم ذلك لم تسألها. واستمروا في ترتيب المائدة حتى أذن الظهر، فتوضؤوا وصلّوا، ثم بدأوا يسقون الكسكس، وقبل أن ينتهوا، سُمع طرق على الباب... وكان الطارق ليس إلا يعقوب وياسر ومعهما بلال الذي التقوا به في الطريق. استقبلتهم لالة فاطنة بوجهها البشوش: لالة فاطنة: مرحبًا بكم أولادي، البيت بيتكم. ياسر (مبتسمًا): ومن قال غير ذلك، الله يخلّي لنا خالتي فاطنة. لالة فاطنة: دعوتك اليوم لأشكرك على إنقاذ ابنتي وفاء. والله كنت على وشك أن يصيبني مكروه من الخوف ذلك اليوم... زينب (نظرت لياسر): والله يا أخي، شكراً جزيلاً لك، لقد كنت بطلاً بحق. ياسر (بابتسامة متواضعة): لا داعي للشكر، أي واحد مكاني كان سيفعل نفس الشيء. وبينما كانوا يأكلون ويضحكون، كان يعقوب جالسًا بصمت، لكنه لم يرفع عينيه عن زينب وهي تضحك وتتكلم، كأنها فجأة أصبحت بطلة فيلم رومانسي. أما ياسر، فقد كان على وشك الانفجار من الضحك، ليس بسبب الموقف، بل من شكل أخيه الذي بدا وكأنه وقع في الحب لأول مرة في حياته. انتهى الغداء، وقاموا لترتيب الطاولة، ثم خرج يعقوب وياسر وتعثرا في السلم بسبب ضحك ياسر وهو يتذكر عائلته المجنونة التي لم يرها منذ مدة طويلة. أما الفتيات، فبقين في الصالة، أصابهن بعض الملل، فبدأن ينظرن لبعضهنّ وكأنهنّ يبحثن عن خطة سرّية للهروب من الملل. بلال، الذي كان جالسًا معهم، بدأ يحرك حاجبيه كمن يحاول أن يُخرج فكرة عبقرية من جبهته، لكن من الواضح أن "اللمبة" كانت منطفئة. وبين التفكير والتفكير، سقطت على زينب فكرة عبقرية: زينب (بحماس): ما رأيكم أن نذهب إلى السوق قليلاً؟ نغيّر الجو ونشتري بعض الأشياء التي نحتاجها؟ وافق الجميع، خصوصًا أن لا شيء كان يشغلهم سوى العد العكسي للنعاس. في المساء، بدأ الاستعداد. ارتدت زينب سروال جينز واسع وقميصًا أبيض بسيطًا، مع صندل أسود، وتركت شعرها منسدلًا مثل إعلان شامبو. أما وفاء، فلبست سروالًا رياضيًا أسود وتيشيرت أبيض مع صندل أبيض، وربطت شعرها بسرعة جعلتها تبدو وكأنها خرجت للتو من جلسة تصوير رياضية. بصراحة، الفتاتان كانتا تبدوان كقنابل متفجرة... ولكن من نوع أنيق. نزلوا إلى الأسفل حيث كان بلال ينتظرهم، وقد ارتدى شورت جينز، وتيشيرت أسود، وصندلًا بسيطًا، واضعًا قبعة خفيفة على رأسه وكأنه مغني راب نزل للتبضع. خرجوا من المنزل ثلاثتهم، يمشون جنبًا إلى جنب كأنهم فريق "مهمات مستحيلة". بلال، بطريقة عفوية، وضع يده على كتف زينب كالأصدقاء المقرّبين. لم تكن هناك نيّة خبيثة، لكن في الجهة المقابلة من الحي، كانت هناك عيون حمراء مشتعلة تراقبهم من خلف نافذة الطابق الثاني... نعم، إنه يعقوب. الرجل لم يفهم لماذا قلبه بدأ يرفرف، ولماذا عيونه تحولت إلى ماسحات ليزر. كان لا يزال يحاول تهدئة نفسه، لحسن الحظ بفضل "الشيء الذي كان يدخّنه"، والذي ربما لو لم يكن موجودًا، لكان نزل بأسلوب فيلم أكشن. أما الثلاثة الآخرون، فكانوا يكملون طريقهم نحو السوق، يضحكون ويتبادلون المزاح. فجأة، لمحوا ياسر في السوق، كان يحمل كيسًا فيه بعض الأغراض. وفاء لم تفوّت الفرصة: وفاء (بابتسامة مشعة): ياسر! مرحبًا! ما رأيك أن نتسوق سويًّا؟ نختصر الوقت. (وهنا بدأنا نشك... من الأكثر خفة ظلًا: زينب أم وفاء؟! لعلها عدوى من العمة أو الخالة.) ياسر، الذي لم يكن يحبّ أن يفوّت شيئًا فيه فوضى جميلة، ابتسم وقال: ياسر: لماذا لا؟! دعونا نمضي سويًّا. توجّهوا إلى محل الملابس، بدأت زينب تدخل غرف التبديل، تخرج، وتطلب الرأي، والضحك يملأ المكان. أما وفاء، فارتدت شيئًا بسيطًا وخرجت، ليباغتها ياسر وهو يقول: ياسر (بصوت خافت وعيون تائهة): هذه جميلة... لا، وتلك أجمل... في الواقع، أنت جميلة، كل شيء يليق بك. ساد صمت غريب... كل العيون تحوّلت نحو ياسر، حتى هو نفسه تفاجأ مما خرج من فمه. أما وفاء، فلم ترد، فقط ابتسمت بخفة، وغيّرت الموضوع بسرعة. بعد لحظات، دخل ياسر لقياس قميص ضيق، وبصراحة... ظهر وكأنه خرج من إعلان للملابس الرياضية. عضلاته تكاد تمزق القماش، وحتى وفاء لم تستطع منع نفسها من التحديق وكأنها وجدت موسيقى جديدة في الحياة. الحقيقة؟ الرجل كان شكلاً ومضمونًا. غادروا السوق وهم يضحكون ويتمازحون، لكن ما إن تجاوزوا زاوية الشارع حتى ظهر أمامهم مجموعة من الشبان الغرباء. قال أحدهم بنبرة تهديد: الغريب: ضعوا ما لديكم... لا نريد مشاكل، فقط سنأخذ ما نريد ونذهب. ردّ عليه ياسر بنظرة ساخرة: ياسر: حسنًا... فقط لأجلك، سأجعلك تتذكر هذا اليوم مدى الحياة. ثم أمسك بأحدهم ورماه أرضًا كما يرمي أحدهم كيس نفايات، أما بلال، فقد وجّه ضربة سريعة لآخر جعلته يتقيأ الماضي والمستقبل. لحظات، وكانوا جميعًا على الأرض كأكياس الدقيق المنتهية الصلاحية. زينب (تصفق): واو! هؤلاء هم الرجال الحقيقيون، هنيئًا لكِ أختي، الحزام الأسود في حماية البنات! وفاء (تضحك): ليس لدي ما أقوله لك، يا ياسر، أنت صخرة... وهذه المرة الثانية التي تنقذنا فيها. ياسر (بهدوء): وهل فقط الآن اكتشفتِ ذلك؟ احفظي المعروف. رجعوا للبيت والضحكة لا تفارق وجوههم، كل واحد منهم ذهب في اتجاهه، إلى أن دخل ياسر البيت، ليجد يعقوب واقفًا عند الباب، ووجهه متجهم كعادته: يعقوب: أين كنت؟ ياسر: في السوق. يعقوب: ومع من؟ ياسر (بابتسامة ماكرة): قُلها مباشرة... كنت مع زينب ووفاء وبلال. يعقوب لم يرُد، لكنه فهم أن أخاه اكتشف كل شيء. ياسر (يمشي مبتسمًا): لا تقلق، سأخبرك بكل شيء، أعلم أنك تشتعل فضولًا. في صباحٍ جديد، وبعد أيام مليئة بالمواقف العجيبة والضحك والركض والضرب المجاني، فتحت زينب ووفاء أعينهما على صوت المنبّه المزعج في تمام السادسة صباحًا، وكأنهما على موعد مع مهمة من مهام الـ"FBI". استيقظتا وهما تتثاءبان وكأن النوم ما زال جاثمًا على جفونهما. دخلتا الحمّام تباعًا، استحمّتا، ثم تناولتا فطورًا خفيفًا فيه قليل من الخبز والكثير من التذمر: زينب (وهي تمسك كوب الشاي): من قال إن الجامعة حلم؟! والله إنه كابوس نعيشه ونحن نضحك! وفاء (وهي تمضغ الخبز): اصمتي، دعيني أحاول أن أقتنع أنني في مسلسل تركي... اسمه "المعاناة اليومية". ارتدت زينب سروال جينز أزرق فضفاضًا، وتيشيرت أبيض، و"جاكيتة" خفيفة، وحذاءً رياضيًا أبيض. وتركت شعرها منسدلًا بطريقة بدت معها وكأنها بطلة إعلان شامبو في ريف إيطالي. أما وفاء، فقررت أن تصدم الجامعة بأناقتها المعتادة، فارتدت فستانًا أحمر ضيّقًا نوعًا ما، "جاكيتة" خفيفة، حذاءً أبيض رياضيًا، وتركت شعرها أيضًا منسدلًا، لكنها كانت تبدو كـ"قنبلة" تمشي على الرصيف بكل ثقة. ركبتا سيارة أجرة وتوجهتا للجامعة. هناك، افترقتا. زينب، التي التحقت بشعبة الحلويات (أو كما تسميها هي: فنون الحب السكرية)، دخلت القاعة وجلست بجوار شاب بدا مألوفًا لها. رفعت عينيها إليه فوجدته... زينب (مندهشة): يونس؟! يونس (بضحكة): أخيرًا... قلتُ لنفسي، هل زينب صارت تتكبر علينا؟ ما هذا الغياب؟ أين تلك الفتاة التي كانت تتشاجر معي على آخر قطعة كيك؟ زينب (تضحك وهي تعانقه): والله اشتقت إليك، أيها المجرم الحلواني! (ملاحظة: يونس هو ابن خالتها وأخوها في الرضاعة، وأقرب صديق لها منذ الطفولة.) بدأت المحاضرة، لكن ليس قبل أن يتحول المقعد إلى مسرح صغير فيه تعليقات وقصص وضحك مكتوم حتى لا تنتبه الأستاذة. أما وفاء، فدخلت مدرج الموسيقى، وجلست في الزاوية، بعيدًا عن الصداع والضجيج، فهي لا تحب "الطيور التي تزقزق بلا معنى". اقتربت منها فتاة هادئة الملامح، بنظرات خجولة، وقالت: الفتاة: عذرًا... هل هذا المقعد فارغ؟ أنا لا أحب الجلوس وسط الزحمة، أحب الزوايا، فهي تشبهني. وفاء (بابتسامة صغيرة): طبعًا، اجلسي. الفتاة: شكرًا... اسمي نورة، وأنتِ؟ وفاء: تشرفنا، أنا وفاء. مرّت لحظات قليلة، ثم بدأتا الحديث عن الدراسة، والمواد، والناس الغريبة التي رأتها نورة في طريقها، ليكتشفا بسرعة أنهما من نفس النوع: تحبّان الهدوء، لكن إذا ارتاحتا، تتحوّلان إلى مهرجتين محترفتين! دخلت الأستاذة، بدأ الدرس، والاثنتان تبادلتا نظرات من تحت الطاولة وكأن بينهما اتفاقًا سريًا على السخرية الصامتة من كل شيء. وبينما الفتيات يغرقن في عالم الجامعة، كان الإخوان (يعقوب وياسر وبلال) لا يزالون في نوم عميق، حتى اقتربت الساعة من الثانية عشرة ظهرًا، حين استيقظوا على أصوات جوعهم لا على صوت المنبّه. غسلوا وجوههم، وتناولوا ما تيسر، ثم خرجوا في نزهة قصيرة، لا وجهة لها، فقط للتمشية وقتل الوقت. في تلك الأثناء، أنهت زينب وفاء دروسهما، وبدأتا تبحثان عن بعضهما وسط الزحام. تلاقتا أخيرًا أمام بوابة الجامعة. لحظة اللقاء كانت مليئة بالحديث والضحك، حتى اقترب منهما يونس، صافح وفاء وتبادل معها المجاملات، ثم قدمت زينب صديقتها الجديدة: زينب: وفاء، هذه نورة، تعرفت عليها اليوم، والظاهر أننا سنصبح ثلاثي الرعب. وفاء (بلطف): سعيد بلقائك نورة. نورة (بخجل): وأنا أيضًا، تبدوان قريبتين من بعض، هل أنتما صديقتان منذ زمن؟ زينب (تمزح): لا، نحن مجرد ضحيتين في نفس المسلسل! ضحكوا جميعًا، ثم قالت زينب: زينب: ما رأيكم أن نأخذ "كاسكروط"؟ أعرف مكانًا يقدم أفضل أكل. وافق الجميع، ومشوا نحو الحي. وبينما هم في طريقهم، كانت زينب تمشي بجوار يونس، تمسك بيده وكأنها تمشي مع أخيها في حفل زفاف... وهذا ما أشعل نار الفضول في قلب يعقوب. فمن كان في تلك اللحظة؟! نعم، يعقوب... جالس في مقهى، يحتسي قهوته السوداء، لكن قلبه كان يغلي أكثر من "الماكينة" التي تسخن القهوة. رأى المشهد من بعيد، ألقى كوبه بسرعة، وقام كالمغوار، تبعهم، واقترب منهم كالصقر الجائع. وفجأة، ودون سابق إنذار، أمسك بكتف يونس واستدار به بقوة كأنما يقول: "من أين أتيت يا هذا؟!" يعقوب (وهو يزمجر): من أنت؟ ولماذا تتمختر في حيّنا بهذه الثقة؟! لكن الضربة لم تأتِ من يونس... بل من وفاء، التي باغتته بركلة جانبية هبطت مباشرة على رجله كأنها تقول له: "ارجع إلى الواقع يا بطل الملاكمة!" زينب (بحدة): ما بك يا هذا؟ من الذي أطلقك علينا؟! تجمّعوا حول يونس يتأكدون من حاله، فقال لهم مبتسمًا: يونس (ببرود): لا تقلقوا، أنا بخير، فقط فضولي لأعرف من هذا المهرّج. يعقوب (وهو يشتعل): من هذا الذي تسير معه هكذا وكأنك مالكة الحي؟ زينب (بابتسامة ساخرة): وهل الحي ملك والدك؟ هذا أخي في الرضاعة، فلا تُحرج نفسك أكثر. وما زاد الطين بلة، هو أن ياسر ظهر فجأة، وكان قد تبع يعقوب منذ البداية. وفاء (وهي تضحك): ياسر، يبدو أن أخاك استهلك كل الحشيش الموجود في السوق هذا الأسبوع! ياسر (وهو يكتم ضحكته): دعونا نذهب قبل أن يتحول الحي إلى ساحة ملاكمة. تحركوا جميعًا، ضحكوا، تهامسوا، وذهبوا إلى منزل لالة فاطنة، وهناك عرّفت زينب الجميع على نورة ويونس. ودخلوا، وصعدت زينب وأحضرت كعكة لذيذة صنعتها بنفسها. وصل بلال، وسرعان ما تعرّف على الجميع، وأصبح الجو أكثر دفئًا من المدفأة. مرّت الأمسية بهدوء، ثم حين أذّن المغرب، تفرّقوا كأنهم كانوا في لقاء عائلي سري، واختفوا واحدًا تلو الآخر. الأيام تمر، الدراسة والبيت، السوق والجامعة، وكل شيء يمشي بنظام غريب... لكن في أحد الأيام، رنّ هاتف وفاء، وكان الاتصال من رقم غير متوقع... نجمة 🌟 وتعليق لأكمل الرواية
Mehdi Bc