كانت نظرات يعقوب حادة وثابتة، وعندما نظر إليها، شعرت وكأن قلبها توقف. من عينيه فقط، أدركت أنه تعرّف عليها، وكأن بينهما عهدًا قديمًا لم يُنطق. أما هو، فحين رأى ملامحها، أقسم داخليًا بأنها لن تمر من أمامه دون أن يترك فيها أثرًا. لم ينسَ الكلمة التي قالتها له… "برهوش". كانت تلك الكلمة كأنها صفعة لكبريائه، رغم أن إصبعها كان لا يزال يؤلمها، إلا أن ذلك لم يمنعها من أن تشعر بأنها تسببت في شيء لن ينتهي بسهولة. جلسوا جميعًا مرة أخرى، أكملوا طعامهم وحديثهم، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن لا شيء سيحدث… لكنهم كانوا يجهلون أن العاصفة قادمة. في مكان آخر، كان يعقوب وياسر عائدين إلى البيت وهما يتحدثان: قال ياسر وهو يضحك: "يا رجل، فقط طمئني… لن ترفع يدك عليها، صحيح؟" رفع يعقوب حاجبه وقال: "على من تتحدث؟" رد ياسر بابتسامة ساخرة: "تلك التي نادتك (برهوش)…" توقف يعقوب عن المشي، نظر إليه بجمود وقال: "إن لم تصمت، سأدفنك هنا فورًا." رفع ياسر يديه وقال مازحًا: "أنا صامت، حاضر، كأنني لم أتكلم." وضحك حتى كاد يقع أرضًا. أما يعقوب، فقد عاد ذهنه إلى ملامح تلك الفتاة، شعرها الرمادي، تلك النظرة الغريبة… لكنه سرعان ما غلى الدم في عروقه عندما تذكّر ما قالت له، فعبارة "برهوش" كانت كالقنبلة. وصلا إلى المنزل، دخلا بصمت، كل واحد منهما اتجه ليستحم. بعد الانتهاء، ارتدى يعقوب سروالًا رياضيًا فقط، وبقي عاري الصدر، ثم رمى بنفسه على السرير ونام بسرعة. أما ياسر فلبس سروالًا رياضيًا أزرق وتيشيرت أبيض، وجلس يتصفح هاتفه. في الجهة الأخرى، صعدت الفتيات إلى البيت بعد انتهاء اليوم، وكل واحدة دخلت غرفتها ونامت. ومرت الأيام... ☀️ صباح جديد بعد خمسة أسابيع ☀️ استيقظت الفتيات باكرًا، في حوالي الساعة الثامنة، وانطلقت كل واحدة منهن في نشاطها الصباحي. دخلت إحداهن الحمام، بينما الأخرى ذهبت للمطبخ لتحضير الفطور. وبعد أن انتهين، بدأت زينب في تحضير السندويشات، فقد اتفقن على الذهاب للبحر مع لالة فاطنة وبلال. وفاء جمعت البيت بسرعة، ثم ارتدت فستانًا أبيض يصل إلى الركبة مع صندل أزرق، بدت وكأنها نجمة إعلان. أما زينب، فقد ارتدت فستانًا برتقاليًا مع صندل بني، وكانت أنيقة إلى أبعد حد. جهزتا أغراضهما ونزلتا. عند أسفل البيت، وجدتا لالة فاطنة حاملة سلة مليئة بالفواكه والصحون وحتى طنجرة الضغط! تبادلتا النظرات وضحكتا بشدة. قالت زينب بدهشة: "خالتي! إلى أين بكل هذا؟" ردّت لالة فاطنة بثقة: "وايلي! هذا فقط القليل من الكثير!" انفجرتا ضحكًا. قالت زينب: "خالتي، نحن جهزنا كل ما نحتاجه، اطمئني فقط." قالت فاطنة مبتسمة: "حسنًا، سأحمل فقط البطيخة!" قالتا: "تمام، هيا بنا، بلال في انتظارنا بالأسفل." نزلوا، فوجدوا بلال ينتظرهم بالمظلة الشاطئية، فسلموا عليه وانطلقوا إلى البحر. أما يعقوب وياسر، فقد استيقظ ياسر أولًا، دخل للاستحمام، خرج، حضّر الشاي، ووضع زيت الزيتون، وجلس يفطر وهو يشعر بالحر، فتذكر أن البحر سيكون الحل. نهض وذهب لإيقاظ أخيه. قال ياسر: "استيقظ، الفطور جاهز… واستعد لنذهب للبحر." فتح يعقوب عينيه وكأنه أُجبر على الحياة، نهض، دخل الحمام، استحم، خرج، تناول فطوره، ثم لبس شورتًا وتيشيرت سوداء أظهرت عضلاته بشكل مبالغ فيه، وأخذ منشفته وخرج. أما ياسر فلبس شورتًا وتيشيرت زرقاء، وأخذ منشفته وخرجا معًا. في الشاطئ، وصلت الفتيات وبدأن في تجهيز المكان، فتحن المظلة، وبدّلن ملابسهن إلى ملابس سباحة محتشمة (فهي رواية محترمة 😇)، وبدأن في اللعب بالماء مع بلال. خرجت زينب من البحر، تفرج شعرها وتبحث بعينيها... وفجأة، رأت يعقوب! رآها هو أيضًا... فثبت مكانه لحظة، ثم بدأ يركض نحوها مباشرة، وكأنه في سباق. زينب أدركت أن المصيبة قادمة، فبدأت تركض هي الأخرى. كان المشهد أشبه بمطاردة كوميدية على الشاطئ، والناس يضحكون عليهم دون أن يعرفوا ما يحدث. أخيرًا، أمسك يعقوب بيدها، أراد أن يديرها نحوه، لكن الأرض كانت زلقة، فسقطا معًا، وهي فوقه مباشرة. نظر إلى وجهها، إلى عينيها، إلى جمالها الحقيقي عن قرب… وسرح. أما بلال، فركض نحوهما، لأنه يعرف أن يعقوب إذا غضب… لا يُمسك. وفجأة، شد يعقوب على يدها وهي تصرخ: قالت زينب بصوت مرتفع: "أأأه! هل في كل مرة تراني، تريد تعذيبي؟ هل أنت مريض؟ أنت طفل… طفل بحق!" سكت يعقوب لحظة، ثم وقف بغضب شديد، وكاد يصفعها صفعة تغير ملامحها... لولا أن صوتًا قويًا قاطع الموقف. كان أحدهم يصرخ: "النجدة! النجدة!" التفت الجميع، فوجدوا وفاء تغرق. كانت تصارع الماء وحدها، والجميع كان بعيدًا عنها، إلا ياسر، الذي قفز فورًا في البحر، وسبح بسرعة، وأنقذها، ثم حملها إلى الشاطئ وبدأ يسعفها. بلعت كمية كبيرة من الماء، لكن بفضل ياسر، استعادت وعيها. فتحت عينيها، ورأته أمامها، وهو يحاول أن يطمئنها. في تلك اللحظة، رأت فيه شيئًا لم تره من قبل… ملاكًا في هيئة رجل. وصل الجميع إلى مكانها، زينب وبلال ولالة فاطنة، واطمأنوا عليها. ضحكت وفاء فورًا لتخفف عنهم القلق، وقالت مازحة: "أنا بخير، لا داعي للخوف!" لالة فاطنة نظرت إلى ياسر وقالت: "جزاك الله خيرًا، يا ولدي… ربي يحميك. وبالمناسبة، تفضلوا تغدوا معنا اليوم، أنت وأخوك." جلسوا جميعًا، أكلوا، ضحكوا، لكن عيني يعقوب كانت لا تزال تحترق من الداخل من كلمات زينب. ومع ذلك، كتم غيظه، لأنه لا يريد أن يفسد الجو العائلي. بعد الغداء، جمعوا أغراضهم، وعادوا إلى منازلهم، وكان ياسر هو من أوصل الجميع. في نهاية اليوم، كل واحد دخل ليستحم وينام من شدة التعب. منتصف الليل، استيقظت زينب، شربت ماء، وبينما كانت تعود لغرفتها، فكرت أن تطمئن على وفاء، فتحت باب غرفتها… السرير فارغ! تذكرت عادتها القديمة، كانت دائمًا تخرج في الليل وتعود دون أن تقول أين كانت. جلست تنتظر، وبعد قليل، سُمع صوت فتح الباب… دخلت وفاء، فوجدت زينب واقفة تنتظرها. قالت زينب بقلق: "هل لا تزالين على هذه العادة؟ وأين كنت؟" ابتسمت وفاء وقالت: "كان لدي أمر أريد إنهاءه، أنهيته وجئت. اطمئني، كل شيء بخير." زينب، رغم شكوكها، آثرت الصمت، لأنها الوحيدة التي تعرف أن أختها تخرج ليلًا… لكنها لم تجرؤ يومًا على سؤالها بشكل مباشر. في الصباح، كعادتها، استيقظت زينب، استحمت، لبست ملابس البيت، حضرت الفطور، ثم أيقظت وفاء لتذهب وتشتري الخبز. وفاء لبست قندورة خفيفة، أخذت محفظتها، وخرجت. وقفت عند البقال، وإذا بياسر قادم ليشتري الخبز أيضًا. تفاجأت برؤيته، وقالت له بلطف: "آسفة، لم أشكرك بالأمس… كنت خائفة ولم أنتبه." نظر إليها ياسر، وكان قلبه ينبض بقوة، ثم قال: "المهم أنك بخير… هذا أهم شيء." سلمها البقال الخبز، فقالت: "سأتركك الآن، إلى اللقاء." ثم غادرت، بينما تركت قلب ياسر معلقًا بها. عادت وفاء إلى البيت، تناولوا الفطور، وبعده قرروا النزول إلى لالة فاطنة لمساعدتها في تحضير الكسكس، لأنه يوم الجمعة. أثناء التحضير، تذكرت وفاء أنها لم تشكر ياسر بما فيه الكفاية، فقالت لالة فاطنة: "خالتي، ما رأيك أن ندعو ياسر ليتغدى معنا؟" قالت لالة فاطنة بابتسامة: "فكرة جميلة، هو وأخوه مرحب بهما." فنادَت وفاء على أختها: "زينب! نريد أن ندعو ياسر ويعقوب للغداء، اذهبي وأخبريهما." صرخت زينب: "هل جننتِ؟ تريدينني أن أذهب بقدمي إلى الموت؟ مستحيل!" قالت وفاء: "إذًا اغسلي الأواني، وأنا أذهب." ردّت زينب بسرعة: "إن كان الأمر كذلك… حسنًا، سأذهب!" فنزلت وهي متجهة إلى بيت يعقوب، طرقت الباب… وإذا بيد تمسك بها، تدخلها إلى الداخل، وتلصقها بالحائط. نجمة 🌟 وتعليق لأكمل الرواية
Mehdi Bc