في مدينة الدار البيضاء، وتحديدًا داخل فيلا كبيرة وأنيقة، تعيش عائلة مغربية مكوّنة من أربعة أشخاص. الأب، السيد محمد بن شقرون، رجل أعمال ناجح، عمره ستة وأربعون عامًا، أنيق بطريقة تثير الغيرة في الشباب الصغار، وجهه هادئ كأن لا همّ له في الدنيا، وبشرته القمحية مع بعض الشعر الأبيض كانت توحي بشيء من الحكمة… أو ربما فقط بداية "الشيب". زوجته، لالة فاطمة، فاسية الأصل، مشهورة بكلامها الجميل ولسانها الحلو. ما زالت تحتفظ بجمالها رغم مرور السنين، ببشرتها البيضاء وعينيها العسليتين، وشعرها الأسود المغطّى دائمًا بحجاب أنيق… رغم أن خصلة منه كانت تُصرّ على الظهور كأنها تقول: "أنا هنا!" أهم ما في هذه العائلة؟ توأم البنات! الأولى تُدعى زينب، مشهورة في العائلة بلقب "الزلزال"، شعرها الأسود الطويل وعيناها اللامعتان كانتا كافيتين لجعل أي شخص يصدّق كل ما تقوله... حتى لو قالت إن القمر يسكن في الثلاجة. تحب الحلويات لدرجة أنها تريد فتح محل خاص بها فقط لتأكل ما تريد بدون أن تدفع. أما أختها وفاء، فكانت مثل زر كتم الصوت... هادئة، رقيقة، تتحدث وكأنها تخاف أن تزعج الهواء. تحب العزف على البيانو، وتؤمن أن الحياة يجب أن تكون "دو ري مي" فقط، بلا أي إيقاعات مفاجئة... مثل أختها تمامًا! --- في صباح صيفي جميل، وبعد حصول التوأم على شهادة البكالوريا، قررت زينب قرارًا مصيريًا: زينب (بوجه جاد جدًا): "وفاء، قررتُ أننا سننتقل للدراسة في الرباط." وفاء (ترمش ببطء): "هل... استشرتني؟" زينب: "طبعًا! استشرتك في الحلم ووافقتِ." وفاء: "لكن أنا أحب كازا، و..." زينب (مقاطعة): "لا وقت للعواطف! الرباط فيها معاهد فنية، فرص، مسارح، وحتى إذا فشلنا في الدراسة، نقدر نشتغل ممثلتين!" وفاء: "أنا أعزف بيانو، مش أمثل فيلم أكشن!" زينب: "نخلق أكشن في أي مكان، يا أختي." وبالفعل، اقتنعت وفاء (بالقوة الناعمة طبعًا)، وبدأتا التحضير للرحيل. --- في يوم السفر، استيقظ الجميع مبكرًا، وبدأت الأم في وصاياها الطويلة: لالة فاطمة: "لا تنسيا الأكل. لا تثقي بأي شخص يبتسم كثيرًا. لا تجلسي في المقعد الخلفي في الكار، فيه ريحة كفتة قديمة. ولا تردي على أي شاب يقول لك 'ألو' من بعيد!" زينب (وهي تضحك): "ماما، ذاهبتان للدراسة وليس للحرب!" وفاء (وهي تهمس): "لكن أنا خائفة فعلًا، وما زلتُ لم أتأقلم مع فكرة أن السرير سيكون غريبًا..." زينب: "سرير جديد، مشاكل جديدة، مغامرات جديدة! شدي معايا الخط!" ركبتا الحافلة، وجلستا جنبًا إلى جنب، وفاء وضعت رأسها على زينب، التي قالت: زينب: "هيا نامي، أحلمي بالسكن الشعبي والجران المحترمين اللي يغسلوا وجوههم بماء الشارع." وفاء (بكتم): "يا رب سلّم..." --- وصلتا الرباط بعد ثلاث ساعات من الهزّ والوقوف المفاجئ والانحناءات التي جعلت زينب تتساءل: زينب: "هل هذا سائق حافلة أم راقص شعبي؟!" وبعد أن نزلتا، بدأت مرحلة "السكن". زينب (بحماس): "أنا عندي خطة، سنبحث في حي شعبي، فيه حياة، فيه روائح غريبة، فيه جارات فضوليات!" وفاء (بقلق): "وفيه صراصير، لا تنسي الصراصير..." زينب: "عادي، نتشارك الغرفة مع واحد منهم إذا اضطررنا." --- وهم في الحي، التقوا بسيدة كبيرة، بدت وكأنها خرجت من كتاب "الطيبة تمشي على الأرض". زينب: "السلام عليكم، خالتي، هل تعرفين منزلًا للإيجار؟" السيدة: "نعم، عندي شقة فوق، السكان السابقون تركوها، مفروشة ونظيفة." زينب (بحماس زائد): "يااااه! خالتي، كأنك نزلتِ من السماء!" وفاء (وهي تهمس): "أتمنى فقط أن لا تكوني شيطانًا متنكرًا..." وصعدن لرؤية الشقة. كانت بسيطة: غرفتان، مطبخ، حمام، وصالة متواضعة. زينب (تصفق): "رائعة! تمامًا كما تخيّلت! فيها حتى لمسة "غموض"." وفاء (تفتح فمها للاعتراض): "لكن فيها رائحة... ذكريات قديمة." زينب: "عطّريها بالحب والتفاؤل." قرّرتا الاستئجار. قدمت لهما السيدة نفسها: السيدة: "أنا فاطنة، نادوني خالتي فاطنة." زينب: "وأنا زينب، وهذه أختي وفاء... لا تقلقي، نحن بنات طيبات!" وفاء (بهمس): "أنتِ طيبة، أنا بس جاية أنجح في صمت!" استيقظت زينب في الصباح، تمددت في السرير كأنها أميرة نائمة… لكن على سرير شبه قاسٍ لدرجة أنها فكرت في كتابة شكوى ضد "المرتبة". فتحت الثلاجة وهي متحمسة لإعداد وجبة فطور ملوكية... لكن الصدمة كانت قوية. زينب (وهي تنظر داخل الثلاجة): "فراغ... برودة... وقطعة جبن لونها مريب. رسميًا، هذه ليست ثلاجة، بل كهف!" تذكرت أن التعب نال منهما بالأمس ولم تتبضعا. لبست فستانًا أبيض خفيفًا بسبب الحر، وسندالة بسيطة، وجمعت شعرها بسرعة كأنها تحاول إطفاء حريق فوق رأسها. دخلت على وفاء وهي نائمة وملفوفة بالبطانية وكأنها "شاورما بشرية". زينب: "قومي! اليوم هو يوم التسوق العظيم!" وفاء (بصوت ناعس): "اشتري لي شوكولاتة… وسلامي للبطاطا." زينب: "أعدكِ أن أشتري لكِ خبزًا يتحدث عن نفسه." ذهبت زينب نحو الطابق السفلي، طرقت باب خالتها فاطنة، التي فتحت الباب وعلى وجهها علامات الكرم المغربي المعروف. لالة فاطنة: "صباح الخير، يا زينب، تفطري معايا؟ الشاي سخون والخبز دافئ." زينب (بابتسامة): "الله يخلف عليكِ، جيت نسلم ونسألك… فين السوق؟ ولاّ السوق هو اللي يجي لعندنا هنا؟" لالة فاطنة (تضحك): "لا لا، السوق بعيد شوية. نعيط لولدي يوصلّك." ثم نادت بأعلى صوتها: لالة فاطنة: "بلال! بلال! نزل شوف ضيفتنا!" وهنا نزل بلال… شاب في التاسعة عشرة من عمره، طويل القامة، عيونه خضراء فيها شيء من الغموض وشيء من "لا وقت للغرام الآن"، جسده رياضي، وكأن الحياة كانت كريمة جدًا معه! بلال (ينظر لزينب): "السلام عليكم." زينب (تحاول ضبط ابتسامتها): "وعليكم السلام… أنا زينب." بلال: "أنا بلال… أمي قالت لي أوصلك للسوق." زينب (بمزاح): "ممتاز، أنا وقلبي الجائع تحت حمايتك." تحركا معًا، وزينب تمشي بثقة الملوك، وبلال يمشي كمن اعتاد على الحواري. بلال: "المكان هنا فيه حركة، يعني خليكِ حذرة. فيه لصوص، شماكرية، وناس يبيعون التمر ويشبهونه بالحلال الكامل." زينب (تضحك): "ما تخفش، أنا عندي حذاء لو ضربت بيه واحد ممكن ينسى اسم أمه." بلال: "واضح أنكِ مش عادية…" زينب: "كلنا عاديون حتى نُزعج أحدهم." وصلا السوق، وبدآ في التبضع، وبلال كان يساعدها في حمل الأكياس كفارس عصري. وعندما انتهوا وعادوا، خطرت لزينب فكرة خبيثة لكن بريئة في نيتها: زينب (وهي تضع يدها على خدها): "فكرة! سأصنع كعكة وأهبطها لخالتي فاطنة عربون محبة، ومن يدري… قد تقع أختي وفاء في حب ابن خالتي!" بلال (مرتبكًا): "أنا موجود هنا، يعني… أسمعك." زينب: "ممتاز، يعني أسرّع الخطة." --- عادت زينب للمنزل وبدأت في إعداد الكعكة كأنها داخلة في برنامج "ماستر شيف: نسخة الشعب". ثم دخلت على وفاء، التي كانت في عالم آخر من الراحة: زينب: "استيقظي يا مخلوق السكون، لقد صنعتُ كعكة سنهبط بها للسلام والتقارب!" وفاء (بصوت مبحوح): "هل أنا في حلم؟ من خبز كعكة؟ هل هناك شوكولاتة؟" زينب: "فيها شوكولاتة وفيها خطط خفية." ارتدت زينب فستانًا أحمر، ورفعت شعرها بطريقة فوضوية لكنها جذابة، بينما وفاء ارتدت سروالًا رياضيًا وقميصًا بسيطًا، وتأكدت أنها لا تبدو مثيرة جدًا… أو مثيرة أبدًا. هبطتا مع الكعكة. فتحت لالة فاطنة الباب، ورحّبت بهما بحرارة، وبلال كان جالسًا، يحاول أن يبدو طبيعيًا لكنه فشل تمامًا. زينب (وهي تقدم الكعكة): "كعكة من القلب، أعددتها لكم بكل نواياي الجيدة… تقريبًا." بلال (مازحًا): "نأكلها الآن قبل أن تتغير النوايا." جلسوا جميعًا يشربون الشاي ويأكلون الكعكة. زينب (تسأل بفضول): "خالتي… أين زوجك؟" تجمّد الجو لحظة. لالة فاطنة (بحزن): "رحل منذ سنوات، الله يرحمه." وفاء (تحاول إصلاح الموقف): "آه آسفة! زينب تقول أول ما يخطر في رأسها." زينب: "أنا آسفة… لكني كنت أريد فقط أن أعرف من أين جاء بلال بهذا الوجه الوسيم." بلال (يخفي ضحكته): "كعكة جميلة… دعونا نأكل، وننسى النسب والجينات." --- فجأة، سُمع صوت صراخ قوي في الخارج. ركضوا إلى الشباك… معركة حقيقية في الشارع. قبل أن ينطق أحد بكلمة، زينب كانت قد خرجت فورًا وكأنها مراسلة ميدانية في قناة إخبارية. وفاء (تصرخ): "زينب! ارجعي!! ما بكِ؟!" زينب (وسط الزحام): "أريد فقط الصفوف الأمامية!" أحد المتشاجرين رجع إلى الوراء وكاد أن يدوس على قدم زينب. رفعت صوتها غاضبة: زينب: "هل أنت أعمى؟ كدتَ تدهس إصبعي المدلل!" استدار الشاب إليها… كان طويلًا، عضليًا، عيناه سوداوين فيهما هيبة. ببساطة: شخص لا تمزح معه. الشاب: "ابتعدي وإلا دست على حياتك، ليس فقط إصبعك." زينب (تبلع ريقها): "أوه… كأنك وسيم ولكن بلا إحساس." هنا تدخل بلال ووفاء، سحبوا زينب بسرعة. بلال (غاضبًا): "هل فقدتِ عقلكِ؟ هل تعرفين من هذا؟" زينب (بفضول): "من؟ كأنه البطل في فيلم أكشن!" بلال: "اسمه يعقوب، يُلقب بـ "العقرب"، وأخوه ياسر يُلقب بـ "الصقر". إنهما توأمان معروفان في الحي… خطران جدًا." وفاء (وهي تضرب زينب على كتفها): "أنتِ جلبتِ لنا وجع الرأس!" زينب (وهي تضحك): "لكني أخذت الصف الأول في العرض… وتعرفت على وسيم!" اقتربت من النافذة مرة أخرى لتنظر… وفجأة، عين يعقوب تلاقت بعينها، وكان كأنما يقول: "أنتِ… لستِ كأي فتاة." وتوقفت زينب عن الحركة… لأول مرة. نجمة وتعليق لأكمل الرواية
Mehdi Bc