العزل، الوفاة، ووصية "سيف الله"
بعد أن أتم خالد بن الوليد فتوحات الشام ورفع راية الإسلام خفاقة في كل ربوعها، وصل إلى ذروة مجده العسكري. وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اتخذ الخليفة قراره الشهير بعزل خالد من إمارة الجيش وتولية أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. لم يكن هذا القرار تقليلاً من شأن خالد أو شكاً في كفاءته، بل كان سياسة محكمة من عمر ليرفع قلوب الناس عن الاعتقاد بأن النصر محصور بخالد وحده، وليعلم الجميع أن النصر من عند الله، فاستسلم خالد للقرار بقلب المؤمن الطائع والجنرال المخلص، ونزل من إمارة الجيش لِيُقاتل جندياً عادياً تحت راية أبي عبيدة، ضارباً أروع الأمثلة في الطاعة والتجرد من حظوظ النفس.
أمضى خالد أيامه الأخيرة في مدينة حمص ببلاد الشام، معززاً مكرماً، لكن روحه ظلت متعلقة بالميادين التي طالما عانق فيها الموت. وحين حضرتْه الوفاة في سنة 21 هجريّة (أو 22 هجريّة)، فاضت دموعه حسرةً وألماً على فراش المرض، لا خوفاً من الموت، بل حزناً لأنه لم يختم حياته شهيداً في ساحة الوغى. أثرت عنه كلماته الخالدة وهو محتضر، حيث أشار إلى جسده المليء بندوب السيوف والطعنات، وقال: "لقد شهدتُ كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، أو رمية نسه، وها أنا أمتون على فراشي كما يموت العير (الحمار)، فلا نامت أعين الجبناء".
أوصى خالد بتركة بسيطة للغاية؛ فلم يترك سوى فرسه وسلاحه اللذين جعلهما في سبيل الله، وغلامه الذي خدمه، لينتهي بذلك فصل العظمة المطلقة لأعظم عبقري عسكري عرفه التاريخ الإسلامي. وترك خلفه إرثاً خالداً من التخطيط، والصبر، والشجاعة، ليظل اسم "سيف الله المسلول" محفوراً في ذاكرة الأجيال رمزاً للعزة والبطولة الفذة.
Just Jessie _72