معركة مؤتة وبداية الأسطورة
دخل خالد بن الوليد مرحلة التطبيق الميداني لعقيدته الجديدة بسرعة فائقة، ولم يمر سوى أشهر قليلة على إسلامه حتى وُضع أمام الاختبار العسكري الأكبر في بداية مسيرته الإسلامية. في جمادى الأولى من سنة 8 هجريّة، تجهز جيش المسلمين لقتال الروم والغساسنة في بلاد الشام بعد مقتل سفير النبي ﷺ الحارث بن عمير الأزدي. عيّن النبي ﷺ ثلاثة أمراء على الجيش بالتتابع: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة رضي الله عنهم جميعاً.
تجهز الجيش وتحرك نحو مؤتة في أرض البلقاء بالأردن، وهناك فوجئ المسلمون بضخامة جيش الإمبراطورية البيزنطية وحلفائها العرب، والذي بلغ نحو مئتي ألف مقاتل، في حين لم يتجاوز عدد المسلمين ثلاثة آلاف. دارت رحى معركة طحونة ضارية، واستشهد الأمراء الثلاثة الواحد تلو الآخر في مشاهد بطولية هزت القلوب. وسط هذه اللحظات الحرجة التي كانت تهدد بانهيار الجيش الإسلامي وتدميره كاملاً، بادر الصحابي الثابت ثابت بن أرقم فحمل اللواء ودفع به إلى خالد بن الوليد، قائلاً: "خُذها يا خالد، فأنتم أدرى بالقتال مني".
هنا لمعت عبقرية خالد العسكرية الفذة؛ فلم يتردد لحظة، وتولى قيادة الجيش وسط أتون المعركة المشتعلة. أدرك بحنكته الميدانية استحالة تحقيق النصر التقليدي أمام هذا الطوفان البشري الهائل، فكان هدفه الأول والأبدي هو إنقاذ الجيش والانسحاب بآمن طريقة ممكنة. مع نهاية يوم القتال الأول، أعاد خالد ترتيب صفوف الجيش بالكامل؛ فقام بتبديل المواقع، وجعل المقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة، ونقل الميمنة إلى الميسرة، وبث الرعب في نفوس الروم من خلال إثارة الغبار الكثيف وإصدار الأصوات الصاخبة طوال الليل ليوهمهم بأن مدداً ضخماً قد وصل المسلمين من المدينة المنورة.
في صباح اليوم الثاني، أمر خالد بالهجوم بمناورات سريعة ومنظمة أربكت صفوف الروم، ثم بدأ في تنفيذ انسحاب تكتيكي تدريجي ومحكم. كان يعلم دقة الانسحاب أمام جيش جرار، فقسم جيشه إلى فرق صغيرة تتبادل التراجع بانتظام تحت غطاء حماية متبادل. تفاجأ الروم بهذا التكتيك البارع وظنوا أنها خدعة لمؤبّدة أو كمين محكم، فتوقفوا عن مطاردتهم، وتمكن خالد بن الوليد من الانسحاب بجيش المسلمين سالماً غانماً إلى المدينة دون خسائر فادحة مقارنة بحجم الجيش المعادِي الضخم.
حين عاد الجيش إلى المدينة وتلقاه النبي ﷺ والملمون، نظر النبي إلى أداء خالد البارع في تلك المعركة المصيرية، وأسبغ عليه اللقب العظيم الذي لازم اسمه إلى الأبد، إذ قال معلناً انتصار الإستراتيجية: "الآن انطس السيف، وسيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم"، ومنذ ذلك اليوم التاريخي عُرف خالد بن الوليد بـ "سيف الله المسلول"، لتبدأ رحلته الكبرى في قيادة فتوحات الشام والعراق كأعظم عبقري عسكري عرفه التاريخ الإسلامي.
Just Jessie _72