مرحباً، كيف حالكم؟ بالطبع، بعد أن أغمي عليّ، استيقظت لأجد نفسي في بيت أهلي في المقابر. وأخيراً، أنا لا أعرف صراحةً كيف جئت إلى هنا. لا أعرف كيف تقول تلك المرأة الطيبة، أو المرأة التي كانت ترتدي الرداء الأبيض، "ابني"؟ أنا لا أفهم شيئاً ولكن لا بأس.
المهم، استيقظت فوجدت أمي
تعد الطعام. عيشتنا ضيقة جداً وصغيرة، تكفي بالكاد ثلاثة أفراد بعناء
، وهي مكونة من سرير وكنبة. بالطبع، أمي تنام على السرير وأبي ينام على الكنبة، وأحياناً أنام معهما ولكن ليس بالطريقة التي تعرفونها
. أنا مجبرة، أو يكون الأمر عادياً بالنسبة لي ولا فرق، أجلس مع
الميتين لكي لا أتركهم وحتى لا يعرفوني كما تعلمون.
بمجرد أن رأتني أمي أستيقظ، قامت واقفت أمامي وقالت لي: اهلاً، ما هذا اللبس الذي كنتِ ترتدينه ومن أين أتيتِ به؟ هل فعلتِ شيئاً محارماً أم لا؟ أريني أبعدتُ يدها ودفعتها عني
وقلت لها: اللعنة، ماذا تقولين؟ أنتِ مصابة... أنتِ تطعنين في شرفي؟ ابتعدي عني
ثم خرجتُ فوجدت أبي يقول لي: سُوكي، انتظري
. نظرت إليه
وقلت له: ماذا تريد أنت أيضاً؟ هل تريد أن تطعن في شرفي أم ماذا؟
وبعدها مشيت وتركتهما. وكانت هذه بالطبع المرة الأولى التي أبكي فيها؛ فذهبت إلى مكان في المقابر، عند أحد الميتين، وجلست هناك وكان الوقت صباحاً.
بعد ذلك جلست أبكي، وفجأة شعرت بيدٍ على كتفي، التفتُّ فلم أجد أحداً. ثم حدث شيء غريب جداً، إذ وجدت أفكاري كأن أحداً يرد علي
ويقول لي: لا تحزني، ابني سيأتي
نظرت حول فلم أجد أحداً. وعاد ذلك الصوت يتردد في رأسي
قائلاً: لا تبحثي عني، أنا في عقلك
أغمضت عينيَّ وتحدثت من داخلي وقلت: من أنتِ؟ ماذا تريدين مني أنتِ أيضاً؟
فقالت: أنا الفتاة... أنا الفتاة التي أعطيتكِ هذه القوة
لم أهتم وقلت لها: حسناً، شكراً
وبسبب ما فعلتِهِ، استطعتُ أن أتخلص من أولئك الأشخاص غير الجيدين. وبعد ذلك، توجهتُ إلى مكاني المفضل وجلست هناك، فوجدت أغراضي بأكملها بانتظاري؛ روايتي، وكتبي، وكل ما أملكه. فجلست وشرعت في كتابة روايتي.
وبينما كنت أكتب، شعرت بشيء يجلس بجانبي. تنهدتُ وقلت:
— مرحباً...
كنت أعتقد أنه أحد الموتى، فأنا أعلم كيف تفكرون، ولقد اعتدت على ذلك. التفتُّ إلى جانبي لعدم تلقي أي رد، فأجل، الموتى هنا أحياناً يردون! لكنني رأيت شاباً ذا شعر ذهبي وعيون خضراء، ينظر إليّ بابتسامة. تنهدتُ وقلت بسخرية وأنا أواصل الكتابة في دفتري:
واو... جثة جميلة وأجنبية أيضاً!
أنا لست أجنبياً يا سُوكي.
استمررت في كلامي قبل أن أستوعب ويفزعني الواقع:
جيداً، لحسن الحظ... أعااااااع!
أمسكتُ بدفتري وكدتُ أن ألقيه عليه رعباً، لكنه نهض ووقف بهدوء، وقال ببطء:
أنا لا أريد منك شيئاً... لكن أمي...
ولكن أمي جاءتني في الحلم وقالت لي إن هناك فتاة تعرفها اسمها سُوكي
وتحتاج إلى المساعدة، وطلبت مني أن آتي إلى مقابر والدتي ليلاً وسأجدكِ هناك جالسة وحدكِ. لكن فكرة قليل وجات في النهار
اندهشت وقلت: أنت.. والدتك التي تلبس ملابس بيضاء؟
هز رأسه بتفاجؤ وقال: اجل.
قلت بشك: وما اسم والدتك؟
قال: اسمها هند.
قلت بسرحان: هل تحكي لي قصتها من فضلك؟
لكنني قبل أن يتكلم مرة أخرى، سألته: ألا تخاف وأنت هنا معي وحدك وسط الجثث والجن وهذا المكان؟
ابتسم ابتسامة هادئة وقال لي: ولماذا أخاف؟
هززت رأسي بتفهم، وعدنا للجلوس، فحكى لي قصة والدته "هند"؛ فهي الابنة الوحيدة لأبيها وأمها، وهما من عائلة ميسورة الحال، وكانت تدرس دراسة جيدة. قابلت والدي في المرحلة الثانوية، ونشأت بينهما قصة حب جميلة. بعدها اكتشفت أنها تستطيع قراءة الأفكار، وخافت أن تخبر أمها لئلا تحسبها مجنونة، فذهبت إلى جدتها وحكت لها، فصدمت الجدة بأن حفيدتها تمتلك نفس قدرتها، وطلبت منها أن تكتم ذلك لأنها لا تريد أن يحدث لها ما حدث مع الجدة.
وفت هند بوعدها، ثم ذهبت إلى والدها، وسمعت شيئاً صعباً للغاية عن خيانة أمها لأبيها. فقررت الهرب من البيت والزواج من أبي "فريد"، دون أن تخبره أنها تقرأ الأفكار. ولكن بعد أن جئتُ، بدأت تكتشف أنه يخونها، وتلابست الخلافات بينهما وكان سيضربها، فطلبت منه الانفصال فوافق.
أكملت حياتها معي، وكانت أمي هند شخصية جميلة جداً، محترمة ولطيفة. كانت الحياة تحاول بشتى الطرق أن تجعلها قاسية أو سيئة، لكن أمي رفضت وحاولت بكل جهدها، إلى أن اشتد عليها المرض وأنا في العاشرة من عمري؛ فوصتني أن أببتعد عن الحرام وأصنع لنفسي مستقبلاً طيباً، ثم ماتت على السرير في عز شبابها، مرتدية الرداء الأبيض وشعرها الأسود الحريري المنسدل على كتفيها.
ثم تداركت الأمر.. ثوانٍ، لم أسأل عن اسمه!
وما اسمك أنت؟
هادي، اسمي هادي.
قلت في سرّي: وهو اسم على مسمى، فهو هادئ واسمه هادي.
قمت واقفة بينما جالساً ورفعا رأسه إليّ، فنظرت إليه وقلت: انت إذن، لو جئت لتساعدني، فكيف ستساعدني؟ اقترح عليَّ.
فقال: سأتزوجكِ.
نزلت الكلمة عليّ كالصاعقة، فقلت بذهول: ستتزوج من يا هادي؟
Just Jessie _72