ـ ماذا تعنين بأنها لن تحضر!
صرخت إليانور بوجه الخادمة وهي تضرب المائدة بكفها.
ـ في هذا المنزل قوانين وعلى الكل الالتزام بها! اذهبي واحضريها.
ـ لكني طرقت الباب بقوة يا سيدتي، هي ترفض الرد.
ـ يا لها من وقاحة!
قالت إليانور وهي تقف من كرسيها وتتجه نحو السلالم.
ـ سوف أعلمها.
وقفت إليانور أمام باب غرفة بيل وباشرت في طرقه بقسوة.
ـ افتحي الباب! قلت افتحي.
استيقظت بيل على صوت طرق الباب وتوجهت نحوه وهي تسمع صوت جدتها ثم فتحته، حدقت إليانور بها بهدوء ثم رفعت يدها وصفعتها على وجهها بقوة حتى التفت وجه بيل للجهة الأخرى، شهقت الخادمة وغطت فمها بيدها، بيل في حالة صدمة والاحمرار بدأ ينتشر على خدها بسرعة كبيرة.
ـ في هذا المنزل قوانين وأنا من أضعها وأنتِ من يلتزم بها.
قالت وهي تستدير لنزول السلالم.
ـ ولا أقبل أي تهاون هنا.
سكتت للحظة ولم تتابع حديثها، ثم قالت فجأة:
ـ سأعود حالًا.
أومأ لها أنجيلو وهو يقوم بقص الشجر. مشت بيل حتى وصلت إلى الأسطبل، كان كبيرًا جدًا فيه خمس خيول. دخلت إلى الداخل حتى اختفت. نظرت الخادمة التي تراقبها داخل الأسطبل جيدًا فلم تجدها. ظنت أنها ذهبت إلى مكان آخر لكنها واثقة أنها دخلت. ترددت الخادمة ثم دخلت الأسطبل وهي تنظر حولها ولم تجد بيل. خرجت بيل من أول مقصورة ثم أغلقت باب الأسطبل بالكامل وأنزلت الخشبة لتقفله تمامًا. نفضت يديها جيدًا وهي تسير عائدة إلى الحديقة.
ـ تظن نفسها ذكية.
توجهت نحو أنجيلو ثم باشرت بالحديث:
ـ حدثني، هل كان هو الذي يقابل أخي؟
ـ أجل.
ـ كيف هذا؟ لم يقل آرثر ذلك.
ـ كان يراقبه سرًا، كان يأتي إلى هنا ولم تسمح له السيدة إليانور بدخول المنزل. كنت أساعده بالدخول أكثر من مرة، وفي الأيام الأخيرة أكثر من الحضور إلى هنا.
ـ هل أحبها؟
قاطعت بيل أنجيليو بسؤالها وهي تنتظر أن يجيب بفارغ الصبر.
ـ لا أظن ذلك.
ـ أين هي وأين تعيش وكيف كانت؟ حدثني يا أنجيليو، أريد أن أعرف كل شيء.
ـ أنا لا أعرف الكثير يا بيل، أعني آنستي.
ـ نادني بيل فقط يا أنجيليو.
ـ كما تشائين يا بيل.
وضع أنجيليو مقص الشجر أرضًا، وهو يخلع قفازاته الخشنة التي يكاد لونها يتحول من البني إلى الأسود، ثم جلس أرضًا. رأت بيل أن البوابة التي تدخل إلى هنا بعيدة، فقفزت عن السياج.
ـ أنا لا أعرف الكثير يا بيل، كل ما أعرفه هو ما سمعته من الخدم فقط، وليڤيت تعرف كل شيء فهي هنا منذ سنوات.
ـ رئيسية الخدم؟
ـ نعم قد تبدو أنها صارمة، ولكنها تكن كراهية كبيرة للسيدة إليانور، مع ذلك هي تبقيها لأنها تدير أمور المنزل التي عجزت هي عن إدارتها.
ـ وإذا سألتها ستجيب؟
ـ ربما لا أعرف.
تنهدت بيل بيأس وهي تنظر إلى الغيوم.
ـ طار النوم من عيناي.
ـ لماذا؟
ـ انظر.
قالت بيل وهي ترى خدها المحمر لأنجيليو وتابعت:
ـ ظننت أنك لاحظت ذلك.
ـ لا، لم ألحظ. هل هي من فعلت ذلك؟
ـ نعم، لقد فعلتها تلك العجوز... على أي حال، لم أرَ جدي، فمتى يعود؟
ـ السيد رالف؟
ـ لا، السيد بيكر... ما هذا السؤال الغبي، أنجيليو؟ بالطبع السيد رالف.
ضحك أنجيليو وشعر ببعض الإحراج من كلام بيل، ثم أجاب:
ـ لا أعرف.
ـ حسنًا، إذا أراك لاحقًا.
عادت بيل إلى المنزل وعيناها تبحثان عن ليفيت، وأثناء سيرها سمعت خادمتين تتهامسان:
ـ سمعت أن السيدة سيتفاني ستعود إلى هنا.
ـ هل هذا صحيح؟
ردّت خادمة أخرى لتجيبها الأولى:
- لا أعرف، هذا ما سمعته.
- من ستيفاني؟ سألت بيل وهي تقترب من الخادمتين اللتين جفلتا من صوت بيل الذي قطع عملهما.
- آنستي، أنا لا أعرف.
- ولا أنا!
نظرت بيل للخادمتين بشك وهي تسير مبتعدة:
- عودا للعمل.
- حاضر!
صاحت الخادمتان معا وبيل تضحك أثناء سيرها:
- شعور السيطرة وإلقاء الأوامر ليس سيئًا.
توقفت عن السير بعد أن لمحت باب إحدى الغرف مفتوحًا، فسارت ببطء حتى اختلست نظرة سريعة. كانت ليفيت تجلس على كرسي تفتح رسالة ورقية بحذر جديد، ثم قرأتها وبعدها وضعتها في غلاف جديد وأعادت التوقيع والختم ذاته. كان درج مكتبها مليئًا بأغلفة الرسائل وبضع أختام مزيفة. دخلت بيل وأغلقت الباب خلفها، جفلت ليفيت وهي تنظر لبيل بعيون حادة وكأنهما تهدران حقدًا.
- يا للروعة! ماذا لدينا هنا؟ تجسس، خداع، كم أنت ماكرة يا ليفيت! هل تعرف جدتي بهذا الأمر؟
ـ كيف دخلتِ؟
ـ الإهمال مشكلة يا ليفيت، لقد تركتِ الباب مفتوحًا وأنا فضولية، والآن وضعت بيل كلتا يديها على جانبي الكرسي لتحاصر ليفيت، ثم قالت:
ـ حدثيني عن زوجة أبي الأولى
قبل خمسة وعشرين عامًا...
- ماذا تفعلين عندكِ يا مايا؟
شهقت مايا وخبأت ما تحمل بين يديها خلف ظهرها بخوف، نظرت لها والدتها بقرف.
- تحيكين الصوف، صحيح؟
- أمي.
- يا للقرف! أعطني هذا!
أمسكت والدتها رزمة الصوف منها وألقتها في المدفأة، شهقت مايا وهي تندفع نحو المدفأة.
- ابتعدي!
دفعتها والدتها بعيدًا حتى وقعت أرضًا واصطدم ظهرها بالحائط، انكمشت على نفسها وهي تسعل بشدة والدماء ترشق الأرض قربها بخفة
بعد ساعة حضر الطبيب و وضع السماعة على صدرها.
- قلبها ضعيف يا سيدتي، حالتها تتدهور.
- هل هذا صحيح؟
قالت والدتها بصدمة وهي تضع يدها على قلبها، وفي المساء كانت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وأختها تحاول تهدئتها.
- يا للعار يا للعار! ماذا سيقول الناس عن عائلتنا؟
- اهدئي يا أختي، لا، سوف تسمعك!
- ماذا يجب أن أفعل؟ يجب أن تتزوج قبل أن تجلب لنا العار! ماذا سيقول الناس عنا؟ عائلة مشؤومة! ولدت وماتت بلا هدف. لن أقبل بهذا، لا، لا ليس مجددًا! مات زوجي بعد زواجي منه بخمس سنوات، وما ابني وهو طفل بدأت تبكي بشدة
ـ اي نحس هذا اي نحس
ـ اهدئي أرجوك لا تضغطي على نفسك.
ـ سأموت قريبًا ولن أحتمل. لم تدخل السعادة بيتي يومًا؟
كانت مايا في غرفتها تسمع صوت أمها وخالتها وهي تبكي بشدة وتضرب صدرها بقبضتها.
ـ أريد أن أعيش.
تمتمت وهي تبكي وتتحسس شعرها الذهبي الجميل.
بعد أسبوع...
ـ هاتي البشرى!
قالت والدتها بحماس وهي تنظر لأختها التي حضرت والابتسامة تشق وجهها.
ـ لقد قبلت، أقسم أنها قبلت!
ـ حقًا مستحيل.
طرقت غرفة مايا بقوة وهي تضحك.
ـ سوف تتزوجين يا ابنتي، سوف تتزوجين!
عانقتها أمها بقوة وهي تقبل أعلى رأسها، ومايا عيناها واسعتان بصدمة دون أن ترمش، ودموعها تهطل...
ـ سوف تقابلين عريسك الليلة
ـ لا أريد
ـ كفى تذمراً عزيزتي، هيا ارتدي ملابسك.
تنظر إليانور إلى مايا وتقترب منها.
ـ كم أنتِ جميلة يا مايا، سوف تنسين جون كل نساء الأرض.
علقت وهي تتحسس شعرها الذهبي، دخل جون المجلس بعد عودته من الجامعة وتوجه لصعود السلالم، لكن إليانور نادته:
ـ تعال يا عزيزي هنا للحظة وانظر.
نظر جون لأمه ثم نظر لمايا بعدها لوالدة مايا وأختها.
ـ قابل عروسك الجديدة.
توسعت عيون جون بصدمة وعدم رضا وقرف.
في نفس الليلة في المجلس، قام جون بقلب الطاولة بقوة ما أدى إلى تطاير كل ما عليها أرضاً وتحطمه بقوة. تراجعت إليانور للخلف.
ـ ماذا تفعل؟
صرخت إليانور بغضب، لكن الصوت الذي دوى بعدها كان كفيلاً بتجميد الدم في الأوردة.
ـ جون!
كان صوت رالف قد دفع جون للوقوف مكانه.
ـ ما الذي تفعله بالضبط بتصرفك هذا؟
أبي أنا.
بدأ جون حديثه ورأسه منخفظ أرضًا، تقدم رالف نحوه وصفعه بقوة على وجهه.
- انتهى الحديث، سوف تتزوج مايا وانتهى الأمر.
شد جون قبضتيه بقوة حتى تخدرتا وفقد الشعور بهما، وبالفعل تم الزفاف بعدها. لاذ جون بالفرار بعيدًا عن غريتليتون. حاول والده إرجاعه مرات عديدة لكنه كان رافضًا بشكل يجلب العار للعائلة كلها، ثم تبرأ منه علنًا وأمام الجميع.
بعد سنة كاملة وُلد آرثر ومايا، وكانت حبيسة غرفتها طوال تلك المدة. كانت تضمه طوال الوقت وتخاف أن يبتعد عنها. لم تعد والدتها تزورها، فقد محا العار والشؤم الذي كان يطوق العائلة.
ـ هل تريد أن نلعب لعبة جميلة؟
قالت مايا بصوت منخفض، وآرثر يتمتم بكلمات غير مفهومة، فتضحك مايا وتضمه ثم ترفع بين ذراعيها وتعانقه وهي تبكي، ثم قبلت أعلى رأسه ودموعها تبلل وجهه.
ـ أريد أن أعيش معك.
قالت إليانور وهي تسير:
ـ أصبح عمر آرثر سنة، صحيح؟
ـ أجل يا سيدتي.
أجابت ليفيت وهي تراقب غرفة مايا من بعيد:
ـ إذا هو لا يحتاج لأمه بعد الآن، سوف ينساها سريعًا.
ـ لكنه لا يزال طفلًا.
ـ سوف نحضر مرضعة، انتهى النقاش، اقتلوها.
ـ لكنها مريضة يا سيدتي.
ـ ولهذا اخترتها.
ابتسمت بخبث
ـ قلت اقتلوها.
كررت إليانور ثم غادرت الممر نحو غرفتها. دخلت ليڤيت غرفة مايا وأخذت آرثر منها. شهقت مايا ويداها مفتوحتان وهي لا تقوى على مغادرة السرير. لوحت بيديها والدموع تنساب على وجهها.
ـ لماذا تأخذين ابني بعيدًا عني؟ أرجوك أعطيني إياه.
خرجت ليڤيت ومعها آرثر يبكي بصوت عالٍ ومزعج.
ـ اخنقيها.
ـ ماذا!
قالت الخادمة برعب ثم تابعت:
ـ لا، لن أقدر، مستحيل! إنها مريضة!
ظهر على وجه ليڤيت انزعاج شديد، فهذه مهمتها، هذا ما طلبته إليانور. توجهت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بقوة وعقلها يتصارع ما بين قتل مايا أو تركها، وفي النهاية قتلتها خنقًا وماتت بسرعة تمامًا كما حدث كل شيء في حياتها....
حدقت بيل بليڤيت بصدمة وهي تستمتع بالقصة من البداية.
- إذا قتلتها ببساطة؟
- لم يكن أمامي خيار آخر.
- ولهذا تكرهين جدتي؟
- لا تتحدثي معي بهذا الموضوع، لقد أخبرتك بكل شيء.
كتفت بيل ذراعيها بهدوء.
- هل يعرف آرثر بهذا؟
- يعرف أن أمه ماتت من المرض.
- يا للكذب! هل أنت فخورة بما فعلت؟
- وما شأنك؟ وما هذا السؤال؟ على أي حال، بالطبع لا.
- هل كان أبي يعرف بموت مايا؟
- لا أعرف، لكن بالطبع وصلته الأخبار.
نظرت ليڤيت إلى بيل التي كانت هادئة، ثم قالت ببرود:
- لماذا أنت مندهشة؟ هل ظننت أن والدك رجل طيب لتلك الدرجة؟
- ما شأنك؟ وما هذا السؤال؟ على أي حال، بالطبع لا.
شعرت ليڤيت بالانزعاج من طريقة كلام بيل وطريقة تقليدها لها، وقفت وأشارت بيدها إلى بيل
ـ من بعدكِ آنستي
ـ بالطبع، ليفيت سرّك معي
خرجت بيل بعدها أغلقت ليفيت باب غرفتها بقوة ، سارت بيل في الممر وهي تشعر بغثيان في معدتها وهي تدرك مدى سهولة سلب حياة مايا وكأنها لم تولد قط
ـ مجرمة
راوية