الفصل السابع ( كذبة )

الفصل السابع ( كذبة )

10 0

- عن ماذا تتحدث؟

- أنتِ تعرفين تمامًا عن ماذا أتحدث.

رد الشاب وهو ينظر إلى بيل وعلامات التوتر على وجهه، سارت بيل نحوه وهي تشعر بالريبة تجاهه وبالغرابة.

- ماذا تقصد بقولك "من أين تعرفين والدي؟" يبدو أن هناك لبسًا في الفهم.

- أنا أتحدث بجدية.

قال الشاب وهو يقترب من بيل أكثر ثم تابع:

- جون رالف هو والدي ولقد توفي منذ مدة.

تسارعت دقات قلب بيل بقوة كأمواج عاصفة، وكانت موقنة أن هناك خطأً لكنها شعرت أن شيئًا ما ليس في مكانه.

- عن ماذا تتحدث؟ كيف يكون والدي والدك؟

- إذاً أنتِ ابنته، لقد أحببته صحيح؟

سأل والحزن يلمع في عينه وهو يتابع

ـ لقد أخذت مني آخر ما أملك.

توسعت عينا بيل أكثر وهي لا تدرك تمامًا ما يحدث. كل ما تعرفه الآن أن هناك الكثير والكثير من الأشياء التي كانت بعيدة كل البعد عنها وعن معرفتها. صاحت به في اندفاع:

ـ من أنت؟ كيف تقول إن والدي والدك؟ والدي هو والدي، كيف أصبح فجأة والدك؟

استدار الشاب ومنح بيل ظهره وبدأ يسير مبتعدًا، ثم توقف على بعد بضع خطوات وتمتم بصوت بالكاد مسموع:

ـ قالت لي جدتي إنه تزوج منذ زمن ولن يعود، لكني لم أصدق. كنت أضع خيط أمل صغيرًا، صغيرًا جدًا، لكن ليس الآن، فلقد انتهى كل شيء.

كل شيء.

تابع طريقه مبتعدًا، لكن بيل أمسكته من معصمه بخشونة وأظافرها خدشته بخفة.

ـ قف مكانك!

قالت بيل وهي تلهث وتحدق به بصدمة، وهي لا تستوعب أي شيء من كلامه. نظر لها الشاب بحزن وهو يضع يده على يدها التي على معصمه بهدوء ويبعدها.

ـ من فضلك دعني وشأني.

ـ أخبرني بما تعرف!

قالت بيل بيأس ودموع الخيبة في عينيها، لاحظ الشاب دموعها ثم أبعدها عنه برفق.

- لا أعرف أي شيء، لم أعش معه، لم يكن قربي يومًا، والآن عن إذنك.

تابع سيره في طريقه تاركًا بيل في صدمتها، سقطت بيل على ركبتيها، وقف أنجيلو قربها بقلق.

- بيل، دعيني أصحبك إلى الداخل.

بدأت رؤية بيل تغبش من شدة الدموع التي تراكمت وهي ترى الشاب يبتعد عن الأنظار، وضع أنجيلو يده على كتفها.

- بيل.

دفنت بيل وجهها بين يديها وهي تبكي وتجهش ببطء.

- كل شيء كان كذبة.

تمتمت بين دموعها وهي تشعر أن جسدها يضعف، بقيت بيل على هذه الحال للحظات وأنجيلو قربها يراقبها بعجز تام، مرت الثواني والدقائق دون أن تشعر بيل بالوقت كأن الزمن قد تعطل في محطتها، بعد فترة بدت وكأنها دهر، فتحت بيل عينيها وهي تنظر حولها.

- ليتَه كان كابوس

قالت ثم ضحكت بخفة:

ـ كله كذب نعم كذب.

بدأت تسير نحو النافورة وبدا صوت الخرير أعلى من السابق، جلست على الحجارة البيضاء المصطفة الباردة بسبب رطوبة المكان وأنزلت يدها في الماء وهي تشعر ببرودة الماء تلسع جلدها، لكن لم يكن باردًا كبرودة مشاعرها وهي تفكر في حياتها.

ـ كذبة.

قالت وهي تغمض عينيها لثانية ثم تعاود فتحها لتنظر إلى القمر، أخرجت تنهيدة طويلة تهز صدرها ولا زالت تتأمل القمر، الوقت يمر وبيل تواجه أولى مصاعب حياتها الجديدة التي بدت أقل سوءًا مما كانت تتخيله بكثير، اقترب أنجيليو منها وقال بحزن:

ـ بيل.

بكت بيل وضحكت وتخبطت مشاعرها بقسوة.

ـ لماذا على الأمور أن تكون هكذا؟

ضحكت وجسدها يرتجف.

ـ هل كان والدي سيئًا لتلك الدرجة؟

ـ لا يا بيل... السيد جون رجل جيد وطيب لا بد أنه كان... مضطرًا.

ـ كنت تعرف؟

سألت بيل بحسرة، نظر أنجيليو إلى الأرض بخجل من عدم بوحه بالأمر مسبقًا.

ـ لقد أرسلني السيد جون للعمل هنا وحدثني عن ابنه، كان يسألني عن حاله.

ـ وكنت تجيب؟

قالت بيل وهي واثقة من الإجابة، مسحت دموعها بهدوء.

ـ هل كانت تعرف أمي بهذا؟

ـ لا آنستي، لم تكن السيدة روزالي تعرف بشأن زواج السيد جون.

طال الصمت بينهما لفترة طويلة لا يشوشه سوى خرير النافورة، الزمن يمر بسرعة، والصمت يمتد حتى حل الفجر وأشعة الشمس تلامس وجه بيل في غدرة كأنها تنبهها لما يحدث حولها وأن الحياة تغيرت وليس كل ما تراه بعينها حقيقي، نظرت حولها لتجد معطفًا رماديًا حول كتفيها كان بلا شك لانجيليو، لكنها لم تشعر به رغم أنها لم تغفُ ولا لثانية واحدة، أمسكت المعطف وطوّته ووضعته قرب النافذة، وانسحبت من المكان عائدة إلى المنزل. خلال صعودها للسلالم صادفت الشاب ذاته، كانت عيناه داكنتان هادئتان، يرتدي ملابس أنيقة، ومن الواضح أنه في صدد مغادرة المكان، نظر لها بهدوء وتوقف عن النزول.

- أنت لم تكذب عليّ صحيح؟

سألت بيل بهدوء مع ابتسامة باهتة، تفاجأ الشاب من سؤالها ومن نظراتها، ثم تابعت:

- لأني أراك حقًا تشبه والدي... تلك العينين.

نظر الشاب لها بهدوء.

- هل أشبه حقًا؟

أومأت بيل وهي ترى ملامح الفخر والرضا تنتشر على وجهه، وابتسمت ثم مدت يدها له

ـ أنا بيل

ـ وأنا آرثر

صافح آرثر بيل.

ـ إذا نحن إخوة؟

سأل آرثر ما فاجأ بيل من سرعة تقبله للواقع، فصدمته كانت أقل من صدمتها بكثير، فقد كان يعي ما يحدث بعيدًا عنه، بينما هي في غفلة تامة.

ـ هل مات والدي حقًا؟

سأل وهو يسحب يده من يد بيل، ونبرة صوته حزينة لكنها جافة.

ـ لماذا لم تأتِ للجنازة؟ كنتُ قد رأيتك حينها.

قالت بيل بنبرة عتاب.

ـ حتى إن كنت تكرهه، ألم يصبك الفضول لتراه لآخر مرة؟

ـ سأكون كاذبًا لو قلت إنني لم أنوِ الذهاب، لكن...

وقبل أن ينهي جملته، باشرت بيل في صعود السلالم وهو يتبعها بنظراته.

ـ لا تحزن كثيرًا فأنا أيضًا بدأت أكره والدي.

نظر لها آرثر أثناء صعودها حتى اختفت بالرواق، وأدرك في تلك اللحظة أنه ليس الوحيد الذي يعاني هنا.

ـ انتظري.

ناداها لكنها لم تسمعه.

استمرت بيل بالسير وذهنها شارد تمامًا ولا ترى أمامها حتى اصطدمت بمن أمامها، شهقت بخفة وهي تفقد توازنها.

ـ على رسلك.

قال مارتن وهو يمسك ذراعها حتى عاد توازنها.

ـ شكرًا لك.

قالت وهي تنظر له وتشعر أنها رأته في مكان ما.

ـ هل سبق وأن التقينا من قبل؟

ـ هل تشاهدين عروض السيرك كثيرًا؟

قال مارتن مازحًا وهو يسير مبتعدًا عن بيل.

ـ ربما شاهدت اثنين.

أجابت بيل ولم تفهم فكاهة مارتن الذي كان يضحك أثناء نزوله السلالم.

ـ لنذهب.

قال مارتن وهو يسير بجانب آرثر، راقبتهما بيل، ثم فجأة شعرت بمياه باردة تبلل حذائها.

ـ ما هذا؟

قالت منزعجة وهي تنظر إلى الماء.

ـ آسفة يا آنستي!

قالت الخادمة وهي تقترب من بيل.

ـ لم أنتبه لذلك يا آنستي، كان هذا الرواق الأخير قبل عملي في المطبخ، لذا كنت في عجلة، أرجوك اعذريني!

كان صوت الخادمة مذعورًا للغاية.

ـ على رسلك، لم يحدث شيء.

قالت بيل وهي تسير بعيدًا عن الماء وهي تفكر في مدى صرامة جدتها في التعامل مع الخدم هنا، وأثناء سيرها في الرواق قابلت الفتاة التي كانت متشبثة بآرثر مساء الأمس، لاحظتها الفتاة وأعطتها نظرة استعلاء وتكبر

ـ الفتاة السوقية!

شهقت سوزي، رفعت بيل حاجبًا بتعجب واقتربت منها، كانتا بنفس الطول تقريبًا.

ـ المعذرة؟ ماذا قلتِ للتو؟

تراجعت سوزي من كلمات بيل بتردد، بينما بيل تقترب منها أكثر.

ـ لقد سمعتك البارحة لكني لم أكن بمزاج جيد للرد عليك، أما الآن فأنا أمامك، من السوقية؟

سألت بيل.

ـ السيدة إليانور قالت ذلك عنك، إذا أنت كذلك.

ـ وهل تصدقين كلام تلك العجوز؟

ـ بالطبع أفعل.

سكتت بيل للحظة ثم دفعت سوزي جانبًا برفق وتوجهت إلى غرفتها.

ـ فقط الحمقى يصدقون ما يسمعون دون أن يتأكدوا بأم عينهم يا آنسة.

أغلقت باب غرفتها خلفها وأقفلته جيدًا، ثم ألقت بنفسها على السرير.

ـ حقًا كان كل شيء كذبة.

ثم غطست في نوم عميق

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Family secrets اسرار العائلة

المؤلف راوية
2026/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة