ذات يوم، في أواخر الصيف حيث أن موسم تساقط الأوراق من الأشجار كان على وشك القدوم، كانت هناك فتاة يتراوح عمرها حوالي السادسة عشرة، جالسة فوق معطفها الملقى على الأرض، تكتب في أزقة فارغة، تطايرت بعض خصالت شعرها الأسود الناعم بسبب نسمة رياح عابرة، ضغطت على القلم بقوة، وطردت صوت الريح من رأسها حتى تستجمع أفكارها بدون أي تشتت، ذلك من أجل كتابة رواية جديدة.
فجأة تلك الفتاة توقفت مندهشة، حتى صرخت بدون سابق إنذار قائلة :
"يا إلهي، هذه هي!! هذه الفكرة يمكنني اعتبارها أفضل فكرة راودتني على الإطلاق"
كل من الناس الذين يسيرون هناك توقفوا فجأة لينظروا إلى تلك الفتاة التي حتى لم تهتم بنظراتهم، ثم استمروا في المشي كأن لا شيء قد حدث. تلك الفتاة أو بالأصح دعوتها بإسمها 'هيلين' تمتلك شغف قوي يدعوها بالإستمرار في الكتابة رغم رواياتها التي تملك أفكارا مكررة، مبتذلة، غير حماسية، ذات أحداث متوقعة، لكن بشكل ما في ذلك اليوم راودتها تلك الفكرة الخطيرة لروايتها الجديدة، فٱشتدت حماسا اكثر من المتوقع.
الكتاب الحديثون حاليا غالبا ما يكتبون أفكارهم، رواياتهم، عبر الانترنت لسهولة الوضع، لكن هيلين كانت مختلفة بشكل ما تجد المتعة اكثر عند الكتابة على الورق في كل مكان تذهب إليه هناك دفتر يرافقها... في المدرسة، في الشاطئ، عند التنزه...
عندما تكتب في دفترها يراودها شعور أشبه بالحنين ربما يعود ذلك إلى أن الدفتر كان ملك أمها المتوفية، ففي كل مرة كانت هيلين تكتب في ذلك الدفتر، تتذكر تلك الأيام الأخيرة لأمها، عندما كانت صغيرة... كانت ترافق أمها وهي تعقد يديها وراء ظهرها وتشاهد أمها التي تكتب بضعة أسطر... تلك كانت لغتها للتعبير عن مشاعرها أما الآن، فبعد أن رحلت والدتها عن الحياة باتت وحيدة، لم يلقي أباها باال لها وراح بعيدا، ثم عاد بعد أشهر مع امرأة جديدة، ما زالت شابة، ما زاد الأمر عن سوءه هو أن زوجة أبيها 'ليلي' أنجبت فتاة تدعى 'ماريا' في المنزل،...
لا أحد يهتم بشغف هيلين في الكتابة او على الأقل دعمها، على النقيض تماما الجميع في منزلها يعتبرها مجنونة، متوحدة تحاول ملء فراغها وتعويض وحدتها بالكتابة، لكنها فقط فتاة مثل أمها تجد الكتابة طريقتها المفضلة من أجل التعبير عن مشاعرها...
أغلقت هيلين الدفتر، وقفت بسرعة كأن أمرا عاجل قد طرأ، ربما بالفعل هذا أمر عاجل بالنسبة لها، فهي الآن تملك فكرة خطيرة لروايتها الجديدة، وقبل أن تنساها يجب عليها بدأ كتابة أفكارها بأسرع وقت، انطلقت مسرعة نحو البيت...
دخلت عبر الباب لتتفاجأ ببضعة أشخاص يبدو أنهم ضيوف، لكنها لم تلقي بالا لهم، غيرت ٱتجاهها نحو غرفة نومها قبل أن تطرق باب غرفتها واجهتها طفلة صغيرة يتراوح عمرها حوالي السادسة، تبدو كملاك بٱبتسامتها البريئة وبشرتها الناصعة، وشعرها الشبيه بحبة الشوكولاتة...
'ماري'
باغتت هيلين بحضن كبير قائلة: "هيلي أين كنت؟ لقد بحثت عنك وبحثت باستمرار ولم أجدك، هيا لنلعب معا"
"عزيزتي ماري انا متسخة قليلا الآن كما ترين بعد الانتهاء من التنظيف سألعب معك"
"حسنا... إياكي أن تكذبي علي"
أخبرتها بٱبتسامتها المعتادة.
انحت هيلين نحوها وربتت على شعرها الناعم مع ترديد كلمة "حسنا"
بعد ذهاب ماري أغلقت هيلين الباب لتستعد للكتابة، فتحت الدفتر وأمسكت قلمها الخاص.
.🦢 ℮ℓ𝒐𝑑𝑖𝑒