الفصل الثامن : " كيف خلق الله الكون؟ ..."

الفصل الثامن : " كيف خلق الله الكون؟ ..."

13 0

"اعرف الحق تعرف أهله."

- علي بن أبي طالب رضي الله عنه-

______________________________________

قلّبت فيرا صفحات المصحف المترجم ببطء، حتى توقفت عيناها عند قوله تعالى:

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ...﴾

عقدت حاجبيها وهي تعيد قراءة الآية أكثر من مرة.

همست باستغراب:

"إن كانوا سيقولون: لله... فلماذا يسألهم القرآن أصلًا؟"

لم تستطع فهم المعنى.

أسرعت إلى هاتفها، وكتبت في محرك البحث: "تفسير سورة المؤمنون، الآية 84."

أخذت تقرأ التفسير بصمت.

"كان المشركون يقرّون بأن الله هو خالق الأرض والسماوات ومالك كل شيء، لكنهم مع ذلك كانوا يعبدون غيره، فجاء القرآن يحتج عليهم بهذا الاعتراف، ويسألهم: إذا كنتم تعلمون أن الله وحده هو المالك والخالق، فلماذا تصرفون العبادة لغيره؟"

بقيت فيرا تحدق في الشاشة طويلًا.

همست لنفسها:

"إذًا... القرآن لا يطلب مني أن أصدق بلا تفكير... بل يدعوني إلى أن أستخدم عقلي."

أغلقت الهاتف ببطء، وقد شعرت أن سؤالًا جديدًا وُلد في داخلها... لكنه هذه المرة لم يكن سؤال شك، بل سؤال باحثٍ عن الحقيقة.

لم تستطع فيرا أن تُكمل قراءة القرآن.

لم يكن السبب مللًا... ولا انعدام رغبة.

بل كان شعورًا غريبًا يتسلل إلى أعماقها، شعورًا لم تعرف له اسمًا.

كأن شيئًا في داخلها يقف بين قلبها وبين الحقيقة، يدفعها إلى إغلاق المصحف كلما همّت أن تتابع.

حاولت أن تقنع نفسها بأن الأمر مجرد تعب... لكنها كانت تكذب على نفسها.

فالفضول كان يلتهمها، والأسئلة تتزاحم في عقلها، إلا أن قلبها... كان يتراجع كلما اقترب من الجواب.

شعرت وكأنها تقف أمام بابٍ تعرف أن ما وراءه سيغيّر حياتها كلها، ولذلك خافت أن تمد يدها وتفتحه.

أغلقت المصحف برفق، وأخذت نفسًا طويلًا، ثم همست لنفسها:

"لماذا أخاف من معرفة الحقيقة... إن كنت أبحث عنها منذ البداية؟"

استقامت ببطء من مكانها، واتجهت نحو النافذة. أزاحت الستارة قليلًا، ثم وقفت تتأمل ما خلف الزجاج.

لأول مرة... لم تكن تنظر إلى السماء لأنها حزينة، ولا لأنها تبحث عن عزاء.

كانت تنظر إليها بعينين يملؤهما التساؤل.

من خلق هذا الاتساع؟ ومن زيّن السماء بهذا الجمال؟ وهل حقًا يوجد إله يسمع كل تلك الأسئلة التي تعصف بقلبها؟

بقيت تحدق طويلًا، وكأنها تنتظر من السماء أن تجيبها... أو أن ترسل إلى قلبها إشارةً تطمئنه، ولو كانت صغيرة.

.

.

.

.

.

.

.

.

عند نور الهدى:

كانت جالسةً إلى مكتبها، غارقةً في مشروع العلوم الذي كلّفهم به الأستاذ ذات صباح.

في ذلك اليوم الذي شاء فيه القدر أن يجمعها بفيرا.

لقد نسيت المشروع تمامًا، ولم يتبقَّ على موعد عرضه سوى يومين.

ولم تشأ أن تخبر فيرا... فهي تعلم جيدًا أنها مشوشة، ولن تقوى على مساعدتها.

وبينما كانت تضع كل تركيزها في الأوراق، قطع خلوتها صوت إشعارٍ واردٍ من هاتفها.

"مرحبًا..."

ظنت أنه من فيرا، إذ لم يكن هناك من يراسلها في هذا الوقت المتأخر من الليل.

رفعت هاتفها لتجيب، لكنها تفاجأت بأنه رقمٌ غريب.

دخلت إلى صورة الحساب، وما إن وقعت عيناها على صاحبها حتى تجمدت في مكانها.

كان وجهًا مألوفًا...

إنه هو... الطبيب المدعو جون لويس.

1

اتسعت عيناها، وتسارعت نبضات قلبها حتى كادت تسمعها، ثم ألقت الهاتف فوق المكتب بفزع، وكأنها لامست شيئًا يحرقها.

همست بصوتٍ مرتجف:

"كيف...؟ ومن أين وجد حسابي؟"

ارتجف جسدها كله، فقبضت على كفيها حتى ابيضّت مفاصل أصابعها.

أخذت تستغفر الله في سرها مرةً بعد أخرى، محاولةً تهدئة اضطراب قلبها.

أغمضت عينيها وهمست:

"اللهم اصرف عني ما أخشاه، واختر لي الخير حيث كان."

بقي الهاتف صامتًا على المكتب، لكن وجود تلك الرسالة وحده كان كافيًا ليبعثر هدوءها.

ترددت طويلًا...

هل تتجاهله؟

أم تحظره؟

أم تقرأ رسالته أولًا؟

مدت يدها ببطء نحو الهاتف، ثم سحبتها قبل أن تلمسه، وكأنها تخشى أن يكون في فتح الرسالة بداية شيءٍ لا تريده أن يبدأ.

لم تجرؤ حتى على فتح الرسالة.

بقيت تحدق في اسمه لثوانٍ، ثم أغلقت عينيها وهي تستغفر الله.

همست لنفسها:

"اللهم إني أخاف أن أقع فيما لا يرضيك."

وفي لحظة حسم، ضغطت على زر الحظر دون أن تقرأ حرفًا واحدًا مما كتبه.

تنفست بعمق، ثم وضعت الهاتف جانبًا وهي تحاول تهدئة اضطراب قلبها.

لم تكن تكرهه... لكنها كانت تخشى أن يفتح هذا الباب ما لا تريده لنفسها، فآثرت أن تغلقه قبل أن تبدأ منه أول خطوة.

أطرقت رأسها وهمست باستغفارٍ خافت:

"أستغفر الله العظيم وأتوب إليه..."

ثم عادت إلى مكتبها، تحاول إكمال مشروعها، إلا أن صورة اسمه لم تفارق ذهنها، فرفعت يديها تدعو:

"اللهم احفظ قلبي، ولا تجعل فيه إلا ما يرضيك."

______________________________

في مكان أخر :

كانت غرفته واسعة وهادئة، يتصدرها جدارٌ كامل من الزجاج يمتد من الأرض حتى السقف، يكشف المدينة بكل أضوائها، حتى بدا وكأن الليل يقف على بُعد خطوةٍ واحدة منه.

كان جالسًا فوق سريره، يراقب هاتفه بصمت.

انتابه شعورٌ بالندم لإرساله تلك الرسالة، لكن فضوله كان قد تغلّب عليه. فقد ظن أنها مثل كل فتاةٍ التقاها من قبل؛ يرسل لها رسالة فتجيبه، لكنها صدمته بالحظر.

"حظر... ماذا؟... ك... كيف ذلك؟!"

1

كان مصدومًا. لم يبدأ الحديث معها بعد، ومع ذلك حظرته.

شعر بإهانةٍ لم يعهدها من قبل؛ فلم يسبق لفتاة أن حظرته.

"ما هذا؟... هل تقصد استفزازي؟... إنها فتاة غريبة حقًا."

ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ جانبية.

لقد أعجبته.

كان قد انجذب إلى غرابتها وغموضها منذ أن اتهمها ذلك اليوم في المستشفى.

أطال النظر إلى الهاتف للحظات، ثم استقام متجهًا نحو الجدار الزجاجي الممتد أمامه، واضعًا يديه في جيبي بنطاله، وأخذ يتأمل المدينة المترامية أمامه بصمت.

ولأول مرة... أثارت فتاة فضوله أكثر مما أثارت إعجابه .

1

__________________________________

عند فيرا :

كانت فيرا مستلقيةً على سريرها، تحدق في سقف الغرفة، بينما كانت تفكر في أن ترسل إلى نور الهدى رسالةً تسألها عن السؤال الذي ظل يراودها منذ أن قرأت آخر آية... أم تؤجل ذلك إلى الغد.

لكن فضولها سبق ترددها، فرفعت هاتفها وفتحت محادثة نور الهدى.

"مرحبًا، نور..."

ترددت في البداية، لكنها أرسلت الرسالة.

بعد لحظات، ردت عليها نور الهدى، فقد كانت قد انتهت من مشروعها:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... أهلًا، فيرا، كيف الحال؟"

أجابت فيرا، وعيناها تلمعان فرحًا؛ فقد ظنت أنها لن ترد عليها في هذا الوقت:

"جيدة... وأنتِ؟"

ردت نور، وقد ارتسمت ابتسامة على وجهها:

"الحمد لله."

أرسلت لها فيرا وجهًا مبتسمًا، ثم كتبت:

"نور... أريدك أن تجيبي عن سؤال."

ردت نور الهدى:

"بالطبع، سأجيبك. ما الذي يشغل بالك؟"

أخذت فيرا نفسًا عميقًا، ثم كتبت:

"كيف خلق هذا الإله الكون؟"

توقفت نور الهدى عند الرسالة، وأعادت قراءتها أكثر من مرة.

لم تكن تصدق أن فيرا بدأت تطرح مثل هذه الأسئلة.

لم يكن سؤالها سؤالَ جدالٍ أو سخرية...

بل كان سؤالَ إنسانٍ يبحث بصدق.

ابتسمت نور ابتسامةً خفيفة، وحمدت الله في سرها، ثم همست:

"الحمد لله... لقد بدأ قلبها يطرق باب الحقيقة."

أمسكت هاتفها من جديد، وأخذت تفكر في الكلمات التي ستكتبها، فقد كانت تعلم أن جوابًا واحدًا قد يفتح في قلب فيرا بابًا لا يُغلق.

ابتسمت نور ابتسامةً خفيفة، وحمدت الله في سرها، ثم بدأت تكتب:

"قبل أن أجيبك... أخبريني يا فيرا، عندما ترين بيتًا جميلًا، هل تظنين أنه وُجد وحده؟"

عقدت فيرا حاجبيها باستغراب، ثم كتبت:

"طبعًا لا... لا بد أن أحدًا بناه."

ردت نور مباشرة:

"حسنًا... وإذا رأيتِ لوحةً فنية متقنة، هل تقولين إن الألوان تجمعت وحدها حتى أصبحت لوحة؟"

1

ابتسمت فيرا بخفة، ثم كتبت:

"لا... بل هناك رسام رسمها."

كتبت نور:

"إذن لماذا عندما ننظر إلى الكون، وهو أعظم وأدق من أي بيت أو لوحة، يظن بعض الناس أنه وُجد بلا خالق؟"

توقفت أصابع فيرا عن الكتابة.

أعادت قراءة الرسالة مرة... ثم مرتين.

لم تجد جوابًا.

أكملت نور:

"الإسلام لا يطلب منا أن نؤمن دون تفكير، بل يدعونا إلى أن نتأمل. انظري إلى السماء، إلى الأرض، إلى تعاقب الليل والنهار، إلى جسد الإنسان... كل هذا يدل على حكمة وقدرة عظيمة."

1

بقيت فيرا صامتة.

ثم كتبت بعد لحظات:

"لكن... من خلق الله إذن؟"

ابتسمت نور ابتسامةً هادئة، فقد كانت تتوقع هذا السؤال.

كتبت:

"هذا سؤال يسأله كثير من الناس في البداية. لكن الله ليس مخلوقًا حتى يحتاج إلى خالق، بل هو الخالق الأول، الأزلي الذي لم يسبقه شيء، ولذلك قال سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾. ولو كان كل خالق يحتاج إلى خالق، لما انتهت السلسلة أبدًا، ولما وُجد شيء أصلًا."

ظلت فيرا تحدق في الشاشة بصمت.

لم تكن قد اقتنعت بكل شيء بعد...

لكنها، ولأول مرة، شعرت أن أسئلتها تجد من يستمع إليها دون سخرية، ويجيبها بهدوء واحترام.

رفعت رأسها نحو السماء التي كانت تراها من خلف الزجاج، وهمست لنفسها:

"ربما... أنا في بداية الطريق فقط."

ولأول مرة، آمنت في أعماقها أن لهذا الكون خالقًا واحدًا، لكنها كانت لا تزال تبحث عنه، وتريد أن تعرفه أكثر.

وقبل أن تشكرها، أرسلت لها نور قائلة:

"بالمناسبة... لقد أنهيتُ المشروع."

ضربت فيرا جبينها بخفة، ثم أطلقت تنهيدةً تدل على نسيانها.

"آه... آسفة يا نور، لقد نسيته تمامًا."

ردت نور عليها:

"لا عليكِ، حبيبتي... أعلم أن ذهنك مشوش هذه الأيام، فلا تقلقي. سأرسله لكِ لتقرئيه، وغدًا أرسليه إلى الأستاذ."

ابتسمت فيرا بامتنان، ثم كتبت:

"شكرًا جزيلًا لكِ يا نور، أنا ممتنة لكِ حقًا، وأشكركِ مرةً أخرى."

قالت نور:

"لا عليكِ... فنحن صديقتان."

شكرتها فيرا مرةً أخرى، ثم ألقت عليها السلام.

بعد انتهاء محادثتها مع نور، رمت هاتفها فوق السرير، وعادت تستلقي، تحدق في السقف، بينما كان رأسها يكاد ينفجر من كثرة التساؤلات.

"كيف هو هذا الإله؟... لماذا خلقنا؟... وما الحكمة من خلق هذا الكون كله؟..."

وبينما كانت غارقة في أفكارها، شعرت فجأةً بسائلٍ دافئ يسيل من أنفها.

رفعت يدها إليه بعفوية، ثم نظرت إلى أصابعها...

فاتسعت عيناها بصدمة.

كان دمًا.

اعتدلت من مكانها بسرعة، وأمسكت بمنديل لتوقف النزيف، ثم بقيت تحدق في بقع الدم بصمت.

لم يكن هذا أول نزيفٍ تتعرض له.

لقد حدث لها مراتٍ عديدة من قبل، لكنها كانت تتجاهله في كل مرة، فلم تكن تبالي بما يصيبها آنذاك.

فقد كانت قد سئمت الحياة إلى درجة جعلتها لا تكترث حتى بصحتها.

ثم اختفى النزيف لفترة طويلة، حتى ظنت أنه انتهى إلى الأبد...

لكن اليوم عاد.

والأسوأ من ذلك... أنه عاد للمرة الثانية في اليوم نفسه

عقدت حاجبيها، وهمست بقلق:

"لماذا عاد الآن...؟ وما الذي يحدث لي؟"

وضعت رأسها على الوسادة من جديد، لكن هذه المرة لم تكن الأسئلة عن الله وحدها هي التي تؤرقها...

بل صار جسدها أيضًا يحمل سؤالًا لا تعرف له جوابًا.

وأغمضت عينيها على أمل أن يهدأ جسدها بالنوم... غير مدركة أن الغد سيحمل لها أسئلةً أكبر من كل ما فكرت فيه هذه الليلة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رسالة آمل

المؤلف silou_Novels
2026/07/03 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة