"لم يكن الإسلام بابًا أُغلق في وجه التائهين، بل كان الباب الذي فُتح من أجلهم."
__________________________________
خرجت كلتا من نور الهدى وفيرا من الجامعة بخطوات هادئة. كل واحدة منهم شاردة.
نور الهدى تتذكر موقفها... نظرة جون لويس التي أربكتها. استغفرت في سرها، وحاولت أن تمحو الصورة من ذهنها كأنها تمسح غبارًا عن زجاج.
وفيرا... كانت سارحة في الكتاب الأخضر الذي في يدها.
تحاول أن تستشعر ثقله. ليس في الميزان... بل في قلبها.
كان خفيفًا كورق، ثقيلًا كاعتراف.
توقفت عند بوابة الجامعة. الهواء كان باردًا. ضمت المصحف أكثر، وهمست لنفسها:
"لماذا أشعر... كأني أحمل أمانة لا أستحقها؟"
رفعت بصرها فوجدت نور الهدى واقفة على بعد خطوات، تنتظرها امام موقف الحافلات و هي طابعة على وجهها ابتسمة هادئة نظرت لها براحة ثم همت بالذهاب إليها .
جلستا في موقف الحافلات ، و الصمت عم المشهد
لا أحد يتكلم فقط صوت انفاسهم تلعب في الهواء .
نظرت فيرا لنور الهدى مرة ثم إلى المصحف مرة ثانية . قبضت على المصحف بقوة كأنها تخشى أن ينزلق منها فيضيع تمعنت فيه جيدا ثم أردفت قائلة :
" نور…"
وجهت نور الهدى نظرها لها و ابتسامتها لا تفارقها :
" نعم … "
سكتت للحظة ثم ردت بتوتر و هي تنظر تارة إلى عسليتها و تارة إلى المصحف :
" أنت قلتي لي أن بعد انتهاء الحصة … ستكملين لي حديثك …"
ابتسمت نور الهدى ابتسامة دافئة، ثم قالت برفق:
"نعم... وعدتك بذلك."
أنزلت فيرا رأسها قليلًا، وقالت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
"قلتِ قبل قليل... إن الاستغفار يريح القلب. وأنا... لا أفهم."
رفعت نور الهدى حاجبيها بلطف، تنتظرها أن تكمل.
تنهدت فيرا، ثم قالت:
"إذا كان الله يغفر الذنوب... أفلا يخفف هموم القلوب أيضًا؟"
نظرت إليها نور الهدى بعينين يملؤهما السكون، ثم ابتسمت وقالت:
"إذا كان الله قد وعد بالمغفرة، فكيف لا يعد بالرحمة؟ إن الذي يغفر ذنبًا، قادرٌ أن يمحو همًّا، ويجبر قلبًا، ويبدّل الحزن سكينة. نحن فقط نحتاج أن نطرق بابه."
سكتت لحظة، ثم أكملت:
"نحن البشر إذا أخطأ إلينا أحد، قد نعفو... لكن قد تبقى في قلوبنا بقية غضب. أما الله سبحانه، فإذا تاب العبد إليه، غفر له، ورحمه، وبدّل خوفه أمنًا إن شاء. فكيف لا يطمئن قلبٌ يطرق باب أرحم الراحمين؟"
بقيت فيرا صامتة.
كانت تحدق في المصحف بين يديها، وكأن الكلمات التي سمعَتها بدأت تطرق بابًا ظل مغلقًا سنوات.
قالت بعد تردد:
"لكن... ماذا لو كان الإنسان لا يعرف كيف يبدأ؟"
ابتسمت نور الهدى ابتسامة هادئة وقالت:
"يكفي أن يبدأ بخطوة واحدة... والله يتولى بقية الطريق."
رفعت فيرا بصرها إليها، وقد خفّ شيء من الثقل الذي كان يجثم على صدرها.
وفي تلك اللحظة، وصلت الحافلة، لكن فيرا شعرت لأول مرة... أن قلبها هو الذي بدأ يتحرك، لا قدماها.
وصلت فيرا إلى المنزل، والتعب ينهش جسدها. رفعت حقيبتها لتبحث عن المفتاح، لكنها توقفت فجأة. بقيت تحدق في باب المنزل لثوانٍ طويلة، وكأنها لا تملك الشجاعة للدخول. ثم غيّرت رأيها، واتجهت نحو حديقة المنزل.
جلست على المقعد الخشبي تحت شجرة صغيرة، وأخذت نفسًا عميقًا. استقر بصرها على زهرة بيضاء تتمايل بهدوء مع نسمات الهواء، فعاد إلى ذهنها صوت نور الهدى وهي تقول:
"يكفي أن يبدأ بخطوةٍ واحدة... والله يتولى بقية الطريق."
أغمضت عينيها للحظة، ثم همست في داخلها:
"لكن... كيف سأبدأ تلك الخطوة؟"
زفرت ببطء، وأنزلت نظرها إلى الحقيبة التي بين يديها. لم يكن ترددها في فتح الحقيبة... بل في فتح ذلك الكتاب الذي يرقد بداخلها.
مدّت يدها نحوه، لكنها سحبتها بسرعة، وكأنها لامست نارًا.
كانت خائفة...
ليس من الكتاب نفسه، بل من أن تجد بين صفحاته حقيقةً قد تغيّر حياتها كلها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأغمضت عينيها وهي تشد على مقبض الحقيبة.
"وماذا لو كان كل ما آمنتُ به طوال حياتي... مجرد وهم؟"
ارتجف قلبها مع هذا السؤال، وشعرت وكأنها تقف على حافة طريقٍ مجهول، لا تعرف إن كانت أول خطوة فيه ستقودها إلى النور... أم إلى المجهول.
________________________________
في مكانٍ آخر...
ما إن دخلت نور الهدى المنزل حتى استقبلتها رائحة الخبز الدافئة، فابتسمت دون وعي. خلعت حذاءها على عجل، واتجهت بخطواتٍ سريعة نحو المطبخ.
توقفت عند الباب، فرأت والدتها تقطع أرغفة الخبز بهدوء، بينما ينساب من شفتيها ترتيلٌ عذب لسورة لقمان. امتزج صوت القرآن برائحة الخبز، فصنع مشهدًا لم تكن الكلمات تكفي لوصف سكينته.
أغمضت نور عينيها للحظة، وشعرت أن تعب يومها كله قد تلاشى. كان ذلك البيت يملك قدرةً غريبة على مداواة الأرواح؛ فكلما أثقلتها الدنيا، أعاد إليها هذا المشهد الطمأنينة التي تبحث عنها.
ابتسمت وهي تقترب من والدتها، ثم همست برقة:
"السلام عليكم يا أمي."
التفتت الأم إليها بابتسامة دافئة وقالت:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بنور قلبي."
نظرت نور الهدى إلى عيني والدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها تعانقها قائلةً بابتسامة:
"ما أجمل هذه الكلمة عندما تخرج من فمك يا أمي."
بادلتها السيدة زينب العناق، وضحكت بخفة وهي تقول:
"بل ما أجمل صوتك وأنتِ تنادينني."
ضحكت نور الهدى، ثم ابتعدت قليلًا وقد عقدت حاجبيها بتساؤل:
"أين أبي؟ لماذا لم يعد إلى المنزل بعد؟"
أجابت السيدة زينب بابتسامة هادئة:
"ذهب إلى المسجد ليصلي المغرب يا ابنتي."
ضربت نور جبينها بخفة وأغمضت عينيها قائلة:
"آه، صحيح... لقد نسيت أن الأذان رُفع وأنا في الطريق."
ثم ابتسمت وأضافت:
"حسنًا، سأذهب لأبدل ملابسي وأصلي المغرب قبل أن يعود أبي."
ابتسمت لها والدتها بحنان وقالت:
"اذهبي يا حبيبتي... أسأل الله أن يرضى عنك دائمًا."
أمسكت نور يد والدتها، وقبّلتها ثم قبّلت وجنتها وهمست:
"ادعي الله أن يبارك في عمركم ويحفظكما لي يا أمي... أحبكما كثيرًا."
شدّت السيدة زينب على يد ابنتها وربّتت عليها بحنان، ثم قالت:
"وأنا أحبك أكثر يا نور عيني."
صمتت لحظة، ثم رفعت يديها تدعو:
"أسأل الله أن يحفظك من كل سوء، ما ظهر منه وما بطن، وأن يبارك في عمرك، ويوفقك في دينك ودنياك، ويجعلك من عباده الصالحين."
ابتسمت نور الهدى، وامتلأ قلبها دفئًا، ثم اتجهت إلى غرفتها.
وضعت حقيبتها فوق السرير، ونزعت حجابها برفق، ثم بدّلت ملابسها إلى بيجامة واسعة ومريحة. وبعدها اتجهت إلى الحمام، وأغلقت الباب خلفها، استعدادًا للوضوء.
بعد أن انتهت من الوضوء، فرشت سجادة الصلاة، وارتدت رداءها الأبيض، ثم وقفت بين يدي الله بخشوع. وما إن كبّرت حتى شعرت أن كل ضجيج يومها قد تلاشى، وكأنها ألقت همومها خلفها مع أول آية تلتها.
وبعد أن سلّمت من صلاتها، بقيت جالسة على سجادتها لبرهة، تغمرها سكينة لا تشبه شيئًا من سكينة الدنيا. أمسكت بخاتم التسبيح، وأخذت تمرر حباته بين أصابعها وهي تردد بهدوء:
"سبحان الله... الحمد لله... لا إله إلا الله... الله أكبر..."
ومع كل تسبيحة، كانت تستحضر وجه فيرا الشاحب، وعينيها الغارقتين في الحزن، والأسئلة التي لم تجد لها جوابًا.
توقفت عن التسبيح قليلًا، ورفعت كفيها إلى السماء، وقد امتلأ قلبها رحمةً بها، ثم همست:
"اللهم يا هادي الضالين، إن كانت فيرا تبحث عن الحق فاهدها إليه، وإن كان قلبها مثقلًا بالحزن فأبدله سكينةً من عندك. اللهم افتح صدرها لنورك، وأزل عنها ظلمات اليأس، واجعل القرآن ربيع قلبها، ونور صدرها، وجلاء حزنها. اللهم إنك أعلم بما تخفيه نفسها، فأصلح حالها، واجبر كسرها، وخذ بيدها إلى الطريق الذي تحبه وترضاه لها."
أنهت دعاءها، ومسحت وجهها بكفيها، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة يغمرها اليقين، وكأنها كانت واثقة أن الله لن يرد دعاءً خرج من قلبٍ صادق.
مدت يدها نحو المصحف الموضوع على طاولتها، وحملته بكل توقير، ثم فتحته برفق، لتملأ آياته الغرفة نورًا وسكينة.
________________________________
عند فيرا :
بعد ترددٍ طويل، مدّت يدها نحو الحقيبة. فتحتها ببطء، وظلت تحدق في المصحف لثوانٍ بدت لها كأنها دقائق. كانت تنظر إليه بخوفٍ وحيرة، وكأنه بابٌ إن فتحته فلن تعود كما كانت.
ابتلعت ريقها، ثم مدّت يدها المرتجفة وأخرجته برفق. وما إن همّت أن تفتحه، حتى قطع الصمت صوتٌ مألوف خلفها، صوتٌ أنهكه الندم:
"فيرا..."
سكت لحظة، ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ يختنق بالرجاء:
"يا مهجة قلبي... أما آن لكِ أن تسامحيني؟"
تجمدت في مكانها.
شعرت وكأن شيئًا انغرس في صدرها، حتى أصبح التنفس مؤلمًا. احمرت عيناها، وارتجفت أصابعها التي كانت تمسك بالمصحف، لكنها لم تستدر. بقيت صامتة، بينما كان والدها ينتظر منها كلمة... أي كلمة.
مرّت لحظات ثقيلة، حتى شعرت أن الهواء لم يعد يكفي رئتيها. وضعت يدها على صدرها، تحاول تهدئة نبضات قلبها المتسارعة، ثم أخذت شهيقًا عميقًا واستدارت إليه ببطء.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ متكسر:
"أتعلم... ما الذي أوجعني في ذلك اليوم يا أبي؟"
رفع سيرغي رأسه إليها، وعيناه غارقتان في الندم، لكنه لم يجد جوابًا.
كررت سؤالها، وقد بدأ صوتها يرتعش:
"أجبني... هل تعلم ما الذي حطم قلبي يومها؟"
ظل صامتًا.
انحدرت دمعة على خدها، ثم قالت:
"لم يكن وقوفك ضدي..."
توقفت، تحاول ابتلاع غصتها، لكن الكلمات خرجت ممزقة:
"...بل صمتك... رغم أنك كنت تعرف الحقيقة."
انخفض بصر سيرغي إلى الأرض، وكأن تلك الكلمات سلبته القدرة على الوقوف. أما فيرا، فلم تعد تقوى على حبس دموعها، فانسابت بصمت، وهي ما تزال تحتضن المصحف بين يديها.
رفعت نظرها نحوه بإنكسار و قالت :
" نعم … نعم يا مهجته حتى هو لم يداري جراحك النازفة "
نهضت بعدها حاملة حقيبتها و المصحف لازال في يدها، ثم ابتسمت له وهي تناظره بإنكسار :
" أرجوك … ارجوك يا سيد لا تضغط علي بعد الأن فأنا إكتفيت و لم أعد احتمل… ارجوك "
انقبض قلب سيرغي بعنف و اشتدت دموعه فباتت تنزلق دون إذن منه . هل قالت له سيد الآن أم هو يتوهم ؟ قال بصوت خافت يكاد لا يسمع :
" هل أصبحت الآن سيد يا فيرا ؟ "
نظرت فيرا له من تحت لفوق ثم قالت :
" نعم لا داعي لأناديك بالأب من الآن فالأب يساند أولاده في أصغر الأوجاع "
ثم ذهبت لتدخل المنزل تاركة ذلك المنكسر وراءها .
دخلت للمنزل ، واتجهت نحو السلم بخطوات بطيئة. رفعت قدمها إلى أول درجة، ثم الثانية... لكن ما إن همّت بوضع قدمها على الثالثة حتى شعرت بشيءٍ غريب يجتاحها.
فجأة... شعرت بسائلٍ دافئ ينساب ببطء من أنفها.
عقدت حاجبيها باستغراب، ورفعت يدها تمسح أنفها بلا وعي. وما إن أنزلت كفها حتى تجمدت في مكانها.
الدم...
كان يغطي أطراف أصابعها بلونه القاني.
اتسعت عيناها، وارتجف جسدها، وهمست بخوف:
"دم؟…"
سارعت بطلوع السلالم و ركضت متجهة إلى الحمام محاولة اقاف النزيف.
بعد نجاحها في السيطرة عليه خرجت من الحمام و جلست فوق السرير رافعة رأسها للأعلى .
عندما تأكدت من توقف النزيف، أنزلت رأسها ببطء، ثم غسلت يديها ووجهها بالماء البارد، محاولةً أن تخفي شحوبها حتى عن نفسها.
حدقت في المرآة للحظات، وهمست:
"لا بد أنه الإرهاق... لا أكثر."
أخذت نفسًا عميقًا، ثم خرجت من الحمام بخطوات متثاقلة.
وما إن دخلت غرفتها، حتى اهتز هاتفها الموضوع فوق السرير.
نظرت إلى الشاشة...
"نور الهدى."
بقيت تحدق في الاسم لثوانٍ، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وأجابت.
" مرحبا …"
قالت نور الهدى :
" مرحبا فيرا كيف حالك ؟ "
رغم تعب فيرا و صوتها المبحوح لكنها لم تريد إخافتها :
" بخير و أنت ؟
استغربت نور من صوت فيرا المريض فقالت لها بقلق:
" هل انت حقا بخير ؟ "
اجابتها فيرا محاولة تغطية صوتها المتعب:
" نعم بخير لماذا ؟ "
ردت نور بهدوء :
" لأن صوتك لا يبشر بالخير هل اصابتك زلت برد ؟ "
اجابتها فيرا :
" لا …لا فقط تعبت قليلا اليوم لذلك تأثر صوتي قليلا "
تفهمت نور الهدى الموضوع و لم ترد الضغط عليها :
" حسنا حببتي لا تنسي أن تأكلي ولا تنسي فيتاميناتك "
ابتسمت لها فيرا رغم التعب و الصداع الذي داهمها :
"حسنا يا طبيبتي سأفعل "
كانت اول مرة لم تشعر فيرا أن نور تشفق عليها بل العكس أحست انها هي الوحيدة رغم قصرت صداقتهم من تهتم لأمرها بصدق .
قبل أن تنهي نور المكالمة وتودعها لتتركها ترتاح، أوقفتها فيرا بصوتٍ متردد:
"نور..."
أجابتها نور بصوتٍ هادئ يملؤه الحنان:
"نعم يا فيرا؟"
سكتت فيرا لثوانٍ، ثم قالت بتردد:
"كنتِ... ستشرحين لي شيئًا قرأتِه في بداية الحصة... أتذكرينه؟"
ابتسمت نور الهدى، وقالت:
"بالطبع، وكيف أنساه؟"
صمتت لحظة، ثم تابعت:
"كانت الآية الثامنة والثلاثون من سورة يونس، يقول الله تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
ثم قالت برفق:
"معنى الآية يا فيرا أن بعض الناس اتهموا النبي محمد ﷺ بأنه ألّف القرآن من عند نفسه، فقال الله لهم: إن كنتم صادقين، فأتوا أنتم بسورة واحدة تشبه القرآن، واستعينوا بمن شئتم من البشر أو الجن.
لكنهم لم يستطيعوا... لا في ذلك الزمن، ولا بعده. ولهذا كانت هذه الآية تحديًا يثبت أن القرآن ليس كلام بشر، بل كلام الله."
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وأضافت:
"أتعلمين يا فيرا؟ أحيانًا لا يطلب الله من الإنسان أن يؤمن قبل أن يفكر، بل يدعوه أولًا أن يتأمل ويبحث بصدق... وهذا ما تفعله هذه الآية."
ساد الصمت بينهما بعد انتهاء نور الهدى من شرح الآية.
أما فيرا... فلم تستطع الرد.
بقيت تحدق في الفراغ، والهاتف ما يزال ملتصقًا بأذنها. شعرت وكأن شيئًا تحرك في أعماقها للمرة الأولى منذ سنوات، لكنه لم يكن شعورًا تعرف اسمه.
لم تقتنع... لكنها أيضًا لم تستطع أن تُكذّب ما سمعته.
لأول مرة، لم تجد جوابًا يعارض الكلمات التي وصلت إلى قلبها بهدوء.
عقدت حاجبيها وهي تهمس في داخلها:
"إن كان هذا القرآن حقًا كلام الله... فكيف لم أسمع عنه من قبل؟ وكيف استطاع أن يثير فيّ كل هذه الأسئلة؟"
ارتجف قلبها بخفة، وشعرت بصراعٍ يمزقها؛ عقلها يتمسك بما اعتادت الإيمان به، بينما قلبها... كان يطرق بابًا جديدًا لم تعرفه من قبل.
ضمت المصحف إلى صدرها دون وعي، ثم أغمضت عينيها وهمست:
"لماذا أشعر... أنني أقف على أعتاب شيء سيغيّر حياتي كلها؟"
أفزعها صوت نور وهي تناديها، فقد ساد الصمت لثوانٍ طويلة، حتى ظنت أن مكروهًا أصابها.
انتبهت فيرا على صوتها، وأدركت أنها كانت شاردة، فأجابت معتذرة:
"آه... آسفة، نسيت أنني ما زلت أتحدث معك."
تنفست نور الصعداء، وقالت بصوتٍ يفيض حنانًا:
"لقد أرعبتِني... ظننت أن شيئًا سيئًا قد حدث لك، الحمد لله."
ارتسمت على شفتي فيرا ابتسامة خفيفة، وقالت:
"شكرًا لك."
ابتسمت نور بدورها وأجابتها:
"لا شكر بين الأصدقاء يا فيرا."
خفق قلب فيرا بقوة. منذ زمنٍ طويل لم تجد من يقلق عليها بهذا الصدق، ولم تشعر أن أحدًا ينتظر سماع صوتها ليطمئن. أما هذه الفتاة... فقد دخلت حياتها فجأة، تحمل معها دفئًا لم تعهده من قبل.
همست بخجل:
"شكرًا... على لطفك يا نور."
قالت نور بنبرة يغمرها الاطمئنان:
"العفو يا حبيبتي. والآن، لقد أذّن العشاء، سأذهب لأصلي، ثم أتصل بك لاحقًا بإذن الله."
أومأت فيرا برأسها، وألقت عليها السلام، ثم أغلقت المكالمة.
بعد انتهاء المكالمة، استلقت فيرا فوق السرير، والصداع ينهش رأسها. أغمضت عينيها محاولةً أن ترتاح، لكن كلمات نور الهدى بقيت تتردد في أذنها.
قبل أن تنهي نور المكالمة، قالت لها بصوتٍ هادئ، وكأنها تزرع شيئًا في قلبها:
"كل ضيقٍ سيصبح فرجًا يا فيرا... فقط لا تفقدي الأمل."
ساد الصمت لثوانٍ، ولم تستطع فيرا أن تجيب. كانت تحدق في سقف الغرفة، بينما تلامس تلك الكلمات جزءًا من قلبها اعتادت أن تراه ميتًا.
تمتمت لنفسها بصوتٍ خافت:
"وهل يمكن... أن يأتي الفرج لي أيضًا؟"
التفتت نحو الحقيبة الموضوعة بجانب السرير، فوقع بصرها على المصحف الذي أعطتها إياه نور الهدى. نهضت ببطء، رغم أن الصداع كان يثقل رأسها، لكن فضولًا غريبًا كان أقوى من الألم.
أمسكت بالمصحف بكلتا يديها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم أغمضت عينيها لثوانٍ، وكأنها تستجمع شجاعتها. وبعد تردد طويل... فتحته ببطء.
وما إن وقعت عيناها على أول آية، حتى خفق قلبها بقوة، وشعرت وكأن القدر نفسه يقودها إلى كلمات كانت تنتظرها منذ زمن.
ثبتت عيناها على الآية، وأخذت تقرؤها ببطء، وكأنها تخشى أن تفوتها كلمة واحدة.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
سورة الزمر، الآية: 53.
توقفت...
أعادت قراءتها مرةً أخرى، ثم همست بصوتٍ مرتجف:
"لا... تقنطوا؟"
ثم رمت بنظرها لجملة:
(…إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
"كيف يغفرها... ؟ "
لم تكن تعلم لماذا ارتجف قلبها عند هذه الكلمة تحديدًا.
أغلقت عينيها للحظة، وشعرت بشيءٍ دافئ يتسلل إلى صدرها، شعورٍ لم تعرف له اسمًا منذ سنوات.
لم تكن سكينةً كاملة...
لكنها لم تكن الحيرة نفسها أيضًا.
وضعت كفها على الصفحة برفق، وكأنها تخشى أن تختفي الكلمات إن رفعتها، ثم همست بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
"هل... يمكن أن يكون لي مكانٌ في رحمة الله أيضًا؟"
لم يجبها أحد...
إلا أن الصمت هذه المرة، لم يكن مخيفًا.
كان يحمل وعدًا ببدايةٍ جديدة…
يتبع…
silou_Novels