"أعمق الآلام هي تلك التي نعانيها في صمت."
— فولتير
_______________________________________
الليل في روسيا ليس هادئًا كما يظنه الآخرون، بل يصرخ بصمته... الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، والمطر يطرق زجاج النافذة بخفة، كأنه يحاول إيقاظ من ماتوا بداخلهم. تتقلب "فيرا" في فراشها، غارقة بين الوسادة والكوابيس، تحاول الهرب من وجهٍ يطاردها كل ليلة وجه أخيها "أندريو"، وصرخته الأخيرة قبل رحيله... لكن هذه المرة لم يظهر هو، بل ظهرت فتاة بثوب أبيض، تسير وسط الضباب، وجهها غير واضح، لكن ابتسامتها تشبه شيئًا مألوفًا، شيء رأته اليوم فقط. تقترب الفتاة منها بهدوء، تهمس بصوت خافت:
"الطريق لم ينتهِ بعد يا فيرا..." قبل أن تلمس كتفها، تصحو "فيرا" مفزوعة، مبللة العرق، تتنفس بسرعة وكأنها نجت من غرقٍ عميق. جلست على السرير، تمسح وجهها بيد مرتجفة، وتهمس لنفسها:
"تلك الفتاة … من كانت؟ ولماذا رأيتها في المنام ؟ "
امسكت بقارورة ماء كانت أمامها ، و علبة الدواء ، وهي ترتجف من الصدمة، وضعت حبة المهدئ في فمها وارتشفت من القارورة لتأخذ نفسا عميقا ،المهدئ لا يمحو الأصوات ولا الدماء التي رأتها ذات مساء، حينما كان أندريو أخر من ناداها باسمها ، اتكأت على حافة السرير ، وانهارت بالبكاء ، تهمس لنفسها
" متى؟…متى سينتهي؟ ، تعبت! "
مسحت دموعها ونظرت لشاشة هاتفها إذ ترى الساعة الثالثة إلا ربع صباحا ، عقلها مشوش ، يحاول أن يحلل الكابوس
"من تلك لماذا قلبي يخفق هكذا "
قالتها و يدها على صدرها كأن قلبها يعطيها اشارة لشيء ما سيحصل، لكن ماذا هو؟، انتفضت من السرير لتستقيم من مكانها ، ذهبت مباشرة إلى الحمام ، غسلت وجهها بالماء البارد ثم لمحت نفسها في المرآة ، للحظة شعرت أنها تنظر إلى غريبة لا إلى نفسها . أين اختفت فيرا التي تملأ المكان ضحكا و حيوية ، أين إختفى ذلك الوجه الذي كان يزهو بالحياة و عيناها الزرقاوين التي كانت تبرق بالأمل و الحب .
لم يبقى سوى وجه شاحب وعينين أصبحت خالية من الحياة تماما، يكسوها سواد التعب والسهر المتواصل .
لماذا تفعل ذلك لنفسها ؟ رغم أنها تعلم انها ليست السبب … هل ربما بسبب حزنها عليه او اتهام امها ولومها المتكررة لها ؟ .
رفعت يدها ، ووضعَتها فوق قلبها، كأنها تحاول أن تُصغي إلى نبضاته المنهكة، علّها تفهم ما الذي يحاول أن يخبرها به.
خرجت من الحمام ، ثم توجهت نحو النافذة . جلست أمامها كامشة على نفسها . وألقت رأسها بثقله على طرف النافذة البارد . ذلك المكان بات ملجأها الوحيد الذي يداري آلامها .
السماء كانت رمادية كئيبة، كأنها تعكس همومها الداخلية، حيث كانت الغيوم الداكنة تغطيها مثل غطاء ثقيل يضغط على صدر الليل. النجوم خافتة، وكأنها تحاول أن تومض من خلف سحب كثيفة، والنجوم المتناثرة تشبه دموعًا متجمدة في السماء الباردة. الهواء كان باردًا ولاذعًا، يحمل معه رائحة المطر، وكأن الطبيعة نفسها كانت تغرق في حزن عميق .
غارقة في شتات افكارها ، وجهها شاحب من العبء الذي يساولها ،عيناها ذابلتين من الحزن ، تبكي بهستيرية صامتة ، ظلت هكذا حتى حلول الصباح عندما مزقت رنة منبه الهاتف سكون الليل الدامس، على الساعة السابعة، فانتبهت من غرقها في أحزانها.
نظرة له بحزن ، هي مترددة على الذهاب بعد الكابوس ، شعور يراودها ان شيء غير عادي سيحدث ، ما هو لا تعلم ، بعد صراع مع نفسها ، نهضت ، غيرت ملابسها ، وخرجت من غرفتها ، نزلت السلالم لتجد طاولة فطور الصباح مجهزة للعائلة كالعادة ، رمقتها بعمق ، تتذكر ذكرياتها عليها قبل عام . في تلك اللحظة كانت الطاولة تجمع اربع افراد ، لكن الأن تجمع فقط شخصين ، والديها فقط ، فمنذ رحيل أندريو باتت لا تجلس بها و لا تأكل في المنزل بتاتا ، صوت أيقظها من ذكرياتها ، السيد "سيرغي" والدها ، فور أن رأته ركضت هاربة منه ، لكنه اوقفها بمنادته لها "فيرا …ابنتي توقفي"
بدأ قلب فيرا ينبض بقوة من سماع صوت أبيها تخلل جسدها الرعشة ، كانت فقط تريد ان تستدير له و تعانقه بشدة ، فمنذ ان رحل أندريو صارت مختلفة تماما ، و صارت لا تحب النظر بوالدها خشية ان يسمعها كلام كأمها ، كانت تقاوم ان لا تستدير لكن كلمة واحدة فقط قالها بعد جعلتها تستدير بدون إدراك
" إشتقت لك ، مهجتي "
قالها بصوتٍ حنونٍ وحزينٍ جدًا، كأن كل ما في الدنيا انكسر في تلك اللحظة. تجمّدت "فيرا" مكانها، ودمعة ثقيلة انزلقت على خدّها دون إرادتها. التفتت ببطء نحو والدها، لكن كلماتها اختنقت في حلقها... لم تستطع قول شيء. نظرت إليه لثوانٍ، ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع: "لو لم يحدث ذلك اليوم... لربما كنت ما زلت مهجتك حقًا."
مرّت لحظة صمتٍ طويلة، تبادل فيها الأب وابنته نظراتٍ تحمل كل ما لا يُقال. ثم أدارت وجهها، واتجهت نحو الباب، تمسك حقيبتها بإحكامٍ كأنها تتمسك بما تبقى من نفسها. وقبل أن تغادر، نظرت إلى الطاولة نفسها التي كانت تجمعهم يومًا ما، وهمست:
"ربما آن الأوان... لأعرف لماذا لم ينتهِ الطريق بعد."
ثم خرجت بهدوء، تاركة خلفها صدى خطواتٍ باردة، وصوت المطر يعود للطرق على الزجاج كما في البداية ، خرجت مسرعة تستنشق الهواء البارد ، دموعها لا تريد التوقف ، فتحت حقيبتها و شربت قرصين من المهدئ ، اصبح ادمان ، لا يمكن أن يمر يومها بشكل جيد إلا به ، حتى لو بضعت ساعات فهي تضاعف الجرعة دون أن تكترث للعواقب ، مسحت دموعها و سارت إلى وجهتها ، وصلت الجامعة اعطت البطاقة لذلك الحارس الذي أثار غضبها بشدة كانت على وشك الهجوم عليه ، لكنها تمالكت نفسها و أكملت سيرها نحو المدخل ، كانت كلما تقترب تشعر بوخز في قلبها ، تنهدت تنهيدة طويلة قبل ان تدخل القاعة وقالت في نفسها:
" هيا فيرا ، لنبدأ "
دخلت بهدوء كانت هذه المرة ليست متأخرة ، جلست أمام " نور الهدى " و لم تعيرها أي اهتمام ، رغم ان نورالهدى كانت تحاول أن تسلم عليها فصمتت لعدم وجود الرد ، زفرت بملل ، فأستاذ القذر ذاك لم يأتي بعد لقد تأخر، نظرت أمامها ، لترى نور الهدى و هي تقرأ في كتاب يبدوا غريب ،و لغة غير مفهومة ، نظرت إلى وجهها ، وجدتها مبتسمة بهدوء ، تلك الإبتسامة تمد الراحة و السكينة في قلب فيرا ، عندما رأت تلك الإبتسامة شعرت و كأن حمل ينزاح عنها ، كانت غارقة و منغمسة في قرأت ذلك الكتاب كأنها تتأمل كل كلمة تقرأها ، إبتسمت لها و قالت لها بلا وعي منها :
" ماهذا الكتاب ؟ "
ردت نور الهدى :
" هذا القرآن الكريم "
عقدت الأخرى حاجبيها بتعجب ، ماهذا ؟ ولا في حياتها سمعت عن هذا الكتاب فقالت لها :
"اظن انها رواية صدرت حديثا "
أطلقت نور الهدى ضحكة خفيفة جعلت فيرا ترتبك ، ظنا منها انها تضحك عليها بسبب عدم معرفتها لرواية ، قالت لها نور الهدى و عينها تضحكان :
" لا لا ،هذه ليست رواية ، إنه كتاب الله تعالى أنزله على عباده ليهديهم ، و يذكرهم من يكونوا لأن الإنسان حين يضيع لا شيء يعيده سوى كلمة من ربه "
نظرت لها فيرا بدهشة خفيفة ، لم تفهم تماما ماذا تقصده حدثت داخلها :
" من هو الله ؟، و كيف الإنسان اذا ضاع لا يعيده سوى كلمة من ربه ؟ ماذا تهذي هذه ؟ "
قالت لها :
" من هو الله هل هو شخص كاتب او شيء من هذا النوع ، حتى يكون له كتاب ؟!"
ابتسمت لها وقالت :
" لا، استغفر الله ، الله ليس كاتب ، الله … هو الذي خلق كل شيء بنظام لا يختل، هو الذي يعرف ما في قلبك حتى قبل أن تفكّري به، يسمعك حين تصمتين، ويكون معك حين يبتعد الجميع. أنزل القرآن ليذكّر عباده أنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم، وأن خلف كل وجع حكمة، وخلف كل تأخير لطف لا يُرى."
صمتت للحظة ثم تابعت حديثها بهدوء :
"بعض الناس يرون أن القرآن عقوبة لكن لا يعلمون أنه رسالة حب و نجاة "
تعجبت فيرا من حديثها ، لكنها شعرت بشيء غريب يتحرك داخل صدرها ، كأن الكلمات اخترقت طبقات من الجمود ، لم تنبس بشيء فقط اكتفت بخفض بصرها و نظر لكراسها الموضوع فوق الطاولة و راحت في تفكيرها هامسة لنفسها :
" خالق كل شيء ؟ ، يسمعني حين أصمت هل يعني هذا انه كان معي في حزني ؟ ثم النجاة من ماذا ؟ "
تساؤلات كثيرة جاءت في بالها . يقطع تفكيرها أستاذ جديد ليس أستاذ القذر الذي درسهم ليلة أمس ، دخل الأستاذ بهدوء و اعتذر عن التأخير و قال :
" مرحبا ، أنا الأستاذ كفريول ، أستاذكم الجديد لمادة العلوم و بيدل الأستاذ ريو الذي استقال من منصبه لأسبابه الخاصة لذلك اقول لك احترموني احترمكم ، و فقط فل نبدأ الدرس"
فرحة كبيرة غمرتني أحسست بشعور الإنتصار لمغادرته الجامعة و قلت بين نفسي
" اه ، كان سهل بدون تدخل " .
بدأ المعلم يشرح الدرس ، كان يدور حول جراحة المخ و كيف يتم ذلك بدون اخطار … ، بينما عقلها غائب عن الدرس ، تفكر في حديث نور الهدى بإستمرار
" كيف الله هو الخالق و كيف يمكن ؟ أن يكون القرآن مصدر نجاة ؟"
كانت هذه الأسئلة تعيد طرحها مرارا و تكرارا ، و تعيد حديث نور الهدى في ذهنها كشريط تريد إيجاد اجوبة لكنها لم تتمكن من ذلك.
الساعة 12:00 pm :
انتهت المحاضرة ، خرج الأستاذ ، بدأ كل الطلاب بجمع ادواتهم بغية المغادرة ، جمعت حاجيتها و غادرة القاعة ببطئ و تركيزها ليس معها ، هي تريد ان تفهم ذلك ، تريد ان تجد تلك الأجوبة لكن كيف ستفعل لا تعلم ، بسبب تشتتها اصطدمت بفتاة ، صرخت الفتاة بألم ، و نظرت في عينيها بشرارة تنتظر أن تتأسف لها ، لكن من يهتم لها فهي كانت في عالم ثاني مع تلك التسائلات كان هذا العالم قد اختفى حتى ان ذلك الإصطدام لم تنتبه له ، ذهب فيرا تاركة تلك الفتاة التي كان العضب يغلي في عروقها ، كانت تمشي بخطوات متثاقلة كأن الارض صارت لا تحملها .
جلست في أول مقعد وجدته في طريقها، رفعت رأسها موجهة نظرها للسماء، قائلة لنفسها :
"هل صحيح أن هذا الإله هو الخالق أم تلك الفتاة تكذب؟"
دموعها كانت تترقرق في عينيها، وشعور بالحزن والوحدة يغمرها. ازالت نظرها عن السماء، تنهدت تنهيدة طويلة متمتمة في نفسها :
" وما شأني أنا، لما اهتم لذلك، انا لا أؤمن بأي شيء انا ملحدة، ماذا أفعل"
كانت تشعر بالضياع والارتباك، وكأنها فقدت طريقها في الحياة. قلقلها يزداد، ودموعها كانت على وشك السقوط، وهي تردد في نفسها:
" ماذا افعل ، ما الذي يجري لي " .
استقامت من مكانها، إذ يضرب وجهها هواء بارد، فتشعر برعشة خفيفة تسري في جسدها. رفعت رأسها إلى الأعلى، واستنشقت الهواء البارد بعمق، وكأنها تحاول أن تملأ رئتيها بالحياة. لكن الشعور بالفراغ والضياع كان لا يزال يغمرها، فهي لا تعرف إلى أين تتجه أو ما الذي تريده حقًا. سارت ببطء، وهي تضع يدها في جيبها، تشعر بالحقيبة الثقيلة على كتفها، وكأنها تحمل همومها على ظهرها. كانت تسير دون هدف، فقط تحاول أن تفرغ ذهنها من الأفكار والمشاعر التي تتدفق فيها. كل خطوة تضعها كانت تشعر وكأنها تقترب من شيء ما، لكنها لا تعرف ما هو. كانت تائهة، تمامًا مثل الأوراق التي تتناثر في الرياح، لا تعرف إلى أين ستذهب أو ما الذي ينتظرها في المستقبل.هي غير راغبة في ذهاب إلى المنزل ، ترغب الان فقط في لحظة هدوء ، بدون تفكير ، قاطع تفكيرها ذاك صوت يمس القلب ، يصدر خلفها، صوت مناداة بإسمها لكن هذا الصوت مألوف لها ، استدارت لتصطدم بنور الهدى
و هي تركض في اتجاهها وهي تناديها، أدارت رأسها عندما رأتها: "بففف، هذا ما ينقصني الآن سوى خرافاتها." لكن ما إن التقت عيناها بعيني نور الهدى حتى تجمّدت للحظة، شعرت وكأن الزمن توقف. تلك السكينة التي داهمتها لم تكن عادية، كانت كنسمةٍ باردةٍ في قلب عاصفة. أحست بشيء يدفئ صدرها، كأن صوتًا داخليًا همس لها:
"اطمئني..."
ارتجف قلبها دون سبب، تاهت نظراتها في ملامح نور الهدى، لم تفهم ما الذي يحدث لها، لكنها شعرت لوهلة أن كل الضوضاء في رأسها اختفت، وأن تلك الفتاة الغريبة تحمل معها هدوءًا افتقدته منذ زمن . عسليتها تحمل نور لم ترى مثله من قبل ، كأن عينيها كانتا ترويان حكاية صافية من السواد. وصلت عندها نور الهدى فأشاحت نظرها عنها ، توقفت نور الهدى و اخذت نفس طويل و قالت بصوت متقطع :
" الحمد لله أني..أني لحقت…لحقت بك ، اريد …ان… اتحدث …معك "
ثم اخرجت نفسا عميقا و صمتت ، قوست الأخرى حاجبيها باستغراب وقالت :
"ماذا ؟ عن ماذا نتحدث ؟ "
نظرت لها نور الهدى بتعجب قائلة :
" ماذا تعنين ؟ هل نسيت المشروع؟"
ضربت فيرا بكف يدها على رأسها فهي فعلا قد نسيت ذلك ، فكيف لها أن تتذكر وهي تظل غارقة في بركة احزانها ،سألتها بصوتٍ خافتٍ ممزوجٍ بالارتباك، محاولةً اخفاء توترها:
"آه… نعم، المشروع، تذكرت الآن. عن ماذا بالتحديد نحتاج أن نتحدث؟"
ابتسمت نور الهدى برفق، وكأنها لم تلاحظ اضطرابها، ثم قالت بنبرة هادئة يملؤها دفء غريب:
"عن التفاصيل الأخيرة فقط، لكن لا تقلقي… يمكننا إنهاؤه معًا بسهولة، إن تعاونّا."
هزّت فيرا رأسها ببطء، وهي تحاول التركيز في كلماتها، لكن عقلها كان في مكانٍ آخر، في تلك السكينة الغريبة التي شعرت بها منذ لحظةٍ عندما نظرت في عينيها. كان في قلبها صراع لا تقدر تفسيره — بين رغبةٍ في الهروب، وفضولٍ يدفعها للبقاء.
خفضت نظرها نحو الأرض وقالت بنبرةٍ متوترة:
"حسنًا، سنفعل ذلك… لاحقًا فقط، ليس الآن، أحتاج لبعض الوقت."
راقبتها نور الهدى بصمتٍ، بعينين تشعّان بفهمٍ عميق كأنها تقرأ ما لم يُقل، ثم قالت بلطفٍ: "خذِي وقتك يا فيرا… لكن لا تطيلي الغياب، الطريق لا يُسلك وحدنا دائمًا."
كلماتها الأخيرة علقت في ذهن فيرا، ترددت في أذنيها كصدى مألوف… تمامًا كجملة الفتاة التي رأتها في المنام: "الطريق لم ينتهِ بعد يا فيرا..."
شعرت بارتجافةٍ خفيفة تسري في جسدها، ورفعت رأسها ببطء نحو نور الهدى، تحدّق فيها بصمتٍ مشوبٍ بالخوف والدهشة.
ثم قالت لها وهي تحاول إخفاء دهشتها
" حسنا إذا لنتبادل أرقام الهواتف ، حتى اقول لك متى نبدأ "
تبادل الأرقام ، و افترق كل واحد في طريقه .
ظلت فيرا تمشي و هي تائهة تحاول ان تستفسر من تلك الفتاة و هل يعقل ان تكون نفسها التي رأتها في المنام ، تمتمت داخلها
"لا ، لا كيف ذلك من تلك ولماذا أشعر بشيء كأن شيء سيتغير ؟ لماذا اشعر بالراحة ، ماذا لو كانت مصدر هلاكي أكثر ؟ "
تشوش عقل فيرا بأفكار سلبية كثيرة ، لم تفكر أبدا أن قد تكون معتقدتها خاطئة ، بمجرد التحدث معها ، هي لا تعرفها حتى اسمها لا تتذكره فكيف تقول أنها قد تكون مصدر هلاكها أكثر ؟
على الساعة 08:00 pm :
دخلت فيرا المنزل بوجه شاحب و جسم مثقل من التعب ، فهي لم تعطي و لا دقيقة راحة لعقلها ، اليوم بأكمله و هو يفكر و يحلل ، تجاهلت كل شيء أمامها و ذهبت مباشرة نحو السلم المؤدي إلى غرفتها وقبل أن تصعد سمعت صوت من خلفها ، كان والدها للمرة الثانية ، لم تهتم و أرادت أن تكمل صعود ، حتى أمسك يدها محاول توقيفها ، قال بصوت واضح عليه الحزن و الندم
"فيرا…عزيزتي لماذا تهربين ، أنا أشتاق لك "
إلتفتت له فيرا قائلة
"أنا لست ابنتك، وأرجوك لا تلمسني مرة أخرى."
قالتها وصوتها يرتجف رغم قسوته، كأن الكلمات خرجت من جرحٍ لا من فم. كانت تحاول أن تبدو قوية، أن تخفي الزلزلة التي تسري في صدرها، لكن ما إن رأت ذراعي والدها ترتفعان نحوها، حتى اختنق الهواء في رئتيها. شعرت بدفءٍ مألوف يقترب منها، دفءٍ افتقدته أكثر مما اعترفت لنفسها. شيء في داخلها أراد أن ينهار، أن تستسلم لتلك الذراعين وتبكي كما كانت تفعل وهي صغيرة، لكن عقلها صرخ أقوى:
"لا تضعفي الآن، لا تثقي به... لقد كان السبب في كل شيء".
بين الرغبة في العناق والخوف من الماضي، ارتجف جسدها بلا وعي. لم تعرف هل تبكي لأنها تشتاقه، أم لأنها لم تعد قادرة على الشعور بالأمان حتى في حضنه. عيناها قالتا ما لم تستطع لسانها قوله:
" أبي... سامحني لأنني ما زلت أحنّ إليك، رغم أنني أكرهك."
ابتعدت عنه بسرعة و ركضت نحو غرفتها مسرعة ، أغلقت الباب بقوة ، رمت المحفظة بعيدا ، جلست على الأرض متذمرة ، ساندة رأسها على الباب ، وجهها احمر، عيناها متغلغلتان بالدموع ، وضعت يدها على فمها لكبح البكاء لكنها انهارت ، بينما أبها بقى جامدا في مكانه عيناه غارقتان بالدموع ، صعد الدرج المؤدي لغرفتها وجلس أرضا متخذا وضعية الجنين أمام باب غرفتها ، وانهارت دموعه بغزارة كالأم التي فقدت طفلها الوحيد بعد طول انتظار، كان يحتضن فراغ الأرض كأنه يحتضنها هي، يدفن وجهه بين ركبتيه، وصوته المبحوح يخرج مختنقًا من بين شهقاته. لم يعد "سيرغي" الأب القوي الصارم، بل رجل مكسور فقد روحه مرتين — مرة حين رحل أندريو، ومرة حين قررت فيرا أن تبتعد. اهتز كتفاه مع كل بكاء، ويده ترتجف وهي تضرب الأرض بخفّة، يتمتم بين دموعه:
"أنا السبب... أنا السبب في كل شيء..."
كان الليل صامتًا، لكن بكاءه اخترق السكون، كأن البيت كله يئنّ معه من الوجع الذي لا يُحتمل.
"أعلم، لو اني وقفت معك من البداية لما حدث هذا "
قالها بصوت يحمل ثقل و ندم كبير ، صمت قليلا ثم اكمل
"فيرا… أنا لا اريد ان اعيش ألم فقدانك انت أيضا يكفيني ألم فقدان اندريو "
سمعت فيرا حديث بصمت ، كانت هي تائهة خائرة القوى ، عيناها احمرت من شدة البكاء ، ربعت يدها بين ركبتيها ، تكلمه بداخلها
" لكنك فعلتها و وقفت ضدي ، رغم معرفت بالحقيقة "
نامت فيرا على نفسها و الدموع لا تريد التوقف. ضوء النهار يضرب في وجهها ، بينما هي تلبس أقراطها الفضية إستعداد للذهاب إلى الجامعة حتى تسمع طرقات في الباب ، دقة بعد دقة ، لكنها عجزت عن الكلام بسبب وضعها لغلاق القرط في فمها ، فبدأت تأني لكي يدخلوا لكن لم يفهموا ، اسرعت في لبس القرط و فتحت الباب
"أه وأخيرا فتحتي الباب انا ادق عليك منذ ساعة" قالها بصوت مازح ، فابتسمت له إبتسامة خفيفة وقالت
"وأنت لم تسمع صوت أنيني… لي ساعة أئن لك ، لتدخل "
ضحك ضحكة قصيرة منغمسة بدعابة و قال
" تمام ، اذا أنتظرك في السيارة "
نظرت له بعمق ثم درت مبتسمة :
"حسنا إذن سأخذ حقيبتي و الحقك "
قبل جبينها وقال في أذنها بصوت خافت
" أنت أعظم مصيبة أتتني"
ضحكت له و قالت
" و انت اعظم اخ ، حصلت عليه في حياتي "
ابتسم لها ابتسامة خفيفة و رحل .
أكملت فيرا مكياجها وحملت حقيبتها .
خرجت من المنزل بخطوات خفيفة، لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. الهواء تغيّر، والضوء من حولها بدا باهتًا كأن النهار لفظ أنفاسه الأخيرة. رمشت بعينيها محاولةً استيعاب ما تراه، لتتفاجأ بأنها لم تعد أمام باب المنزل… بل في مكان يشبه الجبال ، لمحت اندريو وهو يقف أمام منحدر شاهق ، ارتجف جسدها بمجرد رأيتها له هناك ، وبدأت تصرخ و تقول بصوت مختلط بالدموع
"أندريو… توقف، لا تفعل هذا، لا تتركني، أخي أرجوك!"
كانت صرختها تضيع وسط عواء الرياح، والسماء تمزّقها الرعود، كأن الطبيعة نفسها تبكي معه. المطر يهطل بغزارة، يصفع وجهها البارد، يختلط بدموعها فلا تدري أهو المطر أم حزنها الذي يسيل.
كان "أندريو" واقفًا عند حافة الهاوية، جسده يرتجف، وصوته مبحوح من الألم، بينما عيناه لا تحملان سوى قرارٍ واحد لا عودة منه.
مدّت يدها نحوه، تصرخ من أعماقها:
"أندريو، انظر إليّ، أرجوك، أنا هنا!"
لكنه لم يلتفت…
لحظة صمت قصيرة، ثم خطوةٌ واحدة كانت كفيلة بإنهاء كل شيء. ارتجفت الأرض تحت قدميها، وسقط صوتها مع سقوطه في الهاوية
" أندريو… لا…لا…لا اندريو "
ذهبت راكضة إلى تلك الهاوية ، لتنظر للأسفل فرأت أندريو واقع و الدماء تغطي جسده بالكامل فصرخت بأعلى صوتها طالبة النجدة لكن لا جدوى ، داهمها ضباب حول عينيها، رأسها أصبح يرن ، صوت الرياح المختلط بالمطر أصبح بعيد ، لم تعد قادرة على الصمود لتسقط أرضا أمام الهاوية و هي تتمتم
" اندريو…لا تفقد حياتك أرجوك…"
استفاقت لتجد نفسها في مكان عاتم غير مكان الهاوية وما بين تلك العتمة ضوء صاطع ، لم تستطع فتح عينيها من قوته ، وضعت يدها فوق عينيها لتستطيع الرؤية ، استقرت عيناها على ذلك الضوء لتراه طريق طويل ما بين ذلك الطريق اشجار خضراء جميلة ، استقامت متوجهة نحوه ، وقبل أن تصل إليه تفاجئت بفتاة تلبس فستان ابيض وجهها غير مرئي لكن ابتسامتها كانت تبعت الطمأنينة و السكينة ، تماما مثلما رأتها في منامها ، اقتربت منها تلك الفتاة وفجأة اختفى ذلك الطريق ، اقتربت الفتاة اكثر ثم قالت
" هذا الطريق موجود …لكن يجب ان تكافحي لإيجاده "
لم تفهم فيرا عما تتحدث وقبل أن تحاول لمسها اختفى كل شيء وساد الظلام فبدأت تصرخ بأعلى صوتها لكن لا يوجد شيء سوى صدى صوتها يتكرر
استفاقت فيرا من ذلك الكابوس ، لتجد نفسها نائمة في الأرض أمام الباب ، استقامت من مكانها و هي مرتجفة من الكابوس قلبها يخفق بقوة ودموعها تنزل بغزارة تسأل نفسها مرارا و تكرارا
" من تلك الفتاة؟ ، أي طريق تتحدث ؟ "
نظرت إلى الباب تتذكر لماذا نامت في الأرض فتذكرت والدها ، ذهبت مسرعة تفتح الباب بحذر لربما مازال جالس امام الباب، فوجدته قد رحل ، حينما لم يتلقى أي اجابة منها يأسى ورحل ، اعادت غلق الباب و جلست فوق السرير ، رمت يدها لتلتقط الهاتف لترى ان الساعة تجاوزت الثالثة صباحا ، قالت في نفسها
" اكيد تتجاوز الثالثة فذلك الكابوس هذا موعده"
ربعت قدميها فوق السرير و مسكت خصلات شعرها بقوة متذكرة الكابوس ، استقامت متجهة نحو الطاولة جذبت علبة المهدئ أمامها و اخذت ثلاث اقراص هذه المرة ، ثم رمت بنفسها على الأرض منهارة بالعياط .
silou_Novels