صلُّوا على خير الأنام 🤎
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متنسوش الڤوت ( 🌟 ) و الكومنتات بين السطور 🌚♥️
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تكن مجرد لعبة، كانت إعلاناً عما سيحدث لاحقاً.
نهض مروان ببطء، وبحركة لم يتوقعها أحد، قبض على هياقة سترة الآخر بقوة ثم هتف بنبرة حادة :
- كِش مَلِك، قولتلك متجيش في سكتي، عشان اللي بيجي في سكتي مبيخرجش منها تاني.
أنهى جملته بابتسامة مخيفة قبل أن يلكم الآخر بقوة ثم طرحَهُ أرضًا و حاوط عنقه بقبضته ثم هتف بهمسٍ :
- فكرك يا حلو مش هعرف أنك اللي قطعت الفرامل بتاعة عربيتي؟، أنت شكلك لسه متعرفنيش، وأنا أحب أوي أعرفك بنفسي، أنا بشمهندس مروان مهران الدميري.
نظر له الآخر بألم و حقدٍ فاستكمل حديثه بحزنٍ مصطنع :
- شكلك لسه معرفتنيش، أحب أعرفك بيا بس بطريقتي الخاصة.
ساد صمتٌ ثقيلٌ فجأة قبل أن يتحول مروان من هذا الشاب الهادئ لهذا الهمجي الذي طرح الفتى أرضًا و أنقضَّ عليه كمن ينقض على فريسة كان يتربصها منذ زمنٍ.
أبتعد عنه و هو يلتقط أنفاسه بصعوبة ثم حدثه بتهديد صريح :
- آخر تحذير ليك يا عمران، قسمًا بالله لو جيت على سكتي تاني لكون حابسك بتسجيلات الكاميرات اللي صورتك وأنت بتقطع الفرامل و الراجل يخرجك منها.
نظر له الآخر بحقدٍ شديد و هو على علمٍ بصدق تهديد مروان هذه المرة ..
نهض من الأرض وهو يمسح الدماء من وجهه ثم نظر لمروان و قال قبل أن يستدير ليخرج من الملهى :
- يوم ليك و يوم عليك يا أبن الدميري، مش دايمًا الملك اللي بينتصر بيفضل منتصر، أشوفك في جولة تانية.
ضحك مروان بخفة و بعد ذلك ألقى له قبلة في الهواء و هو يقول بمرحٍ كاد أن يقسم أصدقائه بسبب أنه مختلٌ أو ربما مريض نفسي :
- مع السلامة و القلب داعيلك يا غالي، أتمنى مشوفش حلاوة خلقتك دي تاني عشان نفسي بتجزع من الحلويات.
ضحك عمران بخفة و خرج تاركًا أفواه الجميع مفتوحة خلفه، أهُما مختلان؟.
جلس مروان مرة أخرى بأريحية وهو يضحك بخفة، فتحدث صديقه بتعجب :
- أنت شارب حاجة يا صاحبي؟.
هزت رأسه بنفي ثم أجاب بهدوء :
- علمت على عمران حبيب قلبي، و دي احلى من اي كاس.
غمز له صديقٌ آخر ثم مد يده له بكأس من الخمر و قال بخبث :
- طب خد بل ريقك.
رد مروان بحدة و ضيق :
- قولتلك بطلت شرب خلاص، كفاية الكاسين اللي شريتهم قبل كده بسبب زنك عليا.
سحب الآخر الكوب ثم قال بإستفزاز وسخرية :
- و أنت ما شاء الله عليك يعني مش بتقوم من على سجادة الصلاة ولا بتسيب السبحة من أيدك.
رد الآخر بحدة وهو يضرب الطاولة بكفه :
- مش معنى إني مقصر في الصلاة يبقى أعمل الغلط بقلب ميت، و مش معنى إني طاوعتك مرة و اتنين و تلاتة يبقى هطاوعك كل مرة.
انهى حديثه بإستياء ثم استقام وهندم ملابسه بعد ذلك جمع متعلقاته الشخصية وخرج من الملهى تاركًا البقية يتتبعون أثره بلا مبالاة.
~~~~~~~~~~~~~~~~
في نحوٍ آخر، في مرسمٍ واسعٍ مليءٍ باللوحات والألوان ..
كانت تلك الفتاة، صاحبة العينين البنيتين، تجلس على كرسيها، وقد عُقدت خصلاتها البنية بفرشتين من فرش الألوان الخاصة بها على هيئة كعكةٍ عشوائية، تمنحها مظهرًا جذابًا وآسرًا.
كانت ترتدي بنطالًا أبيضَ فضفاضًا واسعًا، تعلوه سترةٌ رماديةٌ ذات حمالاتٍ عريضة، تناثرت عليها فيونكاتٌ بيضاء صغيرة.
رفعت قلمها الرصاصي، تخطُّ به ملامح لوحتها الجديدة، والحماس يقفز من عينيها ..
كانت تفاصيل تلك اللوحة منقسمةً إلى جزأين :
كان أحدهما عبارة عن سماءٍ ممطرة وبستانٍ يابس، يجلس أسفل إحدى الأشجار اليابسة فتىً بهيئة غير مرتبة، يضم ركبتيه إلى صدره.
والقسم الآخر بستانٌ مزهر، تحتل الشمس سماءه وتنيره بأشعتها القوية.
وعلى أرضه فتاةٌ بهيئة منمقة، ترتدي فستانًا طويلًا مليئًا بالزهور.
تتقدم إلى الأمام نحو بستان الشاب، ومع كل خطوة تخطوها تنبت خلفها وردة.
وكلما تقدمت، تقدمت معها الورود حتى تداخلت ورودها مع الأرض الميتة، وبدأت الزهور تظهر وردةً تلو الأخرى.
وكُتِبَ في أعلى اللوحة :
"كذلك الحب، كلما خطا نحو القلب، أزهَرَهُ".
أنهت خطَّ تلك العبارة، ثم تراجعت بظهرها إلى الوراء وهي تحدق في لوحتها بسعادة ممزوجة بالفخر.
- تسلم إيديا والله، إيه الحلاوة دي يا بت يا إيريم؟ لا بجد تحفة يا فنانة.
قالتها وهي تصفق لذاتها بحماس؛ فخير ما يفعله المرء أن يشجع ذاته بنفسه.
أثناء اندماجها في تأمل لوحتها شعرت بكفٍ دافئ يلمس كتفها، فأستدات بسرعة لتعلم هوية صاحب هذا الكف، فوجدته شقيقها المبتسم بهدوء، فهتفت بضيق :
- خضيتني يا إبرام.
ضحك إبرام ثم تحدث بهدوء :
- سلامتك من الخضة يا فنانة، أنا قولت الفنانة مش معبراني من الصبح فأعبرها أنا.
ضحكت بخفة بينما هو وضع المقعد الخشبي الذي كان يحمله بجوار مقعدها و جلس فوقه و هو يقول بإعجاب :
- لا تسلم ايدك يا فنانة، ايه الحلاوة دي، اللوحة دي لما تخلص تلزمني، أنا بقولك أهو.
وضعت ساقًا فوق الأخرى قبل أن تقول بثقة :
- تدفع كام يا إيبو؟..
- طبق مكرونة و بانيه.
قالها بثقة، فقالت إيريم وهي تصافحه معلنة عن إتمام الإتفاق :
- فل يا حبيبي.
ابتسم و هو يمد ذراعه حول كفيها ليضمها له و هو يهتف بحنان :
- حبيب حبيبِك والله.
- لو جوزي مدلعنيش زيك كده، ست شهور و هرجعه لأمه و أقولها البضاعة مش شغالة.
قهقه بملئ صوته وهو يتأمل ملامحها العابسة و المتوعدة.
فتحدث بصعوبة بسبب قهقهته :
- هو أنتِ هاتتجوزي غسالة يابنتي؟.
ردت بقلة حيلة :
- الغسالة عليها ضمان سنة و نص يا غالي، يعني حتى محصلش غسالة.
ضحك بخفة ثم عبس فجأة عندما تذكر ما حدث منذ وقتٍ، فنظر لشقيقته وقال و العِبرة جالية في صوته :
- هاميس، جوزها ضربها .. و .. و هي في المستشفى دلوقتي.
صمت برهة ثم أكمل بغصة :
- و .. حامل، هاميس حامل.
شهقت إيريم بصدمة و حزن في آنٍ واحد، ثم نهضت بسرعة وهي تقول بلهفة :
- طب قوم بسرعة وديني ليها.
جالت المرسم وهي تبحث عن إسدالها حتى وجدته و ارتدته على عجله و ركضت خارج مرسمها القابع في الحديقة التابعة للمنزل و إبرام خلفها يناديها بلهفة :
- براحة يا إيريم، اطلعي هاتيلها هدوم طيب البنت مش معاها هدوم هناك.
اومأت بسرعة و ولجت المنزل لتبدل ملابسها و تحضر ملابس لإبنة عمها.
~~~~~~~~~~~~~~~
في المستشفى :
وقفت بدور أمام الشقيقين وهي تقول بهدوء :
- لازم جوزها يعرف إنها حامل، ده حقُه.
تنهد موسى وقال بضيق :
- يولع هو و حقُه يا تيتة، أنا معنديش إستعداد أختي ترجعله تاني.
ربتت الجدة بدور على كتفه وهي تقول بحكمة :
- معلش يا حبيبي بس ده حقُه و ده إبنه، و لو قال هيرجعها هنرفض و كده كده هيطلقها برضاه أو غصب عنه عشان مش بنتنا اللي تتهان.
تحدث هارون معترضًا بغضبٍ مكتوم :
- كسر حُقه و يولع و يولع حَقه، هو مفكرش أنها ممكن تكون حامل وهو بيضربها؟ ملهوش حاجة عندنا و بعد اذنك يا تيتة متجيبيش سيرة حَقُه ده تاني عشان قسمًا بالله أنا عندي إستعداد اقتله.
أنهى حديثه و ذهب من أمامهم تاركًا جدته تنطر في أثره بحزن و شقيقه بهمٍ.
نظرت بدور لموسى وقالت بحزن :
- حقه يقول أكتر من كده، هارون اكتر واحد انكسر من اللي حصل لهاميس، روحُه فيها، بس عامر أبو الطفل اللي جاي في الطريق ولازم يعرف، حاول تهدي هارون أنت عارف انه متهور و عصبي يعني نتوقع منه أي حاجة وأنا معنديش إستعداد أخسره.
تنهد موسى ثم تحدث ليبث الطمأنينة في قلبها :
- متقلقيش يا تيتة أنا هقول لعامر عن الحمل و هبعد هارون عن الموضوع ده خالص.
و تركها و خرج من المشفى خلف شقيقه.
بعد خروجهم بدقائق ولج إبرام و هو يحمل حقيبة الملابس التي جليتها إيريم لهاميس و إيريم تسير بجواره و القلق ينهش تعابير وجهها، حتى سقطت عينيها على جدتها الجالسة فوق مقاعد من مقاعد الانتظار و بين يديها مصحفها تقرأ منه بخشوعٍ كأن لا أحد في الممر سواها.
ركضت نحوها و هي تقول بلهفة :
- هاميس كويسة يا تيتة؟ طمنيني عليها، هي بخير؟.
أغلقت الجدة المصحف ثم رفعت رأسها و نظرت لحفيدتها وقالت بهدوء :
- الحمد لله يابنتي هي كويسة، ادخليلها هي صاحية.
اومأت لها إيريم ثم نهضت و طرقت باب غرفة هاميس ثم ولجت بعدما سمعتها تأذن لها بالدخول ثم ركضت نحوها و احتضنتها بقوة وهي تقول بقلق :
- أنتِ كويسة يا هاميس؟ في حاجة وجعاكِ؟.
بكت هاميس رغمًا عنها وهي تجيبها بمرارة و كسرة :
- وقفت قدام الكل و قولت مش هتجوز غير عامر حبيبي، اللي رفضت كل اللي أتقدمولي عشان بحبه، اللي عشانه وقفت قدام أخواتي و قولتلهم مش هتجوز غير عامر لو انطبقت السماء على الأرض، اللي استحملت إهانته و دياثته و إنه بيقبل على مراته إن اخواته الرجالة يدخلوا شقتها وهي لوحدها و بهدوم البيت، في الآخر يعمل فيا كده؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيه و في كل اللي زيه.
مسحت إيريم على خصلاتها بحنان و هي تقول بنبرة مختنقة إثر كتمانها لدموعها :
- حقك عليا يا قلبي، كفاية عياط عشان البيبي، والله ما يستاهل دمعة من عيونك.
- صعبان عليا نفسي، رخصتها اوي لحد ما أدّاس عليها، أنا مقهورة يا إيريم.
هسهست بها بقهرٍ، فهمست لها إيريم بحنانٍ و هي تضع كفها على بطنها :
- طب كفاية عياط عشان البيبي ملهوش ذنب و كمان هاتتعبي.
وضعت هاميس كفها المرتعش فوق موضع صغيرها و هي تقول بحزن :
- ملهوش ذنب يجي الدنيا يلاقي أمه و أبوه منفصلين و يتشتت بينهم.
سحبت نفسيًا عميقًا لتبتلع به شهقاتها التي حاربت للخروج، ثم جففت عبراتها بإبهامها و هي تشرد في الفراغ بسكون تام.
~~~~~~~~~~~~~~
سرى النهار ببطء على تلك العائلة لما أصاب غاليتهم، حتى وصلت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.
خرج من غرفته بلثامٍ أسود يخفي أسفله ملامح وجهه، فلم يظهر منه سوى عيناه، حاملًا خوذته السوداء أسفل ذراعه، وعلى إحدى كتفيه يضع سترته السوداء..
خرج من المنزل بهدوء، وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه للجراج وأضاء أنواره، فظهرت دراجته النارية ذات اللون الأسود والهيئة الفخمة الفاخرة.
ابتسم أسفل لثامه، ثم اقترب منها وبريق عيناه يزداد، بريقٌ من نوعٍ خاص، لا يدري إن كان بريق حزنٍ أم بريق حماس، ربما خليطٌ بينهما...
سحب نفسًا عميقًا، ثم جلس فوق الدراجة وأخرج الكاميرا الخاصة بصناعة المحتوى ومقاطع الفيديو وثبّتها أمامه، وبعد ذلك ارتدى خوذته ثم قفازاته..
من هنا تغيّرت نظراته كليًا، من تلك النظرة الهادئة لتلك النظرة الحادة ذات بريق التحدي.
خرج من المنزل ثم أغلق البوابة خلفه، بعد ذلك نظر حوله يمينًا ويسارًا، ثم مدّ يده على مقدمة خوذته وأنزل الفيزار، فأصبحت الخوذة بأكملها مغلقة، ولم يظهر من وجهه شيء، ومال بجسده قليلًا ليصبح في الوضعية المناسبة للقيادة، ومن ثم فتح كاميرا الفيديو وانطلق في طريقه الخالي من البشر، ليس فيه سواه وظلام الليل..
تنهد، ثم تحدث في مكبر الصوت الصغير الموضوع داخل خوذته في محاذاة فمه بأسلوبه المرح المعتاد :
- هالو هالو، طبعًا زي ما أنتم شايفين كده أنا بايكر متهور بجري لوحدي على الطريق الساعة تلاتة الفجر، يعني لو اتقلبت هقابل وجه رب كريم وأحقق رغبة كل اللي بيكتبولي في التعليقات "عريس الجنة فرع إيجبت".
ضحك في ختام حديثه، ثم أكمل بطريقة مضحكة يخفي بها ألمه :
- بس مش مشكلة، المهم أطّلع ضيقي في أي حاجة، أخوكم قلبه واجعه، الحب سففني تراب الأسفلت وداس عليا.
صمت للحظات، ثم أكمل بحزن بدى بوضوح في نبرته المهتزة :
- حبها وجعني ووجعها هي كمان، واخد راحتي في الكلام عشان كده كده محدش يعرفني، الغموض حلو والله.
ضحك في نهاية حديثه، وأكمل بضحك وهو ينظر للطريق أمامه، بعدها كان ينظر للكاميرا :
- بحس إن عندي انفصام في الشخصية، بس يلا مش مشكلة هسّلي قرة عيني المستقبلية
بشخصياتي المتعددة دي، يلا السلام عليكم يا أخواتي.
وأغلق الفيديو، وفجأة زاد من سرعة الدراجة حتى أصبح صوتها يحطّم سكون الليل ...
مر عليه الوقت وهو يخرج قهره في القيادة، حتى شعر بالإرهاق يغلبه، فصفّ دراجته على جانب الطريق، وخلع خوذته ولثامه، وعقد ذراعيه أمامه في مقدمة الدراجة، ثم أراح رأسه عليهما وهو يحارب كي لا يبكي ...
- أنا مش عارف غير إني سبتك لحبك مرة، بس المرة دي مش هسيبك غير لحبي، أنا بحبك يا هاميس، بحبك.
لحظاتٍ وشعر بكفٍ يمسح على ظهره، فانتفض بفزع وهو ينظر خلفه، فوجد صاحب الكف هو رفيق دربه الذي ابتسم له وقال :
- مش هتبطل تسلل الحرمية بتاع كل يوم ده يا غالي ولا إيه؟.
ابتسم الآخر، ثم قال بتعجب :
- أويس! عرفت مكاني إزاي وجيت إزاي أصلًا؟.
جلس بجواره، وهو يشير نحو سيارته المصفوفة على بعدٍ منهما، ثم أجابه بابتسامة واسعة :
- والله يا إبرام يا أخويا سمعتك وأنت بتكركب في أوضتك بما إنها لازقة في أوضتي، فلبست وجيت وراك، وأنت من بؤسك ماخدتش بالك.
ضحك إبرام بخفة، ومال برأسه على كتف صديقه ورفيق دربه، ثم قال بعدما عانق ظهر الآخر بذراعه :
- وحشني حضنك يا صاحبي.
بادله أويس العناق، ورد عليه بحنين :
- حقك عليا يا صاحبي، بخاف أقرب، أنت عارف اللي فيها.
تنهد إبرام، ثم أردف بأسى :
- عارف يا صاحبي، عارف.
تنهد أويس، ثم استمر الصمت للحظات، قبل أن يقول أويس بأعين لامعة من فرط الحماس وهو يلكز إبرام الذي ينظر إلى الفراغ أمامه بعقلٍ شارد وأعين أطفأها الحزن :
- قوم خدني لفة بدل الملل ده، عايز أرجع لأيام الشقاوة.
لمعت عينا الآخر كأنه تبدّل لشخصٍ آخر، وهو يردف بحماس :
- طب ما تورينا شطارتك يا أيسو؟ معاك الماسك والخوذة ولا تاخد بتوعي؟.
- عيب عليك، آه البايك ضاع بس السيفتي كله معايا.
أنهى حديثه، ثم نهض متجهًا نحو سيارته، وأخرج منها لثامه الأسود وخوذته السوداء، وارتداهما على عجل منه، ثم هرع نحو إبرام الذي نهض ليستقل الآخر الدراجة، ثم ارتدى لثامه وخوذته وصعد خلفه، ثم وضع كفيه على مقدمة الدراجة، بينما أدار أويس المحرك وانطلق عكس الرياح ...
تلك الرياح التي عاكس تيارها هوى سيره، فكانت تداعب بنسماتها الباردة عيناه الظاهرتان من خوذته بوضوحٍ، وتلوّح بسترته السماوية في اتجاهات مختلفة.
زاد من سرعة الدراجة مستمتعًا بمعاكسة الرياح له، لكن الوضع لم يكن مريحًا لعيناه، فأخفاهما خلف الواقي البلاستيكي، وأكمل سيره بحرية كطيرٍ كان مسجونًا في قفص وتحرر أخيرًا.
مرّ الوقت سريعًا حتى توقفت الدراجة النارية في جراج المنزل و هبط من فوقها إبرام و خلفه توقفت سيارة أويس التي هبط منها و سار بجواره نحو باب المنزل الداخلي و هو يتساءل بقوله :
- تفتكر بدور صاحية ولا هنتقفش؟.
رد إبرام بجهل :
- علمي علمك يا أويس، بس ربنا يستر و تكون نايمة.
وصلا أمام الباب و ادخل إبرام مفاتيحه في القفل و حاول فتح الباب لكن بدون جدوى، فنظر لقلق لأويس الذي بادله نفس النظرة قبل أن يصلهما صوت الجدة بدور من الداخل و هي تقول بشماتة :
- ريح نفسك يا حبيبي لو عملتوا ايه مش هتدخلوا يا شوية صيع.
تحدث إبرام بإستعطاف ليُليِن قلب جدته :
- طب عشان خاطري يا بدور يا قمر أنتِ دخلينا.
ردت الجدة بحدة :
- و أنا قولت محدش داخل يا إبرام، روحوا ناموا مكان ما كنتم، محسسيني إني عايشة مع رقاصات مبيرجعوش البيت قبل الفجر.
- لا يا بدور معلش متقلليش مننا بالشكل ده، احنا دكاترة محترمين.
قالها أويس بإستياء، فقالت بدور بسخرية :
- طب أسكت ياللي بتلم النقطة ورا صبي الرقاصة اللي واقف جنبك ده.
وضع إبرام كفه على صدره و هو يقول بخجل مصطنع :
- حبيبتي يا بدور، مش عارف من غير احترامك ليا ده كنت هكمل حياتي إزاي.
- أسكت يا إبن الظريف.
قالتها بدور بسخرية و حدة، ثم أكملت بصرامة :
- روحوا يا شوية صيّع باتوا مكان ما كنتم قاعدين، مفيش دخول لبيتي، غوروا.
تحركت بدور مبتعدة عن الباب فتحدث أويس بلهفة :
- يا بدور، يا ولية، حرام عليكِ التذنيبة دي بقى!
لم يأته صوت فنظر لإبرام بغيظ وهو يقول :
- منك لله أنت و البايك بتاعك، منها لله اللي جننتك و سابتك و عملت فيك كده يا جدع!، منكم لله كلكم، كله جه على دماغي في الآخر!
رفع إبرام سبابته في وجهه بتحذيرٍ و هو يقول بتهديد :
- لا بقولك ايه؟ تغلط فيا ماشي، تغلط فيها هعديهالك كده كده هي بنت عمك يعني منك و عليك، إنما تغلط في البايك بتاعي هعجنك.
ربت أويس و على كتفه و هو يقول بسخرية :
- ونعم الحب و نعم الوفاء يا غالي، ده الله يكون في عون اللي هتكون نصيبك، هتنيمها على الأرض و تنيم البايك جنبك.
كاد أن يجيب بمرحٍ لكن ... تذكرها، فآلمه قلبه للمرة التي لا يعرف عددها، فتنهد بحزنٍ مثقلٍ بالهموم، و الألم ظهر في عينيه، فتنهد أويس قبل أن يضمه و يربت على ظهره وهو يقول بهدوء و حنان :
- حقك عليا أنا طيب، ضاعت من أيدك مرة، في فرصة تبقى ليك و حلالك، متضيعهاش تاني إبرام.
بادله إبرام العناق و هو يبوح بما في قلبه بقهرٍ و يا أسفاه على قهر الرجل، تحدث بمرارةٍ لاذعة يشكو بها مدى قهرته و ألمه :
- كنت جبان يا أويس، كنت خايف أتعبها معايا، خفت أبعدها عن الشخص اللي هي حبته، نصرت حبها على وجعي و قولت المهم هي تبقى مبسوطة، لو كنت خدت خطوة واثق أنها كانت هترفضني لإن عمري ما شفت الحب في عينيها غير لعامر، الوحيد اللي شفت عينيها بتلمع لما بتشوفه، خفت أتوجع من الرفض و أخسرها و هي حبيبتي اللي ماتمنتش من الدنيا غيرها و هي بنت عمي صديقة طفولتي.
صمت برهة ليلتقط انفاسه التي سرقت أثناء ابتلاعه لغصة البكاء التي داهمت حلقَه، و أكمل بألم :
- بس بعد ما ضحيت بحبي ليها عشانها و عشان تفرح، أتهانت و أتكسرت و هي بنت قاسم الهاشم، مش قادر أشوفها مكسورة و مخذولة بالشكل ده، هاين عليا اخدها في حضني زي ما كنت بعمل و إحنا اطفال و أقولها متخافيش، بس مينفعش.
ربت الآخر على ظهره ثم قال :
- طيب أهدى، البكاء على اللي راح مش هيرجعه تاني، بص لقدام و متضيعهاش تاني و أكسب قلبها.
أبتعد عنه إبرام وهو يهز رأسه دلالة على موافقته على لحدث رفيق دربه ثم قال :
- معاك حق، ضاعت مرة و بإذن الله مش هضيع التانية.
وضع أويس ذراعه على كتف صديقه و سارا نحو الجراح و هو يتحدث بسخرية :
- اركنلي الحب على جنب كده، على آخر الزمن ولاد الهاشم يناموا في الجراج، يا شماتة الأعداء فينا، يا شماتة رويتر المستشفى فيا.
ربت إبرام على ظهره و هو يقول بمواساة وأسف مصطنع :
- معلش يا صاحبي، احنا غلابة و من غُلبنا بدور هانم جاية علينا.
هز الآخر رأسه بموافقة و هو يسمح بإبهامة دموعه الوهمية، بينما توقف عن ما يفعله بعدما قال بحماس :
- ما تيجي ننط و ندخل من البلكونة بم إن بدور هانم مبتقفلهاش و كمان قريبة من الأرض؟.
هز إبرام رأسه بالموافقة ثم تراجع بضع خطواتٍ للخلف و بعد ذلك ركض بسرعة نحو الشرفة ثم قفز و تمسك بالسور و من ثمَّ قفز داخلها و قفز أويس خلفه و ركضا خارج الغرفة و أتجه كلٌ منهما لغرفته.
~~~~~~~~~~~~~~~
في وطنٍ آخر، في عالمٍ غير العالَم ...
أصوات تضارب السيوف، وصهيل الخيل، وضربات الرماح تملأ الأرجاء، وأصوات الركض داخل هذا القصر الشاهق تشق سكونه ...
كانت جالسة فوق خيلها الأبيض، وفي يدها سيفٌ حادٌ يلمع تحت ضوء الشمس، على وجهها لثامٌ أسود لا يظهر سوى حِدة عينيها الزرقاوين ...
كانت تضرب بسيفها كل مَن تجرأ واقترب منها ...
بينما يقف في ظهرها بشموخٍ يليق بملكٍ، يعلو خيله وسيفه الضخم الذي تقطُر منه الدماء، يصيح بها بحدة :
- يا حمقاء! عودي للداخل، كفاكِ تهورًا!
ردت بقوة وهي تضرب عنق العدو الذي اقترب منها :
- لن أعود، أتفهم؟! لن أعود وأترك ظهرك مكشوفًا للعدوِ يا أحمق.
- حسنًا مولاتي، إن كَتَبَ لي الله عُمراً وخرجتُ من هذه الحرب سالمًا، أُقسم أنني سأعيد تربيتكِ من جديد.
قالها بغضبٍ و توعدٍ وهو يضرب أعناق مَن أمامه، فردت هي بسخرية لاذعة :
- أيُّ مولاةٍ أنا الآن بعد جملتك تلك التي غسلتَ بها شراعي؟! نادني بإيرام فقط، هذا يليق بي أكثر الآن.
رد ببساطة :
- أعتذر، لا يمكنني نزع الألقاب أثناء المعركة، مولاتي.
ألتفتت نحوه و قبل أن تتحدث شعرت بطعنة في ضهرها و الدماء تسيل على فستانها الملكي، فشهقت بألم و هي تسقط من فوق خيلها، فصاح من كانت تتشاجر معه بخوفٍ عليها و هو يقفز من فوق خيله و يضمها بقوة و هو يسمح على وجهها الذي فقد حيويته و قال برعبٍ :
- إيرام، لا تغلقي عينيكِ، لا تخافي، أنا معكِ.
همست بألمٍ :
- آريان ...
ثم أغمضت عينيها و فقدت وعيها ... صاح بإسمها بقوة ثم نادى بملئ صوته على والده الذي أقترب منه بلهفة و هو يرى ملابسه و ملابس الفتاة مغرقة بالدماء و قبل أن يتحدث تحدث آريان بلهفة :
- أبي، خذ مكاني بسرعة، إيرام مصابة.
أنهى حديثه ثم حملها و ركض بها نحو القصر ...
مر الوقت و كانت نائمة و جرحها مضمد و على يمينها آريان و على يسارها ببغاء بنفسجي اللون يحدقها بإشمئزاز و هو يتحدث بالعامية المصرية موجهًا حديثه للجالس أمامه :
- عشان بس تصدقني لما أقولك إن البت دي عبيطة و عاملة فيها أميرة و قائدة جيوش و هي لو حد نفخ فيها هتطير.
رد بحدة :
- أخرس.
انكمش الببغاء على نفسه بجناحيه وهو يقول بخوفٍ :
- أخرس و ماله ياخويا، هدي أعصابك أنت بس.
نظر له آريان بإشمئزاز ثم عاد ينظر لتلك النائمة و رأسها أعلى ذراعه بشرودٍ حتى أستمع لصوت الأبواق التي تعلن عن إنتهاء المعركة و تلاه بدقائق معدودة دخول والده الذي هتف بقلقٍ بالغ :
- أبنتي، اين أبنتي؟ أهي بخيرٍ؟.
- إيرام نائمة يا أبي، أخبرني الطبيب أنها ستستفيق بعد نصف ساعة بالجرح ليس بعميق.
جلس والدها بجوارها و مسح على خصلاتها المبعثرة حولها بعشوائية و نظر للببغاء ثم قال :
- شادون.
اجابه الآخر بسرعة و احترام :
- أمرُك مولاي.
- جهز بوابة الانتقال و التعويذة، فالأميرة إيرام لن تبقى في مملكتنا هنا بعد هذا اليوم إلى أن تنتهي تلك الصراعات.
قالها بصرامة، فإرتفعت نبرة صوت آريان متحدثًا بصدمة و رفض :
- لا أبي، لن أترك شقيقتي بمفردها في ذاك العالم، ستبقى في غرفتها و لن تخرج منها حتى تنتهي الحروب.
تحدث الملك بحزمٍ غير قابل للنقاش :
- في البداية أخفض صوتك و أنت تتحدث مع والدك، قراري غير قابل للنقاش، ستنتقل إيرام فور استفاقتها، انتهى النقاش.
صمت آريان رغمًا عنه فمن هو حتى يعترض مرة أخرى على حاكم المملكة؟ حتى و لو كان والده؟.
مرت الدقائق ببطء حتى فتحت إيرام عينيها ببطء حتى تعتاد على الإضاءة، فسألها والدها بلهفة :
- هل أنتِ بخيرٍ، بُنيتي؟
هزت رأسها و هي تهمس بوهنٍ :
- لا تقلق أبي، فأنا بخير.
مسح شقيقها على خصلاتها دون حديث، فإستكمل الملك حديثه بجدية :
- إيرام، ستنتقلين الآن إلى عالم البشر، ولا مجال للتراجع، هذا قراري و غير قابل المجادلة.
سقط قلبها في معدتها من شدة خوفها، فكيف لها أن تنتقل لهناك وحدها دون أحد؟
نعم هي مقاتلة شجاعة و لا يضاهيها أحد، لكنها تبقى أنثى، تخاف أن تبقى وحدها، فهمست بخوفٍ :
- لكن أبي!
قاطعها بصرامة :
- لا تجادلي، ستنتقلين الآن و سيشفى جرحكِ أثناء انتقالك.
صمتت و هي تنظر لشقيقها بخوف، فمال عليها و ضمها وهو يهمس لها بحنان :
- لا تخافي، لن أترككِ وحدكِ يا رفيقة الدرب.
تمتم بلسميون بالتعويذة و ظهرت بوابة ملأ ضوئها الغرفة فنهضت إيرام بمساعدة والدها الذي ضمها له و همس لها بشئ ما جعلها تفتح عينيها بصدمة، ثم ختم حديثه بحنان :
- سأشتاق لكِ.
همست بحزنٍ ولاذالت في طور الصدمة :
- و أنا أيضًا.
ثم سحبتها البوابة و من ثمَّ اختفت.
~~~~~~~~~~~~~~~
فتحت عينيها فوجدت نفسها في غرفة واسعة ذات ذوقٍ هادئ يعطي عن ساكنها انطباعًا هادئًا، شعرت بالخوف و همست برعبٍ :
- أين أنا؟؟ تلك ليست غرفتي التي في منزلنا في هذا العالم، فعلها بلسميون، فعلها ذاك البغبغان النتن!
نظرت حولها تبحث عن مكانٍ تهرب منه إلا أن صوت فتح باب المرحاض قاطعها، و خرج منه شاب يرتدي مئزر الاستحمام و يضع منشقة فوق خصلاته يدندن بهدوء، فشهقت بصدمة و هي تضع كفها فوق فمها، بينما هو استمع لصوت تلك الشهقة الأنثوية فنظر خلفه بسرعة و خوف فوجد فتاة ذات خصلاتٍ مبعثرة و ترتدي فستانًا ملكيًا باللون البنفسجي و تحدق به بصدمة، فصاح بحدة و خوف و هو يلقي بالمنشفة في وجهها و يضم مئزره لجسده أكثر بحماية :
- أنتِ مين يا بت يا منكوشة أنتِ؟ و دخلتي أوضتي إزاي؟ أنتِ عفريته ولا جنيّة ولا حرامية ولا ايه؟.
~~~~~~~~