2 - أتـلـك تـربـيـة الرجال؟!

2 - أتـلـك تـربـيـة الرجال؟!

67 0

صلُّوا على خير الأنام 🤎

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب (8)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

متنسوش الڤوت ( 🌟 ) و الكومنتات بين السطور 🌚♥️

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- و قومت بنفس الخشبة ضرباها على دماغها فحصلت ابنها و روحت عملت إثبات حالة في المستشفى و تقرير طبي و عملته محضر و جيت على هنا.

أنهت حديثها بنبرة خافتة، وهي تفرك أصابعها بتوتر شديد.

ظنّت أنها ستُلام على ما فعلت، لكنها تفاجأت بموسى الذي نهض من مجلسه و سار نحوها حتى وصل أمامها وقبل أن تقول شيئًا جذبها من ذراعها و ضمها له بقوة وهو يقول بسعادة :

- تسلم أيديكِ يا قلب أخوكِ، يسلم مخك، و تسلم الخشبة، و يسلم اللي رباكِ يا قلبي.

نظرت له بدهشة من سعادته المريبة

ألّم يوبخها و يعطيها درسًا في الأدب!.

- يعني مش هتتخانق معايا!.

سألته بدهشة، فأجاب بابتسامة سعيدة :

- ده أنتِ لو مكنتيش عملتي كده كنت اتخانقت معاكِ أنتِ.

بينما أقترب منها موسى و حاوط عنقها بذراعه، ثم قال بفخرٍ :

- تسلم تربيتي، جدعة يا قلبي، أنتِ كسّري وأحنا نكمل تكسير وراكِ.

- يعني مش هتجبسوا!

قالتها بتعجب، فعّلق هارون بخبث :

- لا يا عيوني، أحنا بنكّسر وراكِ بس، التجبيس ده تخصص أُوس أُوستي.

علّق أويس بمرحٍ غامزًا لها بمشاكسة :

- أنا بجّبس آه، بس بعد ما بدغدغ العضم.

ضحكت بخفوت و عيناها تتنقلان على وجوههم .. تحمد ربها عليهم ..

شقيقيها يفعلان كلّ ما في وسعهما كي يرضونها ...

ربّت أويس على كتف موسى وهو يقول بهدوء :

- يلا هطلّع أغير عشان اروح المستشفى.

أنهى حديثه و توجه للدَرج كي يصعد لغرفته، بينما تحدث موسى بهدوء :

- اطلعي أنتِ يا حبيبي نامي و متشغليش بالك بأي حاجة.

أومأت له بابتسامة صغيرة ثم صعدت لغرفتها التي هجرتها لزمنٍ طويل ..

بينما نظر موسى إلى هارون و هتف بخبث :

- طب ايه يا شِق؟

مش المفروض نروح زيارة لطيفة لزوج أختنا سابقًا؟.

وافقه هارون بذات الخبث :

- و المرحوم مستقبلًا؟

ده زيارة المريض واجب فعلًا يا شِق.

~~~~~~~~~~~~~~~

على النحو الأخر في المستشفى التابعة لعائلتين من أكبر عائلات مدينة الأسكندرية

كان يسير بمعطفه الطبي في رواقٍ من أروقة المشفى و الإرهاق بادٍ على تقاسيم وجهه، يشعر بصداعٍ في منتصف رأسه و ضيق في صدره لا يعلم مصدره

ربما لِما حدث في الصباح؟

أم بسبب إرهاقه؟

لا يعلم ..

كل ما يعلمه أنه مرهق

في حاجة لبعض الدعم و التشجيع ... فقط.

سمع من خلفه صوتًا يقول بهدوء :

- يا عم المهبط

أمشي براحة لتقع وأنت مش شايف قدامك أصلًا.

توقف عن السير و أسند ظهره على الحائط ثم نظر لمن يحدثه و قال بابتسامة مرهقة :

- معاك الحشيش؟.

ابتسم الأخر وهو يهز رأسه بتأكيد و هو يخرج من جيب معطفه الطبي لوح شوكولاه

فتحه و أخذ منه قطعه و أعطاها للآخر و غمز بخبث وقال أثناء إعادته اللوح لجيبه :

- دوق و أدعيلي يا شِق.

مد يده يأخذ منه قطعة الشوكولا وهو يقول بابتسامة مرحة :

- بالله يا سفيان لو البت أنعام سمعتنا هتبلغ عننا.

ضحك الآخر وهو يمازحه بحركة شبابية معروفة، حيث حاوط عنقه بذارعه وهو يهتف بمزاح :

- حشيش الشوكولاتة ... بالله يا أويس في حاجة بتكيفك أكتر من الشوكولاتة؟.

ضحك الآخر وهو يضع الشوكولا في فمه و سار معه وهو يقول :

- النعناع

مقولكش

حشيش حلال.

ضحكا سويًا و أكملا سيرهما و حديثهما المازح حتى استمعا لصوتٍ أنثوي يناديهما من ورائهما :

- دكتور أويس، دكتور سفيان

استنوا، استنوا!.

ضرب أويس على رأسه وهو يهمس بغيظٍ من بين أسنانه :

- الرويتر شرفت، صبرني يارب.

ثم ألتفت لها وهتف بضيق :

- خير يا طير على الصبح؟.

نظرت لها بعدم رضا وهي تجيبه بهجوم مبرر بالنسبة لها :

- مالك يا دكتور أويس على الصبح! مش طايقلي كلمة ليه؟ يعني أنا غلطانة إني جاية أقولك أخبار المستشفى و دكتور سفيان بدل ما أنتم عاملين زي الأطرش في الزفة و متعرفوش منين موّدي على فين؟ لا فعلًا أنا غلطانة عشان بنّور بصيرتك بالأخبار أول بأول، ومن غير سلام.

أنهت حديثها بحنق شديد و هي تتخطاه لتكمل سيرها وهي تتمتم بالكثير من الكلمات الساخطة الغير مفهومة.

علّق أويس بغيظ على حديثها و حنقها الغير مبرر :

- تنور بصيرتي! دي بتعميها!

دي بتوجع دماغي يا جدع!

دي بتتلككلي يا سفيان!.

فهتف سفيان بضحك على حديث صديقه :

- معلش يا صاحبي أستحملها، المحشي بتاعها حلو، لازم نستحملها عشانه.

مسح على وجهه ثم قال :

- معاك حق، المحشي بتاعها يخليني استحملها.

أبتسم الآخر و سارا سويًا وهما يتحدثان، حتى قال أويس بأهتمام :

- شكل في حاجة منكدة عليك يا سفيان.

أبتسم الآخر و رد بهدوء :

- مشكلتك أنك بتفهمني من نظرة يا صاحبي.

- نفس مشكلتك يا صاحبي، مالك بقى؟.

أنهى حديثه وهو يدعوه بعنينه ليتحدث، فتنهد الآخر و تحدث بنبرة حزينة خافتة :

- بابا و ماما تاني، أنت عارف بابا و دماغه.

رفع أويس ذراعه و ضم كتفي صديقه به وهو يقول بهدوء يشوبه الحزن :

- هون على نفسك يا صاحبي، إن شاء الله هتتعدل.

أبتسم الآخر و ردد بتمني :

- إن شاء الله، عمو و طنط والباقي رجعوا ولا لسه؟.

عبس وجهه ثم قال بضيق :

- لسه مرجعوش، بفكر لما يرجعوا اطفش فين، بس مش عارف، مينفعش تتبناني؟.

ضحك سفيان بملئ صوته و هو يقول :

- أتبناك مين يا شحط أنت، ده أنا عايز اللي يتبناني.

- تيجي بتبنى بعض و نطفش؟.

قالها أويس بحماس، فهز الآخر رأسه و هو يقول بأسى :

- للأسف يا صاحبي، هنتجاب يعني هنتجاب زي كل مرة.

- يا حزنك و يا حزن صاحبك يا صاحبي.

قالها أويس بدراما مبالغ بها، فضحك الآخر و أكملا سيرهما لمتابعة عملهما.

~~~~~~~~~~~~~~~

وقفا أمام الغرفة المنشودة، ترتسم على وجهيهما ابتسامة خبيثة، توحي بأن القادم ليس خيرًا.

طرق هارون الباب بهدوء و بعدما سمع الإذن بالدخول، دخل و خلفه شقيقه، و ما أن رآهما عامر حتى امتلأت تعابير وجهه بالخوف، و ما أن رأتهما والدته، تلك الشمطاء، حتى ارتفع صوتها وهي تقول بغضب :

- شايفين يا أساتذة يا محترمين، اختكم اللي خارجة من بيت رجالة عملت ايه فيا أنا و أبني؟؟.

هز موسى كتفيه بلا مبالاة ثم قال بتلاعب :

- قلب أخوها عملت ايه؟.

ردت تلك الشمطاء بغضب أشد :

- فتحت دماغ أبني و كسرتله دراعه، و ضربتني أنا و أختي.

رد موسى بابتسامة مستفزة :

- براحتها، هي تكسر و المستشفى تجبس، ها ايه تاني؟.

شهقت بسوقية وهي تصيح قائلة بوقاحة :

- هي دي تربية واحدة خارجة من بيت رجالة؟ تعمل في جوزها كده؟.

رد هارون بنبرة مستفزة مع ابتسامة استياء :

- آه يا حجة، هي دي تربية الرجالة، الرجالة اللي علموها إن اللي يمد أيده عليها تكسرهاله، شكل أنتم اللي معندكوش رجالة في بيتكم تعلم النُغة بتاعك الرجولة.

صُدمت تلك العجوز من وقاحة الآخر .. تلك الوقاحة التي لم تراها منه من قبل، بينما تحدث عامر بغضب ظاهر و داخله يرتجف :

- أنت بتغلط فينا يا هارون!.

أقترب منه هارون فأنكمش على نفسه و تعلق بذراع والدته في مشهد مضحك، فتحدث هارون ساخرًا وهو يقف أمامه عاقدًا ذراعيه :

- يا نغة يا قلب مامي؟.

- احترم نفسك يا هارون، أنا راجل مش عيل قدامك.

قالها عامر بغضب، فأمسكه هارون من عنق سترته و هو يقول بوقاحة و حدة :

- طب قوم من حضن أمك يا حيلتها و كلمني راجل لراجل بدل ما اسفلت وشك، أومال كنت عامل فيها سبع رجالة في بعض وضارب أختي ليه و أنت نغة في حضن مامي؟.

شهقت هذه السيدة بحدة و قبل أن تتحدث، تحدث موسى بحدة :

- خليكِ بعيدة أنتِ يا حجة، راجل و بيربي جوز أخته سابقًا.

ثم اقترب من عامر و ضغط على جرح رأسه بقوة، فصاح الآخر بألم، فقال موسى باعجاب و فخر شديد :

- تسلم أيديها حبيبة أخوها، حقيقي حقيقي فخور بيها، طرقينا بقى يا حجة عشان في حساب لازم يتصفى، أنا بقول يتصفى بالدراع بدل ما يتصفى في المحاكم، و السجن مستقبلًا.

نظرت السيدة له بخوفٍ و بتدل لرعبٍ عندما لاحظت تلك الكتل العضلية التي يمتلكها كليهما.

تحدث موسى بخبثٍ عندما رأى ترددها :

- متنسيش يا حجة إني محامي، و القانون لعبتي، يعني ممكن اقعدلك ابنك ده في السجن عشرة عشرين سنة كده، فنمشيها بالذوق أحسن.

بالطبع لن يلفق له تهمة أو ما شابه، هو فقط يحاول اخافتها كي يأخذ بثأر شقيقته بيده.

تحدثت الشمطاء بتوتر حاولت أخفاءه بالصوت العالي :

- هبلغ عنكم، و هحبسكم يا شوية بلطجية.

أبتسم موسى ابتسامة جانبية ثم قال بلا مبالاة :

- معانا تقرير طبي يحبسلك المحروس، ها؟ نخليها ودي ولا ايه؟.

لم تجبه و هي تنظر لأبنها الحبيب برعب، فتقدم هارون و امسكها من طرق عباءتها وهو يقول بمرح :

- ما تطرقينا بقى يا حجة، في حاجات هتحصل و اخاف على حياء حضرتك يتخدش لو شوفتيها.

اخرجها و اغلق الباب و سحب المزلاج، ثم عاد ليقف أمام سرير عامر وهو مبتسم بخبث، ثم قال بلؤم :

- ازيك يا ابو العوامر، تحب كسر ولا فتح؟ أنا راجل ديموقراطي و بحب أخد رأي الزبون.

دفعه موسى بخفة كي يتنحى جانبًا وهو يقول :

- لا يا حبيبي ده مينفعش معاه الديموقراطية دي، ده يتقاله أختر من بين القوسين،

تتحطم ولا تتكسر ولا تتدغدغ؟ و هو يختار زي ما يحب، بالله يا هارو في ديموقراطية أجمل و أرقى من ديموقراطية محامي؟.

انهى حديثه و كاد أن يخلع سترته، ليحطم عظام هذا الراقد بأريحية دون تقييد، إلا أن هارون أمسك طرف سترته وهو يقول بجدية شديدة و ابتسامة جانبية :

- لا يا بيبي متقلعش، عيب، أنا بغير عليك.

تعالت ضحكات موسى حتى رن صداها في أرجاء الغرفة، ثم لكم شقيقه في كتفه بخفة وهو يقول :

- أتلم يا هارون، برستيجي يا راجل!.

ضحك الآخر لوهلة، ثم تحولت تلك الضحكات لصمتٍ مفاجئ، ثم لنظرات خبيثة يحدجان بها عامر، هذا المسكين الذي تمنى أن تنشق الأرض و تبتلعه، ثم اقتربا منه بعدما كشفا عن ساعديهما ... حسم مصيرة،

لا يوجد مفر، ولا طريقة للهروب، إن صرخ؟ لن يستجيب له أحد، فىٰ استسلم للأمر الواقع و تلقى كل ما تشتهيه الأنفس من اللكمات و الصفعات و القليل من الكسور ...

انهيا تكسيره ثم خرجا من الغرفة و الراحة بادية عليهما، ابتسامة التشفي و النصر أخذت ترتسم على شفتيهما شيئًا فشيئًا، حتى رأى هارون والدة عامر تهرول لغرفة ابنها المدلل، فرفع صوته قائلًا بمرح :

- خليه ينزل چيم يا حجة، أصله خفيف اوي و مخدش في أيدينا غلوة، ملحقناش نستمتع.

وصله صياحها الغاضب :

- حسبي الله ونعم الوكيل فيكم أنتم و اختكم.

جاءها رد هارون بسرعة، كأنه شريط مسجل :

- فيكِ أنتِ و النغة إبنك يا حجة، صدق من قال : ضربني و بكى سبقني و اشتكى.

~~~~~~~~~~~~~~~

على نحوٍ آخر، في واحدٍ من أرقى أحياء العاصمة؛ هذا الحي الذي يدعى "البنفسج".

توقفت سيارة فاخرة زرقاء اللون، أمام واحدة من الفلل ذات الطابع الكلاسيكي المائل للمعاصر.

هبط من هذه السيارة شاب يغلق زر حلته السوداء، ورأسه مرفوع بشموخٍ يوازي شموخ عينيه المختبئتين أسفل نظارته الشمسية.

تعابير وجهه يسكنها الهدوء، ورأسه مرفوع، يتلفت حوله كأنه يبحث عن شيء، من ثمَّ استدار نصف استدارة ليغلق باب سيارته، بعد ذلك تحرك للداخل بخطى ثابتة واثقة، توحي بمقدار ثقة بالغة.

وقف أمام الباب الخشبي الخاص بالمنزل، ثم أخرج مفاتيحه وفتح الباب في هدوء، ثم ولج للداخل وهو يرفع نظارته الشمسية عن عينيه، وبدأت ابتسامة حنونة ترتسم على شفتيه حينما رأى تلك السيدة تجلس على كرسيها، تضع ساقًا فوق الأخرى بشموخٍ، تحيطها هالة من الهيبة، بين يديها مجلة تتنقل بين صفحاتها باهتمامٍ شديد، حتى انتبهت لوجوده، فأغلقت المجلة بسرعة وهي تنهض وابتسامة مليئة باللهفة ترتسم على شفتيها، ثم هرولت نحوه وهي ترتمي بين ذراعيه تهمس له بشوقٍ شديد :

- وحشتني يا حبيبي، كل دي غيبة؟

ربت على ظهرها وهو يقول بحنانٍ واعتذار :

- حقك عليا يا ست الكل، المشروع المرة دي كان محتاج شغل جامد، بس ابنك قدها.

ضحكت بخفة وهي تمسح على خصلاته البنية، ثم قالت بحنان :

- ابني أسد من ضهر أسد، اطلع يا حبيبي ريح جسمك على ما الغدا يجهز.

قبّل أعلى رأسها ثم قال بهدوء وهو يتجه للدرج :

- ماشي يا أمي، محتاجة أي حاجة؟

- تسلم يا حبيبي.

قالتها بابتسامة حنونة، فبادلها البسمة وهو يكمل صعوده لغرفته.

أغلق الباب واستند عليه وهو يتنهد بثقل ... وأخيرًا عاد لمنزله ..

خلع معطف حلته ووضعه على المقعد الموازي لفراشه من ثمَّ خلع حذاءه، بعد ذلك ألقى بجسده على الفراش وهو يتنهد براحة شديدة.

أراح جسده لبعض الوقت بعد ذلك ولج للمرحاض ليحظى بحمامٍ دافئ ..

خرج بعد وقتٍ ووقف أمام المرآة يجفف شعره، يرمق صورته المعكوسة على المرآة بهدوء وابتسامة... وجهه يفيض بالحيوية وعيناه مفعمة بالحياة والأمل.

آهٍ من هاتين العينين!

لقد صار أسيرًا لهما،

مغرمٌ بهما حقًا!

يعشقهما كما يعشق الغريقُ أنفاس الحياة.

مريبٌ أن يعشق شابٌ عيناه!.

ضحك بخفة على تفكيره ثم اتجه لفراشه لينعم بالراحة إلى حين موعد الغداء.

~~~~~~~~~~~~~~~

في الأسفل، فُتِح الباب المطل على حديقة المنزل و ولجت منه فتاة متوسطة الطول ترتدي سترة سوداء مرسومٌ عليها حبات فراولة صغيرة كذلك سروالها، ذات خصلات بنية متوسطة الطول، تركتها حرة على ظهرها، ذات أعين بنية فاتحة، و ابتسامة مشاكسة ترتسم على شفتيها لتزين محياها.

ركضت نحو والدتها و هي تقول بلهفة :

- مروان جه صح يا ماما؟.

هزت رأسها بالايجاب، فصاحت الأخرى بحماس شديد و هي تتجه نحو الدرج و صعدته ركضًا حتى وصلت أمام غرفته، طرقت الباب و عندما لم تأتها إجابة فتحت الباب نصف فتحة فىٰ رأته غارقًا في النوم بسلامٍ، فدخلت الغرفة بسرعة وأغلقت الباب ثم قفزت فوق الفراش وهي تصيح بحماس و شوق :

- مـــــروان!.

تململ في نومته وهو يفتح عينيه بأنزعاج و هو يراها أمامه مبتسمة بحماس، فابتسم نصف ابتسامة وهو بقول بحنان :

- تعالي يا آخرة صبري، تعالي يا مرنان.

فتح ذراعيه ليستقبلها فألقت نفسها بين ذراعيه تعانقه بقوة وهي تقول بشوق :

- وحشتني يا مراميرو مرمر.

بادلها العناق وهو يقول :

- و أنتِ كمان وحشتيني يا قلب مروان.

خرجت من بين ذراعيه وهي تسحبه معها و تقول بحماس :

- تعالى نخرج بقالي كتير مخرجتش.

- لما اصحى يا ست مرنان، يلا بره خليني أنام.

نادته مرة أخرى بدلال، فنهض من فوق الفراش وهو يمسح على وجهه بغيظ ثم قال :

- خــلاص قايــم يا زنانـــة.

صفقت بحماس و هي تركض خارج الغرفة لتبدل ملابسها.

~~~~~~~~~~~~~~~

في منزل عائلة الهاشم، تحديدًا في غرفة هاميس:

جلست أمام مرآتها تتأمل شحوب محياها بغصة مريرة.

أهذه ذاتها فتاة العشرين؟

أهذه هي الزهرة النضرة؟

لقد ذبُلت الزهرة، وأصبحت فتاة العشرين سيدة الأربعين، حملت فوق عاتقيها همومًا قبل أوانها.

مررت أناملها المرتعشة تتحسس الكدمات والجروح التي أخذت في محياها مسكنًا لها.

تشعر بالقهر على هيئتها ...

باتت هزيلة

منطفئة

مكسورة

حطمها من حاربت الجميع لأجله.

كسر كبرياءها كأنثى، كسر فؤادها الذي نبض له بصدقٍ، حطم عِزتها بقسوة.

أهذا جزاؤها لأنها رفضت رفض أهلها وحاربتهم لأجله؟

سنة واحدة قضتها معه زادتها عمرًا فوق عمرها.

فجأة شعرت بالغثيان فهرولت مسرعة للمرحاض، وبعد دقائق خرجت وهي تستند على الحائط والدوار يلفح بجسدها.

فما لبثت ثوانٍ حتى غرقت في دوامة من السواد وسقطت مغشيًا عليها ...

على نحوٍ آخر في هذا المنزل، تحديدًا في المطبخ...

كان يقف والقهر بادٍ على وجهه.

كيف تجرأ هذا الحقير على ضربها؟

كيف!

نيران الحزن تلفح قلبه، والغضب يسكن عينيه.

يشعر كأن هنالك قبضة تقبض على عنقه تعيق تنفسه.

تركها ... و دهس على قلبه وحبه لها عندما رآها تحب آخَر ...

استسلم لحُبها وهُزم حبه لها لتربح حبيبها ويسعد قلبها، ففرحتها تكفي لتضمد انفطار فؤاده.

لكن ما رآه أنه هُزم أمام حبها وهُزمت هي بحبها، وكان لكلٍ منهما نصيبٌ من الخيبة.

ضرب بقبضته على الرخام ولم ينتبه للسكين فانجرح كفه جرحًا غائرًا يتصبب منه الدم.

تأوه بألم... لا يدري من أي جرحٍ تأوه.. أهو جرح يده؟ أم جرح قلبه؟

كلاهما غائر وكلاهما ينزف... أحدهما ينزف دمًا والآخر ينزف مرارة.

فرّق بين شفتيه بصعوبة حتى خرج همسه البطيء :

- يا ريتني ما سيبتك ليه، يا ريتني دافعت عن حبي و مستسلمتش قدام حبك يا .. يا حبيبة العُمر.

فجأة وصله صوت جدته تصيح بنبرة خائفة تناديه بلهفة :

- إبــرام الحقنـــي، هــامــيــس ...

مجرد أن سمع اسمها توقفت أذناه عن السمع وركض بسرعة نحو الخارج، فوجدها ساقطة على الأرض أمام المرحاض بين ذراعي جدته.

اقترب منها بسرعة وجثا على ركبتيه بجوار رأسها حتى شرد للحظاتٍ دون وعي منه فسمح لعينيه بتأمل محياها ...

لكنه سريعًا تذكر حُرمة هذا وغض بصره سريعًا عنها وتحدث بنبرة مرتعشة :

- مالها يا تيتة؟ هاميس مالها؟.

ردت الجدة بدور بانفعال شديد :

- أنت بتسألني ليه؟ هو أنا الدكتورة ولا أنت؟.

تذكر الآن أنه طبيب، أمسك ساعدها يتحسس ضربات قلبها فوجدها بطيئة، فتحدث باضطراب :

- ضربات القلب بطيئة يعني ضغطها بنسبة كبيرة واطي.

بسرعة رفع حجابها على رأسها وحملها فوق ذراعيه وهو يقول بلهفة وقلق :

- هوديها المستشفى، أنا .. أنا مش عارف سبب اللي حصل ده، لازم نطمن عليها.

ولقلقها على حفيدتها لم تلاحظ لهفته ولا القلق الذي احتل عينيه وهزت رأسها بالموافقة وركضت خلفه للخارج.

بعد القليل من الوقت، خرجت الطبيبة من الغرفة بهدوء فاقترب منها إبرام وهو يقول بلهفة :

- هي كويسة؟.

هزت الطبيبة رأسها ثم تحدثت بعملية :

- المدام متعرضة لتعنيف شديد وهطلع تقرير طبي بده، والجنين وضعه مستقر نوعًا ما.

تشنجت ملامح وجهه؛ عن أي جنين تتحدث؟

سألها بحذر واستنكار وهو خائف من الإجابة :

- جنين؟ جنين إيه؟.

أجابته الطبيبة بهدوء :

- المدام حامل في شهرين، بعد إذنك.

هسهس بصدمة :

- مستحيل، يعني إيه! يعني في أمل ترجعله تاني؟ هتسيبني لتاني مرة من غير ما تعرف إنها هتسيبني أصلًا؟.

نظر لجدته التي كانت تهاتف موسى لتخبره بما حدث..

بينما هو تاهَ في عتمة أفكاره لا يدري ماذا سيحدث، لكن ما يخشاه أن تعود لزوجها وأمله الذي بدأ يخرج للنور سيتبدد مرة أخرى، وفؤاده؟ سيرتهنه الحزن ويسجى مرة أخرى.

استيقظت بعد مدة فوجدت شقيقيها أمامها وجدتها تجلس فوق المقعد المجاور لفراشها.

هسهست بوهن وهي تطالع في وجوههم المختلفة تعابيرها :

- هو إيه اللي حصل؟.

مسح موسى فوق خصلاتها وهو يجيبها بحنان :

- مفيش يا عيوني أنتِ تعبتي شوية بس وإبرام وتيتة جابوكِ المستشفى.

نظرت لجدتها ثم قالت :

- طلع في إيه يا تيتة؟.

أجابتها الجدة بدور بحنانٍ وبتوتر :

- مفيش يا حبيبتي، خير إن شاء الله.

نظرت لهم بتوتر بدأ يملأ فؤادها وسألتهم بخوف :

- أنا طلع عندي إيه؟.

أجاب هارون بحدة ظهرت في نبرته دون قصد :

- حامل، أنتِ حامل في شهرين.

نظرت له بصدمة، لا تعلم أتسعد أم تحزن؟

تسعد لأنها ستكون أمًا أم لأن هذا الطفل سيكون من أكثر رجلٍ كرهته في حياتها؟

لم تجب بحرفٍ واحد بينما انسحبت الجدة للخارج لتجلس مع إبرام، بينما ارتفع صوت هارون وهو يقول بغضب :

- أقسم بالله ما أنتِ داخلة بيته تاني يا هاميس ولو انطبقت السماء على الأرض، متفكريش مجرد تفكير ترجعيله، سامعة؟.

هبطت عبراتها وهي تشعر بالضغط وأن عقلها سينفجر، فالصدمات أتت خلف بعضها حتى أنها لم تترك لها فرصة ليستوعب عقلها ماذا يحدث!

شعر هارون بالندم على غضبه هذا، فما ذنبها هي؟.

اقترب منها وضمها لصدره وهو يربت على ظهرها ويهمس لها بأسف :

- حقك عليا مكانش قصدي أزعق فيكِ، بس مش قادر أتخيل أنك ممكن تفكري ترجعيله تاني.

همست وسط شهقاتها :

- مستحيل يا هارون، مستحيل ارجع لاللي كسرني تاني.

جلس موسى بجوارها وحاوطها من الجهة الأخرى وهو يمسح دموعها ثم قال بهدوء :

- متعيطيش، مفيش حاجة تستاهل يا عيون موسى.

تنفست بعمق ثم مالت برأسها لتستند على صدر موسى وأغمضت عينيها بطمأنينة حرمت منها منذ زمن.

لم تكن في حاجة شئ أكثر من حاجتها لصدرٍ دافئ يدفئ قلبها لعله يُشفىٰ.

بينما في الخارج عند الجدة و إبرام ..

كان شاردًا، ينظر للجدار الذي أمامه و كل ما يفكر به هو كيف يستعيدها مرة أخرى؟

يشعر بالأسى على حالها أكثر من أساهُ على حاله.

حتى انتبه على صوت جدته التي قالت بخوفٍ وهي تتحسس كفه المتلطخ بالدماء :

- ايه اللي عمل في أيدك كده يا إبرام!.

أجابها ببسمة منطفئة :

- السكينة عورتني، بسيطة متشغليش بالك.

هزت رأسها بالنفي ثم قالت بعدم رضا :

- هو ايه اللي مشغلش بالي يابني! قوم شوف حد يلفهالك أو يخيطهالك عشان الجرح شكله عميق.

أومأ لها بموافقة ثم نهض ليبحث عن أحدٍ يعالج جرح يده.

~~~~~~~~~~~~~~~

بعد الساعة الحادية عشر مساءً.

خرج مروان من غرفته بكامل أناقته، يرتدي ملابس شبابية مكونة من سروال أسود من خامة الجينز فوقه قميص من اللون الرمادي القاتم.

هبط الدرج بسرعة و هتف بعجلة وهو يهندم ياقة قميصه :

- أنا خارج يا ماما و احتمال أتأخر تصبحي على خير.

ثم خرج بسرعة من المنزل و استقل سيارته و توجه بها للوجهة الذي يمكث فيها

أصدقائه.

بعد وقتٍ وقفت سيارته أمام ملهى ليلي و هبط منها و ولج للداخل بهدوء و هالة من الهيبة تحيط به.

اتجه لطاولة أصدقاءه ثم جلس بينهم بعدما حيّاهم بهدوء، فتحدث أحدهم موجهًا له الحديث :

- وحشتنا يا عمنا، عملت ايه في السفرية؟.

أجابه مروان بثقة و هو يتراجع للخلف ليستند بظهره على ظهر المقعد :

- عيب تسأل مروان مهران السؤال ده يا جيمي.

تعالت ضحكاتهم ثم انقطعت فجأة عندما اقترب منهم شاب يقول بسخرية :

- ايه ده هو مروان مهران هنا؟ وأنا أقول ضلمت مرة واحدة كده ليه؟.

ثم جلس معهم و وضع ساقًا فوق الأخرى وهو بقول بتسلية :

- مش كنتم تقولولي إن مراميرو هنا عشان محيش؟.

ابتسم مروان بتسلية ثم هتف بسخرية و ثقة :

- هم فعلًا غلطانين، كان المفروض يا شباب تقولوله إني جاي عشان يمشي، ما هو مينفعش المعلم و اللي متعلم عليه يقعدوا على ترابيزة واحدة، ولا ايه يا عمران؟.

نظر له الآخر باشمئزاز ثم هتف بسخرية :

- و أنت فاكر نفسك معلم؟ يالا السخرية.

نظر مروان للشطرنج التي أمامه ثم أردف بخبث :

- تيجي دور و نشوف مين المعلم؟.

نظر له الآخر بتحدٍ ثم أجاب بثقة :

- آجي و ماله.

تعالى الهُتاف من الشباب حولهم، و التفوا حولهم ليراقبوا تلك الحرب الصامتة التي لا يكسر صمتها سوى صوت المجسمات.

رتبوا القطع سريعًا و بدأت الجولة.

مرت نصف ساعة في أجواء حماسية ... حتى أسقط مروان مَلِك مروان بملكِه و هو يقول بابتسامة نصر :

- كِش مَلِك.

نظر للملك المتهاوي على الرقعة، ثم رفع نظره لعينِ الآخر التي امتلأت بالارتباك.

لم تكن مجرد لعبة، كانت إعلاناً عما سيحدث لاحقاً.

نهض مروان ببطء، وبحركة لم يتوقعها أحد، قبض على ياقة سترة الآخر بقوة ثم هتف بنبرة حادة :

- كِش مَلِك، قولتلك متجيش في سكتي، عشان اللي بيجي في سكتي مبيخرجش منها تاني.

أنهى جملته بابتسامة مخيفة قبل أن يلكم الآخر بقوة ثم طرحَهُ أرضًا و حاوط عنقه بقبضته ثم هتف بهمسٍ :

- فكرك يا حلو مش هعرف أنك اللي قطعت الفرامل بتاعة عربيتي؟، أنت شكلك لسه متعرفنيش، وأنا أحب أوي أعرفك بنفسي، أنا بشمهندس مروان مهران الدميري.

نظر له الآخر بألم و حقدٍ فاستكمل حديثه بحزنٍ مصطنع :

- شكلك لسه معرفتنيش، أحب أعرفك بيا بس بطريقتي الخاصة.

~~~~~~~~~~~~~~

الفصل الثاني بتاريخ نشر : 2026 - 7 - 10 🍒

مع تحياتي / حبيبة المصري (كاتبة فرهودة) 🫵🏻♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرحلات السبع

المؤلف حبيبة المصري
2026/07/05 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة