الظلام لم يكن مجرد غياب للنور؛ في "وادي الجثث المتعفنة"، كان الظلام سائلًا، لزجًا، ورائحته تفوح بالموت والوعود المكسورة. هنا، حيث ترمي "طائفة السيف المقدس" نفاياتها البشرية، لا توجد قاع للهاوية، بل توجد فقط طبقات فوق طبقات من عظام أولئك الذين وثقوا بالعدالة يوماً ما.
في أعمق نقطة من الوادي، حيث لا تصل حتى الحشرات المقززة، كان هناك جسد ممدد على صخرة مغطاة بالدم الجاف.
"ليانغ زوي".
كان هذا اسمه. شاب في الرابعة والعشرين من عمره، كان قبل أشهر فقط يُعرف بـ "المسجل الأعمى" في المكتبة المحرمة للطائفة. جسده النحيل والصلب كالفولاذ كان مغطى بخرق بالية، وشعره الأرجواني الداكن، الذي كان يوماً مصففاً بعناية، بات مبعثراً وملتصقاً بجبهته بفعل الطين والدماء المحترقة.
لكن أبشع ما في جسده لم يكن الجروح؛ بل كان تجويفا عينيه. تجويفان فارغان، أسودان، سالت منهما دماء جافة تركت خطوطاً داكنة على وجنتيه الشاحبتين. لقد فقأوا عينيه لأن أصابعه مست الصفحات الخطأ... الصفحات التي تثبت أن الآلهة التي يعبدونها ليست سوى وحوش تتغذى على دماء الأطفال.
"آه..."
خرج أنين خافت من صدره، لكنه لم يكن أنين ألم، بل كان صوت تروس عقلية بدأت تتحرك بعد غيبوبة دامت ثلاثة أشهر. تجمعت من حوله أطياف رمادية، بقايا أرواح حاقدة لمتدربين ماتوا غدراً في هذا الوادي. كانت الأرواح تحوم حوله، تحاول التهام جسده الفاني، لكن شيئاً ما كان يمنعها.
في وسط صدر ليانغ زوي، كان هناك وهج رمادي خافت. إنه "ختم الخطايا الملوثة" الذي شكله بنفسه من بقايا طاقة الداو المظلم المنتشرة في الوادي.
تحركت يده النحيلة ببطء، ولامست موضع عينه اليمنى. لم يكن هناك ألم، فقط فراغ. لكن في تلك اللحظة بالذات، انفتحت داخل التجويفين "العيون الروحية الرمادية". لم يكن يرى الألوان، ولم يكن يرى الضوء التقليدي. ما يراه الآن كان أعظم بكثير: كان يرى تدفق طاقة الداو، ويرى "خيوط السببية والخطايا" التي تربط الكائنات ببعضها.
"طائفة السيف المقدس... عائلة سو..." تمتم بصوت مبحوح، صوت يشبه احتكاك الشفرات الصدئة. "لقد ظننتم أن العمى عقاب. لكنكم أهديتموني البصيرة الحقيقية."
جلس ليانغ زوي مستنداً إلى الصخرة، شعره الأرجواني الداكن يتدلى على كتفيه. لم يبكِ، ولم يصرخ طالباً الانتقام مثل الأغبياء في حكايات الأطفال. الانتقام العشوائي هو سلاح الضعفاء الذين تحركهم العواطف. أما هو؟ هو مهندس، والمهندس يبني الهاوية لخصومه طوبة طوبة.
استحضر قوته الخاصة: "تأثير الدومينو الروحي".
امتدت يده في الهواء، وبدأت عيناه الرماديتان بترتيب الخيوط غير المرئية التي تربط هذا الوادي بالعالم الخارجي. كان يعلم أن عائلة "سو" – وهي العائلة التابعة للطائفة والتي نفذت حكم فقأ عينيه – ترسل حراساً كل شهر لرمي الجثث والتأكد من عدم وجود ناجين. اليوم هو اليوم الموعود.
بعد ساعتين من الصمت المطلق، دوت أصوات خطوات فوق المنحدر الصخري للوادي. كانا حارسين من عائلة سو، يجران جثة لمتدرب شاب.
"هيا يا باو، ارمِ هذه القمامة ودعنا نعد. الرائحة هنا تجلب النحس، والسيّد الشاب سو ينظر إلينا بازدراء إن تأخرنا،" قال الحارس الأول وهو يبصق على الأرض.
"انتظر ثانية،" أجاب الحارس المسمى باو، وهو يتوقف عند حافة الصخرة. "ألا تشعر أن المكان أهدأ من المعتاد؟ حتى الأرواح الحاقدة لا تصدر صوتاً."
على بعد عشر خطوات منهما، في قاع الظلام، كان ليانغ زوي يراقب. لم يتحرك خطوة واحدة. لم يكن يمتلك طاقة جسدية كافية لمقاتلة حارسين في مرحلة "إيقاظ الروح". لكنه لم يكن بحاجة لذلك.
ركزت عيناه الرماديتان على الحارس "باو". رأى خيطاً رفيعاً من الطاقة الحمراء يربط بين عقل باو وحقيبة المال التي يحملها زميله. كان باو يعاني من ديون بسبب القمار، وكان يضمر ضغينة لزميله الذي أقرضه المال بفوائد مرتفعة.
هذه هي "الخطوة الصفرية" في أحجار الدومينو.
أطلق ليانغ زوي نبضة طاقة ضئيلة جداً، لا تكاد تُذكر، مستهدفاً نقطة عصبية في خلفية رقبة الحارس باو. النبضة لم تقتله، بل جعلته يشعر بوخزة مفاجئة، مما أدى إلى اختلال توازنه للحظة أثناء جره للجثة.
بسبب هذا الاختلال، تعثرت قدم باو بقطعة صخرية، واندفع للأمام ليصطدم بكتف زميله.
"اللعنة عليك يا باو! هل تحاول دفعي للهاوية؟!" صرخ الحارس الآخر بغضب، ودفعه بقوة إلى الخلف.
الدفعة كانت قوية، وسقطت حقيبة المال من حزام الحارس الآخر، لتنفتح وتتناثر منها أحجار الطاقة الروحية المسروقة من خزينة عائلة سو.
اتسعت عينا باو. تلك الأحجار كانت تكفي لسداد ديونه وزيادة. وفي تلك اللحظة، وبسبب النبضة الروحية الخفيفة التي زرعها ليانغ زوي في عقله لتوجه أفكاره نحو الجشع، تملك باو جنون مؤقت.
"أنت... أنت تسرق من العائلة وتخفي هذا عني؟!" صرخ باو، مبرراً لنفسه الجريمة التي أوشك على ارتكابها.
"ماذا تقول أيها المعتـ...؟"
لم يكمل الحارس كلمته، لأن باو استل خنجره المسموم وغرسه في رقبة زميله بحركة سريعة مدفوعة بالخوف والجشع. سقط الحارس الآخر يتخبط في دمائه، بينما وقف باو يلهث، وعيناه متسعتان من الرعب والذهول مما فعله للتو.
في الأسفل، ابتسم ليانغ زوي. ابتسامة باردة، خالية من أي مشاعر إنسانية.
لقد سقط حجر الدومينو الأول. هذا الحارس لن يعود إلى عائلة سو كخادم مطيع؛ سيعود كخائن هارب، وسرقة أحجار الطاقة ستجعل رئيس العائلة يظن أن هناك مؤامرة من طائفة منافسة. الفوضى بدأت بلمسة غير مرئية.
وقف ليانغ زوي ببطء، مستنداً على جدار الوادي الصخري. شعره الأرجواني الطويل تحرك مع نسيم الموت البارد.
تمتم وهو ينظر نحو الأعلى، نحو السماء التي حرمته من النور:
"الخير والشر هما مجرد حبر كتبه المنتصرون... إذا كان عالم الفراغ المحكوم يريد مني أن أكون الشرير، فسأكون الشرير الذي يجعل حتى الشياطين تخشى ذكره."
استدار الأعمى، وسار بخطوات ثابتة نحو عمق الوادي، تاركاً خلفه دماء الخونة، ومستعداً لصياغة عصره الجديد.
Aizen Soski