الفصل الرابع" ما يحدث خارج الإطار"

الفصل الرابع" ما يحدث خارج الإطار"

9 0

"وهل ستنسحبين الآن؟"

رفع جين عينيه نحوها دون أن يغيّر جلسته.

كان صوته هادئًا، كأنه يسأل عن شيء بسيط.

توقفت ميلا للحظة.

ضجيج المطعم استمر حولهما؛ صوت الأطباق، حركة الكراسي، وصفارة الفرن من الخلف. لكن السؤال وحده بدا أوضح من كل شيء.

نظرت إليه مباشرة.

"لا."

ساد صمت قصير.

ثم أضافت، بنبرة أكثر ثباتًا:

"لن أترك الأمر هكذا."

راقبها جين لثوانٍ، قبل أن يميل قليلًا إلى الخلف.

"حسنًا."

ارتسمت على فمه ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت.

"فقط لا تتوقعي أن ينتهي هذا بشكل جيد."

لم تُجب.

في اللحظة نفسها، ارتفع صوت التلفاز المعلّق قرب الزاوية الخلفية للمطعم.

"...وفي خبر عاجل، عثرت الشرطة قبل قليل على جثة شابة في زقاق خلف المبنى الرابع بحي إيست غروف."

توقفت يد ميلا فوق الفاتورة التي تحملها.

"...ووفقًا للتقارير الأولية، وُجدت بجوار الضحية ورقة تحتوي على كلمات غير مفهومة، بينما تشير التحقيقات إلى وجود آثار مقاومة..."

لم تُكمل المذيعة الجملة.

أحد الزبائن خفّض كوبه ببطء.

وفي الخلف، انقطع صوت الضحك قرب المطبخ للحظة قصيرة قبل أن يعود أخفت من السابق.

أما ميلا، فبقيت تنظر إلى الشاشة دون حركة.

المبنى الرابع.

شعرت بشيء بارد يهبط في معدتها.

رفع جين نظره نحو التلفاز، ثم عاد بعينيه إليها.

هذه المرة، لم يحتج أيٌّ منهما للكلام.

قال جين أخيرًا، بصوت منخفض:

"هناك نمط."

سكت لحظة.

"لكنه يتحرك أسرع منا."

أبعدت ميلا نظرها عن الشاشة.

"كنا قريبين."

خرجت الجملة منها بهدوء، لكنه هدوء متعب أكثر من كونه حزنًا.

لم يرد جين مباشرة.

في الجهة الأخرى من المطعم، بدأ الزبائن يتحدثون بصوت أخفض من المعتاد.

— "جريمة أخرى؟"

— "أصبحت المدينة مخيفة ليلًا."

— "قالوا إن الضحية شابة أيضًا."

امتزجت الهمسات بصوت المطر الخفيف خارج النوافذ، بينما عاد العامل في المطبخ إلى ترتيب الصحون كأن شيئًا لم يحدث.

لكن شيئًا ما داخل "فانتوم" تغيّر بالفعل.

عادت ميلا إلى شاشة الحسابات أمامها، تحاول التركيز في الأرقام.

فشلت.

الأرقام بدت متشابهة بصورة مزعجة.

3

8

4

أغلقت الصفحة بسرعة.

في الجهة المقابلة، كان جين يمسح إحدى الطاولات ببطء، إلا أن انتباهه لم يكن مع العمل فعلًا.

كل بضع ثوانٍ، كان يرفع عينيه نحو الباب الزجاجي للمطعم.

كأنه ينتظر دخول أحدهم.

أو يخشى ذلك.

من الخارج، بدا كل شيء طبيعيًا.

لكن التوتر ظل معلقًا بينهما منذ خبر الظهيرة، دون حاجة إلى الحديث عنه مجددًا.

اقترب جين من الكاونتر ووضع قائمة طعام بجانبها.

قال دون أن ينظر إليها:

"لم تأكلي شيئًا منذ الصباح."

أجابت وهي تُبقي عينيها على الشاشة:

"لست جائعة."

صمت قليلًا، ثم قال:

"هذا لن يساعدك على التفكير

و لا تنسى انك فى مطعم بيتزا."

رفعت نظرها نحوه أخيرًا.

"ومن قال إنني سوف أفكر بشكل جيد أصلًا عندما تزعجنى؟"

كادت زاوية فمه تتحرك بابتسامة خفيفة، لكنه تراجع قبل أن يفعل.

مرّ لوكا بجواره حاملًا صينية فارغة.

"أقسم أن هذا المكان صار أكثر كآبة من المعتاد."

لم يرد جين.

رمقه لوكا باستغراب خفيف، ثم نظر نحو ميلا.

كانت شاردة، تحدق في نقطة ثابتة على الشاشة دون أن تكتب شيئًا.

اختفت ابتسامته تدريجيًا.

"هل حدث شيء؟"

رفعت ميلا رأسها بسرعة أكبر مما ينبغي.

"لا."

جاء ردها سريعًا.

سريعًا أكثر من اللازم.

نظر بينها وبين جين للحظة قصيرة، قبل أن يزفر بخفة.

"حسنًا... إن قرر أحدكما أخيرًا أنه يعيش داخل فيلم جريمة، فأخبراني مسبقًا."

تحرك مبتعدًا نحو المطبخ.

تابعته ميلا بعينيها لثوانٍ، ثم قالت دون أن تنظر إلى جين:

"أشعر وكأننا تأخرنا خطوة دائمًا."

رفع جين المنشفة عن الطاولة، ثم قال بهدوء:

"ربما لأننا لا نطارده فعلًا."

نظرت إليه.

أما هو، فكان ما يزال يحدق نحو الباب الزجاجي.

"ربما نحن فقط نتحرك داخل ما يريده هو."

في مساء اليوم التالي — داخل مطعم "فانتوم"

كان المطر يطرق زجاج المطعم بإيقاع هادئ، بينما اختلطت رائحة العجين الساخن بأصوات الأطباق وضحكات متقطعة قادمة من الطاولات البعيدة.

خلف الكاونتر، جلست ميلا تُراجع الحسابات للمرة الثالثة خلال أقل من عشر دقائق، رغم أنها لم تخطئ في أي رقم منذ بداية النوبة.

كلما انحنت نحو الشاشة، انسدلت خصلات شعرها القصير أمام عينيها، فتزيحها بعصبية خفيفة دون انتباه حقيقي.

في العادة، كانت تنهي نوبات التوصيل قبل الغروب.

لكن منذ اختفاء كاثرين، أصبحت النوبات المسائية من نصيبها.

وما زالت تكره ذلك الوقت الذي يلي السابعة مساءً… حين يقل عدد الزبائن، ويصبح كل صوت أوضح مما ينبغي.

وقتٌ لم تعتد رؤيته داخل "فانتوم".

رفعت رأسها قليلًا.

في الجهة الأخرى من المطعم، كان جين يتحرك بين الطاولات بخطوات هادئة، يحمل أطباقًا فارغة ومنشفة صغيرة معلقة على كتفه.

كعادته.

صامت أكثر من اللازم. لا يفتح أحاديث. ولا يترك مساحة لحديثٍ إضافي إن بدأ أصلًا.

على العكس تمامًا من لوكا، الذي كان يضحك قرب المطبخ مع إحدى الزبونات بينما يشرح — للمرة الثالثة — لماذا يرفض جوان إضافة الأناناس مجانًا إلى البيتزا.

— لأن المدير بخيل وميت روحيًا.

— لا أظن أن قول هذا أمام الزبائن فكرة جيدة.

جاء صوت جين باردًا من الخلف دون أن يلتفت.

ضحكت الزبونة، بينما رفع لوكا يديه باستسلام.

— أرأيتِ؟ قلت لكِ إنه يظهر فجأة مثل الأشباح.

لكن جين واصل طريقه دون تعليق.

وفي اللحظة نفسها، رنّ الجرس المعلق فوق الباب.

رفع جين نظره فورًا.

المعطف الأسود نفسه.

الشعر الداكن الطويل نسبيًا.

الخطوات الهادئة التي لا تبدو مستعجلة للوصول إلى أي مكان.

رايان جونز.

لم يكن من النوع الذي يجذب الانتباه فور دخوله… بل من النوع الذي يصعب تذكر لحظة دخوله أصلًا.

هادئ أكثر مما ينبغي.

كأنه يعرف المكان جيدًا، ولا يحتاج للنظر حوله ليتأكد أين يجلس.

اتجه مباشرة نحو الطاولة القريبة من النافذة.

الطاولة نفسها.

كل مرة.

راقبه جين بصمت وهو يعيد ترتيب الأكواب النظيفة فوق الرف المعدني بحركات بطيئة، بينما انعكاس الزجاج أمامه يسمح له بمتابعة الرجل دون النظر إليه مباشرة.

مرّ لوكا بجواره حاملًا صينية ساخنة.

— هل أنت نادل أم عامل نظافة هذه الأيام؟

— اسأل جوان.

قالها جين دون أن ينظر إليه.

— يبدو أنه وجد أخيرًا استخدامًا مناسبًا لي.

ضحك لوكا بخفوت.

— بسبب غيابك المتكرر. أنت تستحق العمل الإضافي.

— غيابي لا يعني أنني كنت أرتاح.

ثم أضاف وهو يرمق الطاولات اللامعة قبل أن يعود لابتسامته المعتادة.

— رائع. إذًا المطعم يلمع هكذا بسبب مأساتك الشخصية.

تركه وغادر نحو الطاولة.

اقترب من رايان بابتسامته الاجتماعية المعتادة.

— مساء الخير. الطلب المعتاد؟

ابتسم رايان ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت.

— يبدو أنكم حفظتموه أخيرًا.

— أربع فصول، دون زيتون، وقهوة سوداء؟

— صحيح.

دوّن لوكا الطلب وغادر.

لكن جين لم يتحرك.

"أربع فصول."

مرة أخرى.

الاسم نفسه الذي ظهر في الرسائل المشفرة.

الاسم نفسه الذي سبق العثور على مونيكا.

في الظروف العادية، لم يكن ذلك ليعني شيئًا.

لكن جين توقف منذ فترة عن الإيمان بالصدف.

في الجهة الأخرى، كانت ميلا تحاول التركيز في الفواتير الجديدة، لكن شعورًا متكررًا جعلها ترفع رأسها أكثر من مرة.

رايان كان ينظر نحو الكاونتر أحيانًا.

ليس بتطفلٍ واضح.

بل بطريقة شخص يلاحظ التفاصيل تلقائيًا.

عاد لوكا إلى الخلفية حاملًا الطلب، ثم توقف قرب جين هامسًا:

— هذا الرجل يعود كثيرًا مؤخرًا.

لم يُجب جين فورًا.

كانت عيناه مثبتتين على رايان، الذي كان يتحدث الآن مع فتاتين قرب الطاولة المجاورة.

يبتسم بالقدر المناسب.

ينصت جيدًا.

ويتوقف عن الكلام في اللحظة الصحيحة تمامًا.

رجل يعرف كيف يبدو طبيعيًا.

خفض جين نظره نحو هاتفه للحظة، وفتح صورة محفوظة داخل مجلد الأخبار.

روز.

الفتاة المختفية.

وعلى طرف الصورة، كان رايان يقف قربها بنفس الابتسامة الهادئة.

رفع جين عينيه ببطء.

نفس الشعر الداكن. نفس النظرة الرمادية الباردة.

حتى اسمه تذكره بسهولة مقلقة.

مع أن جين بالكاد يهتم بأسماء الزبائن أصلًا.

قال لوكا بخفوت ساخر:

— إن واصلت النظر إليه هكذا، سيبدأ بالقلق.

أغلق جين الهاتف ووضعه في جيبه.

— دعه يقلق.

اقترب لوكا قليلًا.

— ما بك بالضبط؟

— لا شيء.

قالها جين وهو يبدّل قفازاته، ثم أخذ الصينية من يد لوكا.

رمقه الآخر باستغراب.

— منذ متى تهتم بخدمة الزبائن؟

لم يُجب.

اتجه نحو الطاولة بخطوات هادئة.

رفع رايان نظره إليه فور اقترابه، وكأنه كان يتوقعه منذ البداية.

وضع جين الطبق أمامه دون كلمة، ثم وضع فنجان القهوة بجانبه.

لكن قبل أن يبتعد، قال رايان بهدوء:

— الفتاة التي تعمل عند الكاونتر… لم أكن أراها هنا ليلًا من قبل.

تبع جين نظرته نحو ميلا للحظة قصيرة.

— لأنها لا تعمل ليلًا عادة.

أومأ رايان ببطء، وكأنه يسجل المعلومة داخل رأسه.

ثم قال:

— فهمت.

ساد صمت قصير.

الصوت الوحيد كان اصطدام المطر بالنافذة خلفه.

رفع رايان فنجان القهوة قبل أن يضيف بنبرة هادئة:

— أنت جين، صحيح؟

استدار نحوه أخيرًا.

— نعم.

ابتسم رايان ابتسامة خفيفة.

— أراك هنا كثيرًا هذه الأيام.

ساد صمت قصير.

ثم قال جين:

— أنا أعمل هنا.

— أعرف.

أسند رايان ظهره إلى المقعد بهدوء.

— فقط… لا أتذكر أنك كنت قريبًا من الزبائن بهذا الشكل من قبل.

هذه المرة، فهم جين المقصود فورًا.

لم يكن السؤال عن عمله.

بل عن مراقبته.

رفع عينيه نحوه بصمت.

فابتسم رايان ابتسامة صغيرة وقال:

— تحفظ وجوه الزبائن جيدًا، أليس كذلك؟

اقترب جين خطوة واحدة من الطاولة.

— جزء من العمل.

— مراقبة الناس؟

— التأكد أن لا أحد يسبب مشاكل.

نظر إليه رايان لثوانٍ قصيرة، ثم قال بهدوء شبه مرح:

— وهل أبدو كشخص يسبب المشاكل؟

لم يُجب جين.

كان هناك شيء خاطئ في هذا الرجل.

ليس مظهره.

ولا صوته.

بل هدوؤه.

هدوء شخص لا يخاف أن يُكشف.

وقبل أن يزداد الصمت ثقلًا، ظهر لوكا فجأة حاملاً شيئًا صغيرًا فوق صينية.

— هدية مجانية من المطعم للزبائن المميزين.

نظر رايان إلى القطعة الخشبية الصغيرة باستغراب خفيف.

كانت عصا رخيصة رُسم فوقها شبح أبيض بشكل رديء للغاية.

ابتسم رغم ذلك.

— هذا غريب جدًا.

رفع لوكا كتفيه بفخر.

— هذا جزء من تجربة فانتوم النفسية.

حتى جين التفت للحظة نحو "الهدية"، وكأنه غير قادر على تحديد إن كان لوكا أحمق فعلًا… أم يتعمد تخريب التوتر.

أخذ رايان القطعة الخشبية بين أصابعه، ثم التفت نحو جين مجددًا.

رفع حاجبه باستغراب خفيف.

— هذا… مميز فعلًا.

ابتسم لوكا بثقة كاملة.

— نصنعها يدويًا.

رمقه جين بنظرة قصيرة.

من المستحيل أن أحدًا يصدق ذلك.

لكن الغريب أن رايان ابتسم فعلًا.

— شكرًا.

وفي الجهة الأخرى من المكان، رفعت ميلا رأسها مصادفة.

التقت عيناها بعيني رايان للحظة.

ابتسم لها.

ابتسامة مهذبة.

هادئة.

باردة بطريقة يصعب تفسيرها.

شعرت بانقباض خفيف في صدرها، قبل أن تعود سريعًا إلى شاشة الحسابات.

أما جين…

فبدأ يدرك شيئًا مزعجًا تدريجيًا.

رايان لم يكن يأتي إلى “فانتوم” بسبب الطعام.

كان يراقب المكان.

ويختار.

بعد نصف ساعة، مرّت ميلا قرب الطاولة لتأخذ بعض الأطباق الفارغة.

رفع رايان نظره إليها قائلًا بهدوء:

— أنتِ فتاة التوصيل، صحيح؟

توقفت لحظة.

— كنت أعمل بالتوصيل أغلب الوقت، نعم.

— ظننت ذلك.

كانت نبرته لطيفة أكثر مما ينبغي.

في الجهة المقابلة، كان جين يمسح إحدى الطاولات بعنف خفيف لم ينتبه إليه أحد… تقريبًا.

إلا رايان.

رفع عينيه نحوه مباشرة، ثم قال لميلا بابتسامة صغيرة:

— زميلكِ هذا لا يبدو مرتاحًا لي.

التفتت ميلا نحو جين باستغراب.

— جين لا يبدو مرتاحًا لأي شيء أصلًا.

انفجر لوكا ضاحكًا من الخلف.

— أخيرًا شخص فهمه بشكل صحيح!

حتى ميلا ابتسمت.

لكن جين لم يفعل.

لأن نظرة رايان الأخيرة لم تكن نظرة زبون لاحظ نادلًا مزعجًا.

بل نظرة شخص أدرك أنه مراقَب… وسمح بذلك.

بعد دقائق، غادر رايان المطعم أخيرًا.

ترك فنجان القهوة فارغًا تمامًا.

اقترب جين ليرفع الأطباق بصمت، قبل أن يتوقف فجأة.

كان هناك منديل ورقي أسفل الكوب.

مطوي بعناية.

فتح المنديل ببطء.

وفي منتصفه، كُتبت جملة قصيرة بخط أنيق:

“المراقبة المتبادلة أمرٌ مرهق… أليس كذلك؟”

...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

The Phantom Orders

المؤلف Eva van
2026/04/19 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة