ظلّت ميلا ثابتة في مكانها لثوانٍ، كأنها تنتظر أن يتحوّل الصوت إلى شيء آخر… إلى همس، أو صرخة، أو… لا شيء.
لكن ذلك لم يحدث.
"ميلا؟ ما بكِ؟"
هذه المرة كان الصوت أوضح، وأقرب إلى الواقع من أي شيء آخر.
ارتعش جفنها، ثم تحرّكت ببطء… ببطء شديد، كما لو أن مجرد الالتفات قد يكسر شيئًا هشًّا داخلها.
استدارت. توقّفت. ثم… رمشت. مرة. وأخرى.
"أمي…؟"
كانت تقف أمامها، بملامحها المعتادة، وبنفس النظرة القلقة التي تعرفها جيدًا.
يدها ما زالت على كتفها، دافئة… حقيقية.
لا ظلال. لا ابتسامات جامدة. لا برودة.
فقط… أمها.
تأخرت ميلا لحظة في الرد، كأن عقلها يحاول أن يعيد ترتيب العالم من جديد.
ثم أخرجت نفسًا طويلًا… مرتجفًا، وكأنها كانت تحبسه منذ وقتٍ طويل.
"أنا… بخير."
قالتها، لكن صوتها لم يكن كذلك.
نظرت إليها أمها بشكّ واضح، قبل أن ترفع يدها الأخرى وتلمس جبينها برفق:
"أنتِ شاحبة… هل أنتِ مريضة؟"
هزّت ميلا رأسها بسرعة، أسرع مما ينبغي.
"لا… فقط متعبة."
لكنها، حتى وهي تقول ذلك—
لم تستطع منع نفسها من إلقاء نظرة سريعة… خلف أمها.
حيث…
لم يكن هناك أحد.
العودة إلى المنزل
لم تعد الليالي تمرّ كما كانت.
صارت أثقل… أبطأ… وكأن الزمن نفسه يرفض أن يتحرّك.
كلما أغمضت عينيها، عادت.
الرائحة.
الظلام.
الوجوه.
تستيقظ فجأة، أنفاسها متقطعة، وجسدها بارد… رغم العرق.
وتبقى مستلقية، تحدّق في السقف،
غير متأكدة إن كانت قد نجت فعلًا… أم أن كل شيء لم ينتهِ بعد.
لكن الأسوأ—
لم يكن ما رأته.
بل ما تركته خلفها.
السلسلة.
أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول محو الفكرة، لكنها لم تختفِ.
بل ازدادت وضوحًا.
يدٌ غريبة تلتقطها.
عينان تقرآن الاسم.
"ميلا."
فتحت عينيها فجأة.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
إن عثر عليها أحد…
لن تحتاج الأمور إلى كثير من التفسير.
وإن لم يكن "أحدًا" عاديًا—
…
ارتجفت أصابعها.
"غبية…"
همست بها، لكنها لم تبدُ كإهانة،
بل كاعتراف.
لم تُبلّغ.
لم تعد.
هربت—
وتركت كل شيء كما هو.
وتركت… شيئًا ما… هناك.
ساد صمت طويل.
ثم، ببطء… شديد…
جلست.
مرّرت يديها على وجهها، كما لو أنها تحاول أن تستيقظ من نفسها.
"لا يمكنني…"
توقفت.
كانت الجملة ناقصة.
أو ربما—
لم تجرؤ على إكمالها.
رفعت رأسها قليلًا.
"…أن أترك الأمر هكذا."
لم يكن صوتها حاسمًا.
لم يكن قويًا.
لكنّه… لم يكن هروبًا هذه المرة.
....
وقفت أمام طاولتها، تحدّق فيما عليها… دون أن تتحرّك.
مرّت ثوانٍ.
ثم مدّت يدها…
وتوقفت.
أنبوب حديدي.
نظرت إليه طويلًا، كما لو كانت تسأل نفسها:
هل سأحتاجه فعلًا؟
ابتسمت ابتسامة باهتة، بلا روح.
"وكأن هذا سيحميني…"
لكنها، رغم ذلك، التقطته.
ببطء.
وضعته جانبًا.
القفازات.
ترددت قبل أن تلمسها.
ثم ارتدتها… وخلعتها فورًا.
شعرت بسخافة الفكرة.
ثم أعادت ارتداءها مرة أخرى.
هذه المرة… لم تخلعها.
المسدس—
توقفت يدها قبل أن تصل إليه.
ظلّت تنظر إليه… دون أن تلمسه.
"أنا حتى… لا أعرف كيف أستخدمه."
همست بها، وكأنها تنتظر من أحد أن يمنعها.
لكن لا أحد فعل.
مدّت يدها أخيرًا… والتقطته.
بيدٍ غير ثابتة.
ثم وضعته بسرعة في الحقيبة،
كأنها لا تريد أن تراه أكثر من ذلك.
رذاذ الفلفل…
تنهّدت.
"هذا… منطقي أكثر."
أخذته.
ثم وقفت.
تنظر إلى كل ما جمعته.
صمت.
طويل.
ثم—
"أنا… لست مستعدة."
قالتها بصراحة هذه المرة.
ولأول مرة…
لم تحاول أن تكذب على نفسها.
لكنها، رغم ذلك—
أغلقت الحقيبة.
وقفت ميلا عند حافة الضوء لحظة…
الشمس خلفها، والبيت أمامها.
لم تدخل فورًا.
بدل ذلك، التفتت نحو البيوت القريبة، وسارت ببطء، كأنها تبحث عن سبب يمنعها من العودة.
"ذلك المنزل؟"
قالها رجل مسنّ، قبل أن يهز رأسه.
"مهجور منذ سنوات."
امرأة أخرى رددت الجملة نفسها تقريبًا، بنبرة أخفض:
"لا أحد يسكنه… ولا أحد يقترب."
تكررت الإجابة، بتفاصيل مختلفة…
لكن المعنى واحد.
مهجور.
وقفت ميلا صامتة، تنظر إلى المنزل من بعيد.
الستائر ساكنة.
النوافذ مظلمة.
كأن شيئًا… لم يحدث هناك أبدًا.
لكنها رأت.
رأت بأمّ عينيها.
الجثث.
الوجوه.
ذلك الصمت الثقيل الذي لم يكن طبيعيًا.
شدّت أصابعها حول حقيبتها.
"إذًا… ماذا رأيت؟"
لم يكن السؤال مطمئنًا.
لكنه كان كافيًا—
ليدفعها خطوة إلى الأمام.
لم تكن تعلم…
أنها لم تكن وحدها في تلك الليلة.
عينان كانتا تراقبان من بعيد.
حين توقفت أمام المنزل أول مرة،
كان يقف في الظل—
ثابتًا… كأنه جزء من المكان.
رآها تدخل.
لاحظ انطفاء الضوء.
تقدّم خطوة.
توقف.
"ميلا."
قالها، لكن صوته لم يصل.
ثم—
رآها تخرج.
لا… تهرب.
مرّت بجانبه دون أن تراه.
أنفاسها مضطربة، خطواتها غير متزنة—
كأن شيئًا ما… كان يلاحقها.
اختفى الصوت بعدها.
وبقي الباب مفتوحًا.
لفترة.
قبل أن يقترب.
المنزل من الداخل… لم يكن باردًا.
على العكس.
الهواء ثقيل…
دافئ أكثر مما يجب.
خطواته كانت هادئة.
لكن الأرضية كانت تُفصح عنه رغمًا عنه.
توقّف أمام أول جسد.
نظر.
لم يلمسه.
عيناه تحركتا ببطء—
تفاصيل صغيرة.
علامات.
آثار داكنة حول الرقبة.
"ليس خنقًا فقط…"
همس بها، وكأنه لا يريد إزعاج الصمت.
رفع نظره.
الجدار.
بقع سوداء غير مكتملة—
كأن النار بدأت…
ثم غُيّر رأيها.
أدار وجهه قليلًا.
شيء ما… لم يكن في مكانه الصحيح.
لكنه لم يجد ما يثبته.
بعد.
والآن—
عادت.
المنزل لم يتغير.
كأن الزمن… لم يُسمح له بالدخول أصلًا.
وقفت أمام الباب.
لم تلمسه فورًا.
بل بقيت تحدّق فيه…
كما لو أنه قد ينفتح وحده.
ثم—
دفعت.
صرير خافت.
الهواء نفسه.
الرائحة نفسها.
تقدّمت خطوة.
ثم توقّفت.
الصمت هنا… ليس فراغًا.
بل شيء… يستمع.
خطوة أخرى.
الأرض تحتها أصدرت صوتًا حادًا.
ارتدّ في المكان… أكثر مما ينبغي.
شدّت على الأنبوب في يدها.
لم تكن تبحث عن الحقيقة.
ليس بعد.
"السلسلة…"
همست بها، كأنها تخشى أن يسمعها أحد.
نظرت حولها.
الأرض.
الزوايا.
قرب الجدار.
لا شيء.
توقّفت.
قلبها… لم يتسارع.
بل تباطأ.
بطريقة مزعجة.
"لا…"
هذا يعني—
أنها لم تكن أول من عاد.
"لا تبحثي كثيرًا…"
تجمّد جسدها.
"لن تجديها."
الصوت… قريب.
أقرب مما يجب.
استدارت بعنف—
الأنبوب اندفع من يدها قبل أن تفكر—
هواء.
ثم—
ارتطام.
صوت حاد شقّ الصمت.
"…تبا."
توقفت الضربة قبل أن تصيبه مباشرة،
لكنها لم تكن بعيدة بما يكفي.
تراجع نصف خطوة،
يده ارتفعت إلى جبينه.
خط رفيع من الدم.
نظر إليها.
لم يبدُ غاضبًا.
وهذا… كان أسوأ.
"كان من الممكن أن تكسري رأسي."
صوته هادئ.
بشكل غير مريح.
تصلّبت.
"جين…؟"
لم يقترب.
لم يبتعد.
فقط… بقي حيث هو.
"زميلك."
قالها، كأنها حقيقة تحتاج تذكيرًا.
قبضت على الأنبوب أكثر.
"ما الذي تفعله هنا؟"
كان يتكئ على الحائط شعره الاسود ينسدل على جبهته، الدم يخط جبينه، لكن وجهه هادئ، كأنه في منزله.
ابتسم—
ابتسامة صغيرة، لا تصل إلى عينيه.
"الفضول."
صمت.
"أو ربما… نفس الشيء الذي أعادكِ."
ارتجف شيء داخلها.
"صدفة."
همست بها.
حتى هي… لم تصدقها.
رفع حاجبه قليلًا.
"مرتان؟"
خطوة واحدة منه كانت كافية لتقليص المسافة.
"هذا رقم كبير على الصدف."
سكتت.
أصابعها تحركت نحو هاتفها دون وعي—
لكنه لاحظ.
لم يمنعها.
فقط قال:
"اتصلي."
سكنت.
"وسيكون الأمر بسيطًا جدًا."
نظر إلى الأنبوب.
ثم إلى الحقيبة.
"امرأة… في منزل مهجور.
جثث.
سلاح."
عاد بعينيه إليها.
"ثم تعود إليه مرة أخرى."
صمت قصير.
"قصة مثيرة للاهتمام ،أليس كذلك؟."
لم تكمل الحركة.
يدها… سقطت ببطء.
الصمت تمدد بينهما.
الستارة خلفه تحركت،
والضوء الخافت رسم ظلالًا أطول على الجدار.
اقترب خطوة.
أبطأ هذه المرة.
كأنه يمنحها وقتًا…
أو يسحبه منها.
"كنتُ أفكر…"
أخرج يده من جيبه.
ببطء.
متعمد.
"لماذا يترك أحدهم شيئًا كهذا خلفه؟"
فتح كفّه.
السلسلة تأرجحت.
انعكس الضوء على الاسم.
"ميلا."
لم تتحرك.
لكن عينيها… ثبتتا عليها.
أنفاسها انحبست دون أن تشعر.
"وجدتها… بعدكِ."
قالها بهدوء.
ثم أدارها بين أصابعه.
"كنتِ مستعجلة."
صمت.
ثقل.
العالم تقلّص…
إلى تلك القطعة الصغيرة.
ثم—
إليه.
هذا الشخص…
لم يكن مجرد زميل.
لم يعد كذلك.
تقدّم خطوة أخرى.
ثم توقّف.
مسافة قصيرة.
كافية.
"أخبريني…"
صوته انخفض.
"هل ما زلتِ تظنين أنها صدفة؟"
نظرت إلى السلسلة.
إلى اسمها.
إلى الخطأ… الذي لم يعد صغيرًا.
ثم رفعت عينيها.
هذه المرة—
لم يكن الخوف وحده هناك.
"ألن تأخذيها؟"
تقدمت خطوة.
بلا تفكير.
مدّت يدها—
لكنه سحبها قليلًا.
ببطء.
"همم… ربما لا."
نظرت إليه.
هذه المرة—
لم يكن الخوف وحده في عينيها.
كان هناك شيء آخر.
حذر.
"إذا أردتِ أن تفهمي ما يحدث هنا…"
اقترب أكثر.
صوته أصبح أخفض.
"فأنا ربما أستطيع المساعدة."
تصلبت.
العرض كان بسيطًا.
لكن…
ليس بريئًا.
مدّت يدها مجددًا.
هذه المرة—
تركها.
قبل أن يفعل، قال:
"فكّري جيدًا."
سحبتها بسرعة،
قبضت عليها كأنها تخشى أن تختفي مرة أخرى.
"ولماذا قد تساعدني؟"
نظرت إليه مباشرة.
ابتسم.
بخفة.
"لنقل…"
ميل رأسه قليلًا.
"أنه أمر… لا يخصك."
لم يعجبها الجواب.
لكنها لم تسأل مرة أخرى.
"سأفكر."
قالتها.
لكن صوتها… لم يكن وعدًا.
استدارت.
خرجت.
بخطوات أسرع مما أرادت أن تبدو عليه.
في الخارج—
الهواء كان مختلفًا.
أخف.
تنفست بعمق.
مرة.
وأخرى.
أخرجت هاتفها.
فتحت جهة اتصال.
"جين."
نظرت إلى الاسم.
طويلًا.
"فقط… احتياط."
أغلقت الهاتف.
كأن شيئًا لم يحدث.
لكن—
صوت خطواته خلفها… لم يختفِ.
"سنلتقي في العمل، أليس كذلك؟"
لم تلتفت.
أومأت فقط.
ومضت.
أثناء عودتها…
كان الطريق يمتد أمامها بلا ملامح واضحة.
الأضواء تمرّ… وتختفي.
الأصوات تتلاشى… كأنها بعيدة أكثر مما يجب.
لكن عقلها—
لم يهدأ.
جين.
الاسم استقر في رأسها،
بثقلٍ غير مريح.
ذلك الذي كان يجلس بصمت أغلب الوقت،
يتجنب النظر المباشر،
ويتعثر في أبسط المحادثات مع الزبائن…
هو نفسه—
من وقف هناك،
هادئًا… واثقًا،
كأنه لا يرى في المكان شيئًا غريبًا.
قبضت على المقود أكثر.
الفرق لم يكن بسيطًا.
لم يكن… طبيعيًا.
زفرت ببطء.
هل كانت تراه خطأ طوال هذا الوقت؟
أم أن—
هذا الوجه…
هو الحقيقي؟
صمتت لحظة.
لكن السؤال لم يتوقف عند هذا.
بل ازداد سوءًا.
أبطأت قليلًا،
كأن الفكرة نفسها أجبرتها على ذلك.
كيف عرف…؟
حاجباها انعقدا دون وعي.
لم يخبره أحد.
لم تره هناك عندما وصلت.
ومع ذلك—
كان موجودًا.
ينتظر.
كأن عودتها…
لم تكن مفاجأة له.
شدّت على المقود أكثر.
هذه المرة—
لم تشعر فقط بالقلق.
بل بشيءٍ أثقل.
كأنها…
دخلت لعبة،
لم تبدأها هي.
بعد يومٍ واحدٍ فقط من حادثة المنزل المهجور،
بدت الحياة وكأنها استعادت شكلها الطبيعي… على الأقل من الخارج.
كانت ساحة المطعم مضاءة بضوء شمسٍ شتويٍّ هادئ، لا يدفئ بقدر ما يجمّل الأشياء.
الهواء خفيف، يحمل رائحة الخبز الساخن من الداخل، وصوت الأطباق المتصادمة يتسرّب من المطبخ كإيقاع مألوف.
وقفت ميلا عند المدخل، يدها ما تزال على مقبض الباب.
ترددت للحظة… قبل أن تدفعه.
كل شيءٍ هنا… عادي.
وهذا بالضبط ما لم يكن طبيعيًا.
—
"صباح الخير، ميلا."
الصوت جاء دافئًا كعادته.
رفعت رأسها، فرأت لوكا يقترب، يلوّح لها بكوب قهوةٍ بيده، وابتسامته الهادئة تسبق خطواته.
"هل أنتِ بخير؟"
سألها بنبرةٍ خفيفة، لكنها لم تكن خالية من الملاحظة.
فتحت فمها لتجيب…
لكن الكلمات تعثّرت.
مرّ شريطٌ سريع في ذهنها:
الظلام.
الرائحة.
الوجوه التي لم تغلق عيونها.
أغمضت عينيها للحظة قصيرة، ثم قالت:
"أنا بخير… فقط لم أنم جيدًا."
لم تكن كذبة كاملة.
لكنها لم تكن الحقيقة أيضًا.
تأمّلها لوكا قليلًا، ثم أومأ برأسه ببطء، وكأنه قرر ألا يضغط أكثر.
"حسنًا… لا تنهاري قبل أن يبدأ اليوم، على الأقل."
قالها بنبرةٍ مرحة، وهو يناولها كوبًا آخر.
"هذا لكِ."
ترددت لحظة، ثم أخذته.
حرارة الكوب بين يديها كانت… مطمئنة أكثر مما ينبغي.
لم يقتنع. ظهر ذلك في عينيه، لكنه لم يضغط.
"إن احتجتِ—"
"ميلا."
الصوت جاء من الخلف.
هادئ. مباشر.
التفتت.
كان جين يقف عند باب المطعم، ممسكًا بورقة، ينظر إليها دون استعجال.
"لديكِ طلب توصيل."
تحرّكت نحوه دون تفكير تقريبًا، كأنها تهرب من نظرة لوكا أكثر مما تذهب إليه.
أخذت الورقة، عينيها تمرّان عليها سريعًا—
ثم توقفت.
لا عنوان.
لا اسم.
رفعت نظرها إليه.
وقبل أن تتكلم، قال بهدوء:
"لا يوجد طلب."
صمتت.
"ماذا؟"
مال قليلًا نحوها، صوته انخفض:
"كذبة بيضاء."
شدّت الورقة في يدها دون أن تشعر.
"ولماذا—؟"
قاطعها، هذه المرة دون أن ينظر إليها:
"لا تخبري أحدًا عمّا حدث الليلة الماضية."
تصلّبت.
"عن ماذا تتحدث؟"
نظرة واحدة فقط.
كافية.
فهمت.
"…لماذا؟"
سألته، لكن نبرتها لم تكن حادة كما أرادت.
أجاب بهدوء، وكأنه يفكر بصوتٍ عالٍ:
"لأنكِ إن فعلتِ… ستضطرين لشرح سبب وجودك هناك."
تجمّدت.
أكمل، دون أن يرفع عينيه:
"ومع وجود… بعض التفاصيل الأخرى، لن يبدو الأمر في صالحك."
سكتت.
ثم أضاف، وكأنه يتذكر شيئًا ثانويًا:
"أما لوكا…"
توقّف لحظة قصيرة.
"فلا أظنه الشخص المناسب لسماع هذا النوع من القصص."
لم يعجبها الجواب.
لكنها لم تضغط أكثر.
**
داخل المطعم،
كان كل شيء يسير كالمعتاد.
أصوات الطلبات،
رنين الأطباق،
ضحكات خفيفة متفرقة…
لكن ميلا لم تكن تسمعها كما يجب.
كانت تراقب.
جين—
وهو يتحرك بهدوء بين الطاولات،
يتحدث حين يُسأل فقط،
كأنه يعود لشخصه "القديم".
ولوكا—
الذي يضحك بسهولة…
لكن عينيه لم تبتعدا عنها طويلًا.
فى الساعة الخامسة بدأ المطعم يهدأ صخبه قليلاً
كانت تقف معه قرب نافذة جانبية، يتحدثان بصوت منخفض.
— "حالات الخنق الأخيرة…" قالت ميلا، وهي تطوي ذراعيها، "كلها متشابهة بشكل غير مريح."
— "ليست متشابهة فقط." ردّ جين، عينيه على الشارع، "بل دقيقة."
نظرت إليه:
— "تقصد؟"
— "اعنى أنه الفاعل يعرف ماذا يفعل."
قبل أن ترد—
— "منذ متى وأنتِ تقفين هنا؟"
الصوت جاء بخفة، لكن حدّته لم تكن خفيفة.
التفتت.
لوكا كان يقف خلفهما، يضع يديه في جيبيه، وابتسامته المعتادة… موجودة، لكنها أضيق قليلًا.
— "ومع…"
نظر إلى جين، ثم أكمل بنبرة أقرب للمزاح:
— "هذا الأبله الذي بالكاد يتحدث مع الزبائن؟"
رفع جين حاجبًا، وردّ بهدوء:
"أستطيع السماع أيضًا، كما ترى."
اقترب جين، بخطوات هادئة،
" و أقترح أن تخفّض صوتك إن كنتَ تنوي الإهانة...
لا تنس انك فى العمل."
ضحك لوكا، رافعًا يديه باستسلام.
"كانت مزحة. لا داعي للدفاع عن نفسك."
نظر جين إليه للحظة،
ثم قال بهدوء:
"لم أفعل."
"جيد… إذًا اسمع هذه:
منذ متى وأنتما تعرفان بعضكما؟"
نظرت ميلا بينهما، شعور خفيف بعدم الارتياح بدأ يتسلل إليها.
أجاب جين ببساطة:
"مصادفة."
ثم أضاف، وهو ينظر إلى ميلا:
"بعد العمل."
لوكا أمال رأسه قليلًا.
"مصادفة…"
كررها، كأنه يختبر الكلمة.
ثم ابتسم، لكن هذه المرة ابتسامته كانت أبطأ.
"غريب. لم أرك تتحدث مع أحد من قبل."
ردّ جين بهدوء:
"لأنني لا أرى فائدة في ذلك غالبًا."
"إلا الآن؟"
"إلا الآن."
الصمت الذي تلا ذلك لم يكن مريحًا.
تنهدت ميلا فجأة.
ثم التفت إلى ميلا:
"هل بدأ يحدّثك عن نظرياته الغريبة أيضًا؟"
قطبت حاجبيها قليلًا:
"أي نظريات؟"
"الجرائم، الأنماط، الدوافع…"
لوكا لوّح بيده بلا اهتمام.
"يحب أن يحوّل كل شيء إلى لغز."
"وأنت؟"
تدخل جين بهدوء.
"تفضّل تجاهل كل شيء، أليس كذلك؟"
ابتسم لوكا، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه هذه المرة.
"أفضل ألا أعيش داخل رأسي طوال الوقت."
"مفهوم."
قال جين.
"ليس لدى الجميع ما يكفي لملء ذلك الفراغ سوى بالثرثرة فيما لا يعنيه."
ساد صمت.
التوتر هذه المرة لم يكن خفيًا.
—
تقدّمت ميلا خطوة بينهما، قبل أن يتحول الأمر إلى شيءٍ أسوأ.
تدخلت ميلا، أسرع هذه المرة:
"الجميع يتحدث عن الجرائم الأخيرة ليس جين فقط يا لوكا.
ثم التفت إلى ميلا:
— "كنت أظنكِ أذكى من أن تصدقي كلمة (مصادفة) بهذه السهولة."
لم تعجبه الجملة.
ولا أعجبتها هي أيضًا.
قطّبت حاجبيها قليلًا
رد جين بهدوء كالمعتاد :
"ماذا تقصد يا لوكا؟، الا تظن أن حديثك أصبح اطول من اللازم"
ثم قطعت ميلا التوتر، وهي تلتقط خوذتها:
"حسنًا. قبل أن يتحول هذا إلى تحقيق رسمي—"
نظرت إليهما.
"أنا سأخرج للتوصيل. ومن منكما سيبقى هنا… فليحاول ألا يقتل الآخر، رجاءً."
صمت.
ثم—
ضحك لوكا.
خفيفًا.
وتراجع خطوة.
أما جين… فاكتفى بابتسامة صغيرة بالكاد تُرى.
استدارت ميلا، وغادرت.
وبعد أيامٍ من الصمت المشوب بالحذر…
وصلها طلب جديد.
"السيدة ماري."
توقّفت عيناها عند الاسم لحظة أطول مما ينبغي.
غريب. لا يذكّرها بشيء.
أما العنوان… فكان أكثر غرابة.
شارع جانبي، بالكاد مرّت به من قبل، إن كانت قد مرّت أصلًا.
ارتدت خوذتها دون تفكير طويل،
وأدارت المحرّك.
انطلقت.
الهواء البارد كان يصفع وجهها،
والطريق يمتد أمامها كخطٍ مستقيم لا نهاية له.
لم تحاول أن تبطئ.
كأن السرعة… الطريقة الوحيدة لإسكات ما يدور في رأسها.
حين وصلت،
أوقفت الدراجة أمام مبنى قديم.
الطلاء متقشّر،
والشرفات ضيّقة،
والنوافذ… مغلقة بإحكام، كعيونٍ قررت ألّا ترى.
رفعت رأسها قليلًا، تتأمل الواجهة.
لا شيء يتحرك.
دخلت.
رائحة المكان كانت خانقة… مزيجًا من رطوبة قديمة وهواء لم يتجدّد منذ زمن.
السلالم ضيقة،
وكل خطوة عليها تُصدر صدى خافتًا… أطول مما يجب.
بدأ قلبها يتسارع.
ليس فجأة—
بل تدريجيًا، كشيءٍ يعرف ما ينتظره.
الطابق الثالث.
توقفت أمام الباب رقم (8).
رفعت يدها… وطرقت.
طرقة خفيفة.
لا رد.
انتظرت.
ثم طرقت مرة أخرى—
أقوى قليلًا.
صمت.
وُلد صوت خافت من الداخل.
ثم—
تحرّك المقبض.
انفتح الباب ببطء،
مُصدرًا صريرًا منخفضًا… كأنه احتجاج قديم.
تجمّدت مكانها.
لم تدفعه.
لم تفتح أكثر.
فقط… نظرت.
"السيدة ماري؟"
صوتها خرج أخفض مما توقعت.
لا إجابة.
ابتلعت ريقها.
ثم دفعت الباب… ببطء.
دخلت خطوة واحدة فقط.
يدها انزلقت تلقائيًا نحو هاتفها،
وأصابعها شدّت عليه دون أن تفتحه.
عيناها تحرّكتا في المكان…
ببطء.
حذر.
ثم—
وصلت الرائحة.
هذه المرة… أوضح.
أثقل.
شيء معدني… دافئ.
دم.
توقّف كل شيء.
حتى أنفاسها.
رأتها.
على الأرض.
جسد امرأة ممدّد،
رداء أبيض… لم يعد أبيض بالكامل.
وجهها شاحب… ساكن،
وعيناها مفتوحتان—
لا تنظران إلى شيء.
كأن اللحظة التي توقفت عندها… لم تنتهِ بعد.
تقدّمت خطوة.
ثم أخرى.
كل حركة بدت أبطأ مما ينبغي.
حول الجسد…
أوراق.
متناثرة.
بعضها ملوّث،
والبعض الآخر نظيف… بشكلٍ غير مريح.
كأن الفوضى… مقصودة.
انخفض نظرها نحو إحداها.
توقّفت.
كتابة مائلة، غير منتظمة.
لكنها واضحة.
"في ظلٍ غير ملحوظ…
يوجد ثلاث أعمدة… وثماني شقق."
تجمّدت.
ثم—
أسفلها…
٣… ٨… ٣… ٨…
مكررة.
بلا سبب ظاهر.
بلا شرح.
رفعت رأسها ببطء.
نظرت إلى الجدران.
إلى السقف.
إلى الباب.
كل شيء… كما هو.
لكن—
لم يعد عاديًا.
"ثلاث… وثماني…"
همست بها، دون وعي.
هل تتحدث عن المبنى؟
عن هذه الشقة؟
أم—
عن شيءٍ آخر تمامًا؟
عادت عيناها إلى الجثة.
آثار داكنة حول العنق.
لا دماء غزيرة.
لا مقاومة واضحة.
فقط—
نهاية… هادئة أكثر مما ينبغي.
قبضت ميلا على الهاتف بقوة أكبر.
لم تتحرك.
لم تقترب أكثر.
في عينيها… انعكس المشهد:
جسد ساكن.
رسالة غامضة.
وأرقام… لا تتوقف عن التكرار.
٣… ٨… ٣… ٨…
شعرت بشيءٍ بارد ينساب في صدرها.
ليس خوفًا فقط.
شيء… أعمق.
كأن هذا المكان لم يكن مجرد مسرح جريمة.
بل رسالة.
وكأنها…
لم تأتِ إلى هنا بالصدفة.
بل تم استدعاؤها.
Eva van