وليمة فالنتينو

وليمة فالنتينو

60 1

تهادت خطى دانتي على أرصفة ميلانو.

أضنى عقله بالتأرجح بين فكرة وأخرى.

لم يلحظ اهتزاز الهاتف بجيبه إلا بعد فوات الأوان، عاود الاتصال مرة أخرى.

ثم رفع السماعة وقال:

ماذا تريد؟

ماكسيمليان: أخبرني سيدي بأن أهاتفك.

خاطب دانتي ببرود: ماذا يريد؟

رد ماكسيمليان: أعتذر على عدم إيضاح هذا مسبقًا، اليوم ذكرى ميلاد السيد.

في كل سنة من هذا اليوم يُعد وليمة يجتمع فيها جميع حلفاء آل فالنتينو للاحتفال.

تنهد ببطء مكملاً حديثه: قد تم إرسال الدعوات مسبقًا ومن ضمنهم أنت يا دانتي.

تحدث دانتي بسخرية: حقًا! لم أعلم بهذا سوى الآن، وما المطلوب مني الآن؟

ماكسيمليان: الحضور يا سيدي.

: أعتذر، لم أُعد هدية تناسب شأن والدي، أيضًا لا يستطيع ابن فالنتينو التجول في وليمة بملابس كهذه وأنت على معرفة بهذا.

ابتسم ماكسيمليان ابتسامة منتصرة وقال: سيدي أقدر قلقك على ظهورك الأول أمامهم... لذلك لا تخف، أنا بجانبك وقد أعددت كل شيء لأجلك بدءًا من ملابسك إلى الهدية.

ضحك دانتي والغضب يجتاحه: نعم، أنت لست مجرد كابوسي فقط، أنت مدبر قصر آل فالنتينو.

حسنًا، أغلق فالنتينو و أبلغ العجوز أنني سأتأخر قليلًا.

ضحك ماكسيمليان: سيدي ستجدني في السيارة أنتظرك على الرصيف المقابل، لا مجال للتأخير، لقد أضعت عشر دقائق.

أشاح دانتي برأسه للجهة الأخرى، لمح سيارة قاتمة اللون تجتاحها هالة مهيبة، وبجانبها رجل يرتدي بدلة كجوف الليل بأكتاف عريضة، أسرع بخطواته نحوه وقال على مضض: لم تمضِ سوى عشر دقائق فقط، ولم يغفل العجوز عن هذا الأمر، هل يجب عليّ حضور هذه الوليمة؟ تبا.

ظل دانتي يحدق في ماكسيمليان بفضول، أبصر شعرًا أسود تتسلل بينه خيوط حرير بيضاء، ملابس في شدة الأناقة والدقة، يمسك بقبعة عصرية، بخطوات ثابتة رزينة يتقدم إليه.

أخذ ماكسيمليان زمام المبادرة وأخذ قبعته ثم انحنى احترامًا له.

قال دانتي: أنت الرجل الذي يراقبني دائمًا كالجاسوس.

أجاب بابتسامة: نعم سيدي، أنا ماكسيمليان، كابوسي آل فالنتينو. عينني والدك لأخدمه طوال عمري، ولأحميك أيضًا وأكون وسطًا بينك وبينه. يشرفني أن ألقاك الليلة.

: ولمَ؟ وهل يهتم؟ أم يحاول أن يكفّر عن أفعاله في هذا السن؟

: سيدي لا أتجرأ على قول ما لا أعلمه، لكني دائمًا ما أتلقى أوامر الاعتناء بك والحرص على أمان محيطك.

: ليس من السهل أن تصبح كابوسي لزعيم فالنتينو، لذلك لا تكذب أمامي بكلام كهذا، يستحيل أن تجهل ما يحدث في الخفاء.

نظر ماكسيمليان إلى عيني دانتي وقال: لم يخطئ والدك قط، أنت شاب جريء وحاد الطباع، هيا يا سيدي يجب علينا الرحيل.

: حسنًا، لن أصعّب عليك المهمة أكثر من هذا.

ابتسم ماكسيمليان بلطف: شكرًا سيدي على تفهمك.

: ماكسيمليان، سأطرح عليك بعض الأسئلة.

: تفضل.

: كيف حال أفراد فالنتينو داخل القصر؟

: لم يتغير البتة، منذ رحيلك والقصر بقي كما هو، الجميع في أفضل حال.

تنهد دانتي: أكملت عقدين خارج هذا القصر تحت اسم العقاب، لكنني أعتقد أنها أجمل أيام حياتي، لقد عدت إلى الجحيم مجددًا.

: سيدي، ليس من الجيد التحدث بهذه الطريقة، انسَ الماضي ولنبدأ من جديد.

: اخرس، ليس لك الحق في التحدث معي بهذه الطريقة.

: أعتذر سيدي، أقبل أي عقاب تأمرني به.

: تريدني أن أعاقبك؟ لست تابعي لكي أعاقبك.

التفت ماكسيمليان وظل يحدق في شك.

انتبه دانتي لنظرات ماكسيمليان الثاقبة وقال بهدوء: ليس لي شأن في معاقبتك، هل تريد من العجوز قتلي؟

ضحك ماكسيمليان بسخرية: من غير المعقول أن يعاقبك السيد في هذا الأمر، لا تقلق، تستطيع أن تعاقبني وقت ما شئت، لأنني مجرد تابع، وإن أردت أن تتأكد من هذا الشيء أخبره الليلة بأنني أسأت إليك وسترى كيف سيتصرف في هذا الشأن.

: كيف؟

اظلمت عينا ماكسيمليان ثم صرح بصوت رخيم: تأخذ حقك بيدك... أهلاً بك في قصر فالنتينو.

أومأ دانتي بيده وصاح بنبرة غير مبالية: أسرع، أسرع قبل أن يهاتفك العجوز.

قصر آل فالنتينو

فور وصول دانتي إلى القصر ذهب للجناح الذي اعتاد أن يعيش فيه... ذاك الطفل ذو المزاج الهادئ.

هوى إلى السرير واضعًا يده على رأسه المثقل بالأفكار... أسرتْهُ ضربات المطر المتسارعة على أصيص الورد.

وجه حاد يخفي خلفه ألم رجل لم يذق متعة الطفولة قط.

وفي وسط تأملاته العديدة لكل شيء حوله دخل ماكسيمليان حاملاً ثيابًا تليق بشأن فالنتينو.

أخذ يرتب خزانته بروية تحت نظرات دانتي المتمردة ثم أسرّ بهدوء:

السيد دانتي يجب عليك الاستعداد للوليمة، ليس من اللائق ترك حلفائنا ينتظرون ظهور ذئب فالنتينو.

_ الوليمة _

تقدّم دانتي بضع خطوات وظل ثابتًا أمام الباب في ذلك الوقت... عندما تتعالى أصوات الضحكات المزيفة وتُقرع الكؤوس الفاخرة لتوثيق خيط العلاقات، يظهر الجميع بحضور آسر أمام أقنعة متشابهة. يعلم دانتي بأن الجميع كالدمى في عالم العصابات؛ مسيّرة بترتيب القوى.

القوي يتصدر القمة شامخًا، بينما الضعيف ينصاع إليه على أمل الصعود كذيل جرو أخرق.

أخذ ماكسيمليان المقبض وضغط عليه بقوة، ثم عمّ الصمت المكان تحت نظرات فاحصة من قبل الحشد.

وقف والده مرحبًا به مع إخوته الثلاثة: أهلاً بعودتك إلى إمبراطورية فالنتينو العظمى، هيا اجلس واستمتع بوليمة لمّ الشمل.

أخرج دانتي سلاحًا نُحتت عليه نقوش رصينة، ثم انحنى في هيبة: أبي، هذا رمز وثيق بيننا، أتمنى أن ينال إعجابك.

انحنى في هيبة: أبي، هذا رمزًا وثيقًا بيننا، أتمنى أن ينال إعجابك.

ضحك بصوت عالٍ: جيد، هيا ليستمتع الجميع.

صاح فيتوريو فالنتينو (الأخ الأكبر): أتباعنا المخلصون، أتمنى أن تبقى رباطة جأشكم ملتحمة في الفرح والخطر.

رمقه دانتي بنظرة اشمئزاز وأسرّ بداخله: لم يتغير ذلك المتملق المتعجرف، دائمًا يفضل حديثًا حلوًا دسّ فيه سمّ التهديد والسلطة، يبدو بأن الصراع بين الذيول مستمر داخل فالنتينو، يا لهم من حمقى.

أخرج فابيو (الأخ الأوسط) لوحة فنية أبهَر بها الحضور بدقتها، ثم توجه معطياً إياها دانتي بابتسامة دافئة.

هز دانتي برأسه مبادلاً الآخر ابتسامة مماثلة.

خاطب فابيو الحشد بهدوء كعادته: أيها السادة المحترمون، شعر دانتي بتوعك طفيف ويجب علينا أن نتفهّم ذلك، سأأخذه إلى مكان ليستريح فيه، استسمحكم عذرًا.

سحب فابيو دانتي من يده متوجهاً إلى جناحه.

صرّح بامتعاض: لقد سئمت من هذه اللقاءات المزعجة، سأعزمك على قهوة في جناحك.

رد دانتي: لن أرفض ذاك، هيا لنذهب، لكن لماذا ليس جناحك يا فابيو؟ هل تخفي نساءك عني؟

احمرّ وجهه وقال على مضض: لا، ليس كذلك، لكن جناحك هو الأقرب، وليس من المريح أن تعبر مسافات وقد عدتَ قريبًا من رحلة، ثم إنني لست من ذلك النوع... أقصد المحب للنساء.

تحدث دانتي بسخرية: أوه يا فابيو، مثير للريبة، إن كنت لا تحب النساء فمن تحب؟

: أحب الطبيعة وكل ما هو مرتبط بها.

جلس دانتي على أريكة فاخرة بينما يعد فابيو القهوة، ثم أكمل حديثه:

: أوليس البشر من الطبيعة؟

ابتسم فابيو بقلق: لديك تفكير مثير للاهتمام، يجب علينا أن نقيم جلسات كهذه بين فترة وأخرى. وإجابةً على سؤالك، من المؤكد نعم، لكنهم الأسوأ، ليس مثل باقي الأجناس الأخرى، فهم أكثر دهاءً ورعبًا وحسدًا.

هز دانتي رأسه موافقًا: نعم، بالتأكيد.

نظر فابيو إلى عيني دانتي بنظرات لم يستطع من خلالها فهم طبيعة مشاعره، ثم قدّم كوب من القهوة ورحل بهدوء.

صاح دانتي بدهشة: ألا تريد أن تشرب معي؟

: لا، أريد فقط أن تكون حرًا.

رفع يديه وهو يسير بانسيابية: حرًا كطير يفرد جناحيه.

ظل دانتي يحدق فيه بفضول وهو يتراقص على ألحان ذات كلمات غير مفهومة، إلى أن هدأت الأصوات وبات دانتي وحيدًا يفكر في اللعنة التي أعادته إلى قصر فالنتينو.

_ في الفناء الخلفي _

خرج دانتي من فناء آل فالنتينو قاصدًا حديقة القصر المهجورة.

أخذ إبريق الري ينثر الماء على النباتات، لم يتسنَّ له إلا قول:

هناك نجمة تضيء.

وفي محاولات لإخفاء ضعفه، جثا على ركبتيه تحت ظل الأمطار الغزيرة.

مع كل قطرة تتساقط، تفيض دمعة على خديه الغائرين.

أكمل حديثه بصوت متقطع: لو كنت أعلم أن هذه النهاية لبقيت بجانبك.

وقف على قدميه مجددًا عندما شعر بحركة آتية، وللوهلة نفسها هوى سالفير عليه بشدة.

صرخ دانتي بغضب: سالفير، ما الذي تفعله بحق الجحيم؟

ألم تكفك العشرون جلدة؟

أجاب سالفير بقلق: لأكن صريحًا سيدي، لقد أرعبتني عندما لحظتك تقترب مني فسقطتُ سهوًا، لكنني أقسم لك لم أقصد التجسس، كنت أحاول الهرب فقط، لا أحد يجرؤ على فعل هذا.

تنهد دانتي تنهيدة عميقة ثم قال: ارحمني، ارحمني ليرحمك من في السماء يا سالفير.

انسَ الأمر، أعلم بأن كلامي لا يستوعبه دماغك، لماذا أتيت؟

نظر إليه مكملاً حديثه: أقسم لو كان سببًا تافهًا لجلدتك بنفسي ومرتين ضعف السابقة.

بلع سالفير ريقه ثم همس بحذر: سيدي، هناك فتاة تعلم جميع مداخل ومخارج مقرنا.

: من أي عصابة؟

: لا أعلم.

: كيف تجرؤ؟

: سيدي، أعتذر عما بدر مني.

لكنني حاولت جاهدًا التعرف على هويتها، لذلك أوكلت المهمة لماثيو.

: وهل علم أي شيء عنها؟

: لا يا سيدي.

: أين هي الآن؟

: أبقيتها في مكتبك لأنها تصر على مقابلتك اليوم.

: ماذا؟ أعد ما قلت يا سالفير.

: سيدي إنها تستمر بتهديد العصابة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل آل نيرا

المؤلف آرينثيا
2026/05/28 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة