الماضي المؤلم

الماضي المؤلم

12 0

نهضت من فراشه بتثاقل، تنضر حولها تحاول استيعاب ما حدث

لتجد نفسها في غرفة اثاثها قديم، لكن تبدو مرتبة بعض الشيئ،

يتوسطها السرير الذي كانت مستلقية عليه، ويوجد رفوف تملئها الكتب تحيط بلغرفة، لكنها نضيفة،، يبدو أن ألاس يهتم بلكتب

نضرت حولها،، إذن لازلت في المقر، ثم قالت بتسائل

لكن هل يعقل أن الاس يعيش في هذا المكان، ام هو مكان للتخزين فقط، اردفت بعد ان انتبهت لخزانة الملابس

،، لابد انه يعيش هنا، فما حاجته لخزانة ملابس وسرير ان كان غير ذلك،،. قالت بتهكم

،، "اوه، يبدو انني افكر كثيرا هذه الفترة"

بدأت بالتجول في الغرفة وكأنها تبحث عن اي شيء جديد

إنتقت عدة كتب لتقلب صفحاتها دون ان تقرأ شيء منها

ثم انتقلت الى الدروج وكان معضمها فارغ

وجدت في احدها اوراق وساعة يد من النوع القديم وادوات اخرى لم تكترث لها، ثم ذهبت الى خزانة الملابس وجدت فيها معطف اسود معلق، وبنطال ولبعض من الملابس الاخرى مرتبة في اسفل الخزانة، ثم انتبهت لشيء اسود لامع من بين الملابس

لترفعه فتجده صندوق املس جميل، صغير الحجم، وعندما همت بفتحه سمعت طرقات الباب على الغرفة، فأعادت الصندوق مكانه

وعاودت تغطيته بلملابس بسرعة، وذهبت الى السرير لتنتبه انها

17)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم تغلق الخزانة، همّت في الذهاب لاغلاقها لكن توقفت عندما فتح الباب لتدخل اسين الى الغرفة فتجد ديڤين مرتبكة

،، ما بك، هل اخفتك،،

،، لا لا ابدا، لكنني استغربت من قدومك

قالت وهي تتقدم نحوها

،، حسنا، فقط كنت اريد ان اسألك عن ألاس،،،جلست بجانبها على السرير ثم تنهدت،

،، لقد خرج وهو مرتبك، هل قلتِ له شيء يغضبه؟،،

قالت لتجنب اخبارها بما دار بينهما

،، اوه، يبدو انه غضب لاني لم اكن ارغب بتولي القيادة فقد جادلته كثيرا بهذا الامر لكن بلنهاية اجبرني على فعلها،،

،، هكذا اذن، بلمناسبة، مبارك لكِ الفوز،،

،، لا اضن اني فزت بجدارتي، فقد كنتي احق بلفوز مني..لماذا اعلنتي انسحابك؟ فقد كان بإمكانك الفوز..

،، ببساطة.. لاني لا ارغب بتولي القيادة،،

،، ان كان الامر هكذا فلماذا لم تنسحبي من البداية؟،،

،،  احب ان انافس أُناس جدد،،

،، اوه، هكذا إذاً،،

حلت لحضة صمت بينهما قبل ان تتكلم أسين،...

،، ما رأيك ان نخرج غدا في المساء لتناول الغداء معاً، لنقل انها احتفالا بفوزك وتوليك القيادة، وبالوقت ذاته نتعرف على بعضنا،،

18)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

،،  لا مانع لدي..قالت ممازحة، لكن بشرط ان يكون على حسابك،،

،، قالت ضاحكة،، بلطبع على حسابي، لا تخافي..

ثم همت بالوقوف بعد ان نظرت لساعتها،،، يجب علي ان اذهب الان، الى القاء،،

،، الى القاء،،

تنهدت ديڤين تنهيدة طويلة بعد خروج اسين

،، اوه من الجيد انها لم تنتبه للخزانة،. لكن يبدو ان علي ترك فضولي الان، فقد تأخرت ويجب ان اعود قبل حلول اليل،،...

لقد كانت ديڤين لا تزال متأثرة بالحادثة، واصبحت تخاف من الخروج وحدها في الظلام، وعندما يحل الليل لا تخرج من غرفتها، وتقفل جميع الابواب و النوافذ، فقد اصبح وكأنه لديها

عقدة نفسية مما حدث معها في تلك اليلة،،

                                 ................

19)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                 ....................

عادت ديڤين للمنزل، لتذهب للاستحمام مباشرة لإزالة آثار التعب بماء بارد منعش، ثم تناولت وجبة غداء خفيفة قبل ان تذهب لتستلقي على السرير لكي تحظى بنوم عميق، لكن لم يهنأ لها هذا بعد ان بدأ هاتفها بلرنين لتجده من رقم مجهول،

اجابت،، مرحباً..

ـ اهلا بك، لقد اشتقت لك كثيرا،،

ـ ومن انت،،

ـ هل نسيتني بهذه السرعة

قالت بتهكم،، ـ ومن انت حتى انساك

ـ انا أمير، الم تذكريني يا سناء

ـ يبدو انك مخطئ، انا لست سناء بل ديڤين

وأغلقت الهاتف قبل ان يتسنى له الاعتذار ثم تأففت ـ تباً لك،،

عادت للأستلقاء وقبل ان تغفو عينيها سمعت الهاتف يرن مرةً اخرى، لتقوم غاضبة اليه وهي تكلمه،،

ـ ايجب علي تحطيمك لأحظى بقليلٍ من الراحة

رفعت الهاتف لتصرخ بالمتصل،،

20)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ الم اقل لك انني لست سناء ايه الأحمق

ـ هل نعتني بلأحمق قبل قليل؟

توقفت مصدومة وقد إحمر وجهها بعد سماع صوت الاس

يأتي من الهاتف لتقول متداركة الامر

ـ انا، انت،، انا لم اكن اقصدك لقد كان هو

ـ ايتها الحمقاء، اريد ان اقابلك لنتكلم، هل انتي في المنزل؟

ـ اولا لا تنعتني بلحمقاء، اخبرتك اني لم اكن اقصدك

ثانيا، الا ترى كم الساعة الان، يجب ان انام لكي لا اعاقب

غدا ان تأخرت على التدريب،، قال ضاحكاً

لازلت تذكرين هذا، لقد اصبحتِ قائدة عصابة وانتي من يجب ان تعاقبي الان،، تحدثت متجاهلة تعليقه

ـ حسناً، اين سنتقابل

ـ انا انترك امام المنزل منذ نصف ساعة. اردف،،ـ لا تتأخري.

قالت ساخرة،،  ـ اوه يبدو انك لست دقيقا في مواعيدك فحسب

بل اصبحت تأتي قبل الموعد،،،،

                                ••••••••••••••

21)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذهب الاس للاستحمام بعد ان اغلق الهاتف، وقد ضهرت ابتسامة ماكرة من بين شفتيه، فقد اخبرها انه بانتضارها لكي يستعجلها

فهذه الطريقة الوحيدةالتي يستخدمهالضمان عدم تأخرها عن الموعد،

لم يأخذ وقت طويل حتى خرج وهو يغطي جسم بثوب الاستحمام، ذهب الى غرفته، واختار ملابس مناسبة ليبدأ بأرتدائها، ثم توقف قبل ان يرتدي قميصه، ليبدو ساكناً تماما وهو يحدق بالجرح الموجود على رقبته وقد تسللت الى ذهنه امواج من الذكريات،،،، •

((،، بسببك انت،، لقد جعلت ابني قاتل،، بسببك..

هل تفعل بي هذا بعد ان ربيتك واعتنيت بك،

لقد كنت بمثابة ام لك..

،، ثم اندفعت نحوه بغضب وهو لا يزال مصدوم بلذي امامه

لتبدأ بضربه بالعصا التي كانت مرمية على الارض، وهي تصرخ..

،، قاتل،، قاتل،،

،، انت قاتل،، كل هذا بسببك..

جسده الصغير لم يعد يحتمل الضرب،، نهض مندفع نحو السكين الملقاة بجانب الجثة، اخذها وانطلق اليها كوحش مفترس

ليغرسها داخل بطنها وهو يصرخ بألم

انا لست قاتل،، لست قاتل

22)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عاد للوراء عدة خطوات بأنفاس متسارعة، وهو ينضر اليها وهي تسقط جانب جثة والده، لتموت هي الاخرى

اسند ضهره على الحائط وبدأ يتمتم بشفتيه المرتجفتين

،، لقد ماتت...

،، قتلتها بنفسي..

لم يستطع حبس دموعه ، وبدأ بلأرتجاف وبكاء عميق، لازال عالق في الصدمة،، هل يعقل ان اخاه هو من قتل والده،،،

،، انا القاتل..

لقد قتلت امي.......))

عاد لواقعه وهو ينضر الى نفسه وعينيه التي يملأها الارتباك.

ارتدى ملابسه قبل ان يخرج من المنزل عازماً على اخبارها

نعم،، سيخبر ديفين بكل شيئ

سيخبرها بالحقيقة التي لطالما خبأها عن الجميع

فقد اصبحت هي ملاذه وسره..

انها الشخص الوحيد الذي يستطيع ان يفشي لها كل آلامه التي يعاني منها ولتي تأسره منذ صغره

             

                                 ••••••••••••••••

23)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وحيث ديڤين:

ذهبت لترتدي ملابسها محاولة الاسراع، لكن تأخرت بسبب غرفتها التي تبدو وكأن لصاً قد حاول سرقتها

فلم تكن تهتم لترتيب المنزل وتنضيفه منذ عودتها إليه..

ارتدت ملابس عشوائية،  لتنطلق خارج الغرفة راكضة فتتعثر بملابسها التي نثرتها على الارض، القتها بعيدا بتهكم وستمرت بالخروج،، تبحث عن سيارة الاس بالقرب منها فلم تجده

بدأ الشك يتسلل إليها

" هل يعقل انه ذهب لكثرة انتضاره.. نعم يفعلها ذلك الالاس، فهو لا يكترث لاحد

انتضرت طويلا دون جدوى، اخذت هاتفها لتتصل به بعد ان غطت الغيوم ضوء القمر لتبدأ السماء بهطول أمطار باردة، وهو لا يجيب.

عادت للمنزل مسرعة وهي تعاود الاتصال

،، ليجيب اخيراً،،

"اين انت الم تقل انك امام المنزل"

"نعم.. انا امام المنزل ولازلت في انتضارك،، وقد مللت."

"هل تهزأ بي؟.. لقد خرجت للتو من منزلي ولم اجدك"

" انا لم اقل لكِ انني انتضرك امام منزلك"

قالت بتعجب: "ما الذي تقصده بهذا"

24)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"اقصد انني لا انتضرك امام منزلك انتِ، ايتها الحمقاء

بل امام منزلي،، اردف،،

" وما الي سيجعلني آتي لمنزلك، فلأمر يخصك انتِ،وليس انا"

"لقد ركضت كالمجانين بسببك ايه اللـ،،"

"حمقااء.. هذا خطأك.. كان يجب ان تسألي عن المنزل الذي اقصده

ليكن درساً لك،، لا تثقي بالكلام الذي لم يكتمل،،"

"وفر دروسك الان..سأنتضرك أمام المقهى القريب من منزلي

فأنا لا املك سيارة مثلك للقدوم الى اليك"

"واين سيارتك.؟الم يكن لديك واحدة"

ردت بغلاضة لانهاء المحادثة...

"هذا ليس من شأنك"

اقفلت الهاتف وذهبت لتبديل ملابسها التي كانت غير مناسبة بسبب الاس، ثم خرجت من المنزل وأقفلت الباب بإحكام

لخوفها من دخول أحد افراد عصابة كمال ويقتلها عند عودتها..

وصل الاس للمقهى، لينتضر قليلا قبل ان يرى ديڤين  من بعيد، وهي تتقدم بخطوات ثابتة

ترتدي معطف بنياً بلإضافة الى شال ملتف حول رقبتها وينسدل طرفه من على ضهرها مع شعرها الأسود اللامع المشدود الى الخلف على هيئة ذيل حصان

25)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لتظهر ملامحها الحادة، وعيناها الخضراوين، مع تقدمها الى الاس

وهي تنضر اليه..

"هل تأخرت؟"

"ليس كثيرا"

وقفا ينضران لبعضهما بلحضة هادئة، مع رذاذ المطر الذي

يلامس وجهيهما، قبل ان تتكلم ديڤين..

"لم تزعجني من نومي لتنضر الي فقط.. صحيح؟"

"بالطبع لا.. تفضلي"

قالها وهو يشير الى المقهى لتتقدمه.

دق الجرس المعلق فوق باب المقهى بصوت خفيف عند دخولهما

بخطوات هادئة، كان المقهى قليل الإزدحام

يختلط فيه صوت آلات القهوة برائحة البِنّ الطازج وضوء اصفر دافئ ينساب من المصابيح المعلقة

تقدم الاس إلى إحدى الطاولات الجانبية القريبة من النافذة، واختار مقعدا يسمح له برؤية المكان كاملا، كانت ملامحه جادة

وعيناه تترقبان وصول التكملة التي يعرف انها ستقود هذا اللقاء الى منحى مختلف

جلست ديڤين امامه، وضعت حقيبتها الصغيرة بجانبها ثم سحبت نفساً قصيرا كما لو أنها جاهزة لسماعه، فطلب لقائه لها في هذا الوقت، كفيلاً بأن تعلم ان الامر مهم ولن يكون عابراً

تبادل الاثنان لحضة صمت لا تتجاوز ثوانٍ قبل مجيئ نادل المقهى ومعه كوبا القهوة التي قد طلبهما الاس عند دخوله

26)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رفع كوبه بهدوء ليأخذ رشفة منه قبل ان يبدأ حديثه لديڤين بينما هي تستمع بصمت...

"اخبرتك من قبل عن موضوع غيابي لوقت طويل"

اومأت إجاباً، ليكمل..

"انت اصبحت القائدة يا ديڤين، ولا تضني ان قيادتك مقتصرة على مجموعة مكونة من سبعة اعضاء فقط

فهذه المجموعه البسيطة هم أمل هذه العصابة، ومستقبلهم اصبح بين يديك، اريدك ان تكملي طريقي لكي احقق مرادي بأن تكبر هذه العصابة وتنمو بقوة لكي اتمكن من الوصول الى هدفي

بهزيمة عصابة اخي.. "

نضرت له بتعابير مندهشة..

"هل لديك اخ..؟"

"نعم.. لم اخبرك بهذا من قبل، ولكن اظن ان الوقت مناسب الان لاخبارك بالحقيقة... عصابتنا لم تنشأ يوما على القتل او التخريب ابدا، لقد انشأت هذه العصابة طوال هذه السنين فقط لاتمكن من تدمير اخي الذي تمكن من اغواء رجالي وجعلهم تحت امره"

"اذن افهم من كلامك ان عصابتك كان عددها اكبر من الان"

"نعم.. لقد كانت تتكون من ثلاث مئة شخص تقريبا"

"ومن هو اخوك، ولماذا فعل هذا"

"لقد سألتني من قبل عن كمال، وسبب لقائنا في ذالك اليوم"

أومأت له وهي تتمنى ان لا يكون ما تفكر به صحيحاً..

27)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليكمل قوله الذي جعل لسانها ينعقد من الصدمة..

"كمال هو اخي،، لكن من ام مختلفة"

لم تتكلم بشىء وبقيت تنظر له وكأن الكلام قد خطف منها

وهناك اكوام من الافكار تكاد تفجر رأسها،، ليتابع هو...

في صغري ولسبب ما انفصل ابي وأمي عن بعضهما، ولم تقبل امي ان تبقني معها بحجة انها تريد ان تنسى كل ذكرياتها مع ابي

فبقيت مع ابي الذي كان يهتم بي مع زوجته الجديدة التي تزوجها بعد امي بثلاث اشهر، وقد كانت تهتم بي كثيرا فهي لم تنجب طفلا بعد،، كنت في الرابع من عمري وبعد سنة انجبت زوجة ابي طفلا،، هو كمال،،

كنت احبه كثيرا فقد اصبح لدي اخ، وقد كنت اعتني به منذ ولادته

وعندما بلغ الثالث من عمره بدأ يتغيّر من طفل الى وحش صغير

فقد رأيته بنفسي يقطع رأس قط، لم اكن لاتخيل ان يصدر هذا الفعل من طفل بعمره، وظننت في البداية انه مجرد خطأ قد يصدر من اي طفل في بداية عمره..

لكن بعد ان تكرر الامر اصبحت اخاف منه

وخصوصا بعد ان حاول قطع رقبتي بينما كنت نائك، لولا اني

قد تداركت الامر عندما احسست ببرودة السكين على رقبتي

لأخرج بجرح عميق تسبب بدخولي المستشفى لمدة شهر

وقد نجوت من الموت بإعجوبة "

28)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توقف بعد ان نظر لديڤين ليجدها تحدق به.

"ما بك..؟"

"لا شيء.. انا استمع!"

"لكنك تنظرين الي بطريقة غريبة!!"

"اوه.. آسف، لكن هذه المرة الاولى التي انتبه بها للجرح الموجود على رقبتك، لم اره من قبل.."

"لن تريه بالطبع.. لأنك حمقاء"

"ما رأيك ان تكمل حديثك، قبل ان اقتلك بنفسي عوضاً عن اخيك"

ليبدي ابتسامة جانبية قبل ان يقول..

"تصبحين مرعبة عندما تغضبين"،، اظاف بعد تنهيدة..

" حسنا سأكمل..

وفي احد الايام وبعد عودتي من المدرسة، دخلت المنزل لاسمع صوت بكاء زوجة ابي، ذهبت اليها وعندما دخلت اصابتني الصدمة

لقد كان ابي ممدد على الارض ومحاط ببركة من الدماء"

ثم صمت قليلا بعد ان عادت الافكار تفتك رأسه وهو يتذكر ما حدث في ذلك اليوم، عض شفته السفلية حتى كادت اسنانه تخترقها،، ليسأل ديڤين سؤال مباغت قبل محاولتها بالتكلم..

"هل انا قاتل"

سألها وهو ينظر لعينيها اللتين بدا عليهما الاستغراب من هذا السؤال الذي لا علاقة له بالحديث الدائر ببنهما..

"هل من الممكن أن اكون مجرماً"

29)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأجابته بسرعه

"بالطبع لا.. لكن ما سبب سؤالك هذا الان"

خفض رأسه قليلا، وكأن الكلمات تخرج منه بصعوبة..

"لقد قتلتها... قتلت امي"

تجمدت ملامحها واتسعت عيناها بصدمة لم تستطع اخفائها

لم تتخيل يوماً ان تسمع جملة كهذه منه، الاس الذي عرفته دوماً كأكثر الاشخاص ذكاء وحكمة للحياة

"ماذا تعني..؟ كيف..؟"

رفع رأسه اليها وكأن اليأس فيهما اكبر من الكلمات

"لم اقصد.. لم يكن الامر كما يبدو.. كل شيء حدث بسرعة

اسرع مما استطيع فهمه،

ولو عاد الزمن لما تركت الامور تصل الى هنا"

ساد صمت ثقيل بينهاما، صمت لم يكن كأي صمت سابق

كانت ترى امامها رجل يتفكك من الداخل، لا لانه فعل

بل لأنه يعتقد انه فعل..

وبينما كانت تبحث عن اي كلمة مناسبة، اي شيء يعيده الى نفسه التي عهدته عليها.. تابع كمن يدافع عن نفسه التي ظلمها الحظ

"لم أكن اقصد.. لقد قتلتها بعد ان حاولت هي قتلي ضناً منها انني انا من دفعت أخي لقتل ابي"

تنفس بعمق كأن صدره يضيق كلما اقترب من الماضي.

ثم قال بصوت خافت..

30)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"بعدها لم يعد شيء كما كان"

صمت لحظة ثم تابع..

"الشرطة لم تحتج الى الكثير، بصماتي كانت على السكين،

لم يسألني احد عمّا كنت أشعر به، ولا عمّا اتذكره

بالنسبة لهم كانت الحقيقة واضحة، وتُّهمت ايضا بقتل ابي"

اطرق برأسه، وعيناه معلقتان بالأرض..

"دخلت السجن.. لا كقاتل فقط، بل كأنسان فقد اسمه هناك

لا احد يسألك من كنت بل ماذا فعلت

مرت السنوات ثقيلة، لا تقاس بالأيام، بل باليأس..

كان السجن مكانا يعيد تشكيل الانسان، لا بالعدل، بل بالقسوة

تعلم فيه الصمت، وكيف يخفي ضعفه،

وكيف يتحول الخوف الى قناع،، ثم رفع عينيه اليها وقال

" وحين خرجت.. لم اجد احداً ينتضرني"

العالم في الخارج لم يكن ارحم

لا بيت.. لا اهل، ولا ماضٍ يمكن الدفاع عنه

تحوّل من سجين الى متسول، يمد يده لا طلباً للمال فقط

بل لاعترافٍ بوجوده

"كنت اظن أن القاع هو السجن، لكنني كنت مخطأً

القاع الحقيقي هو ان يراك الناس ولا يرونك"

31)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن هناك، من الشارع بدأت الحكاية تتغير

لم يكن يبحث عن القوة، بل عن الانتماء..، التقى بأشخاص

يشبهونه؛ منبوذين، غاضبين، يحمل كلٌّ منهم قصة خسارة

قال بصوت ثابت يخلو من الندم او الفخر

"لم اؤسس عصابة لانني احب الجريمة...بل لانني لم اعد أؤمن

بالقوانين التي لم تنقذني"

لم تكن العصابة في بدايتها سوى تجمع للناجين

وكانت،، أسين،، من اوائل من دخلو إليها،.. ثم تحولت شيئا فشيئا

الى كيان له اسم، وله ضل، وأصبح هو.. دون ان يشعر.. قائداً

لم يطلب الزعامة يوماً، لكنها جاءت إليه كما تأتي العتمة

تسللت بهدوء حتى صارت جزءاً منه، كان رجاله يرون فيه مالم يره في نفسه.. ثابتاً في الفوظى، وعقلا لا ينهار عند الخسارة

ومع اتساع نفوذ العصابة عاد الماظي ليطرق بابه من جديد

قال بصوت خافت، كأنه يخشي أن يسمع نفسه

"بعد وقت طويل... وجدته"

رفعت عينيها اليه.. فأكمل..

"أخي"

لم يكن مجرد اسم من الماضي، بل الجرح الذي لم يلتئم

وكأن العائلة لم تكن سوى مرحلة عابرة في حياته.

32)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في وجوده

بل في ما اصبح عليه..

"لقد اكتشفت ان جدي هو من اسس اول عصابة في مدينتنا.

وقد كانت اقوى من عصابتي بكثير،

وهو من دفع اخي لقتل والدي بسبب الخلافات التي بينهما

وعلمت لاحقا ان جدي كان يضع دواءاً لأخي في طعامه لكي يفقده عقله ويجعل منه آلة لتنفيذ الاوامر

وهذا السبب الرأيسي في تغيره المفاجئ،.. وثم ضمه الى عصابته.

كانت شبكة محكمة، اوسع نفوذا، اعمق جذوراً

يقودها الماظي بقبضة من حديد،

وكأن العائلة لم تعرف يوماً سوى هذا الطريق..

توقف  لحظة ثم قال بنبرة خلت من الدهشة

" اخي كان ذراعه الأيمن"

لم يواجهه مباشرة،..

بل اختار الطريق الذي تعلمه من الشارع،، الصبر،،

بدأ اخاه بأستدراج رجاله، لا بالقوة، بل بالكلمة

كان يعرف نقاط ضعفهم، ويعرف أن من خذل مرة،

يبحث دائما عمّن يمنحه معنى..

وحدا تلو الاخر... بدأت الكفة تميل

33)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولاءات تتغير..

واسماء تختفي من جهة لأخرى

"لم أكن اريد اسقاطه فقط.."

قالها وهو ينضر إليها بثبات

"كنت اريد أن ابني شيئا لا يستطيع كسره"

ومنذ تلك الحظة تغير هدفه، لم يعد البقاء هو الغاية

بل تقوية العصابة، وبناء كيان لا يدار بالخوف وحده،

ولا ينهار حين يسقط قائده

لكن في قلب كل ذلك، كان هناك هدف لا يعترف به علناً

،، الانتقام من اخيه،،

ليس انتقام الدم، بل انتقام الحقيقة، أن يواجهه،

ويجبره على الاعتراف من كل ما هرب منه

سألها اخيرا بصوت هادئ لكنه مثقل..

"هل تعلمين ما هو أصعب من فقدان الأب؟..

أن يكون قاتله.. يشبهك أكثر مما تكره.."

34)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إلدراميس

المؤلف AHMD HRAKE
2025/12/19 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة