انقلب الزفاف لعزاء في ثانية واحدة!
تجهمت الوجوه واحتقنت، وكادت العيون تقفز من أماكانها، وتعالت الهمهمات والهمسات قبل أن يأمر "سامي" بغلق جميع الأبواب، ووجه "يمنى"يعتليه الصدمة، جثت على ركبتيها بالقرب من الجثة المغطاة بملاءة بيضاء لحين مجيء الشرطة، انسالت الدموع من عينيها ووالدها "رؤوف" يحاول أن يبعدها عن الجثة قدر الإمكان، أجلسها على أقرب كرسي وهو يمد يده بكوب العصير فشربت نصفه ثم تركته مرة أخرى.
اقترب "سامي" من والد الجثة، الحاج "عصام"، الذي تعلق نظره بجثة ابنه المغطاة في شرود، ربت على كتفه بمواساة ورصانة فصافحه "عصام" بصوت مهزوز:
- كنت عارف إنك مش هتقدر هتفوّت اليوم يا "سامي"، أمه منهارة وحالتها صعبة!
- يا عمي ماتقلقش، أنا بلغت البوليس وزمانه جاي في الطريق.
هز "عصام" رأسه في تفهم ثم عاد بعينه لجثة "هشام" في أسى، أكمل "سامي":
- قولي الأول، حضرتك شاكك في حد؟ أو حاسس إنه ممكن يبقى وراها؟ عشان لو حد من العيلة نبدأ معاه كلام قبل ما ندخل في رسميات وتحقيق، حضرتك عارف أنا بحب "هشام" قد إيه، هو صاحبي قبل ما أكون بعمل شغلي دلوقتي، ومفيش حد هيمشي غير لما نعرف إيه اللي حصل.
مسح "عصام" وجهه وهو يلف القاعة بعينيه عن محل شك، ثم أشار إلى "يمنى" ووالدها الذّين يجلسان بالقرب من الكوشة بيده:
- شوف يا "سامي" يابني، "هشام" كان قالي إن كان في شدّ بسيط بينه وبين العروسة وأبوها قبل الفرح بفترة قليلة شوية، بس مش فاكر بالظبط من امتى يعني، وطبعًا قلبي ماكانش مرتاح بس اضطريت أمشّي الدنيا عشانه، وآخر مرة شوفته معاه كان قبل الزفة بعشر دقايق مثلًا، بس ماظنش توصل لدرجة القتل!
هز "سامي" رأسه وهو ينظر في اتجاه العروس ووالدها، بعد عدة دقائق اكتظ المكان برجال الشرطة وانتقلت الجثة إلى المستشفى مع انهيار "يمنى" وصراخها إلى أن كادت تفقد وعيها، وبدأ رجال المعمل الجنائي والطب الشرعي في التحرك حول مسرح الجريمة وتحليل أدلة الواقعة.
تحرك "سامي" حتى وقف أمام "يمنى" التي قد ابتل وجهها من الدموع ولم تحاول تجفيفه، مد يده أمام "رؤوف" فتناولها:
- عارف إنه مش وقت مناسب خالص والصدمة على الكل، بس أنا محتاج أسمع من "يمنى" شوية لو سمحت.
تبدّل وجه "رؤوف"، ترك يد "سامي" ثم انسحب من المكان، فرفعت "يمنى" وجهها منتظرة ليجلس "سامي":
- شوفي، ده مش تحقيق رسمي، و "هشام" صاحبي قبل ما أكون بحقق مع أي حد، أنا بس محتاج أفهم منك كذا حاجة، إيه علاقة والدك بجوزك؟
حمحمت "يمنى" بصوت مهزوز:
- عادية، هو بس ماكانش مقتنع بيه، هو شايفه مخه صغير، طايش، متهور شوية ومش هيحافظ عليا ومش هيطمن عليا معاه، وطلب مني طول فترة الخطوبة أعيد التفكير في الموضوع، خصوصًا بعد ما عرف إن "هشام" خطب قبلي، لكن أنا كنت بحبه وصممة أكمل.
- شوفتيهم مع بعض قبل الفرح؟
صمتت قليلًا كأنها تتذكر شيئًا:
- آه كان معاه قبل الفرح بكام ساعة، مش فاكرة بالظبط، كانوا في أوضة تانية يعني مش معايا في نفس الأوضة، معرفش قالوا إيه وماجتش فرصة أسأل، بس غالبًا اتخانقوا لأن وش "هشام" اتقلب بعد القعدة دي.
اقترب رجل الطب الشرعي منهما وهو يحمل في يده التقرير المبدأي، فقرأه "سامي" بصوت مسموع أمامه:
سكتة قلبية حادة! "يمنى" هو "هشام" كان عنده أي مشاكل في القلب الفترة الأخيرة؟
عقدت حاجبها:
- خالص! قلبه كان سليم وماكانش بيشتكي من حاجة!
وجّه "سامي" للرجل:
- الدوا كان فين؟
- في العصير يا فندم، وهنعمل فحص للعصير بعيد عن اللي كان في معدة الجثة احتياطي وهنرفع البصمات..
اقترب "رؤوف" منهما قاطعًا لأفكار "سامي" بعد أن انصرف الرجل وعلامات العصبية تتضح فوق وجهه، فقال "سامي":
- طب خلاص يا "يمنى" اتفضلي دلوقتي.
وقف "رؤوف" أمام "سامي" وهو ينفث سيجارته بغضب مكتوم:
- خليني أقول قبل أي حاجة إن اللي حصل صدمة للكل، أنا نفسي مصدوم، وعلى الرغم من خلافي على "هشام" أو حتى معاه ده مش مبرر يخليني أتمنى له الأذى أو أقتله!
هز "سامي" رأسه:
- منطقي، كلام موزون طبعًا، بس قولي يا أستاذ "رؤوف" إيه طبيعة علاقتك بـ"هشام" بالظبط؟
- أكيد "يمنى" قالت، مستحيل تفوّت دي.
- بالعكس، في حاجات بتفوت على الشخص لما يشوفها من بعيد بس.
أخذ "رؤوف" نَفَسًا عميقًا:
- رسمية جدًا، خطيب بنتي وهيبقى جوزها، ولما اتعاملت معاه أول ما جه يتقدم وشوفت طريقة كلامه وتفكيره حسيت إنه مش شخص مناسب ليها نهائي، بالذات لما بدأ شغل وكل شوية يعمل مشكلة مع أي عميل أو شريك ليه وكل شغله بيحصل فيه خساير، حسيته مش بتاع شغل يعني.
لم يخلو صوته من الغضب وهو يكمل:
- لكن بما إن "يمنى" قالتلي مقدرش آخد بالاحساس وقررت تكمل، وافقت بالعافية طبعًا، بس لما الفرح قرب حسيت إني لازم أتكلم معاه، كلمته في أوضة قبل الزفة وقولتله بصراحة كده لو حصل منك أي حاجة لبنتي مش هعديها، فرد عليا بشكل حاد، وبعدها قفل كلام ومشي.
- طب كان في أي حد قريب من مكانكم سامع الخناقة؟
التفت "رؤوف" وكأنه يتذكر:
- ماظنش، الباب كان مقفول.. بس يمكن حد من العاملين سمع أو حاجة، لأن واحد منهم بصلي بصة غريبة بعد ما خرجت.
- طب بما إن البيزنس بتاع حضرتك الفترة الأخيرة بيكبر، وكده كده فلوس "هشام" موجودة.. ليه ماتغاضتش عن موضوع الشغل؟
احتد صوته أكثر:
- مش كل حاجة فلوس، بالذات في النسب، "هشام" كل شوية يدخل مشروع يفسخ عقد أو شراكة، دي مش طريقة شغل! ده مرة دخل خناقة في الشارع بسبب ركنة عربية! ده شخص غير مسؤول بالمرة ومقدرش أآمن على بنتي معاه!
- طب و "هشام" نفسه، مالاحظتش عليه أي حاجة غريبة الفترة الأخيرة؟ حركاته، الأماكن اللي بيروحها الناس اللي بيقابلهم..
اقترب "رؤوف" بصوت أخفض:
- من كام أسبوع وصلني خبر إنه قابل خطيبته القديمة "هاجر"، ولما سألت "يمنى" قالت لا، بان عليها متعرفش حاجة وبصراحة ماحبتش أضغط عليها بس كنت خايف من اللي جاي.
"هاجر"!
كان "سامي" يعرفها جيدًا، فقد حضر تلك الخطبة قبل أن يقرر صديقه فسخها دون أن يبدي أسباب ويقوم بخطبة "يمنى" بعدها بفترة، بدت له من بعيد شاحبة، ولاحظ أنها كانت تبكي منذ دقائق ليست قليلة، تلبس فستان سهرة غير مبالغ فيه، تنظر للفراغ وعدم التصديق يغزو ملامحها.
اقترب "سامي" من طاولتها، ثم جلس أمامها وهو يعقد ذراعيه، لم تنتبه له فحسم الصمت بسؤاله:
- إيه اللي جابك؟
رفعت وجهها إليه فرأي أثر البكاء بوضوح، سألها مرة أخرى:
- إيه اللي جابك الفرح يا "هاجر"؟
أخرجت منديلًا آخر، ثم تنفست بتثاقل:
أنا عارفة إنه ماكانش المفروض آجي النهاردة، بس لما عرفت إنه بيتجوز حسيت إني لازم أشوفه لآخر مرة، حتى لو من بعيد، بس زيي زيك، اتصدمت..
أخذت نَفَسًا عميقًا، ثم تحولت إلى وضع الدفاع فجأة:
- أنا مقدرة جدًا إنه صاحبك، حتى لو ماكنتوش قريبين، بس بلاش الزعل يعميك..
- أنتِ قابلتي "هشام" قبل الفرح ولا لا؟
مسحت قطرات العرق التي قد تناثرت على جبينها وحركت أصابعها في توتر:
- اتقابلنا من حوالي أسبوع ونص كده، هو اللي كلمني وقالي إنه محتاج يعتذر، ويقفل صفحة الماضي بطريقة محترمة..
ابتسمت ابتسامة جانبية تعبر عن سخريتها:
- والحقيقة أنا مش عارفة ليه افتكرني وقتها أصلًا..
تنهدت كأنما ألقت كل ما على كتفها من أحمال:
- قابلته في كافيه في الزمالك، قعدنا نص ساعة بالكتير، كان كلامنا عادي، مفيهوش أي نوع من الندم ولا قال نرجع حتى، بس أنا اللي اتلخبطت بعد القعدة دي!
أنصت لها "سامي" وهي تكمل:
- ماكانش في نية نرجع لبعض، على الأقل من ناحيته هو، بس لما عرفت معاد فرحه قررت أظهر، يمكن يفكر تاني، بس أنا ماعملتش أكتر من كده!
باغتها "سامي" بسؤاله:
- وليه يا "هاجر" تظهري وأنتِ عارفة انه مش ناوي يرجع؟
ضمت يدها وبدأ صوتها يهتز:
- ممكن كنت عايزة أبينله إن في واحدة كانت بتحبه بجد، كنت عايزة أحسسه إنه ضيّعني، كنت حابة يشوفني في اللحظة اللي بيختار فيها حياة جديدة، يمكن يحس بتأنيب ضمير!
ارتعش صوتها وهي تضم يدها أكثر:
- لكن عمري ما كنت أتخيل إن ده يبقى آخر يوم في حياته، أنا ما أذيتوش ولا قربت من الكوباية، ولا حتى كنت في مكان العصير!
- سيبتوا بعض ازاي؟ قالك إيه قولتيله إيه كده..
حاولت منع دموعها:
سيبنا بعض بعد خناقة كبيرة، من ييجي سنة ونص، كنت شاكة إنه بيبعد وإن في واحدة تانية، وهو كان حاسس إني بقيت بضغط عليه ومش سايباه في حاله، في الآخر قالي: "أنا مش الشخص المناسب ليكي، أنتِ تستاهلي حد يحافظ عليكي" كليشيهات يعني! فقولتله: "أنا هصدقك، وهسيبك تمشي.. بس هتندم" ومابيقناش نتكلم بعدها، لحد لما شوفت صور ليه على انستجرام وفي إيده دبلة، بعدها عرفت إنه خطب "يمنى".
- تعرفي "يمنى" منين؟ ولا ماكانش في سابق معرفة؟
احتلت علامات المفاجأة وجهها:
- لا، ولا عمري ما شوفتها قبل كده! ولا عرفتها غير لما شفت صورتهم سوا
حتى لما دخلت القاعة يوم الفرح، ماكنتش أعرف مين العروسة غير لما شوفتها جنبه.
هدأت ملامحها أكثر:
- الحقيقة كنت متخيلة شكلها مختلف، بس اللي شوفته في عينيها كان كفاية بالنسبالي، كانت بتحبه بجد.
عدلت "هاجر" شالها ثم انصرفت، تاركة "سامي" يغرق في تفكيره، ثم تحرك حتى وصل إلى غرفة المراقبة طالبًا من الأمن أن يراجع الكاميرات بنفسه..
بدأت الشاشة تعرض زوايا القاعة المختلفة، وزوايا من الممرات والبوفيه، وبدأ التسجيل يتضح منذ استقبال المدعوين.. وكل شيء يحدث بصورة طبيعية، إلى أن وصل "سامي" إلى تلك اللقطة، لقطة الساعة 9:47..
رفع "سامي" صوته:
- بطّأ الحتة دي كده..
فأعاد اللقطة بشكل أبطأ، اللقطة التي بدى فيها فتاة تمر من جانب طاولة العصير قبل أن يصل العامل إلى الـ(كوشة) في مدة لا تقل عن العشر ثوان، ثم بدأت تتلفت حولها بتوتر، لتتأكد أنه لم يرها أحد!
تزامنًا مع رجل المعمل الجنائي الذي جاء بالتقرير النهائي، الذي قرأه "سامي" بصوت مسموع:
- المادة السامة اللي وُجدت هي ديجيتوكسين بتركيز عالي، دواء قلبي، والكمية الزائدة يمكن أن تسبب سكتات قلبية حادة، وتم إضافة السم قبل أن يصل الكأس للقتيل بحوالي من 10-15 دقيقة..
ورفعت البصمات والنتيجة كالآتي:
١- بصمات "هشام"
ويوجد بصمتين مختلفتين وجاري الفحص..
قام "سامي" باستدعاء "يمنى"، أعاد شريط التسجيل ثم سألها:
- تعرفي مين دي؟
دققت النظر:
- "منى" بنت خالي، بس إيه علاقتها باللي حصل!!
Nahed Gebril