نوفيلا "أنين العقل"
- إيمان صلاح-
.
.
💮الفصل الرابع💮
بعد أن وصل كلاهما، ألقو السلام على الجميع،
مقتربين من هايدي ورامي، احتضنت رقية هايدي بسعادة، متمنية لها السرور الدائم:
- ألف مبروك يا قلبي، عقبال الفرح يا رب وأشوفك أجمل عروسه في الدنيا.
بادلتها هايدي الحضن بقوة، تهتف بأمل
- يارب يارب.
رفعت رأسها ترمق مؤمن بخبث، هامسة بجوار أذنيها
- اللي أنا شيفاه صح ولا إيه.
ابتسمت رقية بسساجة
- اللي هو.
أردفت مشددة احتضانها
- مؤمن يا قلبي، شيفاكم جايين مع بعض.
هتفت رقية بتبرير، تخبرها ما جعلها تأتي معه
- شافني وأنا جاية وقالي نيجي سوى، وافقت على طول؛ الشارع كان ضلمة، وخوفت امشي لوحدي كنت حسيت بحد ماشي ورايا؛ طلع هو اللي جابلي الخوف، لدرجة اني كنت خلاص هجري.
مررت يديها على ظهرها بحنان، تهتف بصدق
- كويس أنه طلع هو مش حد تاني.
بينما مؤمن واقفًا بجوار صديقه، يبعدان عنهم مسافة قصيرة، منتظرين انتهائهم من العناق المبالغ به.
تساءل كلاهما في وقت واحد، بفضول غلب عليهم
- هما دا كله بيعملوا إيه؟.
قهقه كلاهما بسعادة، ليهز رامي كتفيه بعدم معرفة
- ما تيجي نعرف.
هز مؤمن رأسه بنفي، ليهتف بحكمة
- هنروح نقول ليهم بتعملوا إيه، شكلنا هيبقى إيه وقتها، أنا شايف الأحسن أروح اهنيها بمناسبة خطوبتكم
ليكمل، مشيرًا بيديه تجاههم: أنت وهي.
حمحم مؤمن لجذب أنظارهم، ابتعدت كلاهما عن الأخرى، هتف بتهنئة
- ألف مبروك يا جميل.
قهقه مؤمن بخفة من نظراتهم تجاهه بعد إلقاء كلمة جميلة على محياها:
- أنا بتكلم جد، إنتي ما شاء الله جميلة النهاردة، وربنا يخليكي لرامي ويسعدكم مع بعض.
ابتسم رامي، مربتًا على كتفه
- عقبالك كده لما أشوفك مع عروستك.
أردفت هايدي بأمل، مطبقة أصابع يديها ببعضهم البعض، وابتسامة صغيرة متواجدة على محياه
- ياااه يا مؤمن نفسي أشوفك واقع في الحب، أشوفك هتتعامل إزاي معاها، أشوفها هتغير عليك ولا لا.
رد رامي معبرًا عن إحساسه
- أنا حاسس إن ربنا هيرزقك بواحدة عنيدة، ومتهورة، وأنت فعلًا هتتعامل معاها بهدوء؛ لأنك هادي، وبتتحكم في أعصابك.
لم يبعد عيناه عنها، كل كلمة، كل وصف كان لها، خاص بها فقط. يرى نيران الغيرة والتملك داخل عينيها، يرى نظرات الحب الدفينة داخل أعماقهم، نظرات لم يكن يفهمها؛ بسبب حماقته، وعدم اكتراثه لجعل مشاعره تقع في حبها، نظرات ظن أنها من نسيج خياله، لكنه الآن متيقن أنها حقيقية. تهورها، وعنادها أوقعاه في شباك حبها.
توترت من نظراته، تساءلت ما باله اليوم؟ أبعدت عينيها عنه، تنظر بكل اتجاهه، يمينًا، ويسارًا، وتعود إليه في المنتصف مستقرة لحظات.
<<تجنبت النظر إليك، لكن تخذلني عيناي؛ لتعود متعطشة رؤياك.>>
اقترب رامي من هايدي، يهمس بجوار أذنيها، ويضع يده على فمه، مانعًا خروج صوت ولو ضئيل.
- شكلهم واقعين مش كده.
هزت رأسها بتأكيد.
- جدًا
لتكمل، مقهقة بخفة: يلاه نفوقهم؛ لحسن حد يلاحظ.
هتف كلاهما بصوت واحد، ينتشلانهم من التفكير، ويعودان إلى الوعي المتزن
- مؤمن، رقية.
نظرا إليهما، بتساءل ماذا تريدان.
أردف رامي وهو ينظر إلى الأشخاص
- يا تقعدو زي الناس مهي قاعدة، يا تشوفوا أي حاجة تعملوها، مش هتفضلو واقفين قدامنا كتير كده، ومش فيه منكم منفعة.
هتف يتساءل سبب تواجدهم
- ليه أنت جايبنا عشان نشتغل، ولا نقعد معاكم؟.
ابتسم رامي بسساجة
- الاتنين.
أردفت هايدي بتذكر بعد نسيانها ثمار القاههة الشهية
- رقية في فاكهة في المطبخ طلعيها على السفره؛ لاني نسيت أطلعهم.
هتفت رقية بحب، أقل ما تقدمه هذا اليوم مساعدتها؛ فهي بمثابة شقيقة لها
- عيوني إنتي تؤمري.
ليكمل رامي موجهًا حديثه إلى مؤمن، بعد ذهاب رقية
- وأنت يا مؤمن وزع الفاكهة على الناس لما رقية تجيبهم.
أطبق مؤمن كلتا ذارعيه أسفل صدره، هاتفًا بتساءل عن كيفية التوزيع، فلن يمسك ثمرة واحدة من كل نوع ويهديها للضيوف؟ مع أنه لا يوجد إلا القليل وهم أفراد العائلة، وبعض سكان الجوار.
- أوزعها إزاي بقى؟.
رد عليه مبتسم باستخفاف
- وزع نوع واحد بس، شوف أنت حابب أنهي فاكهة أكتر.
ليكمل، مشيرًا بكف يده اليسرى تجاه المائدة:
- إزاي بقى، أمسك الطبق اللي محطوط فيه الفاكهة، وأمشي بيه قدام الكل، اللي عاوز ياخد، واللي مش عاوز هو إيه؟.
ضيق مؤمن عيناه، يبتسم باقتضاب
- حر.
قهقه رامي بسرور
- عليك نور.
بعد أن وضعتهم على المائدة، ظلت داخل المطبخ تساعدهم.
بينما مؤمن وقف ينظر إلى الأصناف، ماذا يحمل؟ ليرى تلك الحمراء الشهية المفضلة لديه، حمل السلة بين يديه، ممسكًا واحدة يلتهمها بشهية، ونهم شديد:
- يا جمالك يا فراولة، الله بجد
ليكمل بخفوت، محتضنها بين ذراعيه:
- ده كده محدش هياكل منها؛ لأني هخلصها.
زم شفتيه بعدم رضى، وهو ينظر إلى الضيوف المنتظرين تناولها
- لا هشوف مين هياخد ومين لأ، زي ما رامي قال، مش ناقص ألاقي حد باصص فيها.
قدم لكل الأشخاص منهم من أخذ ومنهم لا، وبعد أن انتهى خرج من المنزل، ليقف بمنتصف الأرضية الخالية من الدرجات، مستند الظهر على الحائط، ونظراته في الداخل، متلفهة رؤياها، ويده اليمنى تأكل الثمرة ببطئ؛ كي يتلذذها.
انتهت رقية من مساعدتهم، خرجت تبحث عنه بعيناها، عساها تراه، فلم تجده، اقتربت من هايدي تتساءل: أين ذهب؟
- هو مؤمن فين؟.
هزت كتفيها بعدم معرفة، لتهتف متذكرة رؤيته خارجًا
- طلع من شوية مش عارفة راح فين.
خرجت من المنزل، تنظر بين الجانبين عساه يتواجد.
رمقها مبتسم بسرور، وقعت عينها عليه لتندفع تنظر إلى السلة بفضول، مررت لسانها على شفتيها بشهية
- الله فراولة، بحبها أوي.
أمسكت واحدة تلتهمها بسعادة، لترمقه مستغربة تواجده حاملًا إياها في الخارج:
- أنت واقف بيها على السلم ليه، ولا جايبها من تحت، وبتطلعها ليهم فوق؟
لتكمل، مع شهقة خرجت ممزوجة بابتسامة
- أوعاك تقول بتوزع على اللي طالع، واللي نازل.
هز مؤمن رأسه بنفي، يلتهم واحدة هو الأخر
- لا أديت اللي عاوز، ولما خلصت، طلعت بيها، واديني ماسكها وباكل فيها.
رفع عيناه ينظر إلى خاصتها، هاتفًا بابتسامة ونبرة صوته مملؤة بالحنان
- لأني بحبها أوي زيك.
توترت من كلمته، وخفق قلبها بغزارة، تراه يقصد يحبها هي، أم يشبه ما قالته بالفراولة.
<<بالله عليك أيها القلب توقف، لا أريد العذاب بحب من طرف واحد، ولا أجرؤ بمنع خفقاتك له.>>
لم تجرؤ أن تتحدث بعدها، لتندفع إلى الداخل، مرت بجوار الباب، تنفست هواء عقب السجارة، بعد خروجه من فم شخص، كان يهبط الدرجات، لتهتف بضيق، تمرر كف يديها أمام وجهها، عساه يبعد هوائها.
- إيه الغباء ده
تبدل مزاجها، رمقه مؤمن بغضب، لكنه تماسك ومنع نفسه من كسر فمه.
مر الرجل بجواره، وضع يده على صدره يمنعه النزول، هاتفًا بهدوء عكس ما بداخله
- خد باللك المرة الجاية وأنت بتشرب، وشوف الدخان بتاعك بيطلع فين، عينك مخلوقة عشان تشوف بيها، مش تتعمي، وتقرف الناس، وتظلمهم معاك، مش تخلي حد يستحقرك؛ بسبب الشرب. أنا زيك بشرب بس بحترم اللي قدامي، والمكان اللي موجود فيه، أنا بتكلم معاك بهدوء أحسن من الخناق والكلام ده،
وقد كانت كلماته لها تأثير عليه، وظلت تتردد داخله متذكرًا ما فعله بحياته كلها، ما هو الصواب الذي فعله بها!؟ لم يجد شيء، تنهد بألم، إلى أين يلجأ؟ من كانت له ظلمها بقسوته وجبروته؟ فأين هي بتركها له؟
***
دلف للمنزل مغلقًا الباب خلفه، يندفع إلى والدته، كانت معه طول الحفل، ولم يبتعد عنها، ظل ملاصقًا لها، يتأكد من مشاعره، حب حقيقي نابع من قلبه، أم مجرد إعجاب سيزول؛ حتى يأخذ قرار صادق.
<<حبًا بالله، لا تكسر قلب إنسان، لا تلهو بأحد، لا تتفنن بمشاعر بني آدم؛ فهي ليست دُمية>>
يتساءل لمَ لم يفكر بالزواج بها! كانت بجواره، لا يبعدهم شيء، لمَ الآن!.
اقترب من صافي، الجالسة أمام التلفاز، تشاهد إحدى الأفلام، مندمجة مع الأحداث، لن ينتظر انتهائها، لديه خبر سيفرحها بشدة.
جلس أمامها منحنيًا على ركبتيه، ممسكًا يديها يقبلهم، نظر إليها بإبتسامة تتسع تدريجيًا مع استمراره بالحديث
- بصي مش عارف إزاي ده حصل، شوفتها النهاردة
كانت جميلة أوي يا ماما، هي جميلة ديمًا بس إنتي فهمة، كانت قدام عيني ومش جه في بالي أي حاجة،
إنتي اللي فوقتيني.
أخرج زفيرًا عاليًا، يستعد لخروج الكلمات من فاهه،
لم تجل بخاطره
<<استفقت من غيمتي المظللة، على حب تغلغل بقلبي.>>
- أنا شكلي حبيتها زي منتي قلتي...
مررت يدها اليسرى على وجهه، أدمعت عيناها من فرط السعادة، بدأت أُمنيتها تتحقق، استجاب الله دعائها.
رفعت كف يدها اليسرى تمرره على وجهه، متمنية أن تدوم الفرحة
- وأخيرًا، كنت مستنية منك الكلمة دي من زمان أوي، مستنياك تقع في حبها، تتجوزها، وتكون مراتك، مرات ابني، مش تعرف أنا فرحانة إزاي، الحمد لله يا رب، أنا هكلم سميرة أقولها، وإن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه خير.
اعتدل واقفًا، مقبلًا مقدمة جبينها
- ياريت يا ماما، كلميها وخدي منهم معاد، أنا هداخل أنام دلوقتي محتاجة حاجة.
هزت رأسها بنفي، مغلقة التلفاز، وعيناها تبحث عن هاتفها، تخبر سميرة، لن تنتظر حتى يأتي الصباح، لتشاركها فرحتها
- أنا كمان هدخل أنام.
اندفع مؤمن إلى غرفته، بعينان مولعة بالعشق، ملامحها لا تفارقه، لا يسعه انتظار الصباح؛ لتأتي بأحلامه إذن.
***
أغلقت الهاتف مندفعة إلى رقية، تبتسم بسعادة، تخبرها مجيئهم غدًا؛ لطلبها.
توقفت قدماها عن السير تعود أدراجها مرة أخرى.
إذا أخبرتها ستتمرد، ولن توافق؛ لتضعها أمام الواقع.
- يا غباءك يا سميرة، إنتي نسيتي بنتك، مش عارفة كانت هتعمل إيه، مش بعيد كانت تروح دلوقتي تتطربقها على دماغه، اهدي وبكرا الصبح هتعرف لما ييجو.
في الصباح.
تتحرك بهمة ونشاط، تعد أصناف متنوعة من الطعام،
بسعادة، متمنية أن ينول رضاهم.
استيقظت رقية من كثرة الخبط المتواجد في المطبخ، زفرت بضيق تنظر إلى ساعة الحائط، شهقت بفزع ما زالت التاسعة صباحًا، لمَ الضجة إذًا!، هل تقدم وقت الغذاء؟ أزالت الغطاء الخفيف من على جسدها بانزعاج:
- يووه يا ماما، الواحد مش عارف ينام في أم البيت ده، أروح فين يا ربي بس.
خرجت من غرفتها مندفعة إليها، تصيح؛ لأجل قيلولتها الضائعة
- إيه يا ماما، أكل إيه اللي مخليكي تخبطي كتير كده!؟.
قابلتها سميرة بابتسامة بشوشة على وجهها
- صباح الخير يا حبيبتي، يلاه يا قلبي روحي غسلي وشك وتعالي ساعديني.
رفعت جانب شفتيها الأيمن بتهكم
- أساعدك في إيه، إيه الأكل ده كله، إنتي عازمة حد؟!.
هزت رأسها بنعم مولية ظهرها، تغسل الخضار.
رفعت مقدمة أنفها تهتف بضيق وتساءل:
- مين!؟ ومش قلتي ليا ليه إمبارح!؟.
أغلقت صنبور الماء، تأخذ شهيقًا عاليًا، نظرت إليها حتى ترى معالم وجهها، هاتفة بما جعل قلبها يخفق بدقات متسارعة، تتسابق بين بعضها على من يسبق الآخرى
- صافي جاية تطلب إيدك لابنها مؤمن، جيت أقولك وقتها بس قولت تعرفي في وقتها، بس قلت لازم تعرفي قبليها بردو
لم تستوعب ما قالته؟ لكن قلبها استوعب، تساءلت هل كان طلب منه، أم لا يعرف مثلها؟ وعندما قال يحبها مثلها هل كان يقصدها هي؟
اقتربت سميرة منها، تمسكها من كتفيها، لم تجد منها أي رد ولا تأثير، كانت ساكنة فقط، ظنت سكوتها عدم موافقة، لكن لم تعلم أنها تحاول استيعاب ما قالته،
لن تجعلها تخرب الزواج؛ فلن تجد أفضل منه كي تمنحه ابنتها
- ده دكتور يا رقية، عارفة يعني إيه، إنتي بالنسبة لناس مش تستاهليه، لأنك مش دكتور ولا مهندسة، إنتي أخدة كلية عادية، مش قمة زيه، في مجتمع وحش، مش بيببص غير على المكانة وبس، أنا عاوزة أأمن مستقبلك يا بنتي، ومش هلاقي أحسن منه، عشان كده عاوزاكي توافقي، مؤمن كويس، وافقي عليه، لو مش كويس مش كنت هتمسك بيه.
هتفت بما جعلها تبغض المجتمع، وأصحاب العقول المريضة، الذين يفرقون بين المناصب.
بما جعل قلبها يؤلمها، بما جعل ابتسامتها التي كانت ستخرج تظل كما هي.
تركت سميرة كتفها لتكمل الطعام، أردفت بصوت عالي؛ لتفيق مما هي فيه:
- يلاه يا رقية روحي ولما تيجي ابقي قطعي السلطة، عندك في الطبق أنا مخمراها، بسرعة يا بنتي عشان مش نتأخر.
ابتلعت غصة مريرة داخل جوفها، مبتعدة إلى الحمام، وقد تغلغل الحزن داخلها، منعت نفسها من البكاء، كلماتها كانت قاسية عليها، كيف لم تأخذ بالها منها! كيف أوسعها لسانها على نطقهم؟ لن تنسى ما قالته مهما حيت، وإن كانت أقرب الناس إليها، سيظل الألم داخل قلبها ولن تخرجه، لن تعاتبها، وهل للعتاب لزوم بعدها؟
لمَ تناست أنها ابنتها؟ التي تفتخر بها دائمًا، تفتخر بصداقتهم، بقربهم، لمَ فكرت تفكير أخر، مثل غيرها؟
لا تجد إجابة.
أسقطت رأسها داخل الحوض، حتى يتغلغل الماء البارد داخل خصلاته، عساه يبرد جسدها، وعساه يجعلها باردة.
يتبع..
القمر اللي مش لاقي ملجأ وظلم حبيبته ده بطل روايتي الجديدة بإذن الله😻 تفتكروا اسمها ايه😂
الخواطر أنا اللي بكتبها رأيكم فيها☻
احتمال كبير وده على حسب تشجعكم ليا انزل فصل يوم الأربعاء☻