نوفيلا "أنين العقل" بقلم ▪إيمان صلاح▪ 🌼الفصل الأول🌼 . . تجلس على السرير وحيدة، تئن من الألم، ألم!أيشعر به غيرها؟؟ كلا، فلا يشعر أحد بآلام غيره مهما حدث. ألم فتاك عزى عليها بشدة، لم يتساهل بتاتًا، يؤلمها منذ زمن، لكن آلامه هذه المرة أصعب مما مضى! لم تعد تقدر على الصمود أكثر طال بها الكيل. هتفت صارخة بعنف إلى والدتها لكي تنجيها مما هي فيه. - يا ماما الحقيني. سمعت سميرة صياح ابنتها البلهاء، اندفعت خائفة من حدوث مكروه لها، تاركة كل شيء مكانه، حاملة بين يدها ملعقة الطعام الكبيرة بعد خروجها من المطبخ.. - إيه ف إيه، مالك يا رقية. وضعت رقية كف يديها على وجنتيها حيث موضع آلامها، وما زال الآلم متمكن. - ضرسي وجعني أوي مش قادرة يا ماما ضربتها بكف اليد على رقبتها من الخلف كما يطلق عليه (القفى)، هاتفة بتعنيف - يعني جيباني على ملى وشي، وسايبة الأكل على النار، وف الآخر تقوليلي ضرسك، ما يولع يا بعيدة، روحي صرعتي اللي جابوني. تركتها بمفردها.. ألمها غير مهم؟؟ انتظرت سماع كلمات حانية تطمئنها، عبارات قليلة تدخل السعادة إلى القلب الصغير الساكن بين الضلوع، تجعله يخفق من فرط السعادة الداخلة إليه، ألا تلقي كلمات سامة، حادة، تترك داخل قلبها أثر يقتلها ببطئ كَـ سُمِ الأفاعي. تعفو عنها، بعد إلقائها كلمة طيبة ترضيها، وعلى علم أنها لا تقصد. - يا ماما هاتي أي مسكن أخده الله يخليكي. هتفت سميرة بلا مبالاة وهي تقلب الحساء.. - لا مش هديكي أي حاجة من اللي هنا، كفايا خدتي برشام كتير، قولتلك روحي للدكتور إنتي اللي مش موافقة، خلاص اشربي بقى. اندفعت إلى خارج الغرفة ذاهبة للمطبخ هاتفة بهياط مرتفع. - قولتلك دكتور لا مش بحب الدكتووووور أي حاجة إلا الدكتور. هتفت سميرة بهدوء منافي لصراخ رقية، على علم بأن ابنتها تخاف من الطبيب، خوف متواجد بلا سبب. - خلاص إنتي حرة دي حياتك، وضرسك إنتي مش ضرسي أنا، واللي اعرفه أن وجع السنان مش بيتسكت عليه خالص، ف اعملي اللي إنتي عاوزاه.. حركت رقية قدميها تهز الأرض بهستيرية، لا تحب الذهاب للأماكن المسمى بالمستشفيات.. - يوووه بقى وأنا اعمل إيه يعني، ويوم لما اضر اروح، اروح لدكتور اسنان مرة واحده؟! انتهت سميرة من اعداد الطعام، تركته على نار هادئه كي ينضج، اقتربت من رقية هاتفة بهدوء ممزوج بحكمه صحيحة. - يا بنتي افهمي وجع السنان غير وجع أي حاجة تانية، إنتي بقالك على الحال ده فترة كبيرة، والوجع بيزيد مش بيقل كفايا كده.. الدكتور مش هياكلك يا رقية ده هيكشف عليكي مش أكتر، وإنتي مش حمل وجع أكتر من كده، مش هتفضلي تصوتي كل شوية.. المسكنات مش بقت بتنفع معاكي خلاص، روحي يا بنتي الله يهديكي.. أطبقت كلتا ذراعيها أسفل صدرها هاتفة باستسلام، خضعت بالواقع، ورأت كلمات والدتها صحيحة، لن ينتهي الألم سوى بالذهاب إلى الطبيب.. - خلاص أمري إلى الله، هضر لإني مش قادرة استحمل أكتر من كده. أكملت بتوتر، وغباء، كأن الطبيب دمية بين يديها يأتي لها، تناست أن لديه الكثير من المسؤليات الأخرى غيرها. - هو لازم أروح العيادة!! هزت سميرة رأسها بتأكيد مقهقة بخفة على سذاجة ابنتها، جالسة على الأريكة، ملتقطة جهاز تحكم التفاز - آه طبعًا لازم تروحي، الدكتور مش تحت ايدينا عشان نخليه يجي البيت، ولو نزلنا مش هيقلل مننا حاجة زفرت رقية مبتلعة ريقها بعنف على تلك المعضلة المتلبسة بها، ألزم أن يئن الضرس؟؟ لمَ لا يبتعد ذاك الألم! يتركها وحيدة كحياتها. ابتعدت من أمام والدتها مغادرة للغرفة، كي ترتاح بعض الوقت، وتقرر متى ستذهب. هتفت سميرة بتذكر، وعدم لزوم ذهاب ابنتها، خلاصها متواجد في الجوار، لا يمنعهم سوى حائط وبضع خطوات فقط؟.. - شوفتي غبائي نسيت مؤمن، هو دكتور أسنان هجيبه ليكي هنا بنفسي وهو مش هيقول لا طبعًا، وأهو يا ستي مش هتروحي العيادة عند الدكتور حلو كده؟؟ توقفت عن السير بعد سماع اسمه مع ابتسامة ارتسمت على محياها بكل تهكم، متذكرة طباع ذاك الجار ضال العينين، الذي لا يكف عن التلاعب بأي أنثى تقع أمامه. - لا السمجي ده أبدًا، بتاع البنات، أبو عين زايغة، وقليل الأدب كمان، مش شاطر غير يبصبص على النسوان، لو آخر واحد في الدنيا مش هروح ليه، عمري ما هنسى هو عمل فيا إيه. أغلقت سميرة التلفاز، لم تجد به شيء تشاهده، أمسكت الهاتف الخاص بها، تتصفح حسابها الشخصي على الفيس بوك، هاتفة بيأس من أفعال رقية، إلى الآن ولم تنسى ما حدث منذ سنوات!! - يا بنتي إنتي لسه فاكره اللي حصل زمان، يا رقية انسي أردفت منهية الحديث ممسكه الباب لكي تغلقه، وقد بدأت الدموع تتجمع حول عينيها، هذا حالها كلما تتذكر ما حدث، وكيف تنسى وهناك آلام متواجدة داخل قلبها؟ - أبدًا يا ماما لا يمكن انسى، عمري ما انسى أنه كان السبب في نزول دمعة من عيوني، في وجع قلبي، عمري ما هنسى أنه كان السبب ف بعادنا عن بعض، عمري. هتفت سميرة بإعجاب، متفحصة صورته التي ظهرت أمامها على شاشة الهاتف. - بصي الواد قمر، وجميل إزاي، عيون زرقة زي لون البحر كده، وبقى عنده عضلات إنما إيه، وطول، وعرض، ما شاء الله تبارك، إزاي مش بتحبي الشخص ده بس نفسي أعرف؟ هتفت رقية ببرود منافي لحالها الذي هي فيه، فإذا رأته أمامها لن تبخل بأن تربحه ضربًا!! - انتوا مش شاطرين غير في كده، كل أم مش شاطرة غير تقول الكلمتين دول على أي شاب، وخصوصًا لو كان عريس ياااه عليكم، لو عاوزاه روحي اتجوزيه إنتي أهو جنبك اهوت، اشبعوا ببعض انتوا الاتنين. نظرت سميرة إلى الباب المغلق بعنف، متى تحدثت عن الزواج!! قهقهت بخفة متخليه حالها الآن، واقفة داخل الشرفة، تلقي ما يقع بين يديها في الشارع. تغزلت به أمامها لكي لا تبكي، غضبها اهون من رؤية الدموع داخل عينيها. * * * واقفًا بجوار منزلهم، مسندًا ظهره على الحائط، يأخذ عقب من السيجارة باستمتاع. بعد خروجه من المنزل للعيادة الخاصة به، سمع صياحها العالي، وسبها له أيضًا!! ابتسم بخبث، مخرجًا الهواء من فمه بتناغم، لأول مرة يعلم أنها تخاف من الأطباء، وهذا سيأتي لصالحه بكل تأكيد. القى السيجارة من بين يديه على الأرض مطفئًا إياها بقدمه، بعد سماعه صوت والدته تسبه أيضًا!! لم يجلب بعض الخضار من السوق. نظر إليها بألم؛ فلم ينتهي منها بعد، لكن لا يهم، الأهم ألا تراها في فمه يرتشف منها بعض الهواء الغير نقي!! وألا تضرر من رائحتها. اقترب من باب منزله، وعلى يقين أنها ستفتح الباب الآن، بعد الانتهاء من ارتداء الحذاء الخاص بها. شهقت بخضة تراه أمامها ينظر لها ببراءة - حرام عليك يا مؤمن خضتني غمز بعينه اليسرى مبتسمًا بحنان - سلامتك من الخضة يا حبي قهقهت صافي بخفه ضاربه إياه على كتفه برفق - ياد اتلم بقى الله أردف مؤمن بدرامية واضعًا يده على قلبه - قلبي مش قادر على جمالك أعمل إيه بس انحنى مقتربًا من وجهها هاتفًا بمحبة - قوليلي أعمل إيه يا ست الكل إنتي هتفت صافي واضعة بيده الشنطة الخاصة لحمل الخضار - تيجي معايا السوق يلاه حالًا قهقه ببلاهه ناظرًا ليده، منذ لحظات لم يجلب ما تريده والآن ها هي تأخذه معها!! - هه هه هه ماما أنا ما لبث أن يكمل حديثه حتى رأى نظرة منها ألجمته عن النطق، ابتلع ريقة بتوتر مندفع خلفها إلى السوق!! جارًا الشنطة بيده بصمت فلم يقوى على الحديث. * * * يسير بجوار والدته، حتى توقف عن السير أسفل الشرفة الخاصة بها!! ابتسم باتساع بعد رؤيتها، تسند كف يدها الأيسر على ذقنها، تتطلع إلى الناس بعمق، متناسية ما حدث منذ دقائق!! رمقته صافي تتسأل لما توقف!! ابتسمت بخفة تراه ينظر إلى رقية، مبتسم باتساع، ظنته عاشق، ولهان.. لكن كيف لا يكون ابنها ويزيل ذاك الشك المتواجد داخلها!! هتف بصوت عالي ليصل إلى مسامعها، بعد رؤيته فتاة قادمة، فكيف لا يتغزل بها!! - اوبا على الجمال اللي جاي كأنه يقول أجل أنا صاحب العينين الضالين فلتري أكثر، مع علمه بأنها تراه دائمًا!! تتابعه في الخفاء.. كأنها عاشقه له!! ابتسم بتهكم عند وصول تفكيره إلى ذلك، تعشقه، كيف!! ومتى حدث!! زفرت صافي بإحباط، أعليه إزالة بذرة الأمل المتواجدة داخل قلبها بسرعة!! كعقارب الساعة!! تخيلت حياة تجمعه مع الفتاة التي تعشقها، يأتي بكل حماقة يعكر مزاجها!! أردفت بتعنيف، ضاربه إياه على رأسه بخفة _ طب اعمل ليا حساب حتى يا أستاذ، ولا مليش لزمة!! هز رأسه بنفي، مربتًا على كف يدها الأيمن المتواجد بين ذراعه الأيسر بإحكام - لا طبعًا ليكي، دنتي الحتة الشمال يا قمر قهقهت بخفة متناسية ما حدث منذ لحظات!! وكيف لا، وهو يفقدها ما حولها... * * * ذاهبة إلى رفيقتها بعد انتهاء دوام العمل، تنهدت براحة عند وصولها إلى مقدمة الشارع، نظرت لقدميها بألم - رجلي مش قادرة آه، يلاه معلش يا هايدي إنتي وصلتي خلاص زفرت بضيق من غزل الشاب، لم تعير كلماته عين اعتبار، اعتادت على الأفعال المثيرة للاشمئزاز، لمَ يفعلون ذلك!! لكن عندما مرت بجانبه هتفت بسعادة.. - لا مش معقول مؤمن قهقه مؤمن بخفه لم يتوقع معرفتها به، سرعان ما خطر بباله أخذ الوضع لصالحه.. رفع عينيه إليها يرى ماذا تفعل؟؟ قابلت النظرات ببردو تام منافي لشعروها!!! ابتسم بخفة سيزيل القناع بسهولة.. - أيوه بقى إيه الحلاوة دي، القمر طلع يعرفني قهقهت هايدي بخفة متناسية ما قاله، فهذا طبع متعلق بشخصية مؤمن، وقد اعتادت ورأت الكثير.. فلمَ عليها الاعتراض!! - مؤمن أنت لسه مش اتغيرت، أنا فكرتك عقلت عن كده قهقه مؤمن بصوت مرتفع هاتفًا بفخر - وهو في حد أعقل مني دا أنا العقل كله نظرت إليه باستخفاف عن أي عقل يتحدث!!! - واضح فعلًا أنك عاقل هتف بهدوء خافضًا نبرة صوته - منتي عارفة اللي فيها، وإني مش بقصد حاجة بكلامي وأكمل بفخر معدلًا ثيابه إلى الخلف - أنا عندي روح الفكاهه عاليه مش أكتر هزت هايدي رأسها مؤكدة حديثه، تطلعت إلى السيدة الملاصة له، هاتفة بفضول - دي مامتك!! هز مؤمن رأسه وجاء يتحدث لكنها لم تترك مجالًا له.. أكملت بتعنيف - أنت بتستعبط!! بتعاكس قدام والدتك!؟ مش عامل ليها حساب خالص؟؟ على فكرة كده عيب يا مؤمن!! نظرت إلى صافي بحزن، بينما رسمت صافي على ملامح وجهها الأسى. - معلش يا طنط، ابنك مع الأسف كده من زمان وأنا اللي فكرته عقل ثم تطلعت إلى مؤمن شزرًا - بطل الهبل اللي أنت بتعمله ده، بدال في الآخر وقعتك هتبقى سودا، هتلاقي واحد معلم على وشك، اتحكم شوية في روح الفكاهة العالية بتاعتك دي. مرت ثانية واحده تبعها خروج شهقات مفزوعة من هايدي، تراه مبتلًا!! بعد اندفاع الماء عليه.. رفعت عينيها تنظر للفاعل؟؟ فترى رقية بابتسامة واسعة ترمقه بانتصار كبير!! هتفت بخفوت: - يخربيتك رفع عيناه المشعة غضبًا متطلع إليها، وقطرات المياه تخرج من رأسه ماره بجوار عينيه الزرقاء مزامنة مع انعكاس أشعة الشمس عليهم. لم يجل في خاطره مقدار ذرة واحدة أن تفعل ذلك!! فلو ظن لما بقي أسفل الشرفة؟ أراد تعكير صفوف مزاجها، لكنه تعكر بدلًا منها!! وانقلب السحر على الساحر... قضمة صافي لسانها بين أسنانها متحسرة على ابنها، هي من ستغير ابنها إلى الأفضل، وقد بدأت تفكر في خطة لجمعهم معًا، تحت سقف واحد؟! هتفت رقية بأسف مصطنع، فلم تستطع الاستمرار تحت قناع البرودة المرسوم على ملامح وجهها، لتندفع إلى الخارج بلمح البصر ثم ما لبثت حتى عادت وبيديها سطل من الماء البارد!!!!! - اوبس مكنش قصدي ارميها عليك. زمت سميرة شفتيها التي كانت واقفة خلفها بعدم رضى، حاولت منعها لم تقدر على ابنتها البلهاء!! وكيف تقدر وقد صممت؟ هتفت رقية بلا مبالاة مندفعة إلى داخل غرفتها - يلاه مش مشكلة حصل خير، مكنتش حبة ميه يعني جم عليك، اهو الشمسة طالعة وهتنشفهم، خليها عليك المراضي بقى ألقت جسدها على السرير مبتسمة بسعادة حقيقة، لا تعلم كيف تملكتها القوة لفعل ذلك، لكنها فعلت.. فلمَ الخوف الآن! أهي خائفة؟؟ كلا... بل تشعر بسعادة تغمرها، والابتسامة مازالت مزينة ثغرها، لما لا وقد أخذت جزء من حقوقها بجعله يغضب؟؟ لتذيقه بعض مما شعرت به فيما مضى، ستفعل حقًا ولن تتراجع.. أغمضت عينيها لا تريد أن تعكر مزاجها بكلمات والدتها التي لم تكف عن إلقاء اللوم، لم تعيرها عين اعتبار!!! وكل ما يتردد في مخيلتها أن تكون أنين العقل الخاص به وليس قلبه، كما كان هو. يتبع... مستنية رائيكم🙊