"صُلحٌ قَبلَ الفُراقِ"

"صُلحٌ قَبلَ الفُراقِ"

12 0

"قبل أن تَذبُل الوَردة "

(الفصل : الثالث)

للكاتبة / ملك رمضان

                              ---------------

كانت الشمس في منتصف السماء، والجو ساكن إلا من صوت دجاجة تصرخ في فناء البيت كأنها تحتج على الحياة كلها.

وقفت "حياة" أمام باب بيت خالتها "سعيدة" تتردد، تمسك طرف فستانها وتتنهد، بينما "يونس" يقف بجوارها متأفف من الحرّ والارتباك.

قال بنبرة متهكمة وهو يمسح عرقه:

-" أحنا لو جايين ناخد نتايج ثانوية عامة مش هنبقى متوترين كدة ما ترني الجرس يلا!".

نظرت إليه حياة بملامح حائرة وقالت وهي تهمس:

– "متتكلمش كتير يا يونس… أنا اصلا قعدت مأجله الخطوة دي كتير اوي اوي ، بس ما ينفعش امشي وانا في حد زعلان مني، حتي لو كان هو الي غلطان ، وبعدين علشان خاطري ما تتكلمش قدام أم أربعة وأربعين دي علشان بتاخد اي حد مُحتوى".

ثم ضغطت على الجرس بخوفٍ يشبه خوف طفلٍ من العقاب، وانتظرت.

لم يفتح أحد.

ضغطت مرة ثانية… ثم ثالثة.

أخيرًا، انفتح الباب فجأة، وظهرت خالتها بملامح متجهمة، تحمل ملعقة في يدها وتضع على رأسها إيشاربًا مائلًا.

قالت بحدة:

– "أنتِ؟! إيه اللي جابك هنا يا حياة؟"

ابتلعت ريقها وقالت بخجلٍ مصطنع:

– «جيت أزورك يا خالتي… أصل قلبي اشتاقلك.»

نظرت إليها الخالة نظرة طويلة مليئة بالدهشة والشك، ثم قالت ساخرة:

– «قلبي اشتاقلك؟! ده إنتِ اللي كنتِ بتقولي مش هتعدي الشارع اللي أنا ساكنة فيه!»

ضحكت  بخفوتٍ وهي تتمتم:

– "ما أنا عِرفت أنك عزلتي، إيه مش هتدخليني بقى".

غمزت حياة، يونس بخفة وقالت بخفوتٍ شديد بأن يشاهد ما سيحدث الآن من أنفجار .

- لا يا حبيبتي مفيش دخول ده كان زمــ

التفتت إلى خالتها وابتسمت وهي تقطع واصلة الحديث حيث الا عوده:

– "بصي يا خالتي، أنا جيت أصلّي، أقصد أصلّح. عارفة إن في حاجات حصلت زمان… بس أنا مش عايزة أروح وأنا زعلانة من حد."

نظرت الخالة إليها صامتة لثوانٍ، ثم قالت ببرودٍ :

– «طب ادخلي وهاتي البأف ده وراكِ»

نظر لها "يونس" بغضب فهمست له معتذرة بالنيابةً عنها

دخلوا بخطواتٍ مترددة، ورائحة الأكل تملأ المكان، وصوت الراديو العتيق يذيع أغنية قديمة.

اقتربت حياة من المطبخ وقالت :

– «إيه الريحة دي يا خالتي ، أنا الريحة دي راضتني خلاص  ".

ردّت الخالة وهي تقلب في الحلة:

– " فكك من الريحة يا بنت أُختي ، إيه الي جابك أنتِ وعمود النور ده .

صرخ "يونس" متأففاً:

-" يوووه وأنا مالي بقى".

قالت" حياة" و"سعيدة "في نفسٍ واحد:

"- أخرس أنت".

قالت حياة وقد بدأت علامات الغضب أن ترتسم علي وجهها:

"- بصي يا خالتي أنا تغاضيت عن أن أنتِ وأمي مقاطعين بعض بقالكم سنين علشان فردة شبشب، وجيتلك علشان مش عايزاكِ تبقى زعلانة من بما أنك خدتيني بجملة أمي وانا اصلا كُنت طفلة وأنتوا بتتخانقوا".

نطق يونس مستفهماً:

"- فردة شبشب إيه دي الي خلتكم تقاطعوا بعض سنين".

ردت حياة وهي تتهند بتعب وتجلس علي اقرب كرسي:

"ـ أبدا يا سيدي ، زمان أمي وخالتي كانوا رايحين السوق وجابوا شبشب زي بعض كنوع من أنواع الماتشينج أيام زمان بقى وكدة ،  ففردة خالت ضاعت ،فخالتي أصرت أن الي ضاع كان فردة الشبشب بتاعت أمي  مش بتاعتها ،بما انهم  كانوا عايشين مع بعض في البيت الي جدي سابه ورث لأمي وخالتي ،  وأتخانقوا وضربوا بعض وما بيتكلموش بعض من سنين".

وقف يونس أمامها مذهولاً وهو يستمع الي السبب الذي جعل العائلتين في حربٍ منذ أعوام ، وخالتها تجلس الآن وهي تتأفف غير راضية عن الحديث تود لو تصرخ بأن فردة الحذاء كانت ملك لأختها وليست لها، لم يجد يونس سوى أن يضحك عليهم وهو يراهم ينظرون إليه بغضب ، سرعان ما تحول الي ضحكات يتبادلونها كلاهم، حتي انقطعت أنفاسهم.

نطقت سعيدة قاطعه هذا الوصلة وهي تقول بنبرةٍ لينة:

"- معرفش وقتها كان الشيطان راكب علي كتافي أنا وأُمِك ليه، بس والله يا بنتي من بعدها وأنا بيبقي نفسي أروح لأمك وأصالحه بس ببقي مكسوفة من الي حصل ، بس فيكِ الخير والله يا حياة انك جيتي لي مخصوص ."

صمتت حياة وهي تبتسم وقد قررت أن تُبقى سر لقاءها بربها القريب سراً حتي يحين الموعد ، يكفيها نشراً للقلق والزعر في قلوب أحبائها.

قاطع وصلة أفكارها صوت يونس وهو يردف بنبرةٍ مليئة بالحماس:

"ـ طب إيه مش هندوق الاكل الي ريحتة خرمت مناخيري ده ولا نقوم نجيب فردة شبشب بدل الي ضاعت؟".

           ------------------------------------------

كانت السيارة تسير بهدوءٍ في طريقٍ جانبيّ تغمره أضواء المساء،

و"حياة" تجلس في المقعد الأمامي إلى جوار "يونس"، بينما تجلس خالتها "سعيدة" في الخلف، صامتة،

تحمل على وجهها ملامح الحذر والندم في آنٍ واحد.

لم تتكلم حياة كثيرًا في الطريق، كانت نظراتها معلّقة بالنافذة،

تراقب الشوارع بصمت.

توقّفت السيارة أمام البيت، قالت حياة بهدوءٍ الي الي خالتها :

"- يلا يا خالتي ".

أومأت وفتحت الباب ببطءٍ ثم نزلت،

وقبل أن تصعد الدرج، التفتت لحياة وقالت بصوتٍ واهن:

– " تفتكري هتسامحني؟".

نظر إليها حياة بحنان وقالت بنبرةٍ حنونه رغم الوجع الظاهر في صوت خالتها:

- "ماما يمكن تزعل وتبعد، بس عمرها ما بتنسى العِشرة، هيّ قلبها طيب يا خالتي.. يمكن محتاجة وقت، بس أول ما تشوفك وتسمعك، كل الزعل هيدوب، ."

أومأت لها خالتها وهي تصعد السلالم بحذر ،ظلّت حياة تتابعها بعينيها حتى اختفت عند باب العمارة،

ثم استدارت نحو يونس، وقالت بهدوءٍ يشبه الرجاء:

– «تعالى معايا يا يونس.»

رفع حاجبيه بدهشة:

– «إيه؟ لا طبعًا، دي لحظة عائلية… المفروض أسيبكم تتكلموا براحتكم.»

هزّت رأسها بإصرار، وصوتها فيه حنان ممزوج بخوفٍ خفي:

– «مش هتكمل من غيرك، أنا عايزة تبقى معايا في كل حاجة، في الزعل، وفي الصلح، وفي الضحك… كله.»

نظر إليها مطولًا، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة،

مدّ يده ليمسك يدها وقال وهو يفتح باب السيارة:

– «طب يلا يا عيلتي الصغيرة… نقابل عيلتي الكبيرة.»

ضحكت حياة، تلك الضحكة التي تُخفي وجعًا خلفها،

ثم خرجت من السيارة معه، تمسك يده بقوة كأنها تتمسك بالحياة ذاتها،

وصعداالسلالم، بخطواتٍ خفيفة.

دخلت حياة البيت تتقدم خالتها بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض تُحاسبها على كل خطوةٍ خطتها بعيدًا عن أختها.

جلست الأم  وكانت تدعو "سمر "على الأريكة تُقشّر برتقالة في صمتٍ مهيب، وكأنها لم تلحظ دخول أحد.

تبادلت " سعيدة نظراتٍ قلقة مع حياة، ثم تمتمت بخفوتٍ:

"هي زعلانه أوي كده؟"

ابتسمت حياة بخفة وهي تهمس:

"أنتِ ربنا معاكِ "

ترددت الخالة لحظة ثم قالت بصوتٍ فيه خفة مصطنعة:

" كل سنة وإنتِ طيبة... يا سمورة!"

رفعت " سمر ", حاجبها دون أن تنظر إليها، وقالت ببرودٍ متعمد:

"هو العيد جه ومحدش قالي؟ ولا أنتِ عايزة حاجة الله؟"

ضحكت حياة وهي تجلس بينهما كأنها تفصل بين نارين، وقالت ممازحةً:

"أهو خلاص يا ماما، العيد جه.. ومعاه لمّة العيلة كمان. صافي يا لبن بقى"

سكتت " سمر ", لحظة، ثم مدت برتقالة لأختها وقالت بنبرةٍ حاولت تخفي بها ابتسامتها:

"- خدي كلي البرتقاله دي أنتِ بتحبيه".

اخدتها منها سعيدة بحب أردفت سمر وهي تنظر إلي الطبق والسكين مرة آخري :

"- الحمد لله أن البرتقال ملوش فردة تانية ، بس الشبشب بتاعي له فردة وممكن أنزل بيها علي دماغك".

قالتها ثم خلعت نعلها وهي تجري وراء "سعيدة" في المنزل باكملة وسط ضحك حياة ويونس وأعتذارات "سعيدة" المتكرر قبل أن تتناول بعض الضربات علي جسدها لتوقظها كمان أردفت سمر وهي تصرخ بها:

"- يا كلبة البحر يا حرامية الشباشب ، تلت سنين مقاطعاني علشان شبشب يا عِرة ، والله ما اتربتيي".

سقطت حياة ضاحكة علي مظهرهم، وأسندت رأسها على كتف يونس وهي تلتقط أنفاسها، بينما يونس اكتفى بابتسامةٍ دافئة يراقب المشهد من بعيد، كأنه يرى أمامه مسرحًا صغيرًا للصلح والحب والجنون العائلي.

حتى الأطفال دخلوا على الصوت، وكلٌّ بدأ يقلّد " " "سمر" وهي تضرب" سعيدة"  لتتحول الجلسة إلى حفلةٍ من المزاح والذكريات القديمة.

تناولوا العشاء سويًا وسط النكات،والمزاح مع تجاهل الام والاب ويونس وحتي حياة حقيقة اقتراب الموعد ...موعد الوفاء

ومع اقتراب منتصف الليل، هدأت الأصوات، وبدأ الجميع يستعدّ للرحيل.

خرجت "حياة "مع يونس حتى باب العمارة، والجوّ البارد يلفّهما برفق.

وقفت أمامه تبتسم بخفوت، وفي عينيها لمعة رضا، وقالت:

– "كنت فاكرة اليوم ده هيبقى صعب، بس طلع أحلى مما توقعت."

ردّ يونس وهو يصلح ياقة معطفها:

– "الصلح دايمًا بيبدأ بهزار، وانتهي النهارده بضحك بدل دموع، دي بداية حلوة يا حياة."

تنهدت وهي تضع يدها على صدره برفق:

– "شكلي هبتدي أصدق إن ربنا لسه كاتبلي أيام حلوة أعيشها."

ابتسم وقال بخفة:

– "ده كل يوم أنتِ معايا فيه حلو وعيد ، كفاية أنك عامله شبة الراحة يا حياة،

لما بتتكلمي، الدنيا بتهدى،

ولما بتضحكي، كل حاجة بتبقى خفيفة كده من غير سبب. أنا كنت فاكر إن الأيام الحلوة خلاص خلصت،

بس طلع لسه فيّ عمر حلو مدام فيه منك حتة.

."

ضحكت بصوتٍ عالٍ، وصفّقت بيدها عليه بخفة، ثم ودعته بابتسامةٍ طويلة وهي تراقب سيارته تبتعد، لتهمس لنفسها بصوتٍ مبحوحٍ بالامتنان:

"الأمنية الأولى... أتحققت."

12/7

الساعة 1 بعد منتصف الليل....

مرحباً مُذكراتي العزيزة...

أنا مع الرجل الذي لم أتوقع أن أكون من نصيبه يوماً ، أنا أشعر بالفرح الذي لم اكن عليه يوماً ..

اليوم الثالث قبل الموت ، عزيزتكِ تشعر بالامتنان للحياة كونها أنجبت ساكن القلب.

يُتَبَعِ....

إلى كل من يعتقد أن الرواية لا فكرَ لها،

فرأيك هذا يُوضع في مكانٍ واحدٍ، وهو — بالطبع — القمامة،

وإن رأيتك ذات يومٍ على "الفيسبوك" مُعلِّقًا،

أتيتُك من سيلِ السِّبابِ ما لم تحسبْ له حسابًا،

فضَعْ لسانَك موضعَ فمِك،

لكي لا تتعثّر بحروفٍ لا تليقُ إلا بالصمت،

ولا تُنطَق إلا على ألسنةِ الجهلاء.

دُمتُم سَالمين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قبل أن تَذبل الوردة

المؤلف Sahar Ali
2025/11/04 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة