" قبل أن تَذبل الوردة"
( الفصل الثاني )
للكاتبة/ ملك رمضان السعيد
------------
كانت تجلس في شرفتها، تنظر إلى الشارع الخالي، ويدها تمسك كوب شاي بارد نسيَ دفأه منذ ساعات.
الليل هادئ أكثر من اللازم، كأنّ المدينة بأكملها توقّفت احترامًا لوجعها.
تتأمل القمر، وتقول في سرّها:
ـ “يا رب، لو لسه باقيلي أيام، خلّيها تعدّي بسلام، من غير وجع حدّ.”
رنّ هاتفها وكان الاسم على الشاشة:
"رَفيق الدَربِ"
ترددت لحظة قبل أن تجيب، ثم وضعت السماعة على أذنها بصوتٍ مُتعب هَمست:
– "ألو."
ردّ صوته على الطرف الآخر، ناعمًا ومليئًا بشوقٍ خافت:
– "صوتك متغير ، انتِ كويسة؟"
– "كويسة يا يونس… بس الدنيا برد."
– "أنا تحت بيتكم، انزليلي دقيقتين."
شهقت بخفة:
"ـ تحت البيت؟! يونس، دي الساعة أحداشر بالليل!"
رد بإصرار :
"ـ أمنية أولى، يا حياة. أنا مش همشي غير لما تتحقّق."
ترددت قليلًا، ثم لبست فستاناً من اللون الوردي ولفت خِماراً ابيض وخرجت بخطواتٍ هادئة كي لا توقظ من في المنزل الذين لم يغمض لهم أجفان حتي الآن مترقبين ملك الموت في أي لحظه وهو يطرق علي باب غُرفه ابنتهم.
--------------------
كانت تقف أمام باب العمارة، ترتجف من البرد والرهبة معًا.
"يونس" واقفاً بسيارته، ومعه باقة ورد بيضاء صغيرة ودفتر بغلاف وردي، ابتسم حين رأها ثم نبس:
– "شَكلك مُبهر كالعادة".
ابتسمت بخجل ثم قالت بضحكة باهتة:
– "لو ماما صحيت هتقلقل عليا"
رد بحماس :
"ـ يبقى نخلي الأمنية سريعة."
ناولها الدفتر وأردف بصوتٍ عالي وهو يشير الي باقة الورود البيضاء :
ـ "قبل أن تذبل الوردة"
رفعت عينيها له بدهشة:
– "يعني إيه؟"
– "يعني دفتر فاضي أنتِ الي هتمليه بالي نفسك فيه"
سكتت، وعيناها تلمعان بخليط من الخوف والشوق، والحماس ثم قالت:
"ـ فكرة حلوه ، بس تفتكر هلحق"
اردف وغصةً مريرة استوطنت حلقة:
"ـ هتلحقي يا حياة ، هتلحقي تعملي كل حاجة نفسك فيها".
تَناولت الدفتر منه وعيناها مِمتلئة بالعِبرات ،صمتّ للحظات ثم أرتمت في عِناقة وهي تتشبث به وبالأمان الذي يبعثه لها بعناق ..
يمكن أن تُطلق عليه عِيناق يشمل الحب الخوف الرضا القهر.
وهو فقط يُربِت عليها وعِبراته خانته هو الآخر ليشاركها البكاء الصامت وهو يُربت علي ظهرها ويهمس لها:
"ـ حتي لو آخر يوم في عمرك يا حياة ، أنا فخور انك كُنتِ في حياتي يوم".
أجهشت في بكاء مرير وهي تهمس من بين عِبراتها:
"ـ أنا أسفه ، بجد أسفه اني حطيتك في الوضع ده، مش بإيدي"
أضاف وهو يغمض عينيه قبل أن تفيض بالدَمع
"ـ كله هيبقي تمام صدقيني "
أخرجها من عِناقه وهو يردف:
"ـ خدي الدفتر وأطلعي اكتبي فيه كل إلى نفسك فيه و وعد كله هيتحقق علشان خاطر عيونك ".
أودعته بعينيها وهي تنصرف، عائدةً إلى منزلها، بينما كانت نظراته تتبعها حتى تلاشت خلف باب البيت.
وما إن أغلقت خلفها الباب، حتى تنفَّست بعمقٍ، وبدّلت ملابسها على عجل، ثم جلست إلى مكتبها الصغير.
مدّت يدها نحو القلم، فتحته برفقٍ، وبدأت تُسطّر أولى صفحات الدفتر... حيثُ كانت البداية:
"ـ أكن يومًا أظن أن العمر يمكن أن يُختصر في عشرة أيام.
كنت أظن أن الموت يأتي فجأة، فيسرقنا بلا موعد،
لكن الله منحني موعدًا دقيقًا… عشرة أيام فقط.
لم أبكِ حينها، ولا صرخت. فقط نظرت حولي أتأمل الأشياء التي سأفارقها،
كأنني أراها للمرة الأولى: نافذتي، ضوء الصباح، كوب القهوة،
وحتى ظلّي حين ينعكس على الجدار.
عشر أيام… ليست كثيرة، لكنها تكفي لأن أقول وداعًا بطريقة تليق بي،
وتكفي لأن أعيش ما لم أستطع أن أعيشه حين كنت بخير.
لهذا، سأطلق علي هذا الدفتر
"دفتر الأمنيات الأخيرة – حياة"
عشر أمنيات… عشر محاولات صغيرة للنجاة قبل النهاية.
وإن لم أستطع أن أعيش عمرًا طويلًا،
فسأجعل الأيام الباقية تعيش عني."
ثم أغلقت الدفتر وهي تتنفس الصعداء، ترفع بصرها نحو السماء كأنها تُسلِّم أمرها لخالقها.
ابتسمت بطمأنينةٍ خافتة، ثم قامت تُصلّي قيامها بخشوعٍ وسكينة،
وحين وضعت رأسها على الوسادة، نامت راضيةً بكل ما كان... وما سيكون.
-----------------------------------
استيقظت "حياة" في الصباح على غير عادتها، لم توقظها آلام الصدر ولا صوت الأدوية الذي صار جزءًا من يومها. أيقظها إحساسٌ غريب، كأن شيئًا
ما مختلف سيحدث.
فتحت النافذة، فدخلت نِسمةٍ باردة داعبت وجهها الشاحب،
تأمَّلت الشارعَ الهادئ، وأدركت أنها لم تلحظه منذ زمنٍ بعيد.
غريبٌ كيف لا ننتبه للأشياء إلا حين تفارقنا،
وكأنَّ الفقدَ وحدهُ يُوقظ فينا حاسّة التأمّل.
ارتدت فستانها الأبيض — ذاك الذي اشترته منذ خُطبتها، ولم ترتده قط.
رنّ هاتفها، كان "يونس" وهو ينبس بنبرته الاكثر دفئاً علي الإطلاق:
– "صباح الخير يا حبيبتي، ها تحبي نبدأ بإيه ومنين؟".
– " تتجوزني يا" يونس"
ضحك بخفوتٍ وقال:
" ده باعتبارها أن أحنا مش كاتبين كتابنا يعني؟ "
– " احنا لما كتبنا الكتاب ، ما عملناش اي احتفال لأن أحنا كُنا مأجلينه ليلة الحنه الي هتبقى بدل الفرح وكتب الكتاب ونطلع علي العمرة بس بما أن ترتيبات ربنا غِير ، فأنا قررت نعمل حفلة علي قدنا نعزم حبايبنا وقرايبنا بس وأحس أني عروسة، عايزة ألبس الفستان قبل الكفن".
**انتابته غصّةٌ حين استعاد آخرَ جملةٍ قالتها.
لم يعتد، ولم يتأقلم، ولم يعترف يومًا أن الفقد صار جزءًا منه.
ما زال... وسيظلّ، يؤلمه كلُّما خُيِّل إليه أن اللقاءَ القادم قد يكون الأخير.
اللقاء الأخير... لحبيبةِ الروح.
أغلق عينيه وكأنّه يحاول الهروب من صدى صوتها الذي ما زال يطرق ذاكرته برفقٍ موجع.
أتتفض علي صوتها وهي تناديه بأسمه ، وقال وهو يحاول أن يرسم ابتسامةٍ مُزيفه علي وجهه، وهو يتمتم:
"ـ لخاطرك أيّ حاجة"
-----------------------------------
بعد حلول الليل، كانت تتألّق بفستانها الأبيض، كأنّها قطعةٌ من القمر نزلت لتضيء الأرض.
انساب القماش على جسدها برقة النسيم، تتلألأ حوافه بخيوطٍ من الضوء، وكأنّ كل خيطٍ منه يهمس بنقاء قلبها.
ارتدت خمارًا ناصع البياض، يُغطي شعرها في عفةٍ تزيد ملامحها سكينةً وجمالًا،
فبدت كعروسٍ من نورٍ، تسير بخطًى خفيفةٍ تُشبه الحلم.
أما "يونس"، فكان يقف في الجهة المقابلة، يضبط ياقة بدلته السوداء الأنيقة،
تتلألأ أزرارها تحت وهج الأضواء الخافتة،
وعيناه تلتقطان كل تفصيلةٍ منها، كأنّه يخشى أن تغيب عن نظره لحظةً واحدة.
كان في ملامحه مزيجٌ من الفخر والدهشة، كمن رأى دعاءه القديم وقد تجسّد أمامه بشرًا.
أجواء الفرح كانت ساكنةً هادئة، تخلو من صخب الموسيقى،
لكنها امتلأت بأصوات القلوب التي تهتف سرًّا بالفرح.
ابتسامات الأقارب، ونظرات الدعاء، ولمعان الدموع في عيون الأمهات،
كلّها كانت أنغامًا صامتةً تُغني عن أيّ لحن.
اقترب "يونس" منها بخطواتٍ واثقةٍ تحمل بين طيّاتها ارتجاف الفرح.
كانت "حياة" تقف أمامه كأنّها الحلم الذي طال انتظاره، تتلألأ عيناها بدموعٍ حبيسةٍ بين الخجل والامتنان.
ابتسم بخفوتٍ، وصوته يتهدّج بنعومةٍ وهو يقول:
"مبسوطة؟"
رفعت بصرها نحوه، وابتسمت رغم الدمع الذي لم تسعفه كبرياؤها على إخفائه،
وقالت بصوتٍ مرتجفٍ يحمل صدقًا عميقًا:
"أوي يا يونس حاسه أني طايرة ، لحقت تجهّز كل دا إمتى؟"
ضحك "يونس" بخفةٍ تُشبه راحة من أنهى رحلة عمره، ومدّ يده يلامس كفّها في حنوٍّ خافت، ثم قال:
"- كله يهون علشانك يا حياة."
في تلك اللحظة، شعر كأنّ الدنيا توقفت لتُفسح له الطريق كي يعيش فرحته كما يليق.
كل ما حوله تلاشى، لم يبقَ سوى وجهها المضيء تحت وهج الأنوار، وصوت قلبه الذي ينبض بإيقاعٍ لم يعرفه من قبل. أحسّ أنه نجا من كل ما كان يؤلمه، وأن هذا اللقاء لم يكن عاديًا،
بل وعدًا صادقًا بين قلبين التقيا على نقاءٍ ورضا.
نظر إليها طويلاً، وقال في نفسه:
"ما كنتُ أظنّ أن للطمأنينة ملامح... حتى رأيتُكِ."
ارتجفت أنفاسها كأن الكلمة لامست شيئًا في أعماقها لم يبلغه أحدٌ من قبل.
خفضت بصرها بخجلٍ جميل، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ صغيرةٌ تُخفي وراءها امتنانًا عميقًا.
لم تُجب، لكن عينيها قالت ما لم تستطع الكلمات أن تعبّر عنه؛
قالت له بهدوءٍ عينيها:
"وأنا ما كنتُ أظنّ أن للحبّ وجهاً... حتى رأيتُك."
لم يكن حبّهما كأيّ حبٍّ عابرٍ وُلد من نظرةٍ أو صدفة،
بل كان امتدادًا لطمأنينةٍ سكنت القلب منذ لقائهما الأول.
كأنّ الأرواح تعرّفت قبل الأسماء،
فما عاد أحدهما يرى في الآخر وجهًا فحسب، بل وطنًا يأوي إليه حين تضيق الدنيا.
في عيني "يونس" كانت "حياة" المعنى الكامل لاسمها،
هي النبض حين يخفت، والسكينة حين يضطرب كل شيء.
وفي قلبها، كان هو الدعاء المستجاب الذي انتظرته دون أن تدري متى وكيف سيأتي.
كلما اقتربت منه شعرت أنّ المسافة بينهما لا تُقاس بخطوات،
بل تُقاس بقدر ما يجتمع من راحةٍ وصدقٍ وأمان.
لم يكن حبّهما ضجيجًا أو لهفةً زائلة،
بل حبًّا نضج بالوفاء، وتطهّر بالصبر،
حبًّا لو مرّت عليه السنين، لظلّ ثابتًا كالشجرة التي تعرف جذورها طريق الماء مهما تغيّرت الفصول.
------------------------------
وحين انتهت الحفلة، غادر الجميع إلا هما.
اقترب منها "يونس" بابتسامته الهادئة التي تعرفها أكثر من أيّ كلام،
وقال بنبرةٍ خفيفةٍ تملؤها المودّة:
- "تعالي نروح مكانّا."
لم تسأله أين، فهي تعرف تمامًا المقصود؛ البحر... ملاذهما الأول.
قاد السيارة بصمتٍ مريحٍ، كأنّ الصمت بينهما لغةٌ خاصة لا يفهمها سواهما.
وحين وصلا، كان الليل قد أرخى سدوله،
والنسيم البحريّ يلامس وجهيهما برفقٍ، يحمل رائحة الملح وذكرياتٍ لا تُنسى.
ترجّل "يونس" من السيارة، واتجه نحو العربة الصغيرة عند الرصيف،
عاد وفي يده آيس كريم بالفراولة — نكهتها المفضّلة —
ناولها إيّاه ، أردفت هي مبتسمة:
- "لسه فاكر إني بحب الفراولة؟"
ضحك بعينيه وقال:
"هو في حاجة ممكن أنساها وإنتِ فيها؟"
جلسا على الصخور القريبة، يتأملان صفحة الماء وهي تعكس ضوء القمر،
لا موسيقى، ولا ضجيج، فقط أصوات الأمواج تتهادى بين حديثٍ وهمسٍ وضحكةٍ دافئة.
مدّت "حياة" يدها نحو البحر كأنّها تُصافحه،
وقالن وهي تنظر صوب عيني "يونس" مُباشرةً:
-" أنا بَحِبك أوي يا " يونس "
أردف هو وهو يعانقها بعينيه ويوزع فيهما دفئه:
"ـ ويونس بيموت في حبيبة روحه"
ابتسمت، ثم أسندت رأسها على كتفه في راحةٍ لم تعرفها إلا معه
ثم فجأة وصل لسمعيهم صوتك اغنيةٍ قادم من أحد المقاهي ويبدو أنه خالي من الموسيقي ، نظرت لعينيه وهي تدندن مع الصوت:
ولا أي كلمة حب اتقالت في يوم ما بين اتنين
تسوى حلاوة كلمة منك قولتهالي
عيد قولت إيه كده تاني وتالت، أنا قلبي كله حنين
ولا يطفي ناره حبيبي غير لو عدتهالي
عارف بتعمل فيا إيه كلمة حبيبي؟
زي اللي أول مرة بيحس بأمان
خليك معايا
خليك معايا يا حبيبي مهما كان
خليك معايا
بدأ يدندن معها هو الآخر وهو ينظر في عُمق عينيها:
ـ يا حلم عمري اللي في خيالي من زمان
عارف أنت أجمل حاجة تفرح الواحد هي إيه؟
إن اللي ياما حلمت بيه تلاقيه حبيبك
وأنا عيشت بحلم باللحظة دي، ده اللي بدور عليه
أنا أسيب حياتي ودنيتي ولا يوم أسيبك
---------------
عادت إلى منزلها وقد امتزج في ملامحها الإرهاق بالسكينة، كانت خطواتها خفيفة كأنها تسير على غيمةٍ من الفرح. وضعت حقيبتها جانبًا، ودخلت الي غرفتها بعد أن احتضنت والديها وهي تشكرهم علي هذا اليوم، ثم جلست أمام دفتر الأمنيات الذي ظلّ يرافقها منذ قررت أن تُحيي أيامها الأخيرة كما تشتهي روحها.
فتحت الصفحة الأولى بيدٍ ترتجف بين الحنين والنشوة، وتأملت الجملة التي دوّنتها البارحة ،ثم ابتسمت ابتسامة صافية، امتدّ أثرها حتى عينيها. أخذت القلم، ورسمت علامة "صواب" بجانب الأمنية الأولى، وكأنها تخطّ توقيع الفرح على ورقة عمرها.
همست لنفسها بصوتٍ تغمره الدهشة:
"عملتها ، حققت الأمنية الأولي ومع حبيب روحي ."
شعرت أن قلبها يرقص، وأن الحياة – ولو ليومٍ واحد – أنصفتها. اتجهت نحو الشرفة، والليل يحتضن المدينة في صمتٍ رقيق، رفعت وجهها نحو السماء، وقالت بخفةٍ طفولية:
"واحدة عدت .. وفاضل تسعه، احمدك واشكر فضلك يارب ."
ثم أغلقت الدفتر، وضمّته إلى صدرها كمن يحتضن ذكرى لا تُقدّر بثمن، ونامت تلك الليلة على ابتسامةٍ لم تعرف طريقها إلى وجهها منذ زمن بعيد.
يُتَبَعِ...
# مَلك- رمضان.
وافتح عليَّ فتحًا يُذهلني اتساعه، وأنِر بصيرتي باﻷسباب والحكمة ما يملؤني قناعة، وارضَ عني رِضًا لا أشقى بعده أبدًا، وامننْ عليَّ بقُرّة عينٍ غير مُنقطعة، وبقلبٍ سليم وفكرٍ رحيم وكامل التسليم لكل أقدارك يا ربّ .