"آثر في نفس الحياة"

"آثر في نفس الحياة"

13 0

"قبل - أن- تذبل- الوردة "

(الفصل الاول)

للكاتبة/ملك رمضان

                                   ------------

كان المقهى مزدحمًا كعادته في مثل هذا الوقت، لكنه بدا كأنّه فارغ تمامًا وهي تجلس وحدها على المقعد المواجه للباب، تحتضن كوب القهوة كأنّه الشيء الوحيد الذي يمنحها الدفء. عيناها شاردة في اللاشيء، وفستانها الأبيض الذي كانت تجربه صباحًا قبل الزفاف ، ما زال ممدودًا في علبة مغلقة بجوارها علي المقعد.

دخل "يونس "بعد دقائق، يلهث قليلًا، يبتسم تلقائيًا حين يراها، ثم ببطء، أخرج من جيبه شيء صغير، ووضعه أمامها على الطاولة...

وردة بيضاء كما اعتاد دائماً.

ثم توقّف، شعر أنّ شيئًا غريبًا في جلستها... في عينيها.

جلس أمامها دون أن ينطق، فقط حدّق بها، منتظرًا منها أن تبدأ.

قالت بهدوء مريب ونبرةٍ لا يفهمها:

-  أنا مش هينفع أكمل.

رفع حاجبيه وهو يقول ساخراً  معتقداً بأنها تمزح:

- دي صباح الخير بتاعتك ، أنتِ هرموناتك جاية بكدة يعني ؟

لم تنظر إليه، بل اكتفت بالنظر إلى البخار المتصاعد من الكوب وقالت ببرود مُفتعل:

- "أنا مش هتجوزك يا يونس "

ضحك، ظنّها تمزح، ثم قال:

-  إنتِ بتتكلمي جد؟ إنتِ  كويسة؟ حصل حاجة؟

نظرت إليه هذه المرّة، بعينين ممتلئتين بصمت طويل، وقالت:

- "حصل كل حاجة… وأنا مش قادرة أشرح، بس خليني أقولك إني مش بهزر"

– "ليه؟! إحنا كتبين كتابنا، والفرح كمان شهر! في إيه يا  " حياة"؟

ابتلعت ريقها كأنّه شوكٌ يقطع في حلقها ، ثم قالت بصوتٍ أقرب للهمس:

- "بلاش تسهّلها بكلمة “في إيه”... في حاجات أصعب من إني أشرحها، بس... خلاص، مش هينفع"

هبّ " يونس"واقفًا، وأردف في عصبية:

– "طب فاهميني! جرالك إيه؟! أنا قولت لك قبل كده لو تعبانة أو خايفة أو حتى مش عايزاني، هسمعك… بس ما تسيبينيش كده من غير سبب!"

ارتجفت يدها وهي تحاول إخراج شيء من حقيبتها، ثم وضعت أمامه ورقة بيضاء مطوية.

فتحها ببطء… قرأ أول سطر… ثم الثاني…

وقعت الورقة من يده، كأنها محترقة.

قالت بهدوء مميت:

– الدكتور قالّي فاضلي عشر أيام، أنا عندي كانسر( سرطان) منتشر في جسمي كله.

صمتت لحظة، ثم أكملت وعبراتها بدأت في الإسترسال بألم:

"ـ عشرة… مش شهر، مش سنة، مش هينفع ألبس فستان، وانا جسمي بيودّعني،مش هينفع أبقى عروسة، وأنا بخطط أتدفن، مش هينفع أظلمك معايا يا " يونس".

جلس  الآخر على المقعد ببطء، كأنّ الأرض ضاقت عليه، وضع يده على فمه، وعيناه تلمعان بصدمة لم يعرف كيف يخفيها.

همست وهي تبكي بمرارة:

– كنت هستخبى… أقول لأي حد إني سافرت، إني بطّلت أحبك…

بس الحقيقة؟

أنا بموت يا "يونس"… بموت.

لم ينطق… لم يبكِ… لم ينهار. فقط نظر إليها وكأنّه يراها للمرة الأولى… فتاة جميلة، وقوية، ومكسورة، في حربها الأخيرة.

ولأوّل مرّة، خاف أن تمر الأيام... لأنه فقد القدرة على الانتظار.

كل شيء ساكنًا من حولهم، حتى المقهى فقد صوته، والهواء فقد حركته، كأنّ اللحظة انكمشت على جسدها المنهك وعلى عينيه الممتلئتين بعجزٍ صامت.

نظر إلى الورقة التي سقطت من يده، ثم التقطها بيدٍ مرتجفة، كأنّه يخشى قراءتها مرة أخرى، كأنّه يراها مشنقةً مكتوبةً بحبرٍ طبي.

قال بصوتٍ باهت:

– "لأ… لأ يا "حياة "دي مش نهاية، أكيد في حاجة غلط ، إحنا نروح لدكتور تاني، نعيد التحاليل، نسأل أكتر. مفيش حاجة اسمها عشرة أيام كده وخلاص!"

لم ترد. فقط  تنظر إلى الوردة البيضاء الموضوعة أمامها، وكأنّها تتوسل منها أن تتكلم بدلًا عنها.

فجأة، انفجر صوته:

– "ما تقوليش كده! إنتِ عارفة إنك أقوى من كده… دي غلطة، أو تشخيص ناقص، أو حاجة ناقصة! لازم نحاول"

أجابت بصوت متهدج من البكاء وهي تنظر إلي عينية المشتعلتان:

– "صدقني ملوش لازمة الكلام ده يا " يونس" أنا أتأكدت مرتين قبل ما أجي، واللي جاي… مش ناقص دكاترة وأدوية ...ناقص بس وداع حلو من الأحباب "

ضرب كفّه في الطاولة بعصبية أو ربما قلة حيلة ، كأنه يُفرغ حيرته لا غضبه، وقال:

ـ طب عايزاني أعمل إيه؟ أقعد أتفرج عليكي وانتِ بتعدّي الأيام ؟ طب وأنا ماليش دور؟ أنا ليّا دور فيكِ، يا "حياة"

نظرت إليه، بعينان ممتلئتان بدموعٍ تفيض، وقالت:

– أنا مش عايزة أكون عبء عليك… ولا على نفسي، وأنت مش مطالب منك تعمل أي حاجة ولا انك تدفن نفسك معايا ،عيش حياتك أنت يا  " ياسين" ، وأنا هبقي كويسة.

لا تعلم هل تكذب علي نفسها أم عليه ؟ تتألم ...تتوجع ...تنكسر ...تشعر بالخذلان من حياة طمعت في أن تعطيها السعادة كاملة .

فتاة بسيطة أحبها صديقها في العمل وتقدم لخطبتها وعقدوا قرانهم وفي أنتظار أيامهم الاولي في عُشهم  الزوجي أكبر أحلامهم ...بيتٍ دافئ تملئه السكينة وضحكات الاطفال في الأرجاء ... ولكن يبدو أن للقدر رأيٌ آخر ؟!

         ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السيارة تتحرك ببطء في طريق شبه خالٍ، والسماء ملبدة بغيوم لا تنذر بمطر، بل بثقلٍ يشبه الذي يجثم على صدريهما.

جلس "يونس" خلف المقود، يحدّق إلى الأمام بوجه جامد لا يحمل شيئًا،  يقود بلا اتجاه،  كأنّ الطريق هو الشيء الوحيد الذي ما زال يتحرك في هذا العالم البطيء.

  تجلس إلى جواره، رأسها مائل قليلاً نحو النافذة، وعيناها تدمع في صمت. بنزيفٍ هادئٍ لا يحتاج إلى صوت، وكأنّ دموعها قررت أن تنزل بلا استئذان، دون أن تطلب إذنًا من القوة أو العزيمة.

كسر هو الصمت وهو يقول بصوتٍ مبحوح:

- 'حياة" ، أنا مش عايزك تخافي ، أنا متفائل خير .

رفعت رأسها عن النافذة وهي تنظر إليه في آلم وأردفت بصوتٍ واهن من التعب النفسي ... والجسدي:

- خمس دكاترة يا " يونس" ، خمس دكاترة ومفيش نتيجة مختلفة ، كلهم قالوا أن مش معايا  أكتر من 10 أيام أو أسبوعين بالكتير ، أنا راضية بقضاء ربنا .

ثم أكملت وهي ترفع انظارها السماء وتهمس بصوت يشبة محارب مهزوم من جميع معاركه:

ـ الحمد لله حتي يبلغ الحمد منتهاه.

نظر إليها "يونس" بصمتٍ كأنّ الحروف خانته، وكأنّ صوته ذاب في صدره قبل أن يصل إلى شفتيه.

سقطت دموعه في صمتٍ، كأنّها تسجد ألمًا على باب القدر، تمشي على وجنتيه بخشوعٍ لا بكاء فيه.

يبكي ألمًا على حبيبةٍ كانت له سكنًا وسكينة، ويظنّ أن الله لم يخلقها إلا له.

يبكي وجعًا على حُلمٍ كتبوه سويًّا، ثم مزّقته الحياة كأنّه لم يكن.

يبكي لوعةً على عمرٍ تمنى أن يقضيه بجوارها، فاختار الله أن يقصّر الرحلة.

يبكي انكسارًا، لا يُسمع… لكنه في دعائه، كان يقول:

"اللهم لا اعتراض، ولكن علّمني كيف أعيش بعدها وأنت وحدك الباقي."

أوقف" يونس" السيارة على جانب الطريق، على حافة البحر الذي كانت ومازالت تحبه.

ذلك المكان الذي كانت تفرّ إليه كلما ضاقت بها الدنيا، حيث تشعر أن الهواء أنقى، والصوت أصدق، والله أقرب.

أطفأ المحرّك، لكنّ صوت الأمواج ظلّ يدقّ في أذنيه كقلبٍ يرتجف.

نزل من السيارة ،  بعد أن ترجلت هي منها ،ثم أمسك يديها التي كانت مرتجفة وباردة، وكأنها قطعة من الشتاء.

استدارت إليه ببطء، فوجدت عينيه غارقتين، ليست بالدموع وحدها، بل بالخوف… والرجاء.

قال بصوت مبحوح:

– "أنا مش هسيبك…

مهما حصل، ومهما عدّى من وقت…

أنا مشيت معاك الطريق ده، ومش هرجع لوحدي."

تنظر إليه بعينين بينهما بقايا من الدموع، لكنها لم تنطق.

شدّ على يدها أكثر، ثم أكمل:

– "حتى لو فاضل يوم واحد…

أنا عايز أعيشه معاكي، ماينفعش تسبيهولي ناقص.

ماينفعش أمشي في الدنيا بعدك وأنا حاسس إني ماعملتش حاجة…

إني معرفتش أحافظ عليكي."

هزّت رأسها ببطء، ثم أخرجت يدها من يده فجأة، كأنّها تحاول التخلّص من أي لمسة قد تُضعف قرارها.

صرخت فيه، بصوتٍ مكسور:

– إنت مش فاهم حاجة!

أنا مش بس بموت يا يونس… أنا بتدمر!

كل يوم بصحى على ألم مش بيوجع بس… بيكسر!

أنا مش عايزة حد يشوفني كده…

ولا عايزاك تفتكرني بالشكل ده!

سيبني أمشي بكرامتي… سيبني أختفي زي ما دخلت حياتك بهدوء…"

نظر إليها مطوّلًا، والبحر خلفها يتلاطم، كأنّه يصرخ معها.

ثم قال بهدوءٍ يشبه العهد:

– وإنتي فاكرة إني بحبك علشان شَعرك أو ضحكتك أو حيويتك؟

أنا بحبك علشان قلبك…

وقلبك لسه موجود، ولسه بينبض، ولسه بيعافر.

وإنتِ مش هتمشي، ولا هتختفي، ولا هتبقي وجع…

إنتي هتبقي حياة، حتى لو كانت قصيرة."

سقطت رأسها على كتفه فجأة، وبكت… بكت كما لم تبكِ من قبل.

بكت خوفًا، وندمًا، وراحة… كأنّها كانت تبحث عن هذا العناق منذ عرفت الحقيقة.

أما هو، فكان يتمسّك بها أكثر كلما انهارت، كأنّه يُراهن على الزمن أن يترك له لحظة واحدة فقط…

لحظة، تكفي ليعيش بعدها ألف عمر.

          ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانا يقفان أمام الباب الخشبي، ذلك الباب الذي عبرته "حياة" آلاف المرات، ضاحكة أحيانًا، غاضبة أحيانًا، مرهقة من الدنيا… لكنّها دائمًا كانت تعود إليه حيّة.

أما اليوم، فكانت خطواتها ثابتة في جسدٍ ينهار، وصوتها صامت في قلبٍ يصرخ.

ضمّت يدها في كفّه، كأنّها تبحث عن آخر طوق نجاة قبل الغرق، وكان هو يشدّ عليها بخفّة، كأنّه يخشى أن تتفتّت بين أصابعه.

الباب على بُعد لحظة، لكنها بدت لحظةً أثقل من الموت نفسه.

همست دون أن تلتفت إليه بصوتٍ فيه من القهر ما يكفي ويفيض :

– مش عايزة أبص في عيني ماما… لو بصيتلها، هنهار، أنا مش قد المواجهة دي يا " ياسين" !

قال وهو ما زال يحدّق في الباب وبصوتٍ حاول جعله متماسكاً قدر الإمكان :

– أنا معاكي…

ومش هدخل وأسِبك لوحدك، ولا هقول حاجة غير وإيدك في إيدي، بس هما لازم يعرفوا ده حقهم .

صمتت لبرهه، ثم قالت بنبرةٍ أقرب للانهيار:

– أنت متخيل شكل ماما وهي بتسمعني؟ أنا بنتها الوحيدة، كل حاجة في حياتها كانت مستنياني أتجوز، وأفرّحها، وتشيل عيالي… هقولها إيه؟

هقولها: يا ماما، فرحك هيتبدّل بعزا؟

تنفّس "يونس"بعمق،  وهو يحاول ردّع عبراته ثم نظر لها وقال:

– هتقولي: يا ماما، أنا تعبانة بس عايزاكي تفضلي فخورة بيا… أنا بحاول ، بس مش هسيبك من غير ذكرى حلوة…

ثم رفع كفها المرتجف إلى فمه، وقبّله بلطف، وقال:

– وإنتِ مش لوحدك…

أنا هدخل معاكي، وهحكي اللي انتي مش قادرة تقوليه، وهسندك لما تقعي … بس مش هنخبي.

ُأغروقت عيناها بالدموع، لكنها لم تبكِ بعد، فقط هزّت رأسها، كأنّها تستعدّ للإعدام بإرادتها.

قالت بنبرة محطّمة:

– أنا خايفه، من ملامحهم لما يسمعوا من صوت ماما وهي بتنهار من حضن بابا اللي مش هيعرف يحتويني…

رد بهدوءٍ مزلزل:

– يبقى خافِـي وأنت ِفي حضني…واجهيهم، وانا في ضهرك… وكلهم لما يضعفوا، أنا هسندهم… بس إنتِ افتحي الباب.

مدّت يدها نحو المقبض، يدها ترتعش،  ضغطت عليه برفق… وفتحت.

ورائحة البيت التي طالما كانت وطنًا، صارت هذه المرّة شاهدة على بداية الوداع.

فتحت الباب لتجد الام تستقبلهم عند الباب ، وقبل أن تنطق بكلمة ألاولي بكلمة ، دوّى صوت زغروتها في قلب البيت، كأنّها تبتهج بعروسٍ عادت من الحلم بفستانها الأبيض.

ضحكت وهي تمسك بوجه "حياة"، ثم قالت بعينين يملؤهما الفرح:

– آه يا بنتي، إيه ده؟ إيه الجمال ده؟ أكيد كنتوا عند  أتيلية  " سنيوريته"، مش كده؟ ده حتى وِشّك منوّر زي العرايس.

ثم نظرت إلى "ياسين"، وقالت له ممازحة:

– يا واد يا يونس… باين عليك خلّيت البت تِوافق تلبس النقاب خلاص!

ضحكت " حياة"  ضحكة خفيفة، لكنها تشبه شهقة مكتومة.

البيت دافئًا، والدتها تفرش الأرض بالفرح، ووالدها في الداخل يرفع صوته:

– مين اللي رجّعلي بنتي بدرّي كده؟ كنت ناوي أنده ع الريّس عشان نكتب قايمة كمان!

التفتت الأم، وهي ما زالت تمسك بيد أبنتها، وقالت:

– تعالوا ادخلوا، هنشرب شاي ونتكلم عن التفاصيل…  قولوا لي حجزتوا تذاكر العمرة ولا لسة؟ ، يادوبك تلحق يا " يونس" بلاش تأخير .

كل شيء خفيفًا، مألوفًا… عاديًا جدًا، لكنه لم يكن عاديًا أبدًا.

"حياة " صامته… مبتسمة، لكنها مبتورة من الداخل.

شدّ  يونس"على يدها دون أن يتكلم، ونظر في عينيها كأنه يقول: يلا، لازم نقول.

وقفت "حياة" في منتصف الصالة، ثم سحبت يدها من يده بهدوء، وكأنها تخلع آخر ما تبقّى من قوة.

نظرت إلى أمّها، وابتسامتها الصغيرة تحاول أن تبقى على فمٍ لا يريد أن يبتسم.

قالت بصوت مرتعش:

– ماما… أنا مش جايّة أحكيلك عن طرحة…

ولا عن فرح.

نظرت  الأم في أستنكار وترقب  وحدّقت في وجهها، وقالت وهي تُخمن :

– أوعي تقولي مش هتعملوا فرح ، " يونس " أنت وعدتني بحفلة صغيرة في البيت قبل ما تسافروا؟

نظرت إليها " حياة" ، واجهشت في بكاء مرير قبل أن تردف بجملتها القادمة وهي تهمس:

– كنت عند الدكتور… آخر دكتور.

سقط قلب الأم في صدرها، وارتجفت يدها، ثم قالت بصوت خافت:

– دكتور إيه؟ انتي تعبانة؟

مدّ "يونس" يده بهدوء، وسحب الورقة من جيبه، ثم ناولها لها، وعيناه تنظران في الأرض.

أخذت الأم الورقة بيد مرتجفة، وعيناها تقرأ ببطء، كلمةً… كلمة.

ثم نظرت إلى "حياة" ، لا تنطق، فقط تحدّق، كأنّها لم تعد تعرفها.

قالت " حياة" ، وهذه المرة بصوتٍ يقطّع الروح:

– فاضلي عشر أيام يا ماما.

صرخت الأم كأنها سُمِعت طعنة:

– إيه؟! ، بنتي ؟!

سقطت الورقة من يدها، وانهارت على الأرض، تبكي بلا صوت، بلا نفس.

اقترب الأب وقد سمع آخر الجملة، ثم وقف متجمّدًا، كأنّه لم يعد يعرف كيف يكون أبًا…

كأنّ الخبر أكبر من أبوّته، وأثقل من ضهره.

أما"  يونس"، فكان واقفًا خلفها، لم يعد يُمسك يدها، بل يُمسك الكون كله عنها… ويقف وحيدًا، مكسورًا، لكنه واقف.

و"حياة"؟

واقفة وسط كل شيء، كأنها روح تساعد  نفسها…

في بيتها، في حضن عائلتها، في قلب موتها…

تودّع كل شيء وهي ما زالت واقفة على قدميها.

سقطت الأم على الأرض، تتشبّث بطرف فستان ابنتها، تبكي كأنّها تحاول أن تُرجعها من الموت إلى الحياة بصوتها.

كانت تصرخ:

– لأ يا حياة، لأ يا بنتي… لأ، ده غلط! قولولي إن ده غلط!

يا رب يا رب…ده كابوس، قوميني منه!

انحنت “حياة” بسرعة، واحتضنت وجه أمها المرتجف بين كفّيها، وهي تبكي بصوتٍ ممزوجٍ بالحزن والحنان:

– يا ماما… يا ماما، بالله عليكي اهدي، أنا هنا، أنا لسه هنا…

بس خلاص يا حبيبتي، كلنا ماشيين، بس أنا عرفت امتى همشي، إنتي بس متعيّطيش، أنا محتاجاك قوية.

لكن الأم لم تسمع، كانت تتشبّث بها كأنها تُمسك روحها، تصرخ:

– لأ، أنا مش هسمحلك تمشي، أنا اللي أموت قبلك، إنتِ بنتي الوحيدة يا حياة…

مين هيحضني بعدك؟ مين هيقولي يا ماما؟ مين؟!

وقف الأب مذهولًا، يده على الحائط، وعيناه تائهتان كمن فقد القدرة على النطق.

اقترب ببطء، وكأنّ كل خطوة منه تحمل عشرين سنة من العمر، ووضع يده على كتف ابنته وقال بصوتٍ مبحوحٍ لا يُسمع:

– إزّاي يعني عشر أيام؟… يعني إيه تموتي؟

إنتِ لسه صغيرة يا حياة …

نظرت إليه “حياة” بعينين تائمتين، وقالت وهي تمسح دموعها:

– ، أنا مش خايفة من الموت والله… أنا خايفة أسيبكم مكسورين كده. أنا كل اللي عايزاه إن آخر عشرة أيام في حياتي يبقوا حلوين…

مش عايزاهم بكاء، ولا عزا، ولا نواح.

أنا عايزة أعيشهم زي ما كنت بحلم، يوم بيوم…

أحس فيهم بالحياة قبل ما تسيبني."

انهار الأب على الكرسي، يضع وجهه بين كفّيه، والبيت امتلأ بصوت بكاءٍ يشبه العزاء قبل أن يبدأ.

أما “يونس” فكان يقف عند الباب، يختنق بكل شيء، بعجزه، بصوتهم، برعبه من فقدها.

اقترب منها ببطء، ثم جلس على ركبتيه أمامها، ورفع وجهها بين يديه، وقال وهو يحدّق في عينيها:

– بصّيلي يا حياة…

أنا مش هسمح إن العشرة أيام دول يبقوا وجع.

مش هسمح إنهم يبقوا بكا.

هتعيشيهم، يوم بيوم، حلم بحلم، كأنهم عمر جديد.

وأنا هكون معاكي في كل لحظة، فاهمة؟

كل لحظة!

نظرت إليه، ودموعها تهبط كأنها أمطار وداع.

قالت بصوتٍ مرتجف:

– أنا خلاص سلّمت أمري لربنا، بس مش عايزاك تتأذى عشاني.

أنا همشي، بس إنت لازم تفضل واقف، تكمل، تضحك، وتعيش.

أنا لو شُفتك بتنهار، مش هقدر أمشي مرتاحة.

هزّ رأسه بإصرار، وقال وهو يبتسم رغم دموعه:

– إيه رأيك نعمل اتفاق؟

العشرة أيام اللي فاضلين دول…

هنعيشهم كأنهم عمرنا كله.

من أول بكرة، كل يوم أمنية… كل يوم ذكرى حلوة.

نضحك، نتصور، نكتب، نسافر حتى لو ليوم، نزور الناس اللي بتحبيهم، نعيش زي الأطفال.

وبعدين… لما تيجي اللحظة، هتروحي وإنتِ مبتسمة.

نظرت إليه طويلاً، كأنها تسمع وعدًا مقدسًا.

ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت وهي تنظر إلي الوردة البيضاء في يديها:

– عشرة أيام سعادة… قبل ما الوردة تذبل؟

مدّ يده إليها، وأجابها بهدوءٍ ودفء:

– عشرة أيام حياة… قبل ما تموت الحياة فينا.

رفعت الأم رأسها، والدموع ما زالت تسيل، وقالت بصوتٍ متكسّر:

– وأنا معاكم… هعيش الأيام دي معاكو.

مش هقعد أعيّط، بس خليني أشوف بنتي بتضحك قبل ما تمشي.

اقترب الأب، ووضع يده فوق أيديهم جميعًا، وقال وهو ينظر للسماء:

– يا رب، قوّينا… وخلّي آخر أيامها رحمة مش وجع.

أغمضت “حياة” عينيها للحظة، كأنها تُسلّم نفسها لقدَرٍ رضيت به، ثم همست:

– خلاص… من بكرة نبدأ الرحلة.

رحلة العشرة أيام قبل الوداع.

وفي تلك اللحظة، كان الكل يعرف في داخله أن

حياة ستموت وبعد القليل من الايام ستختفي الحياة من الوجود لديهم …

ولكنهم يتمنوا أن ...

يتركوا آثر في نفس الحياة...

قبل أن تذبل.

يُتَبَعِ....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قبل أن تَذبل الوردة

المؤلف Sahar Ali
2025/11/04 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة