هوس

هوس

20 0

خارج المقهى — شوارع ميلانو بعد المطر

تدفقت المياه على الأرصفة كخيوط زجاجية.

خرجت إيليني دا غيفون بخطواتٍ مترددة،

تُمسك معطفها الوردي من عند العنق، تحاول أن ترى من خلال المطر الذي صار ستارًا رماديًا بين العالمين.

رأته هناك —

يسير ببطءٍ، رأسه مائل قليلًا، والظلّ من مصباح الشارع يلتصق بخطاه.

كان Ajax يبدو كما لو خرج من صفحةٍ قديمة نسيها الزمن،

الرجل نفسه الذي رأت ظله فوق المسرح،

الذي أيقظ في داخلها ذكرى لم تعرف مصدرها بعد.

صرخت به دون وعي:

“انتظر!”

توقف.

لم يلتفت في البداية، كأن صوته الداخلي يعرف أنها ستناديه.

ثم التفت، ونظرهما التقيا من جديد —

الأزرق الفاتح يواجه رماد الحديد.

اقتربت منه بخطواتٍ حذرة،

وكل صوتٍ في الشارع اختفى إلا المطر.

قالت بخفوتٍ مرتجف، بصوتٍ يحمل الفرنسية والإيطالية معًا:

“رأيتك من قبل… في مكانٍ ما.”

أجاب دون أن يرفع صوته، بنبرةٍ باردة لكنها مكسورة من الداخل:

“ربما… أو ربما تحلمين فقط.”

رفعت يدها إلى شعرها،

حيث كان شريط القماش الأحمر والأبيض لا يزال يلتف حول خصلةٍ ناعمة.

اللون جذب عينيه كطعنةٍ غير متوقعة —

تجمّد في مكانه، نظراته تحجّرت لثوانٍ.

همست إيليني، وكأنها تتحدث لطفلتها القديمة:

“هذا الشريط… أعطاني إياه ولدٌ ذات مطر.”

مدّ يده دون وعي،

لكن قبل أن تلمس أصابعه طرف الشريط،

مرّت سيارةٌ مسرعة ناثرة الماء بينهما.

حين رفعت بصرها، كان Ajax قد اختفى —

لم يبقَ سوى صدى خطواته بين الأزقة ودفءٌ غامض في قلبها البارد.

منظور Ajax

لم أكن أظن أن الماضي يملك صوتًا.

لكنها نادتني… وسط المطر.

نطقت كلمةً واحدة، فشعرت أن قلبي — إن كان ما زال لي قلب — توقف.

التفتّ.

كانت تقف تحت ضوءٍ ذهبيٍّ واهن،

وشعرها يقطر كأن المطر ينساب من داخله، لا عليه.

ثم رأيت الشريط…

ذلك الشريط الأحمر والأبيض الذي كنت أظن أن الرياح التهمته قبل سنين.

لم تتغير كثيرًا.

ربما صارت أكثر هدوءًا، أكثر بعدًا عن فوضاي.

لكن العيون…

ذلك الأزرق الفاتح الذي كان يومًا يحتمي بي من العالم، ما زال كما هو.

قالت إنها رأتني من قبل.

لو كانت تعرف كم من مرة رأيتها في كوابيسي، لما قالتها بهذه البساطة.

أردت أن أقول اسمها.

أن أقول ثعلبتي كما كنت أفعل حين كانت تصرّ على مضايقتي قبل العشاء.

لكن لساني خذلني.

نظرت إليها فقط، وقلت شيئًا لا يعني شيئًا:

“ربما تحلمين فقط.”

حين رفعت يدها للشريط،

كاد الزمن يتوقف.

امتدّت يدي نحوه — لم يكن الأمر إراديًا،

كنت فقط… أريد أن أتحقق أن الماضي لم يكن كذبة.

ثم صرخت عجلات السيارة وشقّ الماء بيننا.

وحين نظرت ثانية، كانت تختفي بين الناس.

لم أركض خلفها.

لم أستطع.

كنت أعرف أن من يركض نحو الضوء في عالمي… يحترق.

عدت إلى المقرّ، مبتلًّا حتى العظم.

الشاب الذي كان بانتظاري رفع نظره إليّ وسأل ببرودٍ عسكري:

“ما بك؟”

نظرت إليه، وأجبته كما تعوّدت أن أفعل منذ صغري:

“لا شيء… مجرّد مطر.”

منظور Ajax — غرفة الصور

لا أحد يعرف عن هذه الغرفة.

ولا أحد يجب أن يعرف.

حتى الشاب الذي يعمل معي، لا يجرؤ على الاقتراب من هذا الباب.

هو يظن أنها غرفة الأسلحة القديمة، وأنا لا أُصحح ظنّه.

لكن هنا…

على الجدار المقابل، لا توجد أسلحة.

بل صور.

مئات الصور.

كلها لها.

إيليني دا غيفون.

في الشارع، في المقهى، على خشبة المسرح.

تحت المظلة، في لحظة ضحكٍ عابر، في لحظة انحناءة بعد العرض.

كنت أتابعها بعد كل مهمة، بعد كل دمٍ أتركه خلفي.

كأن صورها كانت الغسيل الوحيد ليديّ الملطختين.

بعض الصور التقطتها من بعيد بعدساتٍ طويلة.

وبعضها… من قربٍ مؤلم، حين تسير بجانبي دون أن تنتبه.

كنت أضع الصور بترتيبٍ غريب، لا أفهمه أنا نفسي —

ابتسامتها أولاً، ثم خطواتها، ثم تلك اللحظة حين ترفع رأسها نحو السماء كأنها تتحدث إلى المطر.

في منتصف الجدار، علّقت الصورة الأولى التي التقطتها لها بعد العرض في المسرح.

كانت الإضاءة الخلفية تجعل الشريط الأحمر والأبيض يبدو كجمرةٍ تتوهج بين شعرها.

كلما نظرت إليها، أتذكر الوعد.

وأتذكر أنني الوحيد الذي نجا من المطر القديم.

ليست مراقبةً بعد الآن.

لا أعلم إن كنت ألاحقها كقاتل… أم كشيءٍ آخر.

حين أعود من المهام، أجلس أمام الجدار،

أتحدث إليها كما لو كانت تسمعني:

“هل تذكرين الوعد؟ كنتِ ستتمنين أن يمطر… وأنا أجعل المطر يحدث.”

ثم أضحك، ضحكة قصيرة باهتة.

“لقد أمطرتِ كثيرًا يا ثعلبتي، أكثر مما وعدتِ.”

في زاوية الغرفة، على الطاولة الصغيرة،

علبةٌ زجاجية بداخلها الشريط الآخر — نصفي من الوعد القديم.

أحيانًا أخرجه، ألمسه بأطراف أصابعي،

ثم أضعه تحت صورة وجهها وأتمتم:

“الآن نحن متعادلان… نصفك معي، ونصفي معك.”

خارج المقهى — شوارع ميلانو بعد المطر

تدفقت المياه على الأرصفة كخيوط زجاجية.

خرجت إيليني دا غيفون بخطواتٍ مترددة،

تُمسك معطفها الوردي من عند العنق، تحاول أن ترى من خلال المطر الذي صار ستارًا رماديًا بين العالمين.

رأته هناك —

يسير ببطءٍ، رأسه مائل قليلًا، والظلّ من مصباح الشارع يلتصق بخطاه.

كان Ajax يبدو كما لو خرج من صفحةٍ قديمة نسيها الزمن،

الرجل نفسه الذي رأت ظله فوق المسرح،

الذي أيقظ في داخلها ذكرى لم تعرف مصدرها بعد.

صرخت به دون وعي:

“انتظر!”

توقف.

لم يلتفت في البداية، كأن صوته الداخلي يعرف أنها ستناديه.

ثم التفت، ونظرهما التقيا من جديد —

الأزرق الفاتح يواجه رماد الحديد.

اقتربت منه بخطواتٍ حذرة،

وكل صوتٍ في الشارع اختفى إلا المطر.

قالت بخفوتٍ مرتجف، بصوتٍ يحمل الفرنسية والإيطالية معًا:

“رأيتك من قبل… في مكانٍ ما.”

أجاب دون أن يرفع صوته، بنبرةٍ باردة لكنها مكسورة من الداخل:

“ربما… أو ربما تحلمين فقط.”

رفعت يدها إلى شعرها،

حيث كان شريط القماش الأحمر والأبيض لا يزال يلتف حول خصلةٍ ناعمة.

اللون جذب عينيه كطعنةٍ غير متوقعة —

تجمّد في مكانه، نظراته تحجّرت لثوانٍ.

همست إيليني، وكأنها تتحدث لطفلتها القديمة:

“هذا الشريط… أعطاني إياه ولدٌ ذات مطر.”

مدّ يده دون وعي،

لكن قبل أن تلمس أصابعه طرف الشريط،

مرّت سيارةٌ مسرعة ناثرة الماء بينهما.

حين رفعت بصرها، كان Ajax قد اختفى —

لم يبقَ سوى صدى خطواته بين الأزقة ودفءٌ غامض في قلبها البارد.

منظور Ajax

لم أكن أظن أن الماضي يملك صوتًا.

لكنها نادتني… وسط المطر.

نطقت كلمةً واحدة، فشعرت أن قلبي — إن كان ما زال لي قلب — توقف.

التفتّ.

كانت تقف تحت ضوءٍ ذهبيٍّ واهن،

وشعرها يقطر كأن المطر ينساب من داخله، لا عليه.

ثم رأيت الشريط…

ذلك الشريط الأحمر والأبيض الذي كنت أظن أن الرياح التهمته قبل سنين.

لم تتغير كثيرًا.

ربما صارت أكثر هدوءًا، أكثر بعدًا عن فوضاي.

لكن العيون…

ذلك الأزرق الفاتح الذي كان يومًا يحتمي بي من العالم، ما زال كما هو.

قالت إنها رأتني من قبل.

لو كانت تعرف كم من مرة رأيتها في كوابيسي، لما قالتها بهذه البساطة.

أردت أن أقول اسمها.

أن أقول ثعلبتي كما كنت أفعل حين كانت تصرّ على مضايقتي قبل العشاء.

لكن لساني خذلني.

نظرت إليها فقط، وقلت شيئًا لا يعني شيئًا:

“ربما تحلمين فقط.”

حين رفعت يدها للشريط،

كاد الزمن يتوقف.

امتدّت يدي نحوه — لم يكن الأمر إراديًا،

كنت فقط… أريد أن أتحقق أن الماضي لم يكن كذبة.

ثم صرخت عجلات السيارة وشقّ الماء بيننا.

وحين نظرت ثانية، كانت تختفي بين الناس.

لم أركض خلفها.

لم أستطع.

كنت أعرف أن من يركض نحو الضوء في عالمي… يحترق.

عدت إلى المقرّ، مبتلًّا حتى العظم.

الشاب الذي كان بانتظاري رفع نظره إليّ وسأل ببرودٍ عسكري:

“ما بك؟”

نظرت إليه، وأجبته كما تعوّدت أن أفعل منذ صغري:

“لا شيء… مجرّد مطر.”

منظور Ajax — غرفة الصور

لا أحد يعرف عن هذه الغرفة.

ولا أحد يجب أن يعرف.

حتى الشاب الذي يعمل معي، لا يجرؤ على الاقتراب من هذا الباب.

هو يظن أنها غرفة الأسلحة القديمة، وأنا لا أُصحح ظنّه.

لكن هنا…

على الجدار المقابل، لا توجد أسلحة.

بل صور.

مئات الصور.

كلها لها.

إيليني دا غيفون.

في الشارع، في المقهى، على خشبة المسرح.

تحت المظلة، في لحظة ضحكٍ عابر، في لحظة انحناءة بعد العرض.

كنت أتابعها بعد كل مهمة، بعد كل دمٍ أتركه خلفي.

كأن صورها كانت الغسيل الوحيد ليديّ الملطختين.

بعض الصور التقطتها من بعيد بعدساتٍ طويلة.

وبعضها… من قربٍ مؤلم، حين تسير بجانبي دون أن تنتبه.

كنت أضع الصور بترتيبٍ غريب، لا أفهمه أنا نفسي —

ابتسامتها أولاً، ثم خطواتها، ثم تلك اللحظة حين ترفع رأسها نحو السماء كأنها تتحدث إلى المطر.

في منتصف الجدار، علّقت الصورة الأولى التي التقطتها لها بعد العرض في المسرح.

كانت الإضاءة الخلفية تجعل الشريط الأحمر والأبيض يبدو كجمرةٍ تتوهج بين شعرها.

كلما نظرت إليها، أتذكر الوعد.

وأتذكر أنني الوحيد الذي نجا من المطر القديم.

ليست مراقبةً بعد الآن.

لا أعلم إن كنت ألاحقها كقاتل… أم كشيءٍ آخر.

حين أعود من المهام، أجلس أمام الجدار،

أتحدث إليها كما لو كانت تسمعني:

“هل تذكرين الوعد؟ كنتِ ستتمنين أن يمطر… وأنا أجعل المطر يحدث.”

ثم أضحك، ضحكة قصيرة باهتة.

“لقد أمطرتِ كثيرًا يا ثعلبتي، أكثر مما وعدتِ.”

في زاوية الغرفة، على الطاولة الصغيرة،

علبةٌ زجاجية بداخلها الشريط الآخر — نصفي من الوعد القديم.

أحيانًا أخرجه، ألمسه بأطراف أصابعي،

ثم أضعه تحت صورة وجهها وأتمتم:

“الآن نحن متعادلان… نصفك معي، ونصفي معك.”

____________________________________________

ظهري وجعنيييييي أكتب و انقل يلع_/ن 😭😭😭

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هي من ممتلكات الشرير

المؤلف تشان وو 307
2025/11/04 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة