وعد المطر

وعد المطر

17 0

"الأشرار إمّا يُولدون أو يُصنعون...

والأبطال ليسوا سوى القتلة الحقيقيين."

ضحكات أطفال تتطاير كالعصافير في أرجاء المكان، تُخفي خلفها رائحة الحساء الفاتر وخشب الجدران العتيقة.

كانت الفتاة ذات الخصلتين البيضاء والحمراء جالسة على الجدار الحجري، تتأرجح قدماها في الهواء، بينما تتحدث إلى فتى بشعرٍ كحليٍّ داكن وعينين تشبهان سماءً ما قبل العاصفة.

قالت بخفةٍ طفولية:

ـ "أتظن أنهم سيتبنوننا؟ أعني... أنا غريبة الشكل، لكنك وسيم، لا بدّ أنهم سيحبونك."

أجابها بنبرةٍ هادئة فيها شيء من الحزم:

ـ "ثعلبتي، لتصمتي قليلًا. أنتِ غريبة، نعم... وهذا ما يجعلك مميزة. مميزة لي وحدي."

قهقهت الفتاة، تقفز عن الجدار بخفة الأرنب، وتهتف وهي تركض نحو المبنى:

ـ "وقت العشاء! وقت العشاء! تجمعوا، تجمعوا!"

لم تمضِ سوى لحظات حتى امتلأت الغرفة بالأطفال، ضجيجهم كطنين الذباب حول الطعام. ارتفعت ضحكاتهم حتى لامست السقف، قبل أن يرنّ صوت معدني حاد درق درق درق - صوت ضربٍ على كأسٍ زجاجي.

أمر أحد الكبار بالصمت، وبدأت تلاوة الصلوات قبل الأكل.

تشابكت الأيدي الصغيرة، وانخفضت الرؤوس، وأغمضت العيون.

لكن الصغيرة لم تتمتم بما يقولونه، بل كانت تهمس بأمنيةٍ سرية:

أن يكون لها بيت، وأم، وأن يبقى الكحلي إلى جوارها.

نقرت يدٌ صارمة مؤخرة عنقها، فانكمشت كعصفورٍ مذعور، وأغلقت عينيها سريعًا. وحين انتهت الصلوات، بدأ الجميع بتناول طعامهم.

أما هي، فكانت تجلس بهدوء، يتولى الفتى إطعامها كما لو كانت أميرة.

كانت عادته القديمة، ووصيته لنفسه:

"هي أولًا، وأنا بعدها، في كل شيء."

رفعت بصرها إليه بعينيها الغريبتين، اللتين تلمعان كبؤبؤي فضاءٍ مجهول، بريق أملٍ يتشبث بالحياة.

ابتسم لها بهدوءٍ، إيماءة صغيرة فقط، لكنها كافية لتُطمئنها أن كل شيء بخير.

وقف حاملاً الأطباق، تتبعه هي بخفة الأرنب.

قالت بمرح:

ـ "سمعت من المربية أن الغد سيكون ممطرًا. يجب أن نتمنى أن يتم تبنينا."

ابتسم الكحلي، يربت على شعرها الغريب الذي يمتزج فيه الأحمر بالجمر والأبيض بالثلج.

تذكر ما قالته المربيات عنها:

"كانت خصلها حمراء كلها، حتى رأت شيئًا أرعبها، فتحولت نصفها إلى أبيض."

لفّ خصلةً بين أصابعه كأنه يُقسم:

ـ "وإن لم يستجب المطر... سأجبره."

ضحكت، تغطي فمها الصغير:

ـ "لكن كيف ستجبره يا سيدي النجم؟"

قال بابتسامةٍ واثقة، تغمرها الطفولة والغرور معًا:

ـ "سأجعل المستحيل ممكنًا، يا ثعلبتي. وغدًا... سأبلغ الخامسة عشرة، وأنتِ بعدها ستدخلين الرابعة عشرة."

قَفزت بحماسٍ، تمسك يده وتجرّه نحو الغرفة:

ـ "هيا، لننم إذن، حتى يأتي الغد أسرع!"

في الغرفة الهادئة، جلست أمام المرآة، وهو خلفها يسرّح شعرها بخفةٍ تخالها لمسة صلاة.

يهمس لنفسه بصوتٍ بالكاد يُسمع:

"أنتِ جميلة باختلافك، ماكرة ولطيفة... سأكون دائمًا بجانبك، مهما أخطأتِ. وإن فرّقنا العالم، سأجد طريقًا إليك. سأحميك من الجميع... حتى من نفسي إن استدعى الأمر."

كان ذلك وعده .

_ في اليوم التالي _

كانت السماء رمادية، مائلة إلى الزرقة الباهتة، حين بدأت أولى قطرات المطر تهبط على نوافذ دار الأيتام.

صوت المطر على الزجاج بدا كأنينٍ متقطع، يوقظ الذكريات أكثر مما يوقظ الأطفال.

في الممر الطويل، كانت "ثعلبته" تسير بخطواتٍ مترددة، شعرها الغريب يلتصق بجبهتها الرطبة.

كانت تحمل بين يديها تفاحةً نصف مأكولة، كما لو أن شيئًا ما قاطعها قبل أن تكملها.

توقفت عند النافذة، تراقب المطر بانبهارٍ طفولي، ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:

ـ "انظر، إنه جاء... لقد استجاب."

لكن "الكحلي" لم يكن بجانبها.

لم يكن في مكانه المعتاد عند الجدار ولا في ركن المطبخ حيث كان يترك لها الأزهار الورقية.

دار الأيتام بدا صامتًا على نحوٍ غير مألوف.

حتى ضحكات الأطفال التي كانت بالأمس كالذباب اختفت تمامًا.

تقدمت بخطواتٍ صغيرة، تُنصت لكل صرير خشبٍ تحت قدميها.

كانت الرطوبة تزحف على الجدران مثل أيدٍ باردة، والماء يتجمع عند الزوايا.

ثم سمعت صوتًا خافتًا، همهمةً مألوفة.

اقتربت من الباب الخلفي، ودفعتْه ببطء.

كان هناك.

يجلس على الأرض، شعره مبلل، وملابسه ملتصقة بجسده.

يداه غارقتان في وعاء ماء صغير، تتساقط منه خصل شعر بيضاء.

عينا الفتى الكحلي كانتا جامدتين، تنظران إلى الخصل كأنها ذنوبٌ تسقط عنه.

ـ "نـجـمـي..." همست بصوتٍ مرتجف.

رفع رأسه نحوها ببطء، وابتسامةٌ غريبة تسللت إلى وجهه.

كانت ابتسامة سلامٍ، لكنها محمّلة بثقلٍ مظلم.

ـ "لقد فعلها المطر يا ثعلبتي... لقد غسلكِ مني."

تراجعت خطوة.

لم تفهم معنى كلماته، لكنها شعرت أن شيئًا لم يعد كما كان.

اقتربت منه، تجلس بجانبه، كما اعتادت.

قالت بلطفٍ طفولي:

ـ "أنت ترتجف... هل أنت بخير؟"

أجاب، وصوته منخفض كصوت المطر:

ـ "كنت أحلم الليلة الماضية... رأيتنا نغادر هذا المكان. لكن في الحلم، لم يكن هناك باب."

ـ "باب؟"

ـ "نعم... فقط جدران، جدران بيضاء كثيرة. كنتُ أطرقها، وكنتِ تضحكين خلفها."

صمتَ، ثم أضاف وكأنه يحدث نفسه:

ـ "المربّية قالت إن بعض الأمنيات لا تتحقق إلا حين يختفي من يتمناها."

تجمدت نظراتها، تشبثت بأطراف قميصه.

ـ "لا تقل هذا مجددًا... أنت وعدتني أن نحتمي سويًا من الجميع."

ابتسم، يلمس شعرها بلطف:

ـ "قلت إنني سأحميكِ... حتى مني إن تطلب الأمر."

خارج الغرفة، دوّى صوتُ جرسٍ طويل، إشارةٌ إلى حضور الزائرين.

اليوم هو يوم التبني.

قامت مسرعة، تمسك يده بحماسٍ:

ـ "هيّا! ربما جاءوا من أجلنا!"

لكنه لم يتحرك.

عيناه ظلّتا معلّقتين بالخصل البيضاء التي تطفو فوق الماء.

قال بصوتٍ خافت:

ـ "اذهبي أنتِ، إن نادوكِ، لا تلتفتي ورائك."

ـ "ولماذا؟"

ـ "لأن من يلتفت، يبقى هنا للأبد."

كانت تلك آخر كلماته قبل أن تفتح الباب وتغادر.

الممر كان يعجّ بالأطفال مصطفّين، والمربيات يتهامسن بارتباكٍ غريب.

بينما المطر في الخارج يزداد جنونًا، يضرب النوافذ كأصابع شخصٍ يحاول الدخول.

وعندما التفتت لتبحث عنه بعينيها وسط الحشد...

لم يكن هناك.

ولا حتى أثرٌ واحد لفتى بشعرٍ كحليّ.

فقط وعاء ماء صغير، يعوم فوقه خصلة حمراء...

تحولت أطرافها إلى رمادية.

كانت الساعة تقترب من المساء، والمطر لم يتوقف بعد.

حديقة دار الأيتام تحولت إلى بحيرةٍ صغيرة، والمربيات يحملن المظلات ويدفعن الأطفال واحدًا تلو الآخر نحو البوابة الرئيسية حيث يقف الأزواج الراغبون في التبنّي.

الأطفال يبتسمون رغم البرد، يرتجفون من الحماس.

أما "ثعلبته" فكانت ترتدي فستانًا أزرق باهتًا، عقدت شعرها بخيطٍ أبيض، ووضعت على خدّها ابتسامةً مصطنعة تعلم أنها قد تنقذها من البقاء هنا.

وقفت إلى جوار "الكحلي" الذي بدا صامتًا أكثر من المعتاد.

لم يحاول أن يبتسم أو يتكلم، فقط كان يُراقب العائلات بعينين زجاجيتين، كأنّه يعرف النهاية مسبقًا.

ـ "انظر... تلك السيدة تبتسم لي!" همست الصغيرة، تمسك يده بخفة.

لم يجب.

بعد لحظة، مرّت تلك السيدة نفسها، ابتسمت لطفلةٍ أخرى، ثم مضت.

انكمشت الفتاة في مكانها، تنظر للأسفل.

كان المطر يُبلّل أطراف ثوبها، والماء البارد يتسلل إلى قدميها، لكنها لم تتحرك.

حتى عندما نادوا أسماء الأطفال الذين تم اختيارهم، لم يلتفت أحد إليهما.

الاسم الأخير نُودي، والبوابة أُغلقت ببطءٍ ثقيل يشبه نهاية فصلٍ من الحياة.

ظلّا واقفَين هناك، تحت المطر.

قالت الفتاة بصوتٍ مبحوح:

ـ "لقد نسونا."

ردّ بهدوءٍ غريب:

ـ "بل تجاهلونا. الفرق مؤلم أكثر."

نظرت إليه، فوجدت تلك الابتسامة الباهتة على وجهه - ليست حزينة تمامًا، لكنها خالية من الحياة.

كانت تعرفها جيدًا، إنها ابتسامته حين يكذب على نفسه.

مرت لحظة صمت طويلة قبل أن تقول:

ـ "لكننا سنغادر يومًا، أليس كذلك؟ أنت وعدتني يا سيد نجمي."

لم يجب فورًا، فقط رفع وجهه نحو السماء الممطرة، كمن يُخاطب الغيم.

ـ "وعدتُك أن أجعل المستحيل ممكنًا. يبدو أن الوقت حان لأتعلم كيف."

ارتجفت.

نبرة صوته لم تكن نبرة صبيٍّ بعد الآن.

كانت شيئًا آخر... شيئًا هادئًا جدًا، لكنه خطير.

في تلك الليلة، تسلل الاثنان إلى سطح دار الأيتام.

المكان مبلل، الريح تصفر بين النوافذ الحديدية، والمدينة البعيدة تلمع أضواؤها مثل شظايا حلمٍ ضائع.

جلست "ثعلبته" قرب الحافة، والبرد يجعل شفتيها ترتعشان.

قالت:

ـ "لو أن المطر يسمعنا... لكان حملنا معه بعيدًا."

اقترب "الكحلي" منها ببطء، جلس إلى جانبها، وخلع معطفه ليغطي كتفيها.

ثم قال بصوتٍ خافت:

ـ "ربما لا نحتاج أن نغادر. ربما علينا فقط أن نجعلهم يعودون إلينا."

ـ "من؟"

ـ "أولئك الذين اختاروا غيرنا."

نظرت إليه بخوفٍ خفيف، تحاول أن تضحك لتكسر الصمت:

ـ "هذا يبدو كخطة شريرٍ في القصص، لا كبطل!"

ابتسم، يلتفت نحوها:

ـ "الأبطال... يا ثعلبتي، هم أكثر من يلطّخون أيديهم ليُنقذوا الآخرين. لكنهم ينسَون أن يغسلوا تلك الأيدي بعدها."

سكت لحظة، ثم همس وكأنه يحدث نفسه:

ـ "إنهم سيعودون إلينا، بطريقةٍ أو بأخرى... وسيندمون لأنهم لم يختارونا."

في تلك اللحظة، دوّى صوت الرعد فوق رؤوسهما.

كانت السماء قد انفتحت بالكامل، والمطر انهمر بعنفٍ كأنه يغسل وعد الأمس من الذاكرة.

الفتاة أغمضت عينيها، تمسك بيده بقوةٍ غريزية.

أما هو، فابتسم للمطر، كمن يكلّمه سرًا.

في اليوم التالي، حين صعدت المربية لتتفقد السطح...

وجدت فقط تفاحةً نصف مأكولة على الجدار، وخطًا رفيعًا مرسومًا على الحجارة بظفرٍ صغير -

شكل حلقة، تتوسطها نقطة داكنة كأنها عين.

25 حزيران 1960

وقف الأطفال في صفٍّ مستقيم، بملابس نظيفة وأسنانٍ تلمع كالأمل. الهمسات تتطاير حول يوم التبني المنتظر.

غير أن هناك اثنين غابا عن الطابور.

من خلف بابٍ مواربٍ، تسللت بقعةٌ داكنة كأن الليل نفسه سُكِب على الأرض.

قال صوت الكحلي بخفوت:

ـ "لا تتحركي كثيرًا، إنها فقط... بعض الخصلات، ربما أكثر قليلًا، يا إلهي."

ضحكت الصغيرة، تحدّق في المرآة، تفاحةٌ حمراء بين يديها.

كانت تبتسم، غير مدركة أن الوعد الذي قطعه لها، كان على وشك أن يبدأ...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

هي من ممتلكات الشرير

المؤلف تشان وو 307
2025/11/04 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة