رنّ الجرس للمرة الثانية، هذه المرّة أكثر رصانةً، وكأنّ الزمن نفسه يقف استعدادًا.
وقفت المربية أمام الأزواج الأربعة، تقرأ أسماء الأطفال، تشير، تبتسم، ثم تنتظر نظرات القبول أو الرفض.
كان الأطفال كالعصافير المرتجفة، يرفعون رؤوسهم كلّما توقفت عينا أحد الكبار عندهم.
أما “الكحلي” و“ثعلبته” فكانا متشابكي الأصابع، لا يهمس أحدهما للآخر، لكن وعد الأمس يطفو بينهما كصوت المطر:
"وإن لم يستجب المطر، سأجبره..."
تقدّم الزوجان الأنيقان أولًا.
المرأة بخطواتٍ متزنة، والرجل يحمل ابتسامةً مجاملة لا تصل إلى عينيه.
وقفت أمام صف الأطفال، تتأمل وجوههم كما لو كانت تختار لوحةً تعلقها في غرفة الجلوس.
لكنها توقفت فجأة، حدّقت في شعر الفتاة ذي الخصلتين المختلفتين، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:
ـ "هذه الفتاة... إنها مختلفة."
نظر زوجها إليها، ثم إلى المربية:
ـ "هل هي بصحة جيدة؟"
ـ "تمامًا، يا سيدي."
أومأت المرأة برأسها موافقة، مدّت يدها برفق نحو الصغيرة التي ظلت تنظر نحو الكحلي بخوفٍ صامت.
لم تتحرك.
شدّ الكحلي على يدها أكثر، كأنه يقول دون صوت: لا تذهبي.
لكن يد الرجل فصلت بينهما بخفةٍ مدروسة.
ضحكت المرأة وقالت بنبرةٍ ناعمة:
ـ "لا تقلقي، سنهتم بها جيدًا."
حينها فقط همست الصغيرة بصوتٍ مبحوح:
ـ "لكن... ونجمي؟"
لم تجبها المرأة.
المربية انحنت وهمست في أذنها أن تكون قوية، بينما كانت تُقاد بخطواتٍ صغيرة نحو الباب.
أما الكحلي، فقد بقي في مكانه، كتلةً من السكون.
نظر إليه الرجل الكهل الذي كان يراقب بصمت، ثم قال للمربية بصوتٍ أجشّ:
ـ "أريد هذا الصبي."
رفعت المربية حاجبيها بدهشةٍ خفيفة.
ـ "الكحلي؟ إنه صعب المراس قليلًا..."
لكن الكهل لم ينتظر تعليقها، بل أخرج قلماً ووقّع الأوراق كمن يوقّع عقدًا لإنهاء حرب.
حين مرّ قرب الفتى، وضع يده على كتفه وقال:
ـ "سنغادر بعد قليل، احزم ما لديك."
لم يردّ الكحلي.
كلّ ما فعله هو أنه رفع نظره نحو الباب الذي خرجت منه ثعلبته،
ثم رفع يده إلى خصلٍ صغيرةٍ من شعره الكحلي، وشدّها بقوة حتى كادت تنفصل.
همس لنفسه بصوتٍ لم يسمعه أحد:
ـ "الوعد لا ينكسر، حتى لو كُسرت السماء فوقي."
خارج المبنى، كانت السماء قد بدأت تبكي فعلًا.
المطر غزير، يختلط بصوت العجلات وهي تبتعد،
وصوتين صغيرين تاها بين الريح —
أحدهما ينادي، والآخر يردّ بلا صوت.
الوعد الأخير – تحت المطر
كان المطر يضرب الأرض كأقدامٍ غاضبة، والسماء رمادية كأنها ترفض أن تشهد ما يحدث.
خرجت الفتاة الصغيرة تمسك بيد المرأة الأنيقة، ترفع طرف فستانها الجديد كي لا يتّسخ،
بينما كان الرجل الكهل يقود الكحلي في الاتجاه المعاكس نحو العربة السوداء.
لكنّ الصغيرين، كأنّ قلبيهما تآمرا للحظة، التفتا في اللحظة ذاتها.
نظرة واحدة فقط…
كافية ليعرف كلٌّ منهما أن النهاية بدأت.
صرخت الفتاة بصوتٍ اختلط بالمطر:
ـ "انتظر!"
توقفت المرأة، التفت الكحلي بارتباك، والعجوز زفر بمللٍ واضح.
ركضت الصغيرة نحو صديقها، المطر يثقل فستانها وخصلها المتناقضة بين الأحمر والبياض.
وحين وصلت إليه، مدت يدها نحو جيبها الصغير، أخرجت شريطًا قماشيًا أزرق داكن كان يلفّ معصمها، مقطوع الأطراف، وقد تبلّل بالماء.
قالت بخفوت، تكاد كلماتها تختفي:
ـ "هذا... من مئزر المطبخ، قسمته نصفين أمس. خذ هذا النصف، وسأحتفظ بقطعتك من اليوم..."
تردّد الكحلي لحظة، ثم فكّ عقدة صغيرة في كمّه وأخرج قطعةً أخرى من القماش نفسه،
مختلفة اللون — رمادية باهتة، لكنّها من الخامة ذاتها.
رفعها بصمتٍ أمام وجهها وقال:
ـ "هكذا لن نضيع، حتى لو تغيّر المطر."
ابتسمت رغم دموعها.
ربطت شريطه حول معصمها، وربط هو شريطها حول معصمه.
كلّ عقدة كانت أشبه بتوقيعٍ على عهدٍ لا يقدر أحد على محوه.
قالت بصوتٍ مرتجف:
ـ "إن رأيت أحدًا يضع شريطًا مثلي... فاعلم أنه أنا."
أجابها، والريح تُخفي نصف كلماته:
ـ "وسأجعل المطر يخبرك أني قريب."
صرخت المربية تناديها، والعجوز أمسك بذراع الكحلي، فاضطرّا أن يبتعدا.
الفتاة تُسحب نحو العربة البيضاء، والفتى يُدفع نحو السوداء.
السماء تنزف ماءً ووداعًا،
وفي اللحظة الأخيرة، لوّح كلٌّ منهما بالشريط،
لونان مختلفان، لكن الخامة واحدة…
مثل قلبين من عالمين لم يلتقيا بعد.
_ إيطاليا _
كانت الليلة باردة على غير عادة مدن الجنوب.
تلك المدينة الإيطالية الصغيرة احتشدت في مسرحها العريق، حيث تتلألأ الثريات الكريستالية وتُعزَف مقطوعاتٌ ناعمة من الباليه الفرنسي.
في الأعلى، عند الشرفة المعتمة قرب السقف، جلس الكحلي بثيابه السوداء،
عينا قاتلٍ متمرّسٍ لا تترك شيئًا للصدفة.
الهدف يجلس في الصفوف الأولى، رجل أعمال متنفّذ،
لكن عيني الكحلي لم تكونا عليه… بل على المسرح.
تسللت أول راقصة بخفة الريح، تلتها أخريات،
حتى ظهرت هي —
فتاة بشعرٍ متماوجٍ يربطه شريط قماشي أحمر و أبيض
تحرّكت بخفةٍ وهدوء، لكن شيئًا في حركتها لم يكن مدرّبًا فحسب، بل مألوفًا… كأنه موسيقى قديمة يعرفها من قبل.
توقف الزمن للحظة.
ضربات قلبه المنتظمة كساعة عسكرية اختلّت فجأة.
مدّ يده لا شعوريًا إلى معصمه الأيسر،
حيث ما زال يلتف نصف الشريط الآخر، باهت اللون من كثرة الغسل والدم.
تقلصت المسافة بين الماضي والحاضر في ثانية واحدة.
همس لنفسه بذهولٍ خافت:
ـ “...ثعلبتي؟”
كانت تدور على المسرح، كأنها المطر وقد تعلّم الرقص.
لم تره، ولم تعرف أن عينيه تسكنها من بعيد،
لكن عندما توقفت قرب حافة المسرح،
تحرّكت الريح الخفيفة القادمة من نوافذ القاعة المفتوحة،
فرفع الشريط حول شعرها، فرفرف للحظة…
ولامس الضوء وجهه في الأعلى.
تجمّد في مكانه.
أنزل سلاحه ببطء،
نسي الهدف، نسي الأوامر، نسي روسيا كلها.
كل ما رآه هو خيط القماش ذاته،
يتحرك كما كان يوم المطر الأول.
وبينما دوّى التصفيق من الأسفل،
لم يصفق أحد مثله…
هو فقط وضع يده على الشريط حول معصمه وقال بخفوتٍ مبحوح:
ـ “الوعد لم يمت.”
تصاعدت اللحظة كما لو أن الهواء نفسه حبس أنفاسه.
في الأعلى، حيث الظلال طويلة والضياء حاد، تحرّك شيء سريع كلمحةٍ سوداء بين الأعمدة. لم تكن حركة راقصة، ولا خيطًا من حرير المسرح — كانت حركة رجلٍ ينحدر كطيفٍ من سقف الليل.
سمع الجمهور صوتًا حادًّا — طَقْ — لم يكن الطبل، بل رصاصةٌ قطعت الموسيقى.
تحوّلت التصفيقات في ثوانٍ إلى صرخاتٍ، والكراسي إلى فوضى من أرجل وأذرع ووشوشات. على المسرح، توقفت راقصات الباليه كدمى انقطعت عنها الخيوط.
الهدف، ذلك الرجل المتبختر في الصفوف الأمامية، انهار كشيءٍ مرمِ على الأرض، والدم لامع على قماش البدلة كما لو أنه يحاول كتابة نهاية بخطٍ أحمر.
هي لم تبتعد. بقيت واقفةً، عينان تتابعان بلا وعي. رأت ظلًّا — ظلًا طويلًا على الجدار الخلفي للمسرح، ملفوفًا بزاوية ضوءٍ كريستالي.
الظل كان واقفًا للحظةٍ واحدة، يرتفع كتفاه وكأنه يختلس نظرةً أخيرة على من أحب، ثم انحنى، وابتعد نحو المصعد الخفي في أعالي القاعة.
حين حاولت أن ترفع رأسها لتركض، انقلب الجمهور حولها، الأمن يندفع، والمربيات تصرخ، لكن ما لم تره بوضوح كان مجرد ظلٍّ يتلاشى بين دروب الدخان والضوء.
كل ما تبقى في يديها كان خيط الشريط الأزرق يرفرف عند معصمها — النصف الآخر من وعدٍ ممزق — والوشوشات تقول إن شيئًا ما قد مرّ في الهواء فقط، وظله وحده ترك علامة.
لم ترَ وجه القاتل، ولم تلمح سوى ظله: طويل، رشيق، وكأنه نحتٌ من ظلام؛ ظلٌّ عرفه قلبها قبل عينيها.
في الخارج، صراخ وصرير عربات الإسعاف. داخل القاعة، حاملة الرقصات تُجرّ بعنف من على المسرح، والأضواء تسقط من وهجها كما لو أن الريح أرادت أن تمحو المشهد.
أما هي، فقد ظلت واقفةً للحظة أطول من اللازم، تمسح صدرها بشريطٍ من القماش، تسمع في رأسها نبضةً واحدة تردد:
ـ "الوعد... ظلٌّ فقط."
لم يكن صوت الرصاص غريبًا عليه، لكنه هذه المرة حمل صدًى مختلفًا.
ارتدت الرصاصة صدى المطر، وسقط الهدف في صمتٍ كامل، كما لو أن العالم كله انحنى احترامًا لدقّته.
من سطح المسرح، ظلّ الكحلي يراقب عبر منظاره. لم يكن ينظر إلى الجثة، بل إلى تلك الفتاة التي توقفت عن الرقص لحظة الطلقة —
خصلات شعرها تتطاير، وشريطٌ قديم يلتف حولها، أحمر في طرفه، أبيض في آخره.
انقبضت أنفاسه. يداه التي لم ترتجف يومًا، ارتعشت للحظة قصيرة.
تراجع خطوتين، أغلق قناصته ببطء، وغاب في الظل.
المطر كان ينتظره عند المخرج الخلفي، يصفع معطفه الأسود كأنه يعاقبه.
همس في نفسه وهو يشد قفازيه:
"وعد المطر… لم يمت بعد، أليس كذلك؟"
ثم اختفى.
ليلة الاغتيال — بعد اختفاء الرصاصة في الصدى
في الأزقة الضيقة خلف دار الأوبرا، وقف الكحلي تحت المطر، بخطواتٍ ثابتة ووجهٍ لا يحمل أي ملامح.
صوت خطواتٍ يقترب خلفه.
التفت، ليجد شابًا في منتصف العشرينات، عيناه باردتان كالمعدن، يضع على كتفه معطفًا رماديًا مطريًا.
كان هو ذلك الطفل الذي تبنّاه الكهل قبل أعوام.
لكن الزمن لم يترك فيه أثر الطفولة، بل نقش عليه قسوة الجبال الروسية.
قال الشاب ببرود:
"الهدف أُسكت. والفتاة؟"
تأمل الكحلي الشارع الصامت، المطر الذي يغسل أثره من على الرصيف.
ردّ بصوتٍ منخفض:
"لم تكن الهدف."
تبادل الاثنان نظراتٍ قصيرة — لا مشاعر فيها، فقط اعترافٌ غير منطوق بأن شيئًا من ماضيهما قد عاد يلاحقهما.
ثم أدار الكحلي ظهره، مضيفًا بصوتٍ متحشرج بالكاد سُمع وسط المطر:
"رأيتُ شريطًا... لا شيء أكثر."
صمت الشاب الآخر لوهلة، ثم قال وهو يشعل سيجارة:
"الأوامر القادمة من الأعلى. سنغادر غدًا."
ومشى مبتعدًا في الممر المبلل.
ظلّ الكحلي واقفًا، يرفع يده لوجهه دون وعي، كما لو أنه يحاول لمس شريطٍ غير موجود.
الأزقة خلف دار الأوبرا، إيطاليا
المطر يهطل كأنه يريد محو الخطيئة من الأرض.
في الممرّ الخلفي المظلم، انعكس ضوء خافت على وجه رجلٍ يقف بلا حركة،
عيناه كحيلتان، ويداه ما تزالان تحملان أثر البارود.
اقترب منه شابٌّ بملامح حادّة ومعطف رمادي، قال ببرود:
"الهدف سقط. لكنك تأخّرت عن الموعد المحدد بثلاث ثوانٍ، آياكس."
رفع الآخر نظره ببطء، وبنبرةٍ معدنية أجاب:
"الوقت لا يهم… النتيجة واحدة."
أشعل الشاب سيجارته، ابتسامة ساخرة ترتسم على فمه:
"يبدو أنك ما زلت تؤمن بالنتائج أكثر من الأوامر."
لم يردّ آياكس.
فقط رفع رأسه نحو نوافذ الأوبرا العالية، حيث ظلال الراقصين تتبعثر خلف الستار.
هناك رأى الشريط الأبيض والأحمر يتحرك بخفةٍ في الضوء،
شريطٌ يعرفه جيدًا… وعد المطر القديم.
همس بصوتٍ خافت كأنه يعترف بخطيئةٍ لن تُغفر:
"رأيتها."
قال الآخر بلامبالاة وهو يزفر الدخان:
"امرأة جميلة؟"
أجاب آياكس وهو يستدير، يختفي صوته مع المطر:
"لا… ماضيّ."
بعد الاغتيال
كان المطر يهطل بغزارة، يلمع على الأرصفة كأن المدينة تغسل ذنوبها.
انفتح بابٌ جانبي للمسرح بصوتٍ معدني، وخرج منه رجل طويل القامة بخطواتٍ ثابتة،
ملابسه السوداء تلتصق بجسده من المطر، وبيده حقيبةٌ صغيرة.
توقف عند ظلٍّ ينتظره قرب السيارة السوداء،
رفع رأسه قليلًا وقال ببرودٍ جليدي:
"تم القضاء على الهدف."
التفت الشاب ذو المعطف الرمادي، سيجارته بين شفتيه، أجابه بلهجةٍ صارمة:
"تأخّرت، آياكس."
اقترب آياكس حتى كاد المطر يختلط بأنفاسهما،
نظره لا يحمل أي اعتذار:
"ثلاث ثوانٍ لا تُغيّر النتيجة."
ابتسم الآخر ابتسامة ساخرة، ثم قال وهو يفتح باب السيارة:
"في عملنا… ثلاث ثوانٍ قد تصنع قاتلًا أو جثة."
لم يرد آياكس.
رفع نظره إلى النوافذ العالية للأوبرا،
وهناك — بين الضوء والمطر — رأى شريطًا أحمر وأبيض يتراقص مع الريح.
تجمّد في مكانه للحظة، كأن المطر توقف عن السقوط.
قال الشاب وهو يركب السيارة:
"آياكس، هل تسمعني؟"
أجاب أخيرًا بصوتٍ منخفضٍ، كأنه يحدّث نفسه لا غير:
"سمعت… أكثر مما ينبغي."
أغلق باب السيارة خلفه، وضاعا كلاهما في العتمة.
لحظة الاغتيال
كانت الموسيقى ترتفع مثل نهرٍ من الضوء.
تدور هي في منتصف المسرح بثوبٍ أبيض كالغيم،
كل حركةٍ منها تحكي عن اتزانٍ تعلمته بعد أعوامٍ من الألم والكمال.
لكن في لحظةٍ،
انكسر الإيقاع.
صوتٌ حادٌّ، غريب عن الموسيقى، اخترق المكان —
طلقة واحدة.
توقف العازفون، وارتجف المسرح.
صرخةٌ، ثم أخرى.
الأضواء تومض، الجمهور ينهض من مقاعده كأمواجٍ تتدافع نحو المخرج.
الفتاة تجمّدت في مكانها،
تتبع أنفاسها المتقطعة بعينيها الواسعتين،
تحاول أن تفهم ما حدث —
إلى أن سقط رجلٌ أمام المنصة، والدم يمتد ببطءٍ نحو قدميها.
رفعت نظرها بخوفٍ غريزي نحو الأعلى،
وهناك، وسط الظلال الكثيفة،
رأت شخصًا يقف عند الحافة —
لمحت فقط ظله الطويل، ومضة البندقية، والمعطف الأسود يتلاشى في المطر.
تسارعت أنفاسها،
ورفعت يدها لا إراديًا إلى شعرها حيث كان الشريط الأحمر والأبيض،
كأنها شعرت أن الظلّ لم يطلق النار على الرجل… بل على قلبها القديم.
تراجعت خطوة،
همست لنفسها بالفرنسية، بصوتٍ بالكاد يُسمع وسط الفوضى:
"Ce regard… je l’ai déjà vu."
(تلك النظرة… رأيتها من قبل.)
صباح اليوم التالي — ميلانو، إيطاليا
"غرفة الفندق "
لم يزُرها النوم، رغم أن جسدها مرهق من الرقص والخوف.
المطر توقف، لكن داخِلها ما زال يهطل بلا توقف.
على الطاولة أمامها صحيفة مفتوحة،
صورة الغلاف لوجه رجلٍ سقط في دار الأوبرا، وعنوانٍ يقول:
"اغتيال في قلب العرض… إيليني دا غيفون، راقصة الباليه، شاهدة الصدفة."
مرّت أصابعها على اسمها ببطء، وكأنها لا تعرف تلك التي كُتب عنها.
رفعت نظرها إلى المرآة،
انعكاسها بدا غريبًا — شاحبةٌ، لكن في عينيها سؤالٌ لم يُفارقها منذ الأمس:
من كان ذاك الظلّ الذي جعل قلبي يخاف… ويحنّ في اللحظة نفسها؟
مدّت يدها إلى شعرها، تتحسس الشريط الأبيض والأحمر.
تلك الخيوط الصغيرة كانت الشيء الوحيد الذي لم تخلعه منذ الطفولة،
قطعة من وعدٍ نسيته، أو حاولت أن تنساه.
.قاعدة العمليات — الضواحي الشمالية
شاشةٌ تضيء وجه Ajax بوميضٍ أزرق.
الملفّات تمرّ بسرعة، أصواتٌ ميكانيكية تملأ المكان.
يتوقّف عند تقريرٍ جديد،
وصوتٌ عبر السماعة يقول بلهجةٍ صارمة:
"آياكس، المهمة التالية تتعلق بشاهدٍ من عرض الأمس. يُخشى أن تكون قد رأت أكثر مما ينبغي."
ضغط المفتاح، فظهرت الصورة أمامه.
تجمّد.
الاسم على الشاشة كان واضحًا:
إيليني دا غيفون.
رفع عينيه عن الشاشة ببطء،
صوته خرج همسًا كما لو أنه ينطق اسمًا كان يردده في الأحلام:
"إيليني…"
ثم انطفأت الشاشة،
وظلّ المطر يضرب النوافذ بإيقاعٍ يشبه الماضي حين وعدها:
"إن لم يستجب المطر، سأجبره."
ميلانو — أحد المقاهي القديمة قرب ساحة الدومو
كان المقهى يعجّ بالناس، يختلط فيه صوت الملاعق برائحة البنّ الإيطالي والبرد الرطب الخارج من المطر.
جلست إيليني دا غيفون قرب الزجاج، بين يديها فنجان قهوةٍ نصف ممتلئ.
الضوء المنعكس من النافذة أضاء عينيها الزرقاوين الفاتحتين، كبحرٍ صامت تحت شمسٍ غائمة.
تحاول أن تبدو هادئة،
لكن في داخلها كانت صورة الظلّ في دار الأوبرا لا تفارقها.
ثم التقطت انعكاسًا خافتًا في الزجاج أمامها.
رجلٌ يجلس في الجهة المقابلة من المقهى،
معطفٌ أسود، نظراتٌ ثابتة، وحضورٌ ثقيل لا يُشبه أحدًا من روّاد المكان.
رفعت عينيها ببطء، والتقت نظراتهما.
ارتجف شيءٌ صغير داخلها — ليس خوفًا، بل شعورٌ غامض بالمعرفة.
تجمد الهواء بينهما، والوقت انكمش في تلك اللحظة.
في الجهة الأخرى،
خفض Ajax عينيه نحو الصحيفة، محاولًا أن يتجاهل دقات قلبٍ لم يشعر بها منذ سنين.
ثم تنفّس بعمق، ونهض من مقعده.
مرّ قرب طاولتها بخطواتٍ بطيئة،
رائحة المطر والبارود والبرد تحيط به،
وحين صار بجانبها تمامًا، قال بصوتٍ منخفضٍ لا يسمعه سواها:
"إيطاليا تمطر كثيرًا… أليس كذلك؟"
رفعت إيليني رأسها نحوه،
وفي عينيها الزرقاوين امتزج السؤال بالارتباك،
لكن لم تجد الكلمات. ترك المقهى بهدوء،
والباب أغلق خلفه كأن المشهد كله حلمٌ قصير لم يُصدّقه أحد.
ظلت تنظر إلى الخارج —
المطر ينهمر، وظله يبتعد في الضباب —
ثم همست لنفسها بالفرنسية، بشفاهٍ مرتجفة:
"Ces yeux… impossibles à oublier."
(تلك العيون… يستحيل نسيانها.)
تشان وو 307