لم تفقد المدرسة بريقها في عيني إيلينا. كانت تذهب إليها كل يوم بروح متجددة، كما لو كانت تزور عالمًا جديدًا، مليئًا بالاحتمالات. السبب لم يكن درس الرياضيات، ولا الحصص الطويلة عن الحروب والممالك… بل إيفان. ذلك الفتى الذي بدا وكأنه وُجد ليكتشفها، وفي طريقه، أعاد اكتشاف نفسه.
منذ لقائه بها، بدأ شيء في داخله يلين. صار يرى دون أن يعتمد على عينيه، ويصغي كما لو كان يسمع الحياة لأول مرة. إيلينا فتحت له أبوابًا لم يكن يدرك أنها مغلقة. أما هي، فكانت تجد في أسئلته لذّة غريبة، وفي فضوله الطفولي نوعًا من الحميمية النادرة. لم يكن ينظر إليها بشفقة، بل بانبهار. وكان ذلك كافيًا.
لكن الأمور لم تكن بهذا الهدوء خارج تلك الفقاعة الصغيرة التي نسجاها معًا.
في استراحة المدرسة، وبين صخب الطلبة، كان إيفان واقفًا أمام آلة البيع الآلي، يتأمل خيارات العصائر كأنها لغز يصعب فكّه. عينا إيلينا ما تزالان في رأسه، ما زال يتذكر كيف لمست إصبعها حافة كوب الشاي وقالت: "الدفء ليس من الداخل فقط، أليس كذلك؟"… جعلته يبتسم رغم الصمت.
ثم سمعها.
– "أنظروا من هنا… إيفان، إيفان!"
استدار. ثلاثة فتيان من صفه، وقفوا أمامه كتكتل خشن، وهم يرمقونه بنظرات لم يُخطئ معناها.
تراجع خطوة. لم يكن خائفًا، بل فقط... متحفّزًا. كان يعلم أن شيئًا ما في الهواء تغيّر. جبهته ارتفعت قليلًا، ونبرة صوته خرجت بلا زينة:
– "ماذا تريدون؟"
– "أخبرنا، من تكون تلك اللعنة ذات العصبة الزرقاء؟"
تصلّب وجهه. السخرية التي تقطر من أصواتهم أيقظت شيئًا خامدًا في داخله. ذلك الجزء من إيفان الذي لم يتعلّم المجاملة.
– "اسمها إيلينا. وهي ممتعة، على عكسكم. أنتم مجرّد حثالة لا تعرفون إلا الكلام عن أجساد الفتيات. مقزّزون."
ضحكوا. ضحكة جافة، قصيرة، أشبه بسعال ساخر. ثم قال أحدهم، وهو يميل إلى الأمام بنبرة خبيثة:
– "أوه، هل تجعلك إيلينا تلمسها لدرجة تجعلك تستغني عن الحسناوات؟! ألهذا الحد؟ من أجل عاهة؟ نسيت من كنت؟"
اللحظة التالية كانت صامتة تمامًا. لا صوت سوى صفير في أذن إيفان، وأنفاسه التي أصبحت ثقيلة فجأة. لم يرَ وجه الفتى جيدًا، كل ما رآه هو فم يتحرك بكلمة لا تغتفر.
قبضته انطلقت قبل أن يفكر.
ضربة واحدة. صلبة، مباشرة. أنف الفتى تهشّم تحتها كما لو كان مصنوعًا من طين. الدم انفجر على يده، وعلى ياقة القميص الأبيض. الفتيان الآخرين اندفعوا نحوه، لكنهم توقفوا في منتصف الطريق.
صاح المُصاب، يترنح:
– "هل ضربتني لأجل تلك الإمعة؟!"
إيفان مسح الدم عن كفّه، بنظرة احتقار خالصة:
– "احفظ لسانك، عزيزي. أنا لا أُدعى القائد عبثًا. ضربة أخرى، وستتحدث مع أجدادك."
ثم التفت عنهم دون اكتراث، كأن الأمر لم يكن يستحق العناء من البداية. قال بهدوء مقيت:
– "مقرف."
وما إن لمح إيلينا تضحك في الطرف الآخر من الساحة، حتى تغيّرت ملامحه كليًا. القسوة التي كانت تكسو وجهه منذ لحظات، ذابت فجأة… وظهر تحتها دفء نادر، خافت.
اقترب منها بهدوء، تناول يدها برفق كما لو كان يقطف زهرة.
– "هل أوصلكِ؟"
أومأت دون تردد، ولم تسأله إلى أين. فقط تبعته… كما تفعل دائمًا. كانت تثق به، ثقة ناعمة لا تحتاج إلى كلمات.
لكنه لم يتجه بها نحو الفصل. بل قادها إلى زاوية لا تعرفها، ثم فتح بابًا حديديًا لم يسبق أن سمعته. صوت المفصلات الصدئة مزّق سكون اللحظة، وأضفى على المكان شيئًا من الغموض.
– "لقد وصلنا إلى مخبئي."
ابتسمت بدهشة:
– "وااه… لديك مخبأ؟ هنا؟ في المدرسة؟ الجو رائع هنا…"
مدّت يديها في الهواء، تتحسّس الفضاء من حولها كما لو كانت ترسمه بأطراف أصابعها.
– "ما رأيك بقيلولة؟ أعلم أنك تكرهين حصة التاريخ. اعتبري هذا استراحة مخصصة لكِ."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة لم يستطع مقاومتها، وكأنها تقول "شكرًا" من دون أن تنطق بها.
جلس أولًا على الأرض الإسمنتية، الباردة، ثم سحبها برفق لتستلقي، رأسها فوق فخذيه.
كانت لحظة ساكنة، مدهشة في هدوئها.
راح يعبث بخصلات شعرها، بينما كانت ترفع ذراعيها عاليًا، كأنها تحاول احتضان السماء.
ثم، بلا قصد، انزلقت يدها على وجهه.
توقف. بداخله ارتباك صغير، مباغت. أما هي، فنبضها تسارع. شعرت به بوضوح، كأنه يطرق جدران صدرها.
للمرة الأولى، كانت تلمس وجهه… وجه من حفظت نبرة صوته، وتخيّلت ملامحه آلاف المرات.
مرّت أصابعها عليه بخفة، كأنها تُنحت له ملامح من نور، وفي صوت شبه هامس، قالت:
– "أهلاً، صغيري."
ضحك. ضحكة صغيرة، لكنها تسرّبت إلى قلبه كالماء.
أنزلت يدها، وبدأ عقلها ينسحب نحو النوم، ببطء، بينما بقي هو يتأمل وجهها.
كان يتساءل بصمت: هل تعرف ما يُقال عنها؟ هل تفهم معنى كلمة "حب"؟ وهل سبق لقلبها أن اختبره، ولو مرة واحدة؟
تنهّد. ثم لمح ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها وهي تغفو… ابتسامة عابرة كبرق، ثم اختفت.
– "بماذا تحلمين، الآن؟" همس، دون أن ينتظر جوابًا.
في طريق عودتهما للفصل، قالت بصوتٍ مشرق:
– "المكان كالنعيم!"
نظر حوله، ورأى جدرانًا صدئة وسقفًا متشققًا. لم يكن يرى أي نعيم، سوى الذي يتسرّب من يدها في يده.
كانت ستكمل طريقها، لكنها توقّفت، ثم قالت بصوت متوتر، وكأن الكلمات خرجت من قلبها قبل أن تمر بعقلها:
– "رفقتك، إيفان… هي النعيم بذاته."
اتسعت عيناه. أحسّ بشيء يفيض داخله، شيء لا يشبه أي شعور عرفه من قبل.
عانقها فجأة. بقوة، بشيء يشبه الغريزة.
ارتبكت للحظة، لكنها تشبّثت به بكلتي يديها الصغيرتين، وكأنها تريد أن تحجز هذه اللحظة إلى الأبد.
وكان العناق طويلًا… طويلًا بما يكفي ليخلط الهدوء بالفوضى في كليهما.
عاد والداها إلى المنزل، وبرفقتهما نيكولاس… أميرهما المدلل، كما تسميه في سرّها.
كانت إيلينا جالسة على أريكتها المعتادة، تُنصت لكتابٍ صوتي يصف لها العالم الذي تعرفه… ولا تعرفه.
الأصوات تصنع لها صورًا، كل كلمة تأخذ شكلًا في عقلها، تلوّن المساحات الرمادية التي تعيش فيها.
ثم سمعت خطوات صغيرة، ناعمة، مألوفة. لم تحتج إلى أن تُبصر كي تعرف أن نيكولاس يقترب.
لمسته، فابتسمت. أنامله صغيرة، دافئة، وناعمة كقطعة قطن.
لكن فجأة… اختفت اليد من راحتها.
صوت بكاء حاد، مفاجئ، شقّ الهواء.
ارتبكت. تجمّدت. لم تفهم. صدرها انقبض، والفراغ في فمها تمدّد كجرح.
ركض والداها نحوه، خطوات سريعة تحمل القلق، وهي بقيت في مكانها… ساكنة كمن خاف أن يتحرّك فتسوء الأمور أكثر.
تبتلع خوفها، تتساءل، تتخبّط:
ماذا فعلت؟ لماذا؟ ما الذي حصل؟
– "ماذا هناك؟!"
صوت الأب انكسر كصدى داخل الغرفة، متوتّرًا، لاهثًا.
نيكولاس لا يزال يبكي، وسبابته المرتجفة تشير نحوها، كاتهام واضح.
عيناها لا ترى، لكن إصبعه شعرت به يمرّ في الهواء كأنما يطعنها.
الأب لم ينفجر بعد… على الرغم من أن وجهه كان قاب قوسين من الانفجار. حاول أن يبدو متماسكًا، قال بصوت أثقل من العتاب:
– "ماذا حدث، إيلينا؟ ماذا فعلتِ؟"
تقلّصت ملامحها. الخوف تسلل من عينيها إلى أصابعها. بدت في حالة فزع واضحة، رفعت يديها إلى أذنيها، كأن الصوت قد اخترق داخلها، كأنها تحاول أن توقف الصوت قبل أن يدخل أكثر.
– "لا شيء..."
لكن الأب لم يقتنع.
نظر إلى نيكولاس، ثم عادت عيناه نحوها، مشبعتين بغضب لا يُترجم بالكلمات:
– "كيف لا شيء وهو يبكي هكذا؟!"
انفجر صوته. تلك الدرجة التي تشبه طرق المطرقة على الزجاج.
اهتزت ملامحها، وتراجعت خطوة إلى الوراء.
فهي لا ترى… لكنها تسمع.
وكل صوت يأتيها مضاعفًا، جارحًا، لا يرحم.
في رأسها، بدأت الأفكار تتبعثر كقطع زجاج متناثرة.
لا تفسير. لا مشهد يمكن أن تتخيله.
فقط تلك الأسئلة التي تنهش قلبها:
هل يحاول أن يجعلهم يكرهونني؟
هل سينجح؟
وإن نجح… ماذا سيتبقى لي؟
فراغ. صمت صاخب. وخسارة.
بدأت ترتجف.
الدموع ملأت عينيها، لكنها لم تبكِ مثل الأطفال، بل كمن يخاف أن يكون البكاء نفسه تهمة.
خرجت منها كلمات مشوشة، كأنها لا تُقال بل تنزف مجروحة:
– "لم أفعل شيئًا… أرجوك، لا تصرخ عليّ…"
لكن الأب، وقد أنهكه التكرار، قال بصوت أعلى، يحمل ما يشبه الرجاء الخشن:
– "هل أنتِ طفلة لتبكي هكذا؟ فقط أخبريني، وسنجد حلاً، إيلينا!"
كلمة "طفلة" جرحتها أكثر من الصراخ.
تساءلت في داخلها: هل كونها ضريرة يجعلهم يرونها أقل من عمرها؟ أقل من حقيقتها؟
لكنها لم تُجب.
كانت قد اختبأت بالفعل داخل نفسها… في المكان الذي لا يصل إليه أحد.
عند هذا الحد، خارت مقاومتها. استدارت بصمت، ولم تنبس بكلمة. كانت خطواتها نحو الدرج ثقيلة، كأنها تجرّ الليل خلفها. صراخ والدها ظل يتردد في الخلفية، لكنها لم تلتفت. دخلت غرفتها، أغلقت الباب برفق، ثم ارتمت على السرير.
لم تكن تبكي فقط. كانت تنهار.
حاولت أن تواسي نفسها، أن تردّد في داخلها أن ما حدث لا يستحق، أن عليها أن ترى الجانب المشرق كما تقول آنا دومًا... لكن صوتًا آخر، أكثر صدقًا، تمتم بمرارة: لماذا لا يكون والداي مثل إيفان؟
إيفان، الذي بالكاد تعرفه منذ أشهر، صار الوحيد الذي يرى ما لا يراه الآخرون. والداها هما عائلتها، لكن... لمَ يوجعانها أكثر من أي أحد؟
تصاعد بكاؤها، نضب صوتها، وذابت طاقتها كأنها تسيل من بين ضلوعها. وفي النهاية، نامت من فرط التعب.
في تلك الأثناء، كانت الأم وآنا منشغلتين بتحضير سهرة عائلية بسيطة. لاحظتا غيابها، فنادت الأم عليها. لم تأتِ أي إجابة. كررت النداء، لكن الأب تدخل قائلًا دون أن يرفع رأسه:
"يبدو أنها ذهبت للنوم، لديها مدرسة غدًا."
توقفت الأم، رمقتها بقلق:
"هل تمزح؟ غدًا السبت."
هز كتفيه وقال ببساطة:
"ربما كانت متعبة."
كان كل ذلك يجري تحت ملاحظة آنا، التي لم تستطع تجاهل شيء ثقيل يسري في أجواء المنزل، شيء لا يُقال لكنه يُحسّ.
حين خمدت الحركة، ونام الجميع، تسللت إلى غرفة إيلينا وفتحت الباب بهدوء. كانت نائمة، لكن ملامحها خانتها؛ جفناها المنتفخان، خدّاها اللذان رسمت عليهما الدموع خيوطًا باهتة من الاحمرار.
اقتربت، مسدت على رأسها برفق، ثم غادرت دون أن تنبس بكلمة.
مع أول شعاع صباح، فتحت إيلينا عينيها على صداع حاد، كأن عقلها يتمزق من الداخل بخيوط مشدودة تؤلم أكثر كلما حاولت التفكير. لامست قدماها أرض الغرفة الباردة، واستندت إلى طرف السرير محاولة الوقوف، لكن الدوار باغتها كصفعة مباغتة. ارتخت أطرافها وسقطت بثقل، كما لو أن جسدها قرر أخيرًا الاعتراف بالهزيمة.
لم تمضِ ثوانٍ حتى سُمعت خطوات مسرعة تتقاطع مع خشب الأرض، تبعها صوت آنا الدافئ وقد شابته نبرة قلق:
"هل أنتِ بخير؟"
ردت إيلينا بصوت واهن، وهي تحاول الجلوس مجددًا:
"أوه... أظنّني تعثّرت بشيء ما."
"توخي الحذر في المرة القادمة. الفطور جاهز في الأسفل... سأنتظرك."
ابتسمت رغم الألم. لم تكن ابتسامة كاملة، لكن بها ما يكفي لتقول إنها ما زالت تحاول.
توجهت لتغتسل، ثم نزلت الدرج ببطء. في المطبخ، جلست أمام المائدة، تتناول الفطائر المحلاة بصمت، تحاول أن تستمد من دفئها بعض الطمأنينة.
وفجأة، شدّ شيء ما طرف قميصها، أعادها من أفكارها. استدارت ببطء، لتسمع صوت نيكولاس ينفجر ببراءة جارحة:
"أنا هنا! لماذا تنظرين هناك؟ ألا تستطيعين رؤيتي؟! مخيف!!"
كان صريحًا كعادته، لكن وقع كلماته هذه المرة انغرس في شيء أعمق، كلماته وخزتها في الصميم. في البيت، لا ترتدي إيلينا غطاء الحرير الذي اعتادت إخفاء عينيها به. تحتفظ به للمدرسة، أو للخروج مع آنا، أو حين تعلم أن إيفان سيزورهم. هنا، لا تحتاجه—أو هذا ما كانت تعتقده.
توجهت نحو آنا، مستندة إلى السخرية لتخفي ارتباكها:
"هل يجب أن أرتديه حتى في المنزل؟"
لم ترد آنا. اكتفت بالصمت، ثم نادت نيكولاس ليتناول فطوره، وكأنها فضّلت الانشغال بشيء آخر بدلًا من خوض الحديث.
"آنا، أريد الاتصال بإيفان... هل تملكين رقمه؟"
"لا أعلم، ربما أجده في سجلات الهاتف... سأبحث لك."
"أختي، من إيفان؟"
تنهّدت إيلينا ببطء، كما لو أن الصبر يتسرّب منها. هذا الطفل ينهكها بأسئلته، وأصبحت طاقتها أضعف من أن تجاريه أو تتجاهله.
بعد الإفطار، قامت آنا لتبحث عن الرقم، بينما بدأت إيلينا بجمع الأواني، مركّزة على إفطارها وحده.
"وجدته، إيلينا."
"كم الساعة الآن، آنا؟"
"التاسعة والنصف."
كانت ثوانٍ تفصلها عن سماع صوته.
التوتر يعلو ويهبط في صدرها، كنبضٍ متسارع بلا قرار.
ثم…
فُتح الخط.
"مرحبًا؟"
صوته كان غليظًا، لا يزال يحمل آثار النوم.
ترددت. لكنها بدأت، ولا مجال للتراجع.
"صباح الخير، إيفان."
"إيلينا! يا إلهي… ما هذا النعيم، أن أستيقظ على صوتك!"
ضحك، بخفةٍ مألوفة، أما هي فاحمرّ وجهها واشتعلت أذناها. لكنه لم يرَ شيئًا من ذلك.
طلبت أن يلتقيا. كانت نبرتها مترددة، لكنها مغلّفة بإصرار. لم يبدِ أي ممانعة، رحّب كعادته، وسأل إن كانت عائلتها في المنزل. تجاهلت السؤال، حدّدت له الساعة الرابعة، ثم أنهيا المكالمة.
لكن الهدوء لم يستمر طويلًا.
"إيلينا، بمن تتصلين؟"
صوت والدها جاء من خلفها.
أغلقت السماعة بعجلة. توترت ملامحها. لم تكن ترغب أن يعلم بشأن إيفان.
لكن نيكولاس، بعادته التي لا تفوّت شيئًا، سبَقها قائلاً ببراءةٍ مقلقة:
"إنها تحادث يدان!"
"يدان؟ من هذا؟"
ارتبكت، ثم نطقت بما خشيت قوله:
"إيفان… إيفان فاسيلييف. إنه صديقي."
ضحكة والدها لم تكن ضحكة. كانت سخريةً مغلفة بريبة، أعقبتها نبرة ثقيلة، كأنها تسحق ما تبقى من كرامتها:
"آه، صحيح… نسيت أنكِ تذهبين إلى المدرسة."
ردّت، بحدّة لم تقصدها:
"يبدو أن ثمالتك ليلة أمس أفقدتك ما تبقى من عقلك."
"ماذا قلتِ؟"
"لا شيء."
المواجهة كانت حتمية. اقترب منها بخطى عنيفة، وبدلًا من الصفعة التي توقعتها، رفع يده وأطبق على عنقها.
أنفاسها بدأت تخفت، تتخبط، قبضته تشتد كلما تحركت.
الغضب كان يحتاج إثباتًا ماديًّا.
"لن أضربك أمام أخيك، كي لا يشعر بالعار منك… لكن أعيديها، إيلينا، لنرى ما الذي سيحدث."
ثم، فجأة، تركها.
الهواء اندفع في صدرها كدفقة حياة، تبعه سعال حاد.
غادرت الغرفة كأنها خرجت من معركة. وفي طريقها، سمعت صوت والدتها، قادمًا من مكانٍ قريب، غاضبًا:
"أي جزء من ’لا تتصل بي‘ لم تفهمه؟ أنت من اختار هذا الطريق… تحمّل العواقب!"
عادت ضوضاء العائلة، وعادت إيلينا إلى عزلتها.
رمت جسدها على السرير، مدّت يدها إلى مشغّل الأقراص، وبدأت تستمع لأحد كتبها المفضلة.
لكن النعاس باغتها قبل أن ينتهي الفصل.
بعد وقت، طرقٌ خفيف على الباب. آنا تنادي:
"إيفان بالأسفل."
قفزت إيلينا من السرير، تتخبط وهي تبحث عن ملابسها، لم تمنح آنا حتى فرصة لتشيح بنظرها. ارتدت ما وجدته بسرعة، ونسيت غطاء الحرير المعتاد.
لكن آنا أمسكتها بلطف قبل نزول الدرج. ناولتها قطعة قماش خفيفة:
"اخترت هذه لأن الجو صيفي."
في الأسفل، كان إيفان ينتظر.
"إيلينا!" نادَاها بصوته الدافئ.
ابتسمت له، لكن اقترابها من والدها جعل أصابعها ترتجف بلا وعي. أمسكت بذراع إيفان وجذبته خارجًا قبل أن تتبادل أي كلمة أخرى.
سألها وهو يفتح باب السيارة:
"ما بك؟"
"لم يكن عليك أن تقابله."
"تقصدين والدك؟… نعم، بدا وكأنه لا يطيقني."
ركبا السيارة. الجو مشبع برائحة غريبة اعتادت عليها إيلينا، لكنها لم تعرف مصدرها بعد.
"إلى أين؟" سألت فأجابها.
"مدينة الألعاب!"
كانت الموسيقى تملأ السيارة بنعومة. إيفان يغني بصوته المرتبك، وإيلينا تصفق له ضاحكة. شيء في ضحكتها أدهشه، كأنها تحمل القدرة على تطهير الهواء من أي ضيق.
وصلوا أخيرًا.
أمام كشك التذاكر، بدأ الزحام. كان الصخب غريبًا عليها؛ أصوات تصادم الحديد، موسيقى باهتة، ضجيج أطفال ونداءات الباعة. لم ترتبك، بل قالت بثقة:
"أريد تجربة الأفعوانية!"
فرح إيفان بحماستها. لكن أحد الواقفين في الطابور لمس ذراعها، ثم تمتم بوقاحة:
"كيف ستستمتعين دون أن تري؟"
ما إن أنهى كلماته حتى تلقّى صفعة قوية من إيفان، تلتها نظرة حادّة كالسيف:
"إفعلها مرة أخرى، وسنرى كيف تستمتع بيد واحدة."
استمرّا في الانتظار. وعندما جاء دورهما، جلسا في المقعد. رُبطت الأحزمة على جسديهما، أحست إيلينا بالضغط على صدرها، لم تكن مستعدة لهذا الشعور.
تحركت اللعبة ببطء. الهواء ناعم في البداية، لكن سرعان ما تحول إلى صفعات قوية على وجهيهما مع ازدياد السرعة.
صرخ إيفان بحماس:
"إرفعي يديك، إيلينا! واصرخي!"
فعلت. وشيء ما بداخلها انفكّ.
الريح ضرب وجهها، الدم تدفق لرأسها، جسدها مقلوب، لكنها صرخت.
صرخت كأنها تطرد كل ما علق في صدرها منذ أيام.
أمسك إيفان بكفّها في الهواء، وشبك أصابعه في أصابعها.
صرخت مجددًا، والضحك خرج رغماً عنها.
عندما انتهت الجولة، كانت خفيفة كريشة. أما هو، فكان يترنح من الدوار.
ما إن خرجا من مدينة الألعاب، حتى تذكرت إيلينا شيئًا بسيطًا، رغبة صغيرة تسكنها منذ الصباح.
"إيفان، هل تباع المثلجات هنا؟"
ابتسم لها، وأجاب دون تردد: "بالطبع!"
راح يبحث عند الباعة القريبين، يسأل عن نكهة الكيوي تحديدًا، النكهة التي تحبها. لكن لم يجدها. فدله أحدهم على عربة صغيرة تقف في الشارع المقابل، خارج المدينة الترفيهية، ما يبحث عنه قد يكون هناك.
نظر إلى إيلينا وقال بلطف:
"انتظريني هنا، لن أتأخر."
أشارت برأسها موافقة، فغادر.
جلست على الرصيف، يداها مستريحتان على حجرها، تسمع وقع خطوات المارّة، وصوت ضحكاتٍ من بعيد، لكن فجأة... تبدلت الأصوات.
بدأ الصخب يتصاعد، همهمات مضطربة، تلاه جلبة، خطوات سريعة تعبر حولها، ركض، وصيحات قلق متناثرة.
ارتجفت، وبدأت تنادي:
"إيفان؟! إيفان!!"
لم يجبها أحد.
نادت مجددًا، ارتفع صوتها. نادت بهستيريا هذه المرة ، ثم تشبثت بذراع أحد المارّة دون أن ترى وجهه، تسأله بفزع:
"ماذا يحدث؟ ما الذي جرى؟"
توقف، نظر إليها ذلك الرجل الغريب، وملامح الصدمة تزين وجهه، تمتم بنبرة مشوشة:
"يا إلهي... المسكين. لقد دُهس... من أجل المثلجات."
يتبع.....
salcafeine