أنا إيلينا. فتاة أتممت الخامسة عشرة للتو.
وُلدت ضريرة، نتيجة خلل بسيط في تكويني داخل رحم أمي... صغير بما يكفي ليمرّ دون إنذار، كبير بما يكفي ليظلّ أثره معي إلى الأبد.
أقول "ضريرة" بصوتٍ ثابت، كأنها سمةٌ من سمات اسمي. لم أعد أكره الكلمة، لكنني لم أتصالح معها كليًا. إنها تشبه البقع التي لا تغادر حتى بعد الغسيل المتكرر، فتضطر إلى تقبّل وجودها، لا لأنك رضيت بها، بل لأنك تعبت من محاربتها.
أعيش في منزل واسع وهادئ، له صدىً خاص في أذني.
كاثرين، مُؤدبتي، تتولى تعليمي منذ سنوات.
صوتها ناعم، يشبه نسيم الربيع حين يمرّ فوق جفنيك وأنت نائم. لا تُشبه باقي البالغين من حولي... في حديثها رقة لا تُدرّس، وفي حضورها دفء لا يُشترى.
لا أعرف ملامحها، ولا أستطيع تخيّل شكلها كما يفعل الآخرون.
لكنني أعرف ملمس فساتينها الحريرية، وأكاد أجزم أن بشرتها نقية... شفافة كقلبها.
قد يبدو غريبًا أن فتاة ضريرة تكتب أو ترسم، لكنني أفعل.
ليس بإتقان أولئك المبصرين، بل بشغفٍ صامتٍ يخصّني وحدي.
أُجيد الإمساك بالقلم كما أُجيد الإمساك بالعالم: بأناملي... وبذاكرتي.
أحيانًا، أرسم ما أتخيله حين ألمس زهرة، أو حين تهمس لي الريح بشيء لا يفهمه سواي.
الورق لا يحكم عليّ، لا يضحك ولا يتعجب، فقط يحتفظ بأثري.
نهاري يمضي بهدوء رتيب.
أستيقظ. أغتسل. أتناول فطوري. ثم أنتظر كاثرين.
ندرس قليلًا، ونتحدث كثيرًا.
أسترق من حديثها ما يكفيني لأُكمل بقية اليوم دون أن أشعر بالوحدة... أو أحاول.
بعد انتهاء الدروس، أتنقّل في أرجاء المنزل.
أتلمّس جدرانه، أبحث بيدي عن القصص التي خبأتها الزوايا.
والداي مهووسان بالطراز الفيكتوري والإغريقي، وكل قطعة في هذا المكان تهمس بذلك العشق.
التماثيل الكثيرة تخيفني أحيانًا... أشعر بأنها تراقبني، أو تتهامس في غيابي.
لكنني أحب التفاصيل الصغيرة... تلك التي لا ينتبه لها أحد، إلا فتاة ضريرة مثلي.
هما يسافران كثيرًا... يعودان محمّلين بالهدايا والتماثيل، يحيطانني بأصواتهما لبعض الوقت، ثم يغادران من جديد.
يتركان خلفهما صمتًا أثقل من التماثيل ذاتها.
في غيابهما، تعتني بي العمة آنا.
تطهو لي، وتُرافقني أحيانًا إلى البقالة أو المجمع... لا أعرف الفرق بينهما.
كلاهما يعجّ بالناس، بالأصوات، وبالأشياء التي لا أستطيع رؤيتها.
أستند إلى عصاي لأتفادى الاصطدام، وأقاوم رغبتي الدائمة في العودة... رغم أنني حفظت جدران المنزل.
أعرف أنني وصلت إلى غرفة المعيشة حين ألمس الزاوية اليمنى من المقعد الطويل...
وأعرف أنني وحيدة حين لا يردّ أحد على "صباح الخير".
في ذلك اليوم... يوم ميلادي الخامس عشر، بدا كل شيء مألوفًا: فنجان الحليب، نقرات المطر على النافذة، حتى دفء صوت كاثرين حين جلست قربي وسألت:
"حسنًا، إيلينا... ماذا ترغبين في يوم مولدك؟"
كان سؤالًا بسيطًا. خفيفًا. لكنه حملني ثقيلًا.
همست، بعد تردد قصير:
"لا شيء كثير، آنسة كاثرين... أي شيء سيكون كافيًا."
ضحكت، ضحكتها الناعمة التي أعرفها جيدًا... لكنها بدت مختلفة هذه المرة.
ثم قالت بنبرة حاولت أن تكون مرحة، لكنها تسللت كشوكة في صدري:
"أوه، لم أعد آنسة... أنا مخطوبة لأندريه. أخبرتكِ عنه، أليس كذلك؟"
كأن صوتها اخترق شيئًا هشًا بداخلي.
كأن ثقوبًا صغيرة بدأت تتكوّن في صدري، واحدة بعد الأخرى... لا تؤلم، لكنها تُفرغني.
لكنني ابتسمت. أو تظاهرت بذلك.
قلت بكذب رقيق، بنبرة حاولت أن لا ترتجف:
"أنا سعيدة لأجلكِ... سيدة..."
"سيربين." قالتها بسرعة، كمن لا يحتمل الانتظار.
ولم أكن بحاجة إلى عينين لأدرك كيف أضاء وجهها وهي تنطق الاسم الجديد.
سيربين... ليس اسمي، وليس لنا. اسمٌ سيأخذها بعيدًا.
سكتُّ. نظرت نحو الفراغ بعينين لا تُبصران، لكنهما اعتادتا أن تريا بطرق أخرى.
وشعرت - بوضوح مؤلم - بثقل الوحدة القادمة.
كاثرين سترحل...
وستترك ورائي كل الأحاديث، وكل الضحكات، وكل المفردات التي كانت تسند أيامي.
ليس لدي صديقة. ولا خليل. ولا حتى شخص يملأ مقاعد الحفلة الصغيرة التي أعدّها في خيالي، كل عام، ثم أطفئ شموعها وحدي.
قلت فجأة، كمن يحاول الإمساك بطرف رداء يوشك أن يبتعد:
"سيدة سيربين... لدي طلب، كهبة بمناسبة ذكرى مولدي."
"اطلبي ما تشائين، إيلينا."
ارتعشت كلماتي قليلًا قبل أن تخرج:
"أريد أن أذهب إلى ذلك المكان... الذي تحدّثتِ عنه مرارًا. حيث الفتيات والفتيان في مثل عمري... يتعلمون معًا.
بوجود معلمين، كلٌ لمادة واحدة."
طال صمتها.
حتى الهواء من حولي بدا مترددًا.
ثم سمعتها تقول، بعد تنهيدة صغيرة:
"إيلينا... قد لا تكون البيئة هناك مناسبة لكِ."
لم أتردد. لم أسمح لصوتي أن يخذلني:
"لا بأس. سأعتبرها تجربة. إن لم تُناسبني، فلن أطلبها مجددًا."
سكون آخر.
ثم صوتها، خافتًا هذه المرة، كما لو كانت تحادث قلبها لا أنا:
"سأبحث عن مدرسة تراعي حالتك... بصفتك ضريرة."
مددت يدي في الهواء، أبحث عنها.
كانت قريبة... لكنني أردت أن ألمسها. أن أقول لها، بلا كلمات، كم أنا ممتنة.
لامست كتفها، ثم ضممتها إليّ.
لم أر ملامحها... لكنني شعرت بذراعيها، وشعرت بها تردّ العناق، وتربّت على ظهري، وتهمس:
"لا بأس، يا عزيزتي... لا بأس."
لكنني عرفت... أن كل شيء سيصبح "بأسًا" بعد الآن.
وجدت السيدة كاثرين المدرسة المناسبة أخيرًا.
لم تكن قريبة، بل تبعد عن منزلي مسافةً لا بأس بها... لكن ذلك لم يُطفئ الحماسة التي كانت تتّقد بداخلي، تُنيرني من الداخل كما لم يحدث من قبل.
اتصلتُ بوالديّ، ولم أنتظر أن يسألاني شيئًا. قلتها مباشرة، بصوتٍ واثق، يحمل طعماً غريبًا من التحدي:
"سأذهب إلى شيء يُدعى المدرسة."
ذهبتُ قبل الموعد المحدد، لأجتاز ما يسمونه "اختبار تحديد المستوى".
جلسوا على الطاولة، تحدثوا، كتبوا.
أخبروني أنني أوشكتُ على إنهاء المرحلة الابتدائية، لكن هناك ثغرات في تعليمي. لم أفهم كل ما قالوه، لكنني فهمت نظراتهم.
غير أن السيدة سيربين تحدثت بثقة.
قالت لهم إن تجاوز تلك الثغرات ممكن.
قالتها بلهجة لا تقبل الاعتراض.
وهكذا، وُضعتُ مع من هم في مثل سني.
ثم جاء اليوم الموعود.
يومي الأول في المدرسة.
اليوم الذي سأحادث فيه غرباء، وقد أُسميهم ذات يوم... أصدقاء.
ارتديتُ ملابسي التي نسّقتها لي العمة آنا.
فستان ناعم، رائحته تشبه رائحة خزائن الخريف.
نزلتُ لتناول الفطور المبكر.
كل شيء بدا طبيعيًا... حتى اقتربت آنا مني، وربطت شيئًا حول عينيّ.
شريط حريري.
ملمسه غريب... يُزعجني.
أحسست بأنه يكتمني، لا يسترني.
تحسسته بأناملي، ثم سألتها:
"لماذا؟"
قالت وهي تفتح الباب:
"حتى لا تكوني ملفتة للنظر."
صمتت قليلًا، ثم سألت بصوت خافت، فيه شيء من الرجاء:
"وهل يرتديه الآخرون؟"
أجابت بهدوء:
"لا، لكن... بهذه الطريقة، قد تتجنبين المضايقات."
فهمت، لكنني لم أقبل.
سألتها ببطء، كما لو أنني أتحسس كلماتي كما أتحسس الجدران:
"ما علاقة هذا؟"
تنهّدت، ثم قالت:
"عيناكِ، إيلينا... قد تجلبان لكِ المتاعب. لذا أبقي الشريط عليهما."
تجمّدت لوهلة.
شيء ما انكمش داخلي، كأن قلبي تراجع خطوة إلى الخلف.
كنت أظن أنني مستعدة.
لكن في لحظة، بدا كل شيء هشًا.
كأن هذا الشريط ليس مجرد قطعة قماش، بل حاجز بيني وبين العالم... علامة تُميّزني، لا لأجل من أنا، بل لأجل ما بي.
رغبت في التراجع.
رغبت في أن أخلعه، وأصرخ، وأبقى في منزلي، بين الجدران التي حفظت أنفاسها.
لكن الحماسة في صدري لم تكن مجرّد وهم.
كانت طازجة. حيّة.
ربما أقوى من خوفي، ولو ليومٍ واحد فقط.
صعدت إلى السيارة.
جلست بصمت.
وحين تحرّكت، فتحتُ النافذة، ومددتُ وجهي نحو العالم الخارجي.
هواء المدينة صاخب، مليء بأحاديث المارة، وزمجرة السيارات، وروائح لا أعرفها...
لكنه حقيقي.
لم أره، لكنني شعرت به يتغلغل في رئتيّ، وفي جلدي، وفي جزءٍ منّي لم يكن مستيقظًا من قبل.
ابتسمت... لا لأني مطمئنة، بل لأني أخيرًا... حية.
وصلنا أخيرًا.
توقفت السيارة بارتجافة خفيفة، ثم فُتح الباب، وأمسكتني آنا من ذراعي.
لم أكن أحتاج مساعدتها، لكنني لم أرفض. كنت متوترة بما يكفي لأتعلق بأي يد.
قادَتني نحو رجلٍ صافحني بحرارة.
قال إنه أحد المعلمين.
كان صوته سميكًا بعض الشيء، ودافئًا بطريقة مزعجة... كأن دفأه اصطناعي.
أمسك يدي بثبات، وكنت أُطبِق بشدة على حزام حقيبتي كأنني أغرق وأتشبث بها لتنجيني.
قال لي إنه سيأخذني إلى "الصف".
كلمة بسيطة، لكنها حملت في داخلي جبالًا من المجهول.
مشينا بين ممرات تشبه الفراغ. لا صوت يُعرّفني بجدران المكان.
ثم... فتح الباب.
كان هناك ضجيج خافت، متداخل، كدويّ بعيد من فتيات وفتيان يتحادثون.
لكنه ما إن دخل، حتى خفتت الأصوات فجأة، كما يخفت الصدى عند آخر الجبل.
لم أكن أرى، لكنني شعرت بذلك التحول... كأن الهواء نفسه تغيّر كثافته.
توقفتُ لحظة، رغبةً في رسم المشهد في خيالي.
حاولت تخيّل الضوء.
ذاك الشيء الذي تكرّره الكتب السمعية دومًا: "انبثق الضوء"، "كان الضوء ساطعًا"، "نظروا نحو الضوء"...
لكني لم أعرف كيف يبدو.
كل ما أحسسته كان نبضًا غريبًا على جلدي، على وجهي، كأن الضوء شيء يمكن لمسه... لا رؤيته.
رحّبت بي المعلمة.
هززت رأسي نحو صوتها، كأنني أبادلها نظرة من خلف الشريط الحريري.
لا أعلم كم شخصًا كان ينظر إلي، لكنني شعرت بهم.
بنظراتهم.
بفضولهم.
بشيء ما ثقيل كان يسكن المكان.
ترددت.
ارتجفت قدميّ للحظة... وتمنيتُ أن أعود أدراجي.
لكن لا.
أنا هنا الآن. قطعتُ منتصف الطريق، ويجب أن أُكمل.
طلبت المعلمة من أحدهم أن يُرشدني إلى مقعدي.
ثم... جاءت أنامل ناعمة.
رفيعة. رقيقة.
فتاة، دون شك.
لم تتحدث، فقط أمسكت أطراف أصابعي، وقادتني بهدوء.
كنت أتحسس الطاولات بيدي الأخرى، أُحاول أن أدرس خريطة الصف بنبض الأصوات من حولي.
يبدو أنني في الصف الرابع.
توقفت، وجلست.
وجلست هي بجانبي.
أول صديقة... ربما.
كل شيء كان يسير على ما يرام.
صمتت المعلمة، وتسلل إلى أذنيّ ضجيج فتية خلفي.
ضحكات. همسات. أوراق تتحرك.
ثم، بصوت خافت، سألتها:
"ما اسمكِ؟"
مددت يدي على الطاولة أبحث عن يدها، أردت فقط أن ألمسها... أن أشير لها أنني أتحدث معها. لكنها سحبت يدها فجأة.
ثم قالت، بصوت جاف... جارح:
"لا تتحدثي إليّ، أيتها المعاقة. أنتِ تجلسين في مقعد حبيبي، وسيأتي ويُخرجك منه!"
كلماتها سقطت عليّ كحجرٍ لا يُصدر صوتًا، لكنه يرتطم في داخلي ويظل يهتز.
لم أغضب.
لم أعرف حتى كيف يكون الغضب... لكنني شعرت بحيرة ضخمة.
لماذا؟
ما الذي فعلته؟
وهل... حقًا لديهم "أحبة" في هذا العمر؟ أنا... لم أحظَ حتى بصديق.
حاولت أن أجد ردًا. لكن فجأة... دوّى صوتٌ صاخب، أفزعني.
كأنه جرس الباب... ولكن أعلى، وأقسى، وأقرب.
تجمّدت.
ثم سمعت ضحكتها تهمس بجانبي، ببرودٍ ساحق:
"هذا وقت الغداء. لن أشتري لكِ شيئًا من الكافتيريا."
كافتيريا.
كلمة أخرى من قاموسٍ لم يُترجم لي بعد.
لم أكن أعلم ما تعنيه.
ولا أعرف كيف يبدو شكلها، أو ضوضاؤها، أو رائحتها.
فتحت حقيبتي بصمت.
أخرجت صندوقًا صغيرًا وضعَت فيه العمة آنا بعض الفاكهة.
مددته نحوها. سألتها بهدوء:
"هل تريدين؟"
لم تُجب.
لكنني شعرت بها تنهض.
خطواتها الصغيرة ابتعدت عني، وتركت خلفها كرسيًا ساكنًا، وطاولة باردة...وشيئًا آخر.
شيئًا لا أعرف اسمه.
لا يشبه النور، ولا الهواء، ولا الوحدة المعتادة.
لكنني شعرت به يتمدد في صدري، كأنني أتنفسه.
كان يؤلمني.
ولأول مرة، لم أجد كلمة واحدة تصفه في كل الكتب السمعية التي سمعتها.
وللمرة العاشرة، دوّى ذلك الجرس في أذنيّ كضربة جافة على وترٍ مشدود.
همست الفتاة التي تجلس بجانبي - والتي لا زلت أجهل اسمها - بصوت خافت، أقرب لزفرة ارتياح:
"حان وقت الانصراف... أخيرًا."
كان أول يوم لي. وأنا... ضريرة.
ذلك لم يكن مجرد اختلاف في الإدراك، بل إنهاك نفسي وجسدي لا يُقارن. كل خطوة كانت استكشافًا مجهِدًا، كل صوتٍ يُربكني، كل وجه لا أراه يزيد من شعوري بالغربة.
قادتني تلك الفتاة إلى ما سمّته "الباحة"، وسرنا معًا. خطواتها كانت سريعة، لكنها لم تتركني. شيء فيها بدا منزعجًا، لكن ليس لدرجة أن تتجاهلني.
وفي منتصف الطريق، تجمّعت الكلمات عند طرف لساني، وتسلّل الفضول منّي بنبرة أقرب إلى رجاء الطفولة:
"هل... هل تكرهينني؟ وإن كنتِ كذلك، فلم ساعدتِني؟"
ردّت مباشرة، بنبرة خالية من التكلّف، حقيقية بشكل فجّ:
"أولًا... نعم، بطريقة ما. ثانيًا... وعدتني المعلمة بإضافة درجات في اختباراتي."
توقفت عند الكلمة، كأنها شيء غريب لم ألمسه من قبل.
"اختبار؟" كررتُها ببلاهة.
زفرت بضيق، وصرخت بجانبي فجأة، حتى شعرت بأذني تكاد تنفجر:
"يا إلهي! لماذا تكثرين من الأسئلة؟!"
رغم كل ذلك، أكملت الطريق معي.
وما إن وصلت إلى طرف الباحة، حتى التقطتني آنا، كمن يتلقط شيئًا ثمينًا كان على وشك السقوط.
تشابكت أصابعها بأصابعي، وعاد إليّ الإحساس الذي أفتقده دومًا: الأمان.
شعرت أن قلبي هدأ، كأنه أخيرًا وجد إيقاعه الصحيح.
ترددت... ثم فعلتها.
احتضنتها بخفة، بضعف، بكل الشوق الصغير المختبئ داخلي.
فربّتت على شعري بلطف، بلطفٍ كان يكفي لشفائي لو طال لحظة إضافية.
في الطريق إلى المنزل، تسللت نعاساتي إليّ.
رأسي يرتجف من التعب، وأذناي بالكاد تلتقطان ما حولي، لكن روائح الطريق كانت تعوّض عن ذلك. رائحة عجين دافئ. صدى خطواتٍ بعيد.
وكلما اقتربنا من باب البيت، كلما تسرّبت إلى أنفي رائحة غرفة المعيشة: مألوفة كشموع الفانيليا التي اعتدتها.
ارتميت على الأريكة دون تفكير، أمدّ يديّ لأتلمّس أطرافها.
"آنا..." تمتمت، وصوتي بالكاد يُسمع، "ما هو الاختبار؟"
أجابتني كمن يهمس لأجل قلب متعب:
"هو يا عزيزتي، عندما تتلقين الدروس، يُطرح عليكِ لاحقًا مجموعة من الأسئلة. كل إجابة صحيحة تمنحك درجة. بسيط... لكنه معقد أحيانًا."
همهمة صغيرة كانت آخر ما قلته. بعدها لم أعد أملك القوة لأفكر.
غفوت.
لكنها لم تكن أحلامًا، بل كوابيس.
كل شيء فيها كان مُضخّمًا... الصوت، الرائحة، الشعور بالعجز.
الفتاة تصرخ من جديد. الجرس يعود ويقرع رأسي بخشونة، كمطرقة على جمجمتي.
صرخت في حلمي ولم يسمعني أحد. حاولت أن أهرب، أن أركض، لكن الظلام كان أثقل منّي.
بدأتُ أحرّك يديّ بعشوائية، أبحث عن شيء أتمسك به...
أي شيء يدلّني أنني ما زلت هنا، في هذا العالم، في مكاني، لا هناك... في الكابوس.
وفجأة... لمست كفًا دافئة.
قبضت عليها بكل قوتي، وكأنني أتشبث بالحياة نفسها.
وصوت... جديد. رقيق. دافئ... غريب، ومع ذلك مألوف في أعماقي.
"إيلينا؟"
فتحت عينيّ، رغم أنني لا أرى... لكنني شعرت بأن الظلمة انقشعت.
ذاك هو والدي. لا شك.
كان الهواء ثقيلًا في الغرفة، ومع ذلك، حمل صوته شيئًا ناعمًا، غريبًا... بدا أرقّ من المعتاد، مشوبًا بنبرة لا أفهمها تمامًا، لكنها اخترقتني.
مددت يدي الأخرى إليه، أبحث عن وجهه كما أفعل حين أتأكد أنه حقيقي، وما إن لامسته حتى ضممته بشوقٍ عارم.
كنت مشتاقة... مشتاقة لحضنه، ولتلك الرائحة المختلطة بظلٍ من عطر أمي. أنفي يميّزها دائمًا، حتى لو اختبأت خلف ألف عطر.
لكن... أين أمي؟
ارتخت ذراعاي، وابتعدتُ قليلًا، أحرّك رأسي في الفراغ، أستنشق، أُنصت، أترقب... لا شيء.
مكانها فارغ. الشعور بها ناقص. كأنها سُحبت من الهواء.
مددت يدي وسحبت الشريط الحريري عن عينيّ، رغم علمي أنه لا يغيّر شيئًا.
لكنني أردت أن أُظهر له... شيئًا. ليفهم أنني أعرف، أنني أشعر، حتى إن لم أُبصر.
مقلتاي المتوترة راحت تتحرك بتلقائية، حركة بلا معنى، لكنها مرآتي.
مرت لحظات من الصمت المشحون، قبل أن يتكلم.
قال بصوتٍ هادئ، بصوتٍ فيه رجفة لم أعتدها منه أبدًا:
"والدتك بالمشفى... لا تقلقي، لا شيء خطير. ربما... تكون حاملًا."
حامل؟
ترددت الكلمة داخلي كلمسة رقيقة، مألوفة لكنها مبهمة.
هل هذا مرض؟ هل يؤلم؟
الأسئلة التصقت برأسي، ولم أجد من يصبر للإجابة.
"حامل؟" كررت الكلمة بصوت خافت، خائف، أقرب للهمس منه للتساؤل.
ضحك. ضحكة مرتجفة، قصيرة، ثم قبض على يدي بكلتا يديه وضغطها بحنان دافئ كأنما يعتذر.
"سيكون لديكِ أخ أو أخت."
صمتُّ.
لم أفهم ما أشعر به.
لكني مددت كفي الأخرى إلى وجنتيه... كانت مبللة.
يبكي؟ أبي؟ الرجل الذي لا يهتز؟
ومع ذلك... يضحك.
فجأة، تذكّرت مشهدًا من كتابٍ سمعيّ، عنوانه غابة من الضياء.
حين استقبلت الأم طفلها الأول بالدموع. لم تكن حزينة... بل ممتنة.
فهمت.
أبي سعيد. سعيدٌ جدًا... حتى البكاء.
ارتسمت على وجهي ابتسامة حقيقية... نابعة من مكان عميق لم ألمسه منذ زمن. ابتسامة لا تُرى، لكنها موجودة.
الآن، أستلقي على الأريكة ذاتها.
الغرفة هادئة، كأن شيئًا لا يتحرك فيها سواي.
وأبي يجلس على الكرسي المقابل، يظن أنني نائمة... لكنه لا يعرف أن نومي لا يأتي بسهولة.
أُنصت. لصوت ارتشافه القهوة، لصوت الفنجان حين يطرق قاع الصحن المزخرف.
من طريقته، من صمته، من ذلك النفس الطويل الذي يسحبه بين الحين والآخر، أعرف... إنه شارد.
غارق في شيء لا يخبرني به.
مرت دقائق، أو ربما ساعات. ثم... سُمعت خطوات على العتبة. عرفتها فورًا. خطوات أمي.
أنا لا أراها، لكنني أعرف وقعها حين تقترب... كأن الأرض تتعرف على خطواتها قبلي.
مرت أمامي بصمت. لم تقل شيئًا. لا حضن، لا لمسة، لا إشارة تدل أنها لاحظتني.
صعَدت. انتظرْت. خيط من الانتظار شدّني حتى الألم. رفعت رأسي نحو والدي، في حيرة. سمعت صوت المقعد وهو يُجرّ، ثم وقع أقدامه يتبعها.
الباب يُفتح... ثم يُغلق.
بقيا في الأعلى. وأنا في الأسفل. مر الوقت. لا أحد يعود. ثم، قررت. صعدت. تمنيت لو أنني لم أفعل.
درجٌ تلو الآخر، خطوات حذرة... وصلت. كُنت سأدخل غرفتي، لولا أنني سمعت... شيئًا. همسات. خافتة... لكنها واضحة.
"كما أخبرتك، سيكون من الأفضل وجود طفل سليم... يعوّضنا عن معاناتنا مع إيلينا."
كل شيء توقف داخلي.
الهواء. النبض. حتى السقف بدا كأنه ينسحب بعيدًا.
كلمة واحدة التصقت بصدري:
معاناة؟
أنا... معاناة؟
انسحبت بهدوء، وكأنني أتلاشى.
دخلت غرفتي. أغلقت الباب، كأن العالم كله خلفه.
جلست على السرير. بحثت عن الوسادة. أصابعي كانت ترتجف، تبحث عن شيء يخبئ هذا الألم.
لم أعلم أنني عبء.
أفكر الآن... هل لأنني لا أرى؟
لكن... من كان يعتني بي؟
كاثرين؟ آنا؟ لكن... لم يكن أي من والديّ.
أنا فقط ابنة بيولوجية لهما... مجرد وجود.
سيمر الوقت، وسيولد ذلك الطفل.
ربما سيكون سليمًا... بعينين تبصران، بقدمين تعدوان في الحديقة دون تعثر.
تذكرت جملة قالتها كاثرين ذات مرة:
"رأس الرضيع بحجم برتقالة."
ما زلت أشكّ بذلك.
مرت خمسة أشهر.
صرت أذهب إلى المدرسة وأعود. بدأت أعتاد الأمر... جزئيًا.
غرفتي المفضلة هي غرفة النشاط. هناك أتعلم دون إزعاج، دون نظرات غريبة أو همسات مزعجة.
صرت أقرأ بيدي، وأحب ذلك... القراءة اللمسية تُشعرني أنني أفهم العالم بشكل أعمق، كأن الحروف تربّت على أناملي لتخبرني أسرارها بهدوء.
لا أذهب للصف كثيرًا. وهو أمر أفضل.
الناس هناك مزعجون... فضوليون حد الوقاحة.
ألم يسبق لهم رؤية ضرير؟
أمي الآن في المشفى.
قالوا إن موعد ولادتها قريب.
أنا... لا أعلم كيف أستقبل هذا الطفل.
قالت آنا إنني سأعتني بوالدتي قليلًا... فوالدي سيغادر قريبًا، ربما لأشهر.
لا أخفيكم... أنا سعيدة.
أمي ستبقى.
ولأول مرة... سيكون هناك من يبقى.
كان اليوم ثقيلًا، ملبدًا بصمتٍ غريب، كأن البيت كله يحبس أنفاسه.
جلست على حافة سريري، أتحسس بطرف قدميّ الأرض الباردة.
أفكر...
كيف يبدو وجه أخي؟
هل يشبهني؟ هل سيشعر بي؟
رنّ جرس الباب.
انتفضتُ.
صوتٌ مألوف لوهلة، لكنه بدا هذه المرة مختلفًا، يحمل في نبرته شيئًا جديدًا، شيئًا يشبه التغيير.
خطوتُ بتردد نحو الباب الداخلي... توقّفت عند العتبة.
ربما هو والدي.
قال إنه سيذهب لرؤية أمي... وإنها أنجبت فتى.
فتى؟
أفكاري تراكضت داخلي، لم أستطع إيقافها.
هل سيحبّني؟ هل سيتجاهلني كما يفعل الآخرون؟
هل سأصبح مجرد عائقٍ جديدٍ في حياته الصغيرة؟
قطع سيل الأسئلة صوتٌ أربكني... مألوف رغم غرابته، فيه اضطراب لم أفهمه.
"ماذا هناك؟" سألتُ بخفوتٍ فيه نبرة فزعٍ خجول.
أجاب والدي بنبرة متماسكة لكنها مثقلة بشيء خفيّ:
"لقد أتى نيكولاس، إيلينا."
نيكولاس؟
هل هذا هو اسمه؟
هل أطلق على الطفل اسمه الآن؟
شعرت بخطوتي تتراجع داخلي كلما اقترب صوت أقدامهم مني بثقة.
ترددتُ... حتى سمعت أمي تقول، بصوتٍ ناعم متعب لكنه مشرق:
"أتريدين حمله، إيلينا؟"
كأن صوتها يدفعني للأمام، بلطفٍ يشبه دفءَ الصباح بعد ليلة برد.
هززتُ رأسي بالإيجاب، لكن والدي قال شيئًا جعلني أستشيط داخليًا:
"لا... ليس الآن."
لماذا؟
لماذا يمنعني؟
هل لأنه يراني عاجزة؟
هل يظن أنني سأسقطه؟
أنني لا أصلح؟
صوتي خرج أهدأ مما شعرت به داخليًا، لكنه مشبع بما يكفي من الانكسار المغلّف بالإصرار:
"ليس لأنني ضريرة، تصوغ عجزًا من خيالك... أنا أستطيع، فقط ثق بي."
أيدتني أمي مباشرة، بصوتٍ يشبه دفعة من الطمأنينة:
"أجل، إن إيلينا محقة."
ثم...
كان بين يديّ.
كأن الزمن توقّف، وتحوّل كله إلى وزن هذا الطفل الصغير المستلقي على ساعديّ.
صغير... صغير جدًا، كأن العالم تقلّص فجأة ليصير كائنًا بين ذراعي.
كنت خائفة أن أفلت منه دون قصد، فجلست على الأرض، بهدوء يشبه الركوع لصلاة لا تُقال فيها الكلمات.
اقتربتُ منه، أقرب ما أكون إلى قلبه النائم.
مددتُ أصابعي... لمستُ يديه.
يا إلهي... كم هي ناعمة.
شعورٌ دافئ، عذب، يشبه أول نسمة تهبّ بعد قيظٍ طويل.
شعور لا أعرف اسمه، لكنني سأسميه "شعور المولود".
أردت أن أقبّله، فقط لأن قلبي قال لي: افعلي.
ففعلت.
قبّلته.
وددتُ لو أحتضنه إلى الأبد... هو لطيف، جدًا.
صوته في أنفاسي... أنفاسه تملأ صدري بشيء لم أعرفه من قبل.
سمعت صوت أمي تهمس بفرح:
"أنظري، إيلينا... لقد ابتسم! يبدو أنه أحبك، أيتها الأخت الكبرى."
يتبع...
salcafeine