نیا دور۔

نیا دور۔

20 0

ْ

لمّا انقضى مجلس الحديقة، وأطبقت عليّ سماء الصّمت بما جرى فيه من حوارٍ مضطرب بيني وبين شير، لم أعد أجد نفسي قادرةً على التنفّس.

كان في قوله حدّة، وفي نبرته وخز، كأنّه أراد أن يطوّعني بالهيبة قبل الكلمة.

غير أنّي، على شدّة ضيقي، شعرتُ بذراتٍ خفيّة من إعجابٍ مرّ...مرّ السُمّ على القلب؛ كيف يجتمع في رجلٍ واحد كلُّ هذا الثقل من الوقار، وهذه الجرأة على مخاطبة الناس، حتى أمّه نفسها لا تسلم من مداخلاَته الصَّارمة؟!

تفرّقت بي الخواطر كما تتفرّق الريح في البراري، وما وجدتُ ملاذًا أهدأ من المطبخ.

هنالك، حيث تعجن الأيادي خبزها، وتُعدّ الأواني ما يحتاجه العشاء، سكنتُ إلى زاوية أرقب كلَّ حركة كأنّني طفلةٌ تكتشف عالماً لم تره من قبل.

لم أُخفِ دهشتي، فكلّ ما يدار هنا بدا لي صورةً أخرى من حَياة القصُور التي لم أعهدها، إذ كنتُ أنظر إلى الرُّعاة وأبناء القَرية لا إلى مواقد الأعيان وَحشمهـم المتدفّق.

وبينما أنا كذلك، أرهَف السّمع لما يدور حولي من أحادِيث، بعضها عن سيّد القصر وشدّته، وبعضها عن الغَد ومشاغله، سرى في نفسي شعورٌ آخر: أنّي وإن كنتُ غريبة عن هذا المكَان، فقد صرت جزءًا من حكايةٍ تُنسَج خيوطها أمام عينيّ، شاء قلبي أم أبى.

وانسلخ النهار شيئًا فشيئًا، وبدأت الشمس تُذيب ألوانها في الأفق، حتى جاء موعد العشاء، حينها جلستُ إلى جانب الأم، محاوِلةً أن أبدو هادئةً وإن كان في داخلي صخبٌ يجلجل.

كانت أفكَاري تتناثر حولَ المائدة، تناظرـ أطرافهَا فإذ بهَا شاغرَة لا أحدَ جالسٌ عليها، سوى السّيدة الأمّ أمّا الجدّة فقَد تعَبت واعتذرَت على عدم قدرتها على مشاركَتنا العشاء، إضافة لشابٍ لم يظهر منه سوَى كَفّ لوحت لنا واختفَى، ماهذه العائلة الغريبَة!

وفيما نحن جلوس، وقع في الخارج ضجيجٌ مفاجئ، كأنّ بابًا انفتح بعنفٍ أو أن خطواتٍ هرعت على أديم الفناء، وإذا بصوتٍ طفوليٍّ يعلو، صافياً كجرسٍ يدوّي في أعماقي.

« أبِـي.. أين أبي، أنا عدتُ! »

ارتجفَ كياني لرؤيةِ صغيرَة بتلك اللَّطافة تسيرُ ككومةِ ظرافَة حيّة، كدتُ أتّجه لها فمحبّتي للأطفَال كبيرَة، لكِن ثبّتُ جسَدي مكَانه متذكّرة أنّني لستُ في بيتي.

حينها رَفعتُ بصري إلى الأم، فإذا بها تحاوِل أن تلملمَ دهشَة الجمع بابتسامةٍ متكلَّفة، غير أنّ صدمتها لم تخفَ عليّ.

أمّا أنا، فقد جمدتُ في مكاني، يراودني سؤالٌ عنيف: أبٌ؟! من هو الوَالد الذي تُنادِيه هذه الصّغيرة؟ أهناكَ رجلٌ آخر في هذا القَصر؟

لقد انهالت عليّ التساؤلات كما ينهال المطَر على أرضٍ عطشى، فلم أجد لذهولي جوابًا ولا لنفسي قرارًا، وإذ أُعيد الكلمة في ذهني ــ "أبي" ــ أحسست أنّها زلزلت ما بقي لي من يقِين، فبدا شير أمامي في صورةٍ أخرى، صورةٍ لم أتهيّأ لرؤيتها قط.

وماهي إلاّ ثوانٍ معدُودَة حَتى طلّ علينا شِير، شخص لم أعهده من قبل، هُو ذَاته الذي واجهته في الحديقة، مهابته هي عينُها، لكن على صفحة وجهه ظلّ دهشةٍ ووميض حنانٍ كاد يبدّد صرامته.

لم يكد يراها حتى اندفعت إليه كغصن يحنّ إلى نخيله؛ فرَاح يطَوّقها بين ذراعيه تلقائيًّا، فالتقمهَا صدرُه، وانسكبت عليه ضحكتُها كالماء البارد على فؤادٍ محترق.

لم أتخيّل أنّي سأشهدُ على لحظَة دافئة كهذهِ في حيَاتي، إلاّ خلف الشّاشات، لكِنها تحدُث أمامِي والآن.

رفعت الصغيرةُ وجهَها إليه، تشحده النّظر، فربّت على شعرها وأمال رأسه قليلًا معربًا بنبرٍ مغدَق بالرِّفق.

«كانت رحلتُكِ عقبَ يومين… فكيفَ أتيتِ الليلة؟ »

ردّت ببراءةٍ وهي تدفنُ رأسها بين تجاويف عنقهِ، كما لو أنّها تبحثُ عن مخدرٍ يجعلها تغفو لترتاحَ من رحلتها تلك.

« الطبيبة أكّدت أنّني بِخير، لا حُمّى ولا وجع..

من ثمَّ كيفَ لكَ أن تسألني هذا السّؤال، ألم يسرّك مجيئي؟ خلتُك ستكُون أسعدَ شخصٍ هنَا..لقد ألححتُ على عمّي كي يسَرّع عملية العودة. »

في آخر كلامها قلبت سفلتَيها بعبُوس جعلَ الآخر يلاعبُ وجنتيها بدِفء، فبقيتُ أتابعُ ملامح شير كما يُحدّق من وجدَ في الصّخر نبعًا؛ رأيتُ شدقَيه يرِقّان، وعينيه تخبّئان بريقًا أليفًا.

حينها تراجعَ نصفَ خطوةٍ ليفسِح للهواء طريقًا، ثمّ انحنى على ناصيتهَا ولثمه لثمَة سريعة، كأنّه يخشى أن يشيَ النّدى بضعفه.

«يا مشاكسةُ… كيفَ لا أسرّ لقدُومك، كيف لا أفعل وَأنا كُنت في خضمِ التّجهيزِ لكُم، لقد أخذتِ من عمّكِ زيدٍ طيشَه كلَّه،

ولكن—الحمد لله على السّلامة.»

وما كاد يتمّ كلمته حتّى دخل رجُلٌ  بشوشَ الهيئةِ، عريضُ الصدر، منبسطُ الوجه، مهيأٌ كأنّ الفرح لباسُه.

لوح بيدهِ وهو يلقي السَّلام بصوتٍ جهورِي كمَا لو أنّه مبتلعٌ لكمّية ميسورَة مِن منشطٍ ما.

« السَّلام على البيتِ وأهله..

لقَد وجدنا مقعدًا شاغرًا، فأنقذنَاهُ من وحدة اللَّيل! ومن قال إن الغد أوثق من اللَّيلة؟ »

فورَ أن أكمَل الافتِتاحية تلك، انحنى للأمّ فضمّها إلى صدره وقبّل رأسَها، نابسًا بمرحٍ يطرِّي الحجر.

« يا أقحوانَة هذا القصرِ، كيفَ لا يظهرُ الشّيبُ عليك؟ أتدرِين أنّني شبتُ قبلكِ وأنت لا تزالين في ريعان شبابك! »

صفعت الأمّ كتفهُ بتؤدَة وهي تحَاول ابتلاعَ ابتسامتهَا من مدحهِ لها.

« يَا زيد، ما زلتَ أنتَ ذاتك، تأتي بالفرحِ على حين غرّة، آنستَ الدّار بُنيّ. »

كنتُ أقفُ كالغريبَة ولا أدرِي ما محلّي من كُل هذَا، ليسَ لي شأنٌ بتفاصِيلهم أبدًا ولا يحقُّ لي أن أتابعَ هذا المَشهد، غلبتني نفسِي الأمّارة بأن أستأذنَ وأغادِر هذا المجلِس، وما زَادَني توترًا هو تلاقِي مقلتيّ بعيني شير لحظةً خاطفة، فصرَف بصره عنّي كأنّما يذكّرني بحدودٍ رسمها وأنّ عليّ أن أراعي حرمها.

ثمّ عاد إلى الصغيرة، فأرخَى جسَده على طَرف الكرسي، وأجلسها على فخذه كي يجدَ راحتهُ في تَحسّس أساورها الخشبيّة، كأنّه يتثبّت أنّها ذاتُها.

« وأين دميتكِ التي لا تسَافرين دونها؟ أتراها بقيت تؤجِّل السَّفر إلى بعد غد؟ »

هَل هذا شِير محمّد خَان؟ أيمازحُ طفلة الآن؟ لو أنّي أخشَى أن أُعدم الآن لصوّرتُ له فيديُو ونشرتهُ في كلّ مواقع التّواصل، حتمًا سيحظَى بملايين الاعجَاباتِ والمشَاركَات..

حَصري - شَاهد آغا يمَازح فتاة في الخامسَة من عمرها ويلاعبُها بكلّ لطافةٍ وَظرافة -

« تِلك..لم تود مغادرَة لندن، أخبَرتني أنّها جسُورة، لكنّني أشجعُ، فألحّت عليّ القدُوم لوحدِي إلى أبي! »

أومأ المدعُو زيد على كلّ كلمةٍ تغادرُ ثغرها، كَما لو أنّه يوثقُ الأمرَ بكلّ مصدَاقية،  ثمّ همّ يلقي عذرهُ الذي التقط من الهواء خيطَ الطرافة فنسجَه علينا.

« وأنَا لم أُخالِفَ وصيّتَك، بل استعملتُ فقهَ الرُّخَص، الطبيبةُ أبَاحت لنَا والبنت اشتاقت، وأنا… لم أطق أن أرى عبرَاتها، فَرأيتُ أن نعود الليلة، أفي شيءٍ من هذَا جناح؟ »

لمحْتُ في طرفِ فم شير طيفُ ابتسَامة، نبتتْ وماتتْ في اللَّحظة نفسها، ثم أعربَ مُلاطفًا، على غير عادته.

« جناحكَ أنّك تُفسد على الغد بهجةَ وعدِه، لكن مرحبًا بكما، لقَد افتقدنَا وجودَكما.»

اشتقتَ؟! أتُراكَ أنتَ هو أنتَ الذي لا يلين حرفُه ولا يُخطئ سهمُه؟ كيف أكون أنا وحدي موضعَ قسوته، وهذِه الصغيرةُ تُذيب صلادته بضَحكة؟ فارتفع في رأسي سؤالٌ أثقلَ من جبل، أهي ابنته؟ أين أمُّها إذن؟ أهو متزوّجٌ خفيةً؟ أم هو أرملٌ كاتمٌ لحزنهِ حتى لم يَبْقَ من الحزن سوى ظلّه؟

قطع عليّ شرودي صوتُ زيدٍ وهو يلتفت نحوي، وقد لمحني أخيرًا.

« وَهذه… ضيفةُ الدار؟ أهلاً بكِ في قصرِنا المتواضِع، أرجُو أنّك مسرُورَة هنا، لا تعبئي بوَجه أخي، فهو إذا ابتسم خافَ قلبه أن يعتاد البِشر، وإذا عبسَ خاف لسانُه أن يبوح بما في القَلب، وأنا بحمد الله لسانُ قلوبهم إذا بخلوا.»

أحسستُ بأنّ الدم صعد إلى وجنتيَّ، فأجبتُه بتحيةٍ مقتضبة، وابتسامةٍ يغمرها الحَياء، ما إن رَفعتُ بصرِي الذي أخفضته حَتى رمقني شيرٌ بطرفٍ حادٍّ ثمّ أغضى، كأنّه يلمّ شتاتَ سطوته، فراحت الأمُّ تفصل الحدِيث، كي تبني جسرًا بين الجدِّ والمرح.

«ستبقى ضيفتنا حتى العشَاء؛ أعددنا للّيلة طعامًا يسرُّ الآنسَة، فالبيت بيتها، والدّار دارها.»

التفتت الصَّغيرةُ تلك إلى شير عقبَ أن كَانت تتابعُ حركَات عمّها، ثمّ قلّبت كفّه بينَ كفّيها.

«أتبقى معي اللَّيلة، أم تذهَب بحجّة العَمل؟»

سحَبها أكثَر إلى ترائبهِ في حِين أنّ شفتيه حطّت على خصلاتها المتمَوجَة، متلجلجًا صوتُه رهافةً.

« وأنّى لي أن أذهَب؟! جَاءت وتينُ فؤادِي، كَيف لا أبقى؟ »

اقتربَ زيد من أخيه، يربّت على كتفه في حِين انحنَى غايَة مسَامعه، ملقيّا ألفاظهُ في مزاحٍ أخفّى وراءه حكمة.

«أمّا وقد جمع الله الشّتيتين، فلا تُطل الوقوف على بابِ الهمّ..

تَبسّمْ، فإنّ هذه الصغيرة تُحسنُ عدّ أسنانك إذا بدت!»

هنَا اختفت تِلك البسمَة التي خلتها مستعصيَة الظّهور، وراحَ يُدير الصّغيرة من ركبته إلى المقعد.

«هي وحدَها من يُفلتُ من حسابي الدقيق، أمّا أنتَ فاحذَر فإنْ تعجّلتَ مرةً أخرى، جعلتُ الغدَ يأخذ بثأره منك.»

«الغدُ لا يأخذُ بثأره ممّن يُحسنُ اغتنامَه.»

صدَت قهقهات زيدٍ وهو يلاسنُ الجالسَ دُون حراك، وماهي إلاّ ثوانٍ حَتى انتصَب شير متقدّما بخطُوات حثيثة ناح أخيه، خشيتُ أن يفتعلَ شيئا ويعكّر صفُو الجوّ، فإذ به يجتذبُ جرم أخيه إلى صدره في عناقٍ، وكأنّه يتلذذ بذلك، في حِين كانت الأمّ تتلذّذ بهذا الحوار، تُشيح إليّ بنظرٍ لطيفٍ كأنّها تُخبرني بأن أمعنَ النَّظر فليس كلُّ حدّةٍ قسوةً، ولا كلُّ صمتٍ جبنًا.

أومأتْ الأخيرَة إلى الخدم، فحمَلوا حقائب الصّغيرة، وأخذت إحدى الجواري تُصلح ضفيرتها وتُحسّن شريطها، فَتسلّل إليّ خاطرٌ غريب، لِمَ أشعر أنّ هذه الطفلةَ تمشي في الدار كما تمشي الذّكرى في القلب مألوفةٌ لا تُعرَّف، محبوبةٌ لا تُسأل لِمَ تُحَبّ؟

اقتربتُ خطوةً عقبَ أن تشجّعتُ وعقدتُ العزمَ على محادَثتها،كأنّ الفضول يشدّني بحبلٍ من حَرير، وخاطَبتُ للصغيرة تلطّفًا.

«وما اسمُكِ يا ملاكَ الضحكة؟»

راحَت تنقر كَفّها بكَفّي وكأنّها تحاولُ الاحسَاسَ بي، أهذا ما يُسمى بالتّعارف الرُّوحي؟

«اسمِي..اسألِي أبي! هو يسمّيني أسماءً كثيرة، مرّاتٍ ينادِيني قمري، ومرّاتٍ وتِيني، وإذا غضَب يا مشاكِسة!»

لم أتوَقّع إجابة كهذهِ منها، خلتها ستُخبرني بكلّ سهولةٍ عن اسمها لكِن يبدُو أنّها متحفظَة وذكيّة رغم صغرِ سنّها، لم ترفض محادَثتي لكِن رفضتني بطرِيقة ظريفَة، عدتُ بطرفِ المقلِ إلى المنتصِب بكلّ فخرٍ على جانبِها، وفي مقلتيه بريقُ السّرورِ وكأنّه ممتنٌ أن ثمرته نضجت.

ألوَت الصّغيرةُ عنقها نحوي، حتى بلغني صوتها في لجاجةٍ حلوة.

«وما اسمُكِ أنتِ؟»

« أنا أدعَى ميراب.»

عادت تردّد اسمي كأنّها تذوق لفظه، مي-راب… مي-راب، ثمّ صفّقتْ وكأنّها ظفرَت بشيء ثمين.

«اسمُكَ مثل المَطر، هكذا قالت لي عمّتي عن كلمةٍ في لغتنا،

آب..هو المَاء ومِير سَيّد، أيعقَل أنّك سيّدة المطرِ التي في الحكَايا؟؟.»

كيفَ لها معرفةُ كلّ هذا..هذه الفتاة داهية حتمًا، جعلتني فاغرة الثّغر وأنا أتدبر ملامحها البريئة، حينها أومأت لها كي لا أفسد تصوّرها الطّفولي، وحين استوعبتُ أنّنا محلُ مشاهدَة نفضتُ عن فستاني غبار الفضولِ ورحتُ أقفُ مبتعدَة عن الفتاة.

«لا تطيلُوا الوقوف عند أبوابِ الأسئلة؛ في هذه الدار كثيرٌ من الأبواب، وبعضها لا يُفتح إلا حين يشاء الله، نحنُ بحاجة للعشَاء الآن، وستجدُون أنّ الطعام يُجيب عن أسئلةٍ لا تُحسن الكلمات جوابَها.»

كانت هذه كلمَات المرحِ المدعو زيد، كيفَ له أن يكُون ابن هذه العائلةِ، هو لا يشبههُم في أي شيء.. لاسيمَا شير محمّد خان ذاك.

أعربت السّيدة الأم وهي تشير إلى الخادمَات بإعداد السّفرة الخفيفة للآتين.

«العشاء بَعد قليل.. زيد، خذها إلى السّاحة لتلهو قليلًا، وليسترِح قلبها من وعثاءِ السفر.»

هنَا ناول شير الصغيرةَ يدَه، فقبضت عليها بأصابعَ صغيرةٍ واثقةٍ، وفي عينيها ذلك اللّمع الذي لا يُشترى، وما كاد يجرّها معه حَتى عاد بنظره إليَّ على عجلٍ، خطفَة قصيرةً لا تُقرأ بيسرٍ، فيها شيءٌ من التحفّظ، وشيءٌ من شكرٍ صامتٍ لأنّي لم أقتحم المشهد بفضولٍ فجّ، ثمّ انثنى معهمَا إلى السّاحة، يتقدّمهما زيدٌ بنكتته، وتتبعهما ضحكةُ الطّفلة كأنّها جرسٌ يعلن عن عيدِ مساءٍ جديد.

أمّا أنا فبقيتُ منتصبَة الوقفةِ أين عادَت بي مخيلتي لطفُولتي التي أفتقدُها، كُنت الأميرَة المُدللة لوالدِي ولا أزال، لكِن الزّمنُ يُغيّر الكَثير ويطوِي تحتهُ ذكرَيات لا يمكنُ أن تعُود مع الكبر، مال كفّي إلى موضع قلبي متحسّسا، ما الذي تغيّر؟ لمَ حضُوره مع تلكَ الصّغيرة أذاب شيئًا من قسوته التي وخزتني قبل سَاعات؟

يا لهذه الدار! بابٌ يفتح على مهابة، وبابٌ يفتح على حَنان،

وأمّا أنا فلاَ أدري أيَّ البابين يُفضي إلى حكايةٍ لي.

رحتُ أتبعهم بطَرف بصرِي حتى ابتلعَتهم حديقةُ القصر، ثمّ جلستُ على أوّل كرسيٍّ وجدته، أستجمِع أنفاسي، وأرتّب في رأسِي ما تناثر من أسئلةٍ لا جواب لها، إلاّ أن يُسعفني القادمُ بما لا يسعِفه الماضي.

--

منذ أن أقلعَت الطّائرة من لندن وأنَا أراقب وجهَ ميرنا، تلكَ الصّغيرة التي تتقلب مشاعرهَا كما يتقلب ضَوء الصُّبح على الماء؛ لحظَة تبتسم ولحظة تكاد تبكي.

كنتُ أرى في عينيها شوقًا أعجز عن وَصفه، شوقًا لا يسندُه صَبر ولا يطيقه انتظار، ولستُ أنكر أنّ قلبي خفّ كثيرًا حين أخبرتني الطّبيبة أنّها بخير، فلا حُمّى ولا علّة، فأمسكتُ بخيط الذّريعة وعدتُ بها مسرعًا.

لكن الحقّ أنّ العودَة لم تكن لأجلهَا وحدها؛ بل لأمرٍ أثقل وأكبر، أمرٍ له علاقة بعرقِ العشيرة ونخاعهَا، أمرٍ لا يحتمل التّأجيل.

وحين وطئتُ أرضَ باكستان، شعرتُ كأنّ رئةً أخرى انفتحَت في صدري؛ هواءٌ غير هواء الغربة، وحجارةٌ تعرفني وإن لم أنطقَ باسمها. لكنّ دهشتي الكبرَى كانت في القَصر نفسه، فتاة غرِيبة تجلس بيننا كأنّها منّا، لم أرها من قَبل، ولم أُكلّف نفسي بسُؤالها والتَّعرف عليها، فلاَ حقّ لي في ذلِك، غير أنّي التقطتُ ما لم أُرِد أن ألتقطه، نظراتٌ خفيّة بين شيرٍ وتلكَ الغريبة.

أنا أعرف أخي جيّدًا؛ لا يلين لامرَأة ولا يطيلُ النّظر في وجهٍ النّسوة، لكن الأمرُ هذه المرّة كَان يتجِه لسبيلٍ آخر، رأيتُ في عينيه شيئًا آخر..ومعَ ذلكَ لم أعلّق، لأنّي أعلم أن أقلّ كلمة تُؤججُ فيه بركانًا.

وما إن خرجنَا إلى الحدِيقة حتّى راحت ميرنَا تلهو في الأرجَاء، يبدُو أنّها مفتقدَة للمكَان، جاعلةً من الابتسامَة تزور أشداقَ والدها، مرّ وقتٌ يسيرٌ مذ آخر مرّة لمحتُ فيها طيفَ ابتسامتهِ، تلكَ البسمَة الصّادقةُ التي تفصحُ عن المشاعر فقط.

« شِـير..»

تنحنحتُ قليلاً محاولاً بذلك جذبَ انتباههِ لكن هيهات، فهو الآن يتابعُ تفاصيل ميرنَا بكلِّ تركيزٍ منه، لا يليقُ أن أفسدَ جوّه لكِن لاَ مفرّ من ذلكَ، لا سعادَة تامّة لنا ونحن آل خـان.

« قَد تظنّ أنّني عدتُ لأجلِ ميرنَا وذلكَ صحيح، لكِن هذا نصفُ الحقيقَة، فالحقيقَة الشّاملة أثقلُ نوعًا ما، صحيحٌ أنّ الطّبيبَة أبدَت رضاها عن النّتائج الأخيرَة لميرنا، لكِن هناك ماهو أثقلُ من تقارير الأطبَاء..»

خلتُ أنّني أستطيع هزّ ثباتهِ عقب هذا الحدِيث الجدّي ولو بقليل، وجعله يركزُ معي لكن أبدًا..لم يحصل، بل اكتَفى بالايماء دُون خطف نظرةٍ عنّي حتّى، كلّ ما فيه منصاعٌ لطولٍ لا يتجاوزُ نصف مترٍ، وكأنّه يخشَى أن يصيبُها شيء وهي تحتَ كنفهِ أمام عينيه.

« جِئتك بأمرٍ جَلل...لا تفكّر بالاعراضِ عنهُ، أدري أنّك ستتحجج وَتنفي حضُورك قبل أن تبلغك الدّعوة. »

وأخيرًا قَد استلمتُ بعضًا من تركيزه وهاهو يلفّ محيّاه إليّ، أينَ أعربَ بنبرٍ يشابهُ سكُون العشِيّة هذه.

« لا شأنَ لي بتجمّعاتهِم، لقَد ضَاق صدري بمجَامعهم وماعدتُ أطيق لغوهم، حضُوري لن يزيدَ ولن ينقص لاسيمَا إن حضَر عزيز خَان وابنه المتعجرِف. »

« تخدع نَفسك إن ظَننت هذَا، حضُوركَ نصفُ المجلِس وغيابكَ نصفُ الهزيمَة، غدًا سينعقدُ الاجتمَاع وسيحضر العشائرُ برمّتهم، ودون حضُورك سيتكاثَف اللّغو أكثَر، أينَ ابنُ فلانٍ؟ أين العمُود الثّاني الذي يسندُ البُنيان؟ غيابكَ أخي هدمٌ لما بناه الأجدَاد، وحضُورك ولو ملجَم الثّغر يبقَى هيبة. »

لمحتُ الشّرار يتطايرُ من مقلتيهِ، وعقبَ ظنّي أنّي اخترتُ ألفاظي بعناية لتحفيزِه استوعبتُ أني قلبتُ جمرهُ تقليبًا وهو يتمتمُ كأنه يعتصرُ شجبه فيسكبهُ في قدحِ مسامعي.

« هيبَة؟ أيرِيدُون هيبتِي ليقيمُون عليها ولائمهم؟ إن حضرتُ أضرمتُ النّار في وجُوههم وإن غبت سارعُوا الاغتياب وقالوا جبنٌ وضعفٌ، أيّ شيء أفعله؟ أتطلبُ منّي أن أضعَ عنقي

بينهُم بينما هو يترَبصُون! »

أنا متفهمٌ كليّا لموقفهِ فهوُ يتحمّل مالم يختره يومًا، لم يكُن شخصًا مهووسًا بالحُكم ولا التّحكم بغيره، كانَ مشغولاً بسيرورَة دراستهِ قبل سنينٍ حتّى أنّه كان المجدَ لعائلة خان عند حيازتهِ شهادَة الدّكتورَة في مجَال الأمن السّيبراني، ثمّ تفرّغ لميرنَا وتربيتهَا دُون أن يتركها لمرَبية تهتمُ لأمرهَا، فقد آثار حياته لهذا فقط..

لم يكُن شخصًا مستعدًا لهكذا أمُور لكِن القدَر جعله يتجرّع من علقمِ السّلطَة فاختلّ توازن حياتهِ كليّا، لم يكمل مسيرتهُ في مجالهِ حتّى أن رعايتهُ بميرنا خفّت نوعًا ما وتضاءلت، كلّ هذا يزيدُ من الضّغط عليه أكثر، لذلك أحاولُ أن لا أزيدَ الطّين بلّة.

« لستُ أطلبُ منك أن تضَع عنقك، بل أن تضَع اسمك، النّاس يا شير لا يرونَ التّفاصيل التي تراهَا، يرونَ فقَط هذَا، هل حضَرت أم غبت؟ إن غبتَ، فتَحت الباب لكل طَامع، وأعطيتهم ذريعَة ليقولوا أنّ العمود انكسَر وإن حضَرت، ولو بصمتٍ، فالحجر يبقى في مَكانه، والِجدار يظل قائمًا. »

لم يردني شيء منهُ سوى السّكوت وذلك لأنّه عادَ ببصرهِ إلى ميرنا، حيثُ كانت تعبثُ في الأرجَاء تلهو وتقفزُ هنا وهنَاك، كانت تصفقُ للنّسيم العَليلِ كأنّه صديقهَا الوحيد، وماهي إلاّ ثوانٍ حتّى بلغنِي زفيره المتهدّج.

« إذًا سأذهَب لكِن لتعلم زيد، لن ألبسَ عباءة السّلم والصّبر هذه المرّة، لأن والله لبلغ السّيل الزُّبى من كثرَة التّغاضي الذي أتّبع نهجه، كلّه لأجلِ الهدُوء وعدم ثوران العشائر، لكِن هذه المرّة حِلمي لن ينقذَهم..حتمًا. »

ارتفعَ جانبُ ثغرِي بطيفِ ابتسامَة وأنا أتدَبرُ أمارات محيّاه، وفي قلبي خليطٌ من الخوفِ والاعتزاز، هذَا هو شِير كما عهدتهُ،

عَنيدٌ، ماضٍ، لا يعرف الُمساومة إلّا على دمه، أدركتُ في تلك اللحظة أنّ اللّيلة ستكُون بدايةً لأيامٍ لا تشبِه ما مضى، وأنّ المجلس المرتقب لن يكونَ اجتماعًا عابرًا، بل امتحانًا تُختبر فيه الأعمدَة، أيّها يثبت، وأيّها يتداعى.

« وَهذا ما يخشَاه القومُ منك، وما يدفعُهم ألف مرّة إلى حِساب حضوركَ قبلَ أن ينطقوا كلمةً واحدة. »

طبطبتُ على كتفهِ مذكرًا إيّاه أنّه ليسَ وحيدًا في هذه الغوغَاء، إنّما أتفقِي آثارهُ دومًا وأطهّر ما قد يدَنس سبيله، أخوه الذي يذللُ له التواءَ المسالك، وإن كَان لهُ مكيدَة محفوفَة بالحقدِ والضّغينة فأنا لها بالمرصَاد، لطَالما كُنت شقّه الأيسَر ولن يغيّر هذا لا سُلطَة ولا هوس، كُنّا ولازلنا آل خـان.

مرّت تقريبًا نصف سَاعةٍ وهاهي الخادمَة تأتي كي تنبّهنا أنّ وقتَ العشَاء قَد حَان، وما إن خطَونا إلى داخلِ القصر حتى بقيت على ملامحي آثارُ الصّرامة التي ارتسمَت في مجلسي مع شير، حيثُ كان وجهي مكفهرًّا، وصوتي ما زال يحمِل بقايا الحدّة التي اقتَضتها المناقشة، حتى ليخيَّل للناظر أنّني لن أسمحَ لابتسامة أن تشقّ شفتيّ.

غير أنّ الصَّلابة حين تواجهُ دمًا من دمِك، ولحمًا من لحمِك، تتلاشى كقشّةٍ ألقتها ريحٌ عاصف، فَما إن وقعت عيناي على جدّتي، الجالسة على كرسيّها المتحرّك عند صَدر القاعة، حتى تزلزلَ كل ما شددتُ به نفسي، وانحلّت عُرى وقارِي، فاندفعتُ إليها كما يندَفع الظمآن إلى مورد الماء.

لم أنتظر إذنًا ولا التِفاتة، بل ارتميتُ عندها، دَافنًا رأسي في صدرِها، أينَ جذبتُ عبقها الممزوج برائحة الدّيار العتيقة إلى ترائبي، ملقيًا بذلكَ عندها كل ما حملتهُ من مشقّة السّفر ووعثاء الطريق، وكلّ ما كتمتُه من وجعِ السنين.

أحسستُ بكفّها اليابسة، الضّامرة من أثر المرض، تُربّت على شعري كما كانت تفعل حين كنتُ صبيًّا لا يفقه من الدُّنيا إلا لهوها.

آهٍ ما أوسع صَدرها، وما أضيقَ الدّنيا حين يغيبُ هذا الحضن!

في تلكَ اللّحظة، لم أعد زَيد الرجل الذي يَعدُّ خطواته في مجالسِ العشائر، بل عدتُ طفلًا يلوذ بأمهَات الحنَان ليغسل بدموعِه ما التصق بروحه من غبَار السنين.

« حَفيدِي الوسِيم، ما كنتَ تأتي إلا ضاحكًا، فما بالكَ الليلةَ كاسف الوجه؟!»

بلغتني نبرةُ جدّتي التي تخالجُها غصّة، لهَا قرَابة شهرٍ لم تلمح طيفِي سوى عن طريق اتصال فيديُو لا يدُوم لأكثَر من نصف سَاعة.

«كيف لا أكفهرُ يَا سُلطانة، وقد أبعدَنا عنكِ بُعدُ المسافات؟ كلّما عدتُ إليكِ شعرتُ أنّني أُولد من جديد، إنّي أخشى أن يسرقني الغياب يومًا، فأعود فلا أجدكِ في انتظاري.»

كفكفتُ دمعةً انسابَت من مقلتها، وكم أمقتُ أن أرَى هذا.

«لا تخشَ شيئًا، ما دام القلب يدعو لكم، وإن غاب الجسدُ، فالدعاء يظلّ حاضرًا.»

كُنت أتفحصُ جسدها بأكملهِ، هل قلّ وزنها عمّا سبق؟ أيعقلُ أنّها لا تهتمُ بصحّتها، لكنّ عيني لم تلبثا أن التقطَتا شيئًا لم يكن في الحساب… نظرةٌ حيية متردّدة، تأتي من ناحية الباب، وما إن التفتت حتّى وجدتُها تلكَ الفتاة،كنتُ أظنّ أنّها ستلوذ بالانسحَاب قبل أن تُغلقَ هذه الأبواب المتفتّحة، وأنّ مثل هذه اللّحظات التي تنكشف فيها هشاشتنَا لا يليقُ أن تُعرض على غريبةٍ جاءت من ورَاء جدَارنا.

غير أنّها بقيت، وَوقفت عند طرَف القاعة، لمحتُ فيها حيَاءً شديدًا، كانت مشدودة الملامح، كأنّها تحاولُ أن تتوارَى في الظلّ ولكن قدميها عصتْها.

آنذاك ساورنِي شعور متناقِض؛ شيء من الغرابَة، وشيء من الحرَج، فنحن لا نألفُ أن يرانا أحدٌ في حَال ضعفٍ أو انكسار، ولا نسمَح لأنفسنا أن يُبصرنا غريبٌ ونحن نكسِر صرامتنا عند عتبة العائلَة، ومع ذلك… ها هي شاهِدة، لم تُزَحْ عن المشهد، ولم تَغُضّ الطرف.

رأيت في قسمات وجهها ارتباكًا ناعمًا، كأنّها هي الأخرى غرِيبة عن الموقف، لا تدري أتتقدّم لتشارك الودّ أم تنسحِب لتصُون حياءها؟

حينها أدركت أنّ الأمر أبعَد من ضيافةٍ عابرة، وأثقلُ من زيارةٍ عاديّة، إن وجودَ هذه الفتاة بيننا يحمل سرًّا لم يُفصح بعدُ عن نفسه، سرًّا يربك القلوبَ ويعكر صُفو الترتيب المألوف للعَائلة حتمًا، فأمّي ليسَت شخصًا يدعُو من هبّ ودَبّ، وحتمًا جدّتي.

نظرتُ نحو شير، فإذا به ما زالَ متماسكًا في ظاهِره، يُلقي على المائدة أوامر مقتضبَة كعادته، ولكنّي كنت ألمح في عمق عينيه تلكَ الشّرارة نفسها التي التقطتها من قبل، شرارةُ حذرٍ ممزوجةٌ بنفُور، وربما بشيء آخر لم تتضحَ ملامحه بعد.

وما إن جلسنَا إلى المائدة، حتى التفتت الجدة تَسأل عن فهد بصوتٍ يقطر حنانًا.

« وأين فَهد؟ لم أر وجهَه بينكم مذ دخَلتم الدار.»

عندها تحرّكت نظراتي إلى شير، كأنّي أرقب زوبعةً تتجمّع في السّٕماء، وما هي إلا لحظة حتى تغيّر محيّاه، وشدّ فكيه بأسَى ظاهر، معرِبًا بلهجةٍ مقتضبةٍ لا تخلو من ضيق.

«خرج قبل قليلٍ.»

كانت إجابته قَصيرة، لكنّها وقعَت على الجوّ كالحجر في ماءٍ ساكن، فإذا بالسّكينة تنكسر، عندها أدركت أنّ اسمَ فهد ما يزال يثقلُ قلبه، وأنّه لا يراه إلا فتًى متعجرفًا يسير إلى الهَاوية بخطى مسرعة.

ابتسمتُ بمرارة محاولًا أن أخفف من ثقل الصّمت الذِي سادَ الحجرَة.

«تعرفين جِنان بِيبي، فهد لا يقرّ له قرَار، كأنّ دمهُ نار تتأجّج، إذا جلس ثار، وإذا نُصح استشاط، لا يطيق صبرًا ولا يعرف أن يتريّث، تلك طباعهُ منذ كان غلامًا.»

هزّت الجدة رأسَها وهي تضرب بيدها المرتجفَة على مسند الكرسي.

« أخشى أن يوردَ نفسه موارد الهلكة،كم حذّرتكم أن تتركُوها لنزَواته! الشّاب إذا لم يُهذّب، أضاع نفسَه وأضاع أهله من بعده.»

كان كلامها كخنجرٍ آخر يغرسُ في صَدر شير، فقد ازداد وجهه انقباضًا، حتى خُيّل إليّ أنّه على وشك أن ينفجر..

عرفتُه، وأعرف كيف يأسِره الغضب، لكنه هذه المرّة لم يكن غضبًا فحسب، بل قلقًا ينهش قلبه، فنبستُ أستثيره، وأنا أعلم أنّها مخاطرة.

« أراك تتغيّر كلما ذُكر فهد، لِمَ تحمل همَّه إلى هذا الحد؟ دعه يتعثّر، فمن لم يتعثر لن يتعلم، أولسنا نحن أيضًا وقَعنا ثم قمنا؟»

عندها رفعَ شير رأسه إليّ فجأة، عيناه تقدَحان نارًا، وصوته يخرج حادًّا كمنصلٍ جاهزٍ لأن يغرسَ في شخصٍ ما.

« هو أخي، وإن خرّ فلن يكُون سقوطًا له وَحده، بل سقوطٌ لي وللعشيرة جمعاء، إن ضَاع فهد، ضاعَ اسمنا، وضاعَت معه هيبتنا بين القَوم.»

سكتُّ لحظة وأنا أتأمل صلاَبته، ثم تنهدتُ وغادَرتني تنهيدَة ذات عمقٍ.

« لكن يا شير، كثرة شدّ الحبل تقطَعه، وفهد ليس كالِحبال الغليظة، بل كعودٍ أخضر، إن شددته انكسر، إن أرَدت أن تحفظه، فلا تضيّق عليه الخناق حتى يفرّ من بين يديك.»

طال الصمت عندها، ولم يردّ.

غير أنّني كنت أعلم أنّه استوعب قولي، وإن لم يعترِف به.

ساد صمتٌ كالصَّخرة الملقاة في قاعِ بئر، لا يُسمع غير أنفَاس متقطّعة تتردّد في صَدر شير،كان يطوي يديه على المائدة ويطعنهَا بنظراتٍ دامية، كأنّه يُسائلها بأي ذنبٍ يتفلّت فهد من يده هكذا؟

أشفقتُ على الموقف، لكن لم أملك أن أقطع الصّمت أكثر، فإذا بأمّنا  تلك المرأة التي يجتمِع في ملامِحها الحزم والرحمة، ترفع طَرفها نحونا معربَة بصوتٍ متئدٍ، كأنّه ماء بارد صُبّ على الجمر.

« رويدكما… إنّ الفتى ما يزال في مَطلع عمره، وما خُلق الشّباب إلا ليزلّوا ثم يُقاموا، فلا تجعلوا من زلّته هاويةً لا قرَار لها.»

تغيّر وجه شير، بين منكرٍ ومصغٍ، ثمّ أبدَى رأيهُ لها كأنّه يسدّ الحديثَ كي لا يطُول أكثر.

« أمّاه، ليس الأمر هفوةُ شابٍ تُغتفر، بل هو اندفاعٌ لا يعرف حدًّا، وإن تُرك على هواه، جَرّ العشيرة إلى صراعٍ ما لنا به طاقة.»

ما إن فرغت شير من قوله حتى خيّم صمتٌ آخر، أثقلُ من سابقه، غير أنّي لمحت في عينيه ما لم يقله بلسانه، كان يُشيح بنظره عنّي كلّما هممتُ بالاسترسال،كأنّه يستنكر أن يُكشَف عمقِ خلافاتنا أمام الغريبة الجالسة بيننا، ثمّ سرعان ما ثبت بصرهُ في ميراب لحظةً خاطفة، ففهمتُ مراده:

كُفّ، فليس هذا مقَام بسط الحديث.

أدركتُ الإشارة، فابتلعتُ ما كان على طرف لساني،كنتُ أعلم أنّ شير إذا ضاق صدره آثر السّكوت على الانفجار، وأنّ السّكوت في مثل هذه المواطن أبلغُ من مئة كلمة.

أمّا والدَتي فلابدّ أنّها قَد قرأت الموقف بعينها النّافذة، فانتقلت بالحديث إلى أمورٍ أوَدع من الخلاَف وألين وقعًا، علّها ترفع عن المائدة ما ران عليها من ثقل.

« هلمّوا، قد أعددنا ما يسرّ الخاطر ويقوّي الجسد، فلا تشغلوا أنفسكم بالهُموم قبل أن يقوى عزمكم.»

«كما تأمرين يا أمّاه، فساعة الطعام لا تحتمل الجدل، ولكلّ مقام مقال.»

رغمَ تكلّفي في الحدِيث ومحاولتِي لمجاراة والدَتي في تلطِيف الجوّ، إلاّ أنّي رمقتُ شير مرةً أخرى، فإذا بعينيه قد انخفضتا عنّا جميعًا، غارقتين في شرودٍ غامض، وكأنّ ما يعتَمل في صدره أعمَق من أن يُبسط على الملأ.

هنَالك تيقّنتُ أنّ الحديث الحقيقي لم يأتِ بعد، وأنّ هذه الطّاولة ما هي إلا ممرّ عابر إلى مواجهةٍ أثقل تنتظرنا فيما بعد..

هو على درَاية بأمُور إذن..

لكِن من يعلم غيره؟ لا أحَد يدري.

ولكن من رحمِ الصّمت يولد الصّخب، هذا ما نعرفهُ..

ماهي إلاّ ثوانٍ حَتّى صَدى صوتُ صرير الكُرسي وما كان ذلك سوى من الصّغيرة ميرنا التي نزلت وراحت تسيرُ بخطَى مخطرِفة نحو تلك الضّيفة.

جلسنا نراقِبها وهي تُقلب بصرها على القابعةِ هناك،كأنّ قلبها استَشعر شيئًا لم نُدركه نحن الكبار، ثمّ مَالت نحوها برفقٍ وحياء، وقالت بنبرةٍ صافية كالماء.

« أأنتِ غريبة عن دارنا؟»

لمحتُ اضطرابًا جليّا على ملامحِها، ثم ردّت بابتسامةٍ لطيفةٍ يُغطيها الحياء.

«نعم… غريبة، لكنّ جدّتُك استقبلتني كابنتها.»

أطرقت ميرنَا قليلًا، ثم عادت ترفع رأسها بعينين فيهما صفاءُ الطفولة، وكأنّها تقبلُها بيننا رُغم أنّها لم تعهد معاشرة غيرنا.

« إذن لستِ غريبة، من تحبّه جدّتي، أحبّه أنا.»

سرتْ في المائدة رجفةٌ خفيّة، كأنّ كلماتهَا أطلقت دفئًا لم يُقدَّر له أن يخرج من صدورنا، رأيتُ كيف ارتخت قسمَات شِير، رُغم انكارهِ لما يحدُث.

مدّت الصّغيرةُ يدها تطوّق أناملَ الأخرى، نابسة في دلالٍ عفويّ كعادتها حينَ تبتغي منّا شيئا ما.

«كُلي معي، لا تدعي الأطباق تبتعد عنكِ.»

لم أكُن أعتقد أنّها ستجَاري رَغبة الفتاة، لكِن هاهي تأخذُ قطعة من الخبزِ وكلّها حيويّة كأنّها بسنّ ميرنا.

« سآكل ما دام بجانبي مَن يشارِكني.»

انفجرَت ميرنَا ضاحكة، ضحكةً صافية كَسرت حدّة المجلس، ضحكَة لم نرَها على قسماتها منذ أشهرٍ.

« إذن نَحن رفيقتان… وسأجلِس إلى جانبكِ كلّ ليلة.»

يا للعجب! طفلةٌ صغيرةٌ تُلقي من فمها ما يُلين صخورًا جَمَدَت عليها قلوب الرجال.

وها هي الغريبة، التي ما زالت تُحاول أن تجد موطئ قدمٍ في هذا القصر، قد وجدتْه في قلب الصّغيرة دون عناء.

كنّا نتابِع المشهد العذب بين الصغيرة والفتاة، كلّنا دُون استثناء، حَتّى ذلك الجلمُود الذي يفرّ بنظراته كي لاَ يطيلَ النّظر، فإذا بالسّكينة تنكسر فجأةً.

رنّ الهاتف قرب شير، فاهتزّ كأنّما صاعقةٌ عبرت صدره، تجهّمت ملامحه في لحظةٍ واحدة، وانعقد ما بين حاجِبيه، ثمّ توقّف نصف ثانيةٍ كمن يستمع إلى نداءٍ لا يُمهل، وماهِي إلاّ ثوانٍ حتّى هوت الشوكة من يدهِ كأنّها صارت ثِقلاً من نار، والتقت أعيننا جميعًا بوجهه وقد تغيّر لونه، ثمّ نهض مسرعًا دون أن ينبس بكلمة، وانسحب خارج القاعة، يجرّ خلفه ذيولًا من القلق والرهبة.

وبقيتُ أنا أحدّث نفسي أيّ خبرٍ ذاك الذي يُجفل الجبل الراسخ؟ وأيّ أمرٍ أعظمُ من أن يقطع رجلٌ مثل شير مجلِسه على عجل؟

- انتـهى الفـصل -

برأيكُم ما الأمر الذي جعله يغادر المجلس!!

بهذه الطريقة التي لم يعهدوه عليها؟

إضافة وش رايكم بميراب والصّغنونة ذيك؟؟

ميرنا بزاف كيوت 💗

هل توقعتو تكون كذا شخصية زيد؟ مزيج بين المرح والجدية؟

وفهد المشكلجي لي ناوي يجيب السّكر لشير

هو لي يجيب راسه 😂😂

برايكم كيف رح ترجع ميراب للبيت في ذاك الليل 🌚

هل معقول تنام عندهم؟ لا مش كذا..

يلا لنا لقاء عن قريب إن شاء الله.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مِيراب: مُطلقُ العنَان.

المؤلف الخَـنســ ــاء | 🇩🇿
2025/08/26 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة