ْ

,, في الزِّحَام يكتنِفها صَمتُ الغَريب،
حَتى بين ذوِيها كانَت غريبةً كالغَريب
على وجهِها بسمةٌ عابرة، وفي قَلبها إعصارٌ مهِيب،
تَارة تبكِي وتارَة تضحكُ في اضطِراب عجِيب
تقلّب صفحَات كتَاب الحيَاة ومع كُل صفحَة
لها سُؤال عصيّ مُريب ,,
خرجتُ من الحمّام، والماء ما يزال يترشّف من أطراف شعري المبتلّ، يثقل كاهل رأسي كأغصانٍ ارتوت من مطرٍ هاطل.
قطراتٌ تتدلّى بطيئة على عنقي، تنسابُ على عاتقي، وكأنّها تذكّرني أنّ الجسد قد تطهّر، غير أنّ الروح ما تزال ملوّثة بغبار الخوف، حينها جلستُ أمام المرآة، والمشط بين يديّ، أُمرّر أسنانه بين الخصل المبتلّة، فإذا بي أرى في كلّ شعرةٍ صورةً من صباحي الذي لم يزل يطارِدني.
آه… أيّ صباحٍ ذاك الذي حَمل إليّ نذر الموت؟!
مَا كانَ خروجِي إلاّ كمن يخطو خُطوة في فم الهَاوية، ولم أظُن أنّ الأرضَ ستعيدُني إليها سالمةً.
تلاحقت الصّور في ذهني كأنّها شريطٌ مضطربٌ
وجوهٌ غريبة، أصواتُ صخبٍ ورجالٌ تهامسُوا ثم تعاركوا، أنفاسٌ مقطّعة، ثمّ وميض النّار يخرج من فوهة بندقيّة، يبدّد كلّ شيءٍ في لحظة.
لولا أنّه كان هناك…
ذاكَ الذي لم أتمنّ يومًا أن يكون ظِلًّا فوق رأسي.
هو… شِير...
أنقذني؟ نعم
غير أنّه في اللحظة نفسهَا أطفأ حياةَ غيري.
وأنا؟ بقيتُ حيّة، لكن بجرحٍ أعمق من أن يُرى.
أيشكر المرءُ من يمدّ له اليد فينجّيه؟ أم يلعَنه لأنّ يدهُ ذاتها كانت سيفًا على رقبةٍ أخرى؟
تساؤلاتٌ تتلاطَم في صدري، تتصادم كالأمواجِ على صخورٍ عاتية، وأنا في الوسَط لا أجد لنفسي مرفأً، لم يكن في وسعي أن أغضّ الطرف عن تلك اللَّحظة التي خرّ فيها ذلك الشّاب، عيناه لا تزالان عالقتين بذاكرتي، كأنّهما تسائلانني: لِمَ أنتِ حيّة وأنا صرتُ جثّة باردة؟
أطرقتُ رأسي، والمشط ينسلّ من يدي، فهوَى أرضًا وشعوري أن كلّ ما فيّ يهوي معه يتفاقَم، حتى كبريائي الذي كنتُ أحسبه صخرةً لا تتزحزح.
ولم يطل بي شرودِي حتى سمعتُ وقع خطواتٍ هادئة، فإذا بجدّتي تطلّ من الباب.
كانَت تحمل في ملامِحها شيئًا من الوجل، وفي عينيها بريقٌ من الغضب المغلّف بالحنوّ، ظلّت واقفة لحظةً، ثمّ دخلت بخطًى ثابتة نابسَة بنبرِها الحنونِ.
« أما شبعتِ عنادًا يا ميراب؟ أتراكِ لم تبصري كيف كادَت روحك تزهقُ اليوم؟! يَا بنيّتي، لو طاحَت حياتك، هَل سَينفعك جمودَك، أو يخلّصك كبرياؤك؟ »
ارتجفَت الكلمَات في أذني كالرَّعد، أردتُ أن أجَادل، أن أسمَح للألفَاظ أن تغادِر ثَغري دفاعًا عن نفسي، لكن لسَاني انعقد، شعرتُ أنّني صغيرة أمامها، كطفلةٍ تجرّها أمّها من يدِها لتبعدها عن النّار وهي تبكي على لعبتِها الملقاة قربَ اللِّظى.
أهذَا هو عنَادي؟ أهو سوى عُريٍ في حضرَة الحكمة؟
غير أنّني لم أُظهر انكسارًا، فنظرتُ إليها بعينين جامدَتين، كأنّما لم تبلغَا عمق قلبي.
لكنها، بعينِ الأمّ الحكيمة، رأت ما بي ولم أقله، فَراحت تطبطِبُ على كتفي علّها تخفِّف عن كاهلِي هذه الأوزَار.
« يا ابنتي… الحياةُ هنا ليسَت كما عهدتِها في مدينتك..
الأرضُ هذه، كلّ ذرةٍ فيها تحمل موتًا مختبئًا.
لا تخرجي وحدكِ مرةً أخرى، فإنّني لا أطيقُ أن أفقدك »
انصَهر عنادِي كمَا يلينُ الحدِيدُ على يَد حدّاده، لكنّ لساَني بقي أسِير الكبرياء، لم أقل شيئًا..
تركتها تخرج، وسمحتُ لنفسي أن تغُور أكثَر في لجّ الصّراع الداخلي.
بعد لحظات، أحسستُ أن جدران الغرفة تَضيق بي وَتزيدُ مِن اختنَاقي، فَخرجتُ إلى الحديقة أطلب نسمةً من هواءٍ أوسع.
السَّماء كانت تميل إلى العَتمة، والشَّمس تلقي آخر أنفاسها بلونٍ من ذهبٍ باهت، سُبحَان مَن جعلَ لنا في اللَّيل سكِينة نرتاحُ فيها، فمهمَا مرّ بنا من عُسر في الصّباح حتمًا سينجَلب في العتمَة، ورغمَ أنّ جناحُ اللّيل لم يخفض بعدُ على السّماء إلاّ أنّ إدراكهُ وهو آت يبدّد عن الانسانِ تعبه وكدحهُ.
طَال وقُوفي بينَ الأشجار، واستِنشاقي لرائحة التراب النديّ الذِي طهّر بصيلاَت عقلِي ممّا حدَث، أين قلّت حرَكتي وكثّفت التّدَبر في بدِيع خلق الله وَكأنّني أبحث في هذا السّكون عن جوابٍ يهدّئ اضطرابي.
غير أنّ السُّكون لم يدم طويلًا، وذلكَ لاخترَاق أذني ببُكاءٌ حادّ لطفل، عقبهُ صراخ امرأةٍ مذعورة، جاعلينَ منّي أغادِر عالمِي الهادِئ، رافعَة برأسِي في ذعرٍ، فإذا بامرأةٍ تعدو في الأرجَاء تحمل طفلًا بين ذراعيها، رأيتُ الدّم كالعقيق السّائل يتدفّق من شقٍّ غائر في كَفّه، والولد يتلوّى في حضن أمّه، وجهه مسفوعٌ بالدّموع، وحنجُرته مبحوحة بالأنين.
كأنّما انشقَّت الأرض عن نداءٍ مدمّى، فإذا بصرخةٍ ضئيلةٍ تُدوّي في أفق القرية، كرجعِ وترٍ انقطع.
هرولتُ، وما كان لي بدٌّ أن أتلكّأ، المرأة لم تكُن في وعيها التّام وذلكَ واضحٌ من خصلاتِها التي لم تغطّ جيدًا بشالها، كَانت عيناها تقدحان رعبًا، وصوتها يرتجف وهِي تحدّثني حالما لمحتنِي.
« بِالله عليكِ، ساعدِيني! الطَّبيب بعِيد،
وولدِي سينزِف حتّى المَوت! »
لم أفكّر..بل تقدّمتُ إليها بخطواتٍ سَريعة، ويدي امتدّت إلى الطّفل، وكُل تركِيزي على محورِه، جرحُ الطّفل النَّازف، أين عَاد بي الزّمنُ إلى سنواتِ درَاستِي وتعليمِي، حِينها خفق قلبِي بقوّة، لكن عَقلي استعَاد رباطَة جأشه.
عادَت كُل الصّور التي تدرَبتُ فيها على الاسعافَات، حينها أدركتُ أنّه هذا هو العلم الذي جئتُ من أجله، ها هو الامتحان الحقيقي،
أأقِف عاجزة؟ أم أُثبت أنّ يدي لم تأتِ عبثًا؟
تركتُ الأمّ راكعَة تحيطُ بجسمان ابنها الصّغير إلى ترائبهَا، ورحتُ مهرولَة إلى حجرَتي أينَ عدت منها بحقِيبة الاسعَافات الأولية، وفور عودَتي لمحتُ أنّ كثَافة المًتجمهرِين كَبرت واختَلط حابِلها بنابلِها، لكِن لم أعِرهم اهتمامًا، بل تقدّمت للأهمّ..
جلستُ على العشب واضِعةً بهِ أمامي، فرحتُ أغسلُ كفّه أوّلاً بما ظفرتُ به من ماءٍ بارد جلبته مسرعةً من جرةٍ قريبة، فصاح الطفلُ كما لو أنّ جمرةً وضِعت على جلده، مُطبقًا أصابعه إرادَة أن يصُون ألمه، فأخذتُ أناملَه برفقٍ، أفتحها واحدةً واحدةً كما تُفتَح أكمام الزهر قسراً عند الفجر.
أزحتُ عن الجرح ما تَراكم من قذى وتبنٍ عالقٍ، ثم ضغطتُ الموضِع بخرقةٍ بيضَاء كانت الأم قد لفّتها حول كفّه بشكلٍ عشوائي كأنّها تخفِي الأثَر لاَ لتوقفَ النّزيف، فأحمرّت الخرقة سريعاً، وتشربَت الدّم كالأرضِ العطشى ترتشِف الغيث.
أشحتُ بناظري عن فزع الأم، وثبّتُّ بصري على الصغير، أكلّمه همسًا.
« صبراً، صغيرِي، فالنّصل إذا دخَل الجسَد لا يخرج إلا بحرقة، ولكِن بعدَه شفاء. »
كَان ينظر إليّ بعينين غارقتين في الدّمع، كأنّه يستجدي صدري ليكون له ملاذاً من النّار التي تأكل كفّه، حاولتُ أن لا أخفيهُ قدرَ المستطَاع لكِن والدتهُ أعرَبت عن خوفها بنبرٍ مهتزٍ.
« إن مَات فسأمُوت بعده...»
رفعتُ عيني إليها وقلتُ بصلابةٍ لم أتخيّلها في نفسي.
« لن يموت بين يديّ..
إن كَان في العُمر بقيّة، فسوف أنقذهَا. »
وبينمَا كنتُ أُعالج الجرح، أحسستُ بجمعٍ من النسوة يلتففن من حولي، أصواتهنّ همسٌ مضطرب، عيونهنّ تفتَرس وَجهِي أكثر مِما تتأمّل في يد الطفل، كنّ يتهامسن
من تكُون؟ ماذا تفعَل؟ أهي طبِيبة؟ أهي سَاحرة؟
لما خفّ تدفّق الدّم تحتَ الضّغط، عقدتُ الشّاش بإحكَام، وأحكمتُ شدّه ليكفّ النّـزِيف، ثم رفعتُ يده الصّغيرة فَوق صدره ليبقى الدم بعيداً عن تَيّاره الطبيعي، مُعيدَة بنظرِي إلى الأم، التي كان فمها يرتجِف بالدُّعاء، نابسَة بنبرَة حانية.
« سَيبرأ، بإذن الله، إن رعيتِه،
وإن حفظتِ يَده عن العَمل حتّى يلتئم الجُرح، يحتاجُ لبعضِ غرزَاتٍ لكِن ليسَ هنَا، علينا بمكَان طاهرٍ معقّم. »
تعمّدتُ ذكرَ العملِ أمام المَلأ، لأنّني على يقِين تامّ أنّ هذا كُلّه بسبَب عملهِ في المزرَعة، فهذا الجُرح ليسَ إثر زجاجَة أو قطعَة حادَة بَل منجَل أو آداةٍ أكثَر حدّة، وقد تأكدتُ عقبَ سؤالي لها.
« الأطفَال مخلُوقات حسّاسة لاسيمَا في هذَا السّن، خصُوصًا إن كانوا محتاجِين إلى التّطعيمات وتلك الأمور المشابهَة، سيؤثّر عليهم أصغرُ شيء فما بالكِ بجرحٍ سَببه منجلٌ اعتادَ أن يكُون بين التُّراب.. الأطفَال مهمّتهم الدّراسة وإن تحدّثنا عن العمل فأكثَر شيء لهم هو القَطفُ وغسلُ المحصولِ عقبَ قطفه لا أكثَر من هذا »
آنذاك، أحسستُ كأنّ القَرية كلّها قد أنصتت إلى هَذا المشهد الصّغير؛ الطّير سكَتت فوق الأشَجار، والرِّيح أمسكت أنفاسها، ولم يبقَ إلا نبضُ الطفل تحتَ يدي.
حينها، شعرتُ أنّ رسالتي لم تكن أن أعلّم القرُى الحروف، بل أن أزرع في أزقتها حياةً من جَديد.
شعرتُ بحرارة نظراتهنّ تخترقني، كنتُ أحسّ أن كلّ عينٍ من عيونهنّ تُنقّب عن سرّي، عن هويّتي، لكن شيئًا آخر تسلّل إلى قلبي، إحساسٌ مبهم أنّ هناك من يتقَفّاني، لا بعين فضولٍ نسويّ، بل بعينٍ أخرى أشدّ ثقلًا، أعمق، متربّصة..
لكن نفيتُ هذَا فنفضتُ عن نفسِي هذا الشُّعور، وأقنعتُ نفسي أنّها مجرّد وساوس، وأنّ ما أحسّه ليس إلّا شدّة نظرَات النِّسوة من حولي، لكِن قلبي… لم يقتنع..أبدًا
« باركَ الله فيكِ بُنيّتي..لا أدرِي أيّ فاجعَة كُنت سآخذها
في هذا اللّيلِ، هو وحيدِي وأنا أرمَلة لا رجُل يعيلُني
ويرعانِي وابنِي، لذلكَ عند إصابتهِ شعرتُ أن لا أحدَ سينقذه..
اسأل اللّه أن يرزقَك من فضلهِ وأن يبعدَ عنكِ عين الشّر والسّوء »
وضعتُ بالطّفل بينَ ذراعيها وقَد أسدَل عينيه كمَا أسدَل اللَّيلُ ستاره، مومئةً لها وقد ارتفعَ جانبُ ثغرِي لدعوتِها النّابعة من شغافِ قلبهَا، أردتُ أن أقولَ أنّ عينًا مَا تترصَدُ لي من وَراء العتمَة هذه يا خالَة، لكِن نفيتُ الفكرَة وأبديتُ شكرِي لها.
ومَا إن بلغتُ فناء الدّار حَتّى تقدّم لي أحدُ الرّجال المُسلحِين، يضعُ ببصَره في التّربة وأكفّه معقوفة ببعضها البعض أسفل بطنه، يبدُو في غاية التّأدب، لم أرَ مسلحا بهذه الشّاكلة قطّ، فالتزمتُ بأخذ مساحَة عنه رُغم أنّها موجودَة من قَبل، لكِنّه مسَلح...يجب أخذ الاحتياطَات، لن يموّهني الشّكل المؤدّب طبعا.
« آنسَة ميرَاب لدَيك دعوة خاصّة من سيّدة القصر
هي توصلُ سلامها لكِ وتدعوك للحضُور غدًا لمناقشةِ بعض الأمور وأهمّها الخاصّة بالتّدريس والجَمعية، سنأخذكِ غدًا صباحًا لها. »
لم تكُن كلماتهُ سؤالاً ولا شيئا يستحقُ مشورَة
بَل كَان أمرًا منقولاً بحذافيرِه وهذا ما جعلني أبتلعُ صدمتِي وضحكتي السّاخرة أمامَه، تاركَة إيّاه مكانه بينما استأنفتُ الولوج إلى البيت.
لن أذهَب طبعًا.. سيأخذونَني صباح قَال.
--
كأن القصر قد صار سجنًا يطوّقني بجدرانِه العالية، وصدَى خُطاي فيه لا يزيدني إلا وَحشَة، فَكل حجرٍ يذكّرني بجريمةٍ كادت تُرتكب، وكل ظلّ يهمسُ لِي
"كنتَ قابَ قوسَين أو أدنَى من أن تغدُو قاتلاً "
فأنَا لم أزهق روحًا أبدًا دُون أن يكُون الحدُّ هو السَّبب، إمّا قصاصًا أو جلدًا، لكِن القتلُ الجَائر ذَاك لم يحصُل أبدًا إلاّ أن التّعذيب وارِد.
حَتّى مُقلها وأهدَابها المرتَعشة بدَت ترتسِم لمخيّلتي، تلك التي تجرّأت على أمري، فخرجَت من الحِمى التي رسمتهَا لها، كأنَّما أرادت أن تثبِت أنّ لشوكها حدًّا يجرح، قبضتُ عليها يومها، والسِّلاح في يدِ أرعنٍ يطلبُ الدم كما يطلبُ الظمآنُ المَاء، ومَا بين عقلِي وأصبعِي لحظةٌ لو أرخيتُها لكانَت القاضِية.
لكِن… مقلتِيها! آه منهُما…
لم أرَ فيهمَا خوفًا بل خزيًا، لم أرَ توسّلاً بل مقتًا، كأنَّهما تُردِّدَان
"أيها الوحش، ما عدتَ بشرًا "
تأجَّج الغضب في صدرِي حتّى حسِبت أن جدرَان القَصر تضيقُ بي، كيف تجرؤ؟! كيفَ ترفع رأسَها أمامي عقَب أن مَسحَت بكلمَاتي تُربة الأرضِ، وَأخذَت تجرّها جرّ الذّليلِ وكأنّها لا تُبالِي، وهي حتمًا لا تفعَل.
غضَبي منها يمزّقني، وذكرَى سقوطهَا فاقدَة الوَعي أمَامي تزيدُ النّار وقودًا،كنتُ أظُنّني الصّخرة الصّلدَاء التي لا تهتزّ، فإذا بِي أرتجفُ من صَدى نظرَاتها.
وَبينمَا أنَا في سهوٍ من أمرِي، حَتى باغتنِي ذلك الصوت الذي شقّ عتمة أفكارِي، هاتفي يرنّ، ضغطتُ الزر، فإذا بصَوتها يسبقُ كلّ شَيء.
« أبـــي »
الله...
كيفَ تَنهار حُصونُ الجبَابرة عندَ هَذه الكَلمة؟
جفّفت رُضابِي، وخفقَت أوصَالي، ومسحَت على قلبِي مسحةً ما عهدتُها من قَبل.
هنَا ارتفعَ جَانبُ ثغرِي بابتسَامَة لاَ يعرفها عنّي سوَى القليل، أنا الذِي لم يعرِف الابتسام إلا استِهزاءً أو سخريَة أمَام الأعدَاء، معرِبا بصوتٍ رقّ كأنّه لم يغادِرني يومًا.
« هَا أنتِ..وتينُ أبيكِ، أبخيرٍ أموركِ ميرنَا؟ »
رفعَت مُحيّاها البريء أمَام الكامِيرا، مستأنِفة حدِيثها ببراءتِها التي لم أرَ لها نظيرَة قطّ.
« العمّةُ الطَّبيبَة تخبِرني أنّني بخير…
لكِنَّني لستُ كذَلكَ دَاد،
اشتقتُ إليك، ثلاَث ليالٍ انجَلت، وكانَت دهورًا بالفِعل..
أما تشتَاق إليّ؟ »
كاد صوتها يدمغني دمغًا..
أيْ نعَم، اشتقتُ إليهَا حتّى ظنَنت أن قلبِي سيتفطّر..
لكن، هل يليق بي أن أبُوح بضُعفي لغيرِي وإلهي؟!
خفِضت بصَرِي علّها لا ترَى ضعفًا في شخصٍ تنعتهُ
بِبطلها الخارِق ورحتُ أضيفُ نكهةً حلوةً لحدِيث تسيلُ له المآقي دمًا.
« أنا مُفتقدٌ لكِ صغيرتَاه…اشتقتُ إليكِ حتّى ضجّت بي الأيّام،
ما مِن شيءٍ أبعدنِي إلاّ قيدُ الضّرورة،
قريبًا… قريبًا ستكونينَ في حجرِي، وتعود ضحكَتك تملأ أركَان هذا البيت الذي خَلا منكِ »
قهقهَت ضحكةً نقيّة، شعرتُ أنّها تطبطبُ بذلكَ على وزري الثّقيل، المنهكِ.
« انظُر إن الوَقت متأخرٌ، وقريبًا سوفَ تأتِي العمّةُ الطّبيبة لتَتفحصَني، عليّ أن أقطع الاتصَال الآن..
أحبّك حبًا جمًا my Super hero »
لوّحت بيدها الصَّغيرة، ثم انقطَع الاتصَال،
وبانقطاعِه، عدتُ إلى وِحدتي… لكنَّني لم أعُد أنا.
يا لله… أيُّ مفَارقةٍ هذِه؟
قبل لحظات كنتُ أكَاد أنفجرُ شجَبًا، حَتّى أنّني قتلتُ ذاك الأحمقَ في مخيّلتي، كوحشٍ لا يعرِف إلاّ الدَّم، فإذَا بكلمَة "أبي" تصهرنِي حتّى العَظم!
أي قلبٍ هَذا الذي يسكنُ صَدري؟ أي تناقضٍ يجَلجلُني بين طَرفين، قسوةٍ كالصّخر، ورقّةٍ تذوبُ لبَراءة طِفلة؟
رفعت بصرِي إلى السّقف، مخَاطِبًا الواحِد الأحَد
مَن أتفرّغ لمحادَثته كلّ يومٍ ومناجَاتهِ كلّ ليلة.
« هَل أنَا شدِيدٌ أم مكسُور؟
هل أنا قَاتلٌ أم أبٌ يذوبُ لضحكَة ابنته؟
هَل أنا عَادِل أم أنّ السُّلطة تغشينِي أحيَانا..
رَبّي... أعنِي »
ألقيت بالهاتِف جانبًا، وارتتميت على فراشِي ارتطَام الصّريع الذي أنهكه الخصَام مع نفسِه، لا معَ غيره، انطفأت ملاَمحي بعد أن انطفأت الشّاشة، وكأنها كانَت منارًا يخفي اضطِرامي، فما إن غَابت حتى تكشّف لي وجهُ الحقيقةِ، أنا أسيرُ بين براثِن الغضب والرَّحمة، بين قسوةٍ تغلي في عروقي ورِقّةٍ تذرفها عينيّ.
يا لسُخريّة الأقدَار! أيُّ قلبٍ هذا الذي يتشظّى بين نقيضَين؟!
ظلَلت أتقلّب على الفِراش، كالمطعُون بمنصلَين متعاكِسين، وكدتُ أنفجر من ضيقِ الصّدر وتزاحم الخواطِر، لولا أن نداءً صدّاحًا شقّ سُكون اللَّيل، إنّه صَوت المؤذّن يملأ الأفق
"الله أكبر، الله أكبر"
كم ارتجّ كيانِي لذلكَ النّداء، كأنّ السّماء انفتحَت عليّ برحمة، وكأنّ رجفةً سرَت في عروقي تطفئ شيئًا من سعِيرها.
وثبتُ من مضجَعي كمن أفاقَ من غشيةٍ، وتوجهت إلى مَوضع الوضوء، ومعَ انصِباب أول قطرَة مَاءٍ فإذا ببرودَته تنزل على يدي نزولَ الغيثِ على أرضٍ مجدبَة، وإذا بكلّ قطرةٍ تغسِل شيئًا من دنسِ الغضَب الذي رانَ على قلبي، حينَ تمضمضتُ شعرت أنني أطرُد مع كل جرعةٍ شيئًا من مرَارة الدُّنيا، وحين غسَلت وجهي أحسَست كأنني أزيل عني أقنعةً أثقلَت ملامِحي، أقنعة البَطش والصَّلابة التي لطالما احتمَيت بها، وما إن غسَلت قدميّ حتى خُيّل إليّ أنني أنزع عني قيودًا من حدِيد، وأني أتهيّأ لمسيرٍ جديدٍ، لا إلى مصيرٍ تجرّني إليه نزواتِي، بل إلى مصيرٍ أُسَاق فيه بين يدَيّ الرَّحمٰن سُوق الخاشِع المتذلِل.
خرجتُ إلى ساحة الدار، حيثُ كان المصلّى العامِر الذي ورَثناه عن آبائنا وأجدادنا، مصلّى يشرع بابه إلى السَّماء لا إلى الأرض.
كانَ الرِّجال قد اصطفّوا في محرابه، فدخَلت بينهم دخلة الغرِيب بين قومه، رغم أنني سيّدهم، كبّر الإمام فكبّرت، وفي سُجودي أفرغتُ حمولةَ قلبي بين يدَي الله، وَسال الدمع من مقلتيّ، لا أدرِي أهو دمع ندمٍ أم دمع راحةٍ، دمعُ ثقلٍ أم دمعُ اشتياق..
« ربِّي، أنت تعلم أني رجُل ممزّق بين ظُلمةٍ ونور،
بين بطشٍ ورِقّة، فارفَع عنّي هذا البلاَء،
واغسِل صدري من سخائم الغضَب، واهدني سَواء السّبيل.
إن كنتَ قد كتبتَ عليّ أن أكون سيّدًا في الأرض،
فلا تَجعلني عبدًا لشهوتي وغضبي، اللَّهم اجعلني قويًّا في الحَق، رحيمًا في البأس، ولطِيفا في القُرب، وهيبةً في البُعد.
اللهم لا تجعل ابنَتي ترى فيّ وحشًا، بل أرنِي في مرآتها أبًا رحيمًا، وازرع في قلبي من نورِك ما يطفِئ نيرانَ هذا الجحيم.
اللَّهُم ارحم موتانَا وموتَى المُسلمِين جَميعًا، وانصُرنا وانصُر إخوانَنا »
رفَعت رأسي من السُّجود، فإذا بي أخفُّ ممَّا كنت، كأنّ الأرضَ زالَت من فوق كاهِلي، وكأنّني رجلٌ آخر، خرجَ من رَحم الصَّلاة مولودًا جديدًا.
لا أدرِي كم لبثتُ في المصَلى عقبَ الصّلاة لكِن ما أعرفهُ أنّي استلقيتُ في تلك السّكينة وعند خروجِي لمحتُ صفحة السَّماء فإذا خيوط الفَجر الأولى تُمزّق ثوبَ اللّيل، كالسُّيوف البيضِ تخرق سَواد الوغى.
هنالِك علمتُ أن اللَّيل انصَرم، وأن عليّ أن أعُود إلى دُنيا النّاس بعد أن ذُقت شيئًا من أنوار الملَكوت.
وما إن خطَوت بِضع خطوات خَارج بابِ المصلى، حتّى وجَدت حارسي ينتظرني، عاقِد الحاجبين، يرمِقني بطرفٍ فيه حَياء ووجَل.
نظرة واحدَة منه كانَت كافِية أن تكشَف لي أنّ هيئتي لم تُخفَ عنه، وأن آثارَ ما جرى في خلوتي باديةٌ على ملامحي، أراد أن يُطيل الحديث كعادَته، ثمّ كتم كلماتهُ كمن يُخفي جمرةً في فِيه، فاكتفى بسؤالٍ قصِير.
ـ« سيّدي، هل تأذَن أن أخبرَك بما بلغنَا من تطوّر؟ »
أشَرت إليه برأسي أن تكلّم، فتنحنَح وباشَر حديثه.
« لقَد شاعَ بين القوم أنّ الحَادث الذِي وقعَ في الجمعية لم يكن ضَرب صدفة، بل يَد شاهبناز مبسُوطة فيه، وأنّه لا يزال يعمل في الَخفاء رغم كل ما أمهلتمُوه من فرَص. »
كلماته وقعت في قَلبي وقعَ النّار في الهشِيم، فاشتَعل غضبي ثانية، وتموّجت دمائي في عروقي حتى خشَيت أن يسمع اضطرابها كل من حولي، شهقت شَهقة الموجِ إذا ضربه العاصِف، وقلت له بصوتٍ متماسكٍ لا يخلو من صلِيل الغضب.
« شاهبناز! ما أكثرُ ما سَامحته، وما أبعد ما حلِمت عنه،
وهُو لا يزداد إلا مكراً وعتواً..
أما آن له أن يَعي أنّ صبر شِير ليس ضعفًا،
وأنّ الحِلم إذا انقلبَ صار بأسًا لا يُطاق؟!
والله لولاَ أنّني أرَى في العفو قوةً وفي الحلم سؤددًا،
لأرسلت عليه من غضبي نارًا تأكل الأخضَر واليابس،
لكنّ الساعةَ ساعةُ تدبيرٍ لا ساعةُ اندفاع. »
ثم التفتّ إلى الحارِس، وأشرتُ بيدي كمَن يقطع على نفسِه عهدًا.
« اسمع.. على الجمعية أن تقُوم على قدَميها من جديدٍ.
رتّب الميزانية، وافرغُوا من إصلاحِ ما هُدم، وأعيدوا وجهَها أنضَر مما كان، أريدهَا أن تكون شاهدًا على أنّ شير إذا ضُرب في موضعٍ قام في موضِعين، ولْتكن أعينكم مبثُوثة في كل ناحِية، فما عاد في القلبِ متّسعٌ لتغاضٍ ولا لمداهَنة. »
سكت الحارس وقد بان على وَجهه أثر الرّضا، كأنّما وجَد في حَزم سيّده أمانًا، فاكتفى بانحناءةٍ صامتةٍ وكَاد أن ينصَرف، لكِنّه عادَ أدرَاجه نابسًا بنبرٍ خَافتٍ كأنّه يخشَى منّي أن أسمَع الاسم ذاك.
« سَيّدي بخصُوص..
مِيرَاب تِلك، بلغنَا البَارحة من الحرّاس المكلّفينَ بحمايتِها أنّها أنقَذت حياة طِفل عقبَ إصابَة خطيرَة، وكتبَ الله لهُ حياةً أخرَى ولولاَ أن سخّرها الله له لفقد دمًا كثيرًا..الولد هو ابنُ أرملَة معرُوفة بينهم..»
كَان سمَاعُ هذَا مريحًا، يبدُو أنّها تجدُ راحتها بين الخلقِ هنا، وفعلتها البطُوليَة حتمًا ستُجازى عليها، هذِه من نقُول فيهَا أنّها
تَجرحُ وتعتُو وآن الوقتِ تدَاوِي وَتسمُو .
أمّا أنا فمضَيت إلى جناحي، لا ألوي على أحَد، أينَ أخذتُ حمامًا منعشًا ورحتُ أغادرُ حجرتي، راميًا فوق الأكتَاف الشّال الأسود، كأنّه جناحُ صقرٍ عتيقٍ يستظلّ به من وهج الشّمس، واللِّباس التّقليديّ يجلّلني كما يجلّل الليلُ الأرضَ في ساعة السّكون.
في الأسفل قَابلتني الجدّة، أينَ وجدتها جالسةً في صدر المجلس كأنّها تاجٌ على مفرق الدّهر، هيبةٌ مجبولةٌ من سلالةِ السّيوف، ووقارٌ يردع الفؤاد قبل البصر.
رمقتني بعينين فيهما بريقُ الأسلاَف، وأعربت بصوت يملأ المكَان وقارًا.
« ما بالُ الحادث يا شير؟ وما شَأن الأرض التي تناقلَها الناس؟ وأين جوابك للمزَارعين وقد سَألوك مرارًا؟ »
هنالك توقّف كلُّ شيءٍ على لساني، وغصّت الكلمات في حلقي كما يغصّ الطائر بالشُّوك، تهرّبتُ مرّة من التّوضيحِ لها لكِن هذا لن ينجحَ في كلّ مرَة.
دنوتُ إليها وجلستُ مطَوّقا كَفيها المخضبتَين، ثم رفعتُ بصري إليها، وكأنّ نظرها مرآةٌ تعكس حقيقتي بلا حَجاب، نابسًا بنبرٍ هادِئ.
« يَا سيّدة البيت، يا عماد الدار، الحادِث وإن كان جللًا، فهو عِندي إلى زوَال، فإنّ وراءه يدًا غادِرة، وسأقصمهَا قبل أن تشتدّ وتتمادى، فلاَ يطول عليكِ همّه ولا يثقل صدركِ ذكره. »
تريّثتُ قليلاً وأنا أطبطبُ على كفيها الدّافئين.
« أمّا الأرض، فقد بلغني شكاية القَوم، وقد حقّ لهم أن يشكوا؛ فما غيابي عنهُم إلاّ عامٌ كأنّه قرن، وما تركي لسَاحتهم إلا جرحٌ في نفوسهم حسِبوه هجرانًا، وليس بهجرٍ، ولكنها مشاغل الدَّهر إذا جثم على صدرِ الرجل فأثقله..لكِنني هنا الآن جدّتي »
لكنّي عاهدتُ نفسي أن أعيد الحقّ إلى نِصابه، وأرضيهم بما يسكّن خواطرهم، وأمحو عن جبينهم غبرةَ الظنّ، فالأمر يسيرٌ على من عزم، وليس بالكبير على من حَمل السٌيف بيمينه، وأحيا ذكر آبائه بيسارِه.
إنّ عائلةَ خان ما وُجدت إلا لتبقى، وجذورُها ضاربةٌ في هذه الأرض كما تضربُ الجبال أوتادَها، وإن تزلزلَت الأرض من تحتهَا ساعة، فلن تُقوّض بنيانها.
استأنَفت وأنا أنثرُ قبلاتٍ سطحيَة على ظهرِ كفّها.
« فاطمئنّي، فها أنا ذَا قد عدتُ، ولن يهدأ لي بالٌ حتى أصلحَ ما انكسر، وأجبرَ ما انصدع، وأجعل من هذه الحادثة درسًا يخلّد، لا عثرةً تطيح، ومن شكوى القوم بدايةَ عهدٍ جديدٍ تُسطّر فيه سيرة عائلتنا من جديد، كما سُطّرت بأقلام السّيوف ودماء الرّجال. »
رفعت الجدةُ رأسها وحدّقت في وجهي بعينين غاصَ فيهما التّاريخ، كأنّهما سراجَان يوشكان أن يخبُو لهبهما، لكنّهما لا يزالان يبعثان دفئًا ونورًا.
لمحتُ ابتسامَتها الرّقيقة فارتاحَ خاطرِي، وقالت بصوتٍ متكسّرٍ يشبه حفيف الأوراق اليابسة.
« بَرد قلبي بما قُلت شير… نعَم، لقد آنستني كلماتك »
ثم سكتَت لحظة، وأرسلت بصرها بعيدًا، كأنّها ترَى في البعِيد أطياف الماضي، واستأنَفت.
« أنتَ حفيد أولئك الرّجال الذين كانوا صخورًا في وجهِ العواصف… أرى فيك ملاَمح أبيك، حين كَان يقف بين القوم كالطّود، لا تهزه ريح. »
مدّت يدها المرتجفة، ممسكَة بكفّي، وضغطَت عليه برفقٍ كأنها تسقِيني الطمأنينة من عروقها، قائلةً بنبرةٍ أكثر جدية.
« لكن… إيّاك والغُرور، فإنّه داء يهلكُ القلوب.
لا تدَع الكبر يسرقُك من نَفسك، بنيّ."
ثم أطرقت قليلًا، وشهقت نفسًا عميقًا، قبل أن ترفع رأسها وتتابع.
« الأرض ليسَت مالًا يُشترى ويُباع، بل هي أمَانة، من خانها خان الدّم والتراب معًا!
لا تجعل قَصدك أن تُخضعهم بالقوة، ولكن اجعَل قصدك أن تقيم العدلَ بينهم، فالقلوبُ لا تُملك بالسّوط، بل تُستمال بالرفق. »
هنا توقفت، وأرسلت نظرةً نافذةً في عينيّ، كأنها تريد أن تنقشَ كلامها في روحي نقشًا، ثم أضافت ببطء.
« احذر الغضب، فإنه نارٌ إذا اشتعَلت أكلَت صاحبها قبل غيره.
لا تكن شهابًا يحرِق الناس، بل ظلًا يفيء عليه من حوله.
ومن أحيا رجاءً في قلب أحد، أحيا الله رجَاءه، ومن أطفأ نورًا في صدُور النّاس، أطفأ الله نور قلبه. »
سكتت، ثم ابتسمت ابتسامةً صغيرةً أنهت بها حدِيثها كأنّها تدرِي فيما أفكّر، هل يُعقل أنّني كِتاب مفتوح الصّفحات أمامَها؟
« سِر في طريقك ولا تلتفِت كثيرًا وراءك… فالملتفِت لا يبلغ
واجعل وجهتك الله، فإن صلحَت النية هان عليك كلّ ما عداه. »
المُلتفتُ لاَ يبلغ
هذِه عليّ ترسيخها كي لا أسكن في ماضِيّ الذي لا أستطِيع الفرارَ منه.
وماهي إلاّ ثواني حَتّى أطلقت يدها من يدِي ببطء، كأنها تُسَلِّم إليّ العهد الأخير من وصايا الأجداد، خرجتُ من عندها كأنّي خارجٌ من محراب، وقد حفرَت كلماتها في أعماقي أخادِيد لا يزول أثرها.
وما إن جلست في السيارة وأغلق الباب خلفي، حتى هجم عليّ خاطرٌ واحد لا يفارقني
شاهبنَاز
ذلك الأخطَل الذي ما فتئ يعبث، يمدّ يده حيث لا ينبغي، ويثير العداوات حيثُ كان الأجدر أن يطفئها.
كَم من مرة صفحت عنه، وكم من فرصة منَحتها له، لكِن يبدو أنّه يتعمد أن يجرّني إلى الحافّة.
كأنّه يطلب الموت بيديه، أو يهوى أن يوقظ فيّ ذلك الذي أحاول أن أُسكنه.
أشعلت المحرّك، وانطلقت دُون جرّ سائقٍ معي، لكِن رجَالي تقفوا أثرِي كعادتهم، لم أسمع من ضجيج الطريق شيئًا، إذ كان داخلي يضجّ أكثر، كنت أسمع صدى كلمات جدتي عن الغضَب والرفق، لكنّها اصطدمت في صدري بصور شاهبنَاز وابتسَامته المستفزة، فاشتعَلت نارًا لا تهدأ.
وما إن وصلت إلى مجلس القوم، حتّى وجدت الحراس يتأهبُون ليقطعوا عليّ الطريق، تقدّم بعضهم بخطوات مترددَة، ورفعوا أيديهم في وجهي كمن يريد أن يصدّ السيل بجدَار من قش.
حينهَا صرختُ في رجالي، فانقضّوا عليهم كما ينقضّ الصقر على فريسته، يبعدونهم عن طريقي بلا رحمة.
أما أنا، فدفعتُ أحدهم بكتفي حتى ارتدّ للخلف، وكأنّ الأرض نفسها لفظَته.
أخرجتُ المسدس من حِزامي بيدٍ ثابتة، بينما اليدُ الأخرى تتحَققُ بسرعةٍ خاطِفةٍ من ذخيرته، هنَا صدَى صوتُ طقطقة شحنِه كأنّها إعلانُ حرب، وشعرتُ بنبض قلبي يوازي وَقعَ رصاص لم يُطلق بعد.
ها أنا ذا أدفعُ الباب برجلي فارتجّ المكان، ولم يكد بصري يستقرّ حتى اصطدم به..
شاهبنَاز.
لم يكن أبوه عزيز خان في صَدر المجلس، ذلك الشّيخ الذي يلوذ بالصمت كأنّه جبل لا يتزحزح، بل كان الابن المتسرّع هو أول من واجهني.
وقف في وجهي بملامح متحَفزة، ولسانٍ يسبق عقله كما عهَدته دائمًا.
رفعت عيني فيه، وشددت على سلاحي، ولم أدرِ حينها،
هل أسمع في داخلي صوتَ جدتي يحذرُني من الغَضب، أم أسمع هدير الدّم يطالبني أن أُسكت هذا الأرعَن إلى الأبد؟
كَان متكئًا على كبرياءٍ أوهى من خيط العنكبوت، يرمقني بنظرةٍ زائفةٍ مشبَّعة بالغرور.
ارتجف الدم في عروقي، واشتعل الغضب في صدري، حتى خُيّل إليَّ أنّ الأرض تضيق عليّ بما رحبت، أنذَاك رفعتُ السلاح، وثبّتُّ بصري في عينيه، فإذا بصَوت جدّتي يتردّد في أذني
'يا شير، العزيمة لا تكُون بذبح القَرابة، والحِكمة أن تمسِك الزّمام قبل أن تنفلت من يدك.'
توقّفت اللَّحظة، كأنّ الزمان جمدَ على مشارف القَرار،
وبقيتُ معلّقًا بين نارين
نار الدّم التي تدفعني إلى أن أُسكتَ هذا الوَضيع إلى الأبد،
ونار الوَصيّة التي تشدّني إلى الصّبر وكظمِ الغيظ.
هنا، عرفت أنّ الفصل لم يَعد بيني وبينه وَحدنا،
بل بيني وبين نفسي… بين رجلٍ يختار أن يُمسك زمام الحُكم بالعقل، أو يتركه ينفلتُ فيضيع في غبارِ الطيش.
لكِن هيهَات قَد صفحتُ حَتّى سمحتُ لهم بركُوب الظّهر
وها قَد بلغ السّيل الزُّبى، كادَ الأخيرُ أن يحرّك شفتَيه اللّتين يصَوّرانِ لي ابتسامَة مستَفزَة، وقبل أن يفعل صدَى صوت إطلاق الرّصاصة مع صراخِ عزيز خَان في الأرجَاء.
« شَاهبنَاز!! »
- نهَاية الفصل -
إن شَاء الله يكون عجبكم، الفصل ورينا فيه الجانب تبع التمريض لي درسته ميراب، يعني تخصصها بدل التطَوع هذا تبع التدريس وكمان متحمسين لروحتها لقصر الآغا!! السيدة الأمّ عملت عملتها بدون ما تخبر شير حتى الجدَة ما قالتله شي برايكم وش ردة فعله لما يشوفها في قعر بيته!!
أصلا برايكم تروح ولا ترفض؟؟
+ برايكم شير قتل شاهبناز، ترا الاخير زودها كثير في كلّ مرة يسوي غلطة أكبر من سابقتها، أيضا ما لاحظتو شي؟؟ الجدة لما تنصحه ليه تقوله القرابة والدم...معقول آل عزيز خان يقربون لشير محمد خان ؟؟
كيف؟؟ ليش العداوة ذي..
+ شفتولي الصغنونة لي خلات شير زي الجيلي 😞🤏
ميرنا الكتكت 🐥🐥
وبرأيكم وش شي لي لساته عايش فيه
في الماضي ذاك؟؟
لنا لقاء عن قرِيب إن شَاء الله بفصلٍ جديد 💗
الخَـنســ ــاء | 🇩🇿