شـکُوک.

شـکُوک.

26 0

ْ

النَّسيمُ يهمسُ في الحُقولِ،

يحملُ رائحة التَّراب وأسرَار الحيَاة

وهُو واقفٌ هنَاك،

كوَتدٍ شامخ، صَامد أمَام الرِّيح،

مُقلهُ لجّة لاَ يعرِف أسرَاره إلاَّ القلِيل

خطُواتهُ تَوقيعٌ ثابتٌ على الأرضِ،

وَصمته ثقلٌ يَنحنِي لهُ المَكان والزَّمان

الفُؤادُ رفرَفَ بينَ لهفَة الفُضُول

وإعجابٍ لا يُسبر أغوَاره.

أبقيتُ تركِيزي عَلى الرَّجل الذي أخذَ يتفحَصُ المحاصِيل، صفّا صَفّا كَأنّه سيسَلّط عذَابًا ما بعدهُ تعزِير إن رصَد خطَأ مَا، ولحدّ الآن لم أفهم من هذَا الشَّخص، ولم أعرف عنهُ شيئا سِوى اسمه

شِـيـر مُـحَمـد خَـان

تقدَّم المَدعُو شِير بخطوات هَادِئة، ووقارُه يشِي بسُلطة لا تُقهر، كَانت كلُّ حركة ٍ من حركَاته رسَالة صامتَة، كلُّ رمشَة عينٍ تحمل تحذيرًا، أخفضتُ أهدَابِي لأنّي لوهلةٍ أطلتُ النّظَر وخشيتُ أن يُفضح أمرِي، وشَعرت برهبةٍ تَتسَلّل إلى قلبي، لكِن سُرعان ما لاحَت خيوطُ الفُضول ستارَها عليّ، إذ بدَا الرَّجل وكأنّه وتينُ القريةِ النّابض.

لمحتُهم يتجمّعون حولَه وقد أخذ من كُرسي خشبِي مكانًا له في حين أن البقية جلسوا على بساطٍ مفروشٍ على العشب، لم أتخيّل يومًا أن أرى مشهدًا مثلَ هذا سِوى في المسلسلاَت أو القصَص، لكِن هاهو يرتَسم لمُقلي حقيقَةً.

يبدُو أنّهم في اجتمَاع وهو يترأسهُم، كَان هناك تجمّع للنّسوة قُربهم كي يتنصّتون لمَا يُقال، وطبعًا إرضَاء فضُولي غايةٌ لا تُدرك فتقدّمت أكثَر وأنا أشدّ على شالِي للخلفِ خشيَة أن يُزحزِحه الرّيح عن رأسِي، وكان أوّل ما يلجُ مسامعي نبر مرتجِف لعجـوز.

« آغـا شِير محمّد خَان، طالَ انتظَارنا...

الماءُ الذي يصِل إلى حقولِنا شَحِيح، زرعُنا عطشَان والسّواقي لاَ تصلُ إلى أرضِنا إلاّ بشكلٍ قليلٍ، نحنُ ننتظِر وفي انتظَارنا يموت قمحنَا قبل أن يشتدّ عوده.. »

اتّضح  أن هذَا الرّجل الذي يلفُ شالاً أسودًا مهيبًا حول كاهِله آغَا!

وكَيف لا يكُون وهو يمتَلك كُل المُواصفَات التي تُؤهّلهُ لذلك؟ أردتُ أن أصفعَ عقلِي لوهلَة كَي يلجمَ أفكَارَه لأنّي بدَوت بالهذيان، لمحتُ ثغره يرتفعُ قليلاً رُغم أنّ الموقف ليسَ في محلٍ للابتسامَة أصلاً، لكِن حتمًا في ظلّها حِكمة مَا.

« المَاءُ رزقُ الله، وليسَ ملكًا لأحدٍ

من يحجبُه عن أرضِ أخيهِ فقد حجب رحمتهُ عن نفسهِ،

وَقد تمّ معالجَة الأمرِ هذَا طبعًا

لن أغفَل عنهُ مجدّدًا، وعقبَ يومٍ ستأتِي الفرقُ المختصَة لتفقُد توزِيع المياهِ، كُونوا عَلى يَقينٍ تامّ لن يُظلم أحدٌ تحتَ سَقف

هذه القَريةِ طالما أنا هنا »

تقدَّم شَاب آخر، حَاملاً خطَابَات مكتُوبة بعناية، قائلاً بشهامَة.

« هُناك الأراضِي التي خُصصت لنا، ولم تصِلنا حقوقَنا كاملة!

يا آغا بعضها قُطعت منّا بلا سبَب واضحٍ »

رَفع شِير محمّد عينيهِ بتمعنٍ، ثم أعرَب بنبرٍ جهورِيّ يحوي بينَ تردّداته الحَزم والرّحمة.

« كُل حَق سيُسترد، لن يُظلم أحَد

لكِن تذكروا أنّ الحقُوق تأتي مَع المَسؤولية والعملِ الجادّ

كلّ أرضٍ ستَعود إلى صَاحبها الشّرعي »

من ثمَّ انتصَب كهلٌ وشرارَاتُ الحقدِ تكادُ تفيضُ من روامِقه، وكأنّه يلوم الجَالسَ أمامَهم بشَكل غير مبَاشر.

« ومَاذا عن الضَّرائب؟؟ رجَالُ التَّحصيل يأخذُون مِنّا أكثَر مِمّا نطِيق، نعمَل كَالبهائم وفي آخرِ المطَاف لا يبقَى بين أكفّنا سِوى الفُتات! »

سادَ صَمت ثقيلٌ، ووجُوم دَبّ في الصُّفوف، واضِح أنَّ ذرّات الخوفِ بدأت بالتّراص في دَواخلهم، يخشَون أن تقدحَ جُرأة وجسَارة هذ هذَا الشاب غضَب الآغا، غيرَ أنّه لم يَغضب؛ بَل رفَع كفّه وأشَار إليه ليتقدّم.

صرَاحة خشيتُ أن تنقَلب المَوازِين وَيلكم ذَلك الشّاب، هاهُو يتقدّم بهدُوء وَساقه متردّدَة، لكنه وقف أمامه بعينين مُتحدّيتين، ثمّ كسرَ  شير الصّمت بنبرٍ كالهَزيم

« الضَّرائب فُرضت لتعمِير الأرضِ، لا إفقَار أهلهَا

من ظلمَكم باسمِي فَهو خَائن، ومن سَرق مِنكم فلسًا

واحدًا سيُجلد أمَامكم.

أعطوني أسمَاء هَؤلاء الرّجال، ولن يشرِق عليهِم غدٌ

إلاّ وقد نُكّل بهم »

خلتهُ ختمَ ما يودّ لكِن هاهُو يضيفُ رافعًا برأسهِ نحو الجميعِ، وكَأنه يرغبُ ثمّ يرهب.

« لكِن… اسمعوا قولي جيّدًا..

لا أحَد يُعفى من حَقّ القريَة، من يَملك أرضًا فعليه أن يَدفع نصِيبه، حتّى تبقَى الطّرق عَامرة، والسَّواقي جاريَة، والمدارِس مفتُوحة. الحُقوق والواجِبات توأمَان، لا يعِيشُ أحدهمَا بلاَ الآخَر »

هَل هُو آلة؟ كَيف يردّ بهذه السُّرعة دُون ترَدّد أو لعثمَة؟ لو كُنت مكانه للويتُ لساني ألفَ مرّة في الثّانيَة، مقابلةُ السّيوف أهونُ من مقابلَة الصّفوفِ، هذه المقُولة أدعمها بالنّسبة للرّجال.

أمّا عنّي فلا أقابِل لا الصّفُوف وقطعًا لا السّيوف.

وأخيرًا، تقدَّم شابّ صغِير على أماراتهِ بعضُ التوترِ، ناطِقا بحذرٍ.

« هُناك من يعَرقل عملنَا في بَعض الأراضِي

وتلك الأراضِي التي سَبق وأن قيل لكَ أنّها سُلبت

كَان الفعلُ الشّنيع من أولٰئكَ الأشخَاص ذاتهُم..

تعبٌ وكدحُ أجدَادنا يذهبُ هبَاء منثُورًا حضرَة الآغا،

ولا نعلمُ إلى مَن نلجأ »

كَان وقعُ كلامِه كَالسّيوف وهي تغرزُ في لبّ الفؤادِ، نبرتهُ غمرها الحُزن وجسدهُ منهكٌ من الشّقاء فعلاً..لففتُ شفتاي عابسَةً لما سمعتهُ من شَاب أنهكتهُ الحياةُ.

هنا أومأ الآغا برأسِه وملامِحهُ تغيّرت إلى أخرَى غلبتها الجِديّة، لم تكُ كَسابقتهَا الرّؤوفَة.

« لَن يُسمح لأيّ شَخصٍ بإعاقةِ أيّ عَاملٍ أو مزارِع

منذُ هذا اليَوم، كان ذلك قبلَ أن أتولَى مهام المزَارع

لكِن حاليّا الوحيد المتكَفّل بكُم وبطلباتكُم أنا شخصيّا، لن يكُون بيننا وسيطٌ، سأضَع فرقًا للتّأكد من سَيرورةِ العمل على أكمَل وَجه،

ولن يستَغل أحَد الظّلم ليأخُذ ما ليسَ لهُ »

تكفَّلتُ بمرَاقبَة المَشهدِ من بعِيد، وقَلبي ينبضُ بإعجَاب غامرٍ،

لم أرَ رجلاً يجمعُ بينَ الصّرامة والرّحمة بهَذا التَّوازن العَجيب قطّ، شعَرت أنّ كلّ كلمةٍ منه تقطُن في القَلب، وتَزرع فِيه احترامًا لا يُقاوم.

لم أستَطع مَنعَ نفسِي من التّساؤلِ

كيفَ لشَخص أن يَجعلَ الجميعَ يصغُون إليهِ ويوقّرونهُ بلاَ تَهديدٍ، بلا قَسوة، فقَط بالعَدل والحِكمة؟

حَتّى أنّني لاَحظتُ اهتمَامَه بأدقّ التَّفاصيلِ، رُغم إصغائهِ للمطَالبِ إلاّ أنّه لم تفتهُ صغيرَة ولا كَبيرَة، مقلهُ مالت لطفلٍ يراقبُ مِن بَعيد، لحَركة يدٍ نحوَ كلبٍ صغِير يلهُو عَلى حواشِي المكَان، لابتسَامة المزارعِ لصديقهِ عقب الادلالِ بمطلبِه، كُل شيء يُوحي بأنّ هذَا الرّجل يرى العَالم بعينٍ عادلةٍ، لا تغِيب عَنها ذرّة.

عقبَ انتهَاء الاجتمَاع، وعَودةِ المزارعِين إلى الحقُول، شعرتُ بمقلٍ تترصّدُ ظهري، وانقبَض صدرِي لدرجَة أنّي لم أقوَ على لفّ بدنِي، لكِن استقويتُ باللهِ وفعلتُها وكان أوّل ما لمحتهُ هو شير مُحمد خان وهو يرفعُ بيده ليضع نظّاراته الشّمسيَة، مقلهُ كانت صَوبي، لكِن يبدُو أنّها كانت للمحاصِيل.

« الآن عليّ التّشهيرُ بما أتيتُ لأجلهِ..حانَ وقتُ العملِ »

عُدت إلى منزلِ الجدَّة ويبدُو أنّ معها حقّ، فالحقُول أرشدَتني وعدتُ دُونها عقبَ أن استأذنتُها للمغادَرة، في الأوّل لم تسمَح لِي خشيَة أن أتيه لكِن طمأنتُها وحجّتي كَانت لن يحصُل شيء سيء، وإن تهتُ سأسأل النّاس وسيدُلوني حتمًا لبيتها، فهي مشهُورة زوجهت من نخبَة المُزارعين.

حالمَا وصلتُ للبيتُ بدَأتُ بترتِيب أمُوري، وضعتُ ملابسِي على السّريرِ، وأدَوات العنَاية هي الأخرَى هناك، من ثمّ استخرجتُ ملفًا كَان في الجانِب، من ثمّ بدأتُ بتوزيع الاعلانَات على الأرضيّة، هنَاك قرابة 20 إعلان، وطبعًا ستفي بالغرضِ إن شَاء الله.

هذَا يعتبرُ أحدَ أحلامِي الكَثيرَة...

تعليمُ الفتياتِ حَق لا يُنكر، وإشعَال شعلةِ العلمِ في قلوبهِنّ.

هذَا شعارُ إعلانِي، شَعرت بحماسٍ يغمرنِي، وبدَأ قلبِي يتراقَص على نغمَة الأملِ، حِينها غُصت في خيَالي الواسِع أينَ أرتدِي مئزرًا أبيضًا، لم أفلح في أن أكُون من الجُند البِيض في المُستشفيات، لكِن سُبحان من يقَدّر الأمُور ها أنا سألبسُ الأبيضَ لكِن للتّدريس لاَ للتّمريض.

سأكُون تلكَ الشُّعلة التي تنيرُ طريقهنّ بإذن الله

ولن أخيّب ظنّي ولا ظنونَهنّ وأهاليهنّ

هذه المنطِقَة من خيبر أبَاد بحاجَة لأستاذَة لبناتِهنّ

كونَها كَانت في حالةٍ يُرثَى لها قبل 4 سنينٍ، سَمعت بأنّها كَانت ساحَ وغَى فقَط، حتّى أن الحيَاة فيها كَانت صعبَة، وعقبَ أن تعدّلت الأمُور شرعوا في البُنية التحتِيّة والتّركيز عَلى اليدِ العاملَة من الرّجال كَالزّراعة والحدَادة، خيبر أباد معرُوفة بالزّراعة ومحصولها المُميّز لخصُوبة تربتِها، في حين غفلوا عن أهمّ شيء وهُو التّعليم.

التّعليمُ هنا قليلٌ جدًا، هناك العائلاتُ ذات الحالِ الميسُور والتي تتكفّل بتدريسِ أبنائها خارج المدِينة والبقيّة يدرّسونهُم بعضُ الرّجالِ هنا، لكِن الفتيَات قلّة منهنّ يدرُسن وأغلبُهنّ لا حظّ لهنّ بهذَا خصُوصا الكبيرَات في السّن.

ها أنا أثبّت الإعلانَات على جذُوع الأشجَار وفي الحيطَان وأيّ مكانٍ يلفتُ نظرهم، حتّى أنّني بحركتِي تلك قمتُ بجذبِ عددٍ نزيرٍ من الأشخاصِ رجالاً ونسَاء، كَان كُل ما يصلنِي هو وشوشَات هامسَة لم أفهمهَا.

وحالمَا استدرتُ للجمع حولِي رأيتُ الغرَابة تكتسِحُ ملامِحهم، حينها بدأتُ بالتوضِيح لهم.

« تعَالوا جميعًا، هذَا إعلانٌ يخصّ بناتنَا

بناتُ القريَة، لن يكُون هُناك تَمييز بينَ كبيرَة وصَغيرة، بين غنَية وفقيرَة، العلمُ حقّ لكلّ فتاةٍ، وسأكُون هُنا لأعلمهُن ما يليقُ بقلُوبهنّ وعقولهِن، دُون تكلِيف الأهالِي مادِيّا فقَط اسمحوا لهنّ بخوضِ هذه التّجربة معي »

لمحتُ الفرحَة تتَلألأ في أعينِ النِّساءِ والرّجال، ابتسَاماتهُم تَرتسم كَالنُّور في الصَّبَاح الباكرِ، لم أكُن أعتقد أن أحصل على هذَا القُبول من المرّة الأولَى، خلتهُم سيهاجِمُونني طَالما جِئتُهم بفكرَة جدِيدَة عنهُم.

لكِن اتضَح أنّ هذه الفِكرة أصلاً أعلنت عَنها الجَمعيَة الخيّرية خيبر أباد، والتي أنا إحدَى المتطوّعاتُ فيها، خلتُ أنّها فكرتِي لكِن كان كلّ شيء مدرُوس وأنا مجرّدُ بيدقٍ حُرّك من مكانهِ لمكانٍ آخر للخِدمة، ومع ذَلك يُشرّفُني أن أكُون في منصبٍ كهذَا، لا تهمّ ملكيّة الفِكرَة بقدرِ مَا يهمّ العمل وثمَاره.

عُدت أدراجِي ثمّ قرّرت جمع الكُتب التي جلبتُها معي في صنادِيق، الجمعيَة ستتكفّل بالطّاولاتَ وَالسّبورة وتلك الأقلام، في حِين أخبرتهُم أنّي سأشاركُ بمالِي لشراءِ الكُتب والدّفاتر للبنَات، لكِن قبل أن أضيف لهنّ الدّفاتر كُنت أنتظرُ في أن أملأ قائمَة الطالبَات.

هاهُو المسَاء يقترِب وَالشّمسُ تعلنُ عن موعِد اندثَارهِ تاركَة خلفَها حمرَة قانيَة، وكأنّها تذرفُ دمًا على فُراق السَّماء، جالسَة أضمّ اللّوحة الإلكترونيّة إلى صَدرِي في انتظَار تسجيل طالبَة ما، لحدّ الآن لم يأتي سِوى ثلاثَة عائلاَت، أيعقَل أن يدُوسوا على حمَاسي بهذِه الطّريقة، عقبَ أن أرونِي قبولهم للفِكرَة؟

شعرتُ كمَا لو أنّ وتينِي التفَ حولَ قلبِي فقبَض عليهِ، ولَم يعد بمقدُوره ضخّ الدّم براحَة، أيعقَلُ أنّي لن أدَرس الفتياتِ اللاّتي غادَرتُ مدينَتي لأجلهنّ!

ووسَط هذَا الشّجن الذي توجّس دواخِلي كَالطُّفيلِي اللَّدود، أخرجَتني رنّة الهاتفِ من سهوتِي وما كَانت سِوى زُويَا، رَفيقَتي وَأختي التِي لاَ تشَاركُني الدّم، هي فعلاً أقربُ شخصٍ لي بعدَ والدِي، أرَى فيها أمّي المُتوفية رحمةُ الله عليها، لم أرَها قيل لي أنّ الحَتفَ كَان أقوَى من قُدرتها على الكِفاح، كَانت في غُرفة العمَليات تُصارعُ لترى ابنتها النُّور، لكِن شاء الله أن يأخذَ منها روحهَا

قبل أن ترى ما جاهَدت لأجله.

جاءنِي صوتهَا مرحًا وحيَويًا كَالعادَة، دومًا ما كَانت الشّخص النّشيطَ والمُتأهِب لكلّ شيء.

« ميـرَاب! أخبرينِي..

كَيف هي حَياتك هنَاك؟ كَيف تبدُو القَرية؟ هل أبهرَتكِ أم أرهقَتك؟ »

ارتَفع جانبُ ثغرِي بابتسامَة دَافئة كونها سألت كُل شيء دُفعة واحدَة، حينها أعربتُ عن رأيي حول المكَان.

« الحمدُ لله، كلّ شَيء عَلى ما يرَام…

القريَةُ هادِئة، الطَّبيعة سَاحرة، والنَّاس طيّبُون، لَكنّها مختلِفة عن المدِينة، مليئةٌ بالهدُوء العَمِيق الذي يُربك القَلب أحيانًا »

حالمَا ذكرتُ لفظَة الهدُوء مرّ شريط الصّباح في ذهنِي ملتقطًا طيفَ شخصٍ هادِئ، ذاك الهدُوء الصّاخب الذي يلفتُ نظرَ وفضول الشّخص فالتزمتُ السّكوت مُؤنبَة نفسِي على ما شغل فكرِي لوهلة.

لكن ماهي إلاّ ثواني حَتى بلغتني قهقهَة زويَا سائلة بنبر مرحٍ شقيّ.

« مختلفَة؟ حَسنًا

لَكن هل وجدتِ هُناك شيئًا يُدهِشك؟ شيئًا يثيرُ الفُضول؟

كَـ الهدُوء الذي يربِك القلب؟ هاه؟ »

وكَأنّها تُلمّح لشيء مَا وتَودّ حشرِي في زاوِية الحدِيث؟

لكِن حقًا قصدتُ هدُوء الطَّبيعة!

والآن بسُؤالها هذَا على هذِه الشّاكلَة ترغِمُني عَلى تَخيُّل ملاَمح شِير محمّد خَان، لا ذَنب لِي فهذه أفكَاري وأفكَاري لاَ حدُود لها على نقيضِ أفعالِي التي أكبحُها في الأوقات التي أودّ.

« نعَم… هُناكَ أشيَاء صَغيرة تجذِب النَّظر…

تفاصِيل دقيقَة في حَياة النّاس، في وقَفاتهم، في نظَراتهم…

أشياءٌ لم أعتَد عليهَا »

لاَ أدرِي لمَا تخيّلتُها تجحظُ بمقلها وتطأطِئ برأسها مسايرَة كلامِي الذي بدَا لها ذا وقعٍ غزلِيّ، لكِن مجدّدًا لا أقصدُ شيئا من ذاك القَبيل.

« تَفاصيلٌ دقيقَة، تقولِين؟

هل وقَعَ قلبُك في شبَاك رَجُل يفيضُ حُضوره ما يملأ المكَان هيبَة ووَسامَة، رجُل بثَبات أوتادِ القريةِ شَامخة، كنسِيم الصَّباح يوقظ الرُّوح؟ »

شعرتُ برجفَةٍ خفيفَة أصابت فؤادِي لوقع كلمَاتها الشّاعرية عليّ، فأنا امرأة عاطِفية أخطَفُ بلفظَة دافئةٍ وَأُسلبُ بنظرَة عميقَة، فما بالكِ بطنّ من المفردَات، لكِن حاولتُ التّحكمَ هذه المرّة في ردّ فعلِي.

«استَغفري مولاَك أيَّتها المشَاغبة

كلّ شيء هُنا يحتَاج للصَّبر قبلَ الحُكم،

إضَافة لذلكَ لا يمكِن قيَاسُ الرِّجال بلمحَة عَينٍ واحِدَة »

لكِنّها لا تزالُ متشبّثةً في سُؤالها، لا تودّ تركَ مجالٍ لي لأفرّ من بينِ براثينِها،  وواصَلت بلهجة تمزجُ بينَ الدُّعابة والجديّة.

« برَبّك ميرَاب لم أقُل لك علاَقة مُحرّمة..

في الأخيرِ هذا قلبٌ، والقلبُ يميل..

ألا يوجَد مِن هؤلاَء الرَّجال قوتُه تُرى في خطَاه، ووسَامتهُ في وقَاره، حَتّى كأنّ الأرضَ نفسَها تنحَني أمامَه؟ هل وَجدت فيهِم من يَترك أثرًا في النَّفس قَبل العُيون؟ سَمعتُ أن رجَال القُرى ما يميّزهم القُوة والحِلم والحِكمة! »

وكأنّها تصفُه دُون أن ترَاه عجيبٌ أمرَها، لوهلةٍ خلتُها تدرِي بالضّبط ما يشغلُ بالِي وأفكَاري، والآن هي فقَط تحاوِل استدرَاجي بالحَديث، لكِن هذا مُستحيل.

« قَد يكُون هنَاك مَن يُلفتُ النّظر فعلاً

لكِن الآن ليسَ وَقت الحدِيث عَن القُلوب،

لديّ مهمّة أكبَر…

أنا هُنا لأزرعَ نورَ العِلم، لاَ لأنشغِل بالهوَى »

هاهي تُرسل لي ضحكَاتها التي تنمّ على ارهاقِها من محاولةِ قراءة أسطُري دُون عناءٍ، فقد استوعَبت أنّي لن أخبرَها الحقيقَة إلا بشيفرَات وهي أكسَل من أن تشَفّر حدِيثي، لذا تراجعت.

« حسنًا، حسنًا…

لكِن تذكرِي أنّني سأعرِف كلّ شَيء في وقتِه! »

أقفَلتُ الهاتفَ عقبَ أن دردَشنا قليلاً قـرابة نصف سَاعة تقريبًا، تحدّثنا في أمُور شَتّى، أمور الفتيَات، أمُور القُلوب وأشيَاء مُشابهة،

وها أنا ذَا أعُود بنظري ناحَ الكُتب والدّفاتر التي تقابِلني، لقَد بلغ اليَأس أوجّه فمنذُ ساعاتٍ لم يأتي شخصٌ واحد للتّسجِيل.

كدتُ أجمَع الأغرَاض لكن هاهي عائلاتٌ تلجُ المكَان الذي أنا فيه، لم تكُن أم واحدة ولا أب واحد، بَل عددٌ كبير من الأهَالي، عَددٌ يروِي ظمأ أملِي، عددٌ يطبطِب عَلى شجَنِ الفُؤاد، وكأنّهم اعتذَار عَلى الانتظَار.

شَعرتُ وَكأنّ الرِّيح التي تتَسلَل عبرَ النَّوافِذ تَحمل معهَا نَذر التَّغير.

فِي هذِه اللَّحظة، أدركتُ أنَّ المغَامرَة الحقِيقيّة طَفقَت الآن، وأنّ كلّ خُطوة ستَأفلُ تاركَة أثرًا ليسَ فقَط في حيَاة الفتيَات، بَل في فُؤادي أيضًا، في هَذا المَكان الذي بَدأ ينبضُ بالحَياة على طرِيقتِي الخاصَّة.

---

انتهى الجَمع، وانفضَّ القومُ من حَولي كما ينفضّ الغُبار عن الأرضِ بعد هبوبِ الرّيح،كنتُ واقفًا في صَدر السّاحة، لا أُحرّك ساكنًا، لكنّ أنفاسِي كانَت مُثقلة بما سمِعت من شكاوِيهم

.

تِكرَار الأيّام يجعَلني أعرِف وُجوهَهم واحدًا واحِدًا، حَتى صِرت أقرأ في ملاَمحهم قبلَ أن ينطِقوا، ذَاك يَسأل عن المَاء، وذَاك يَشكو من الأرضِ، وآخر يطلُب الإنصَاف في قِسمة ما،كُلها وجُوه أعرفهَا كما أعرف خطُوطَ كفّي، لكن… اليَوم كَان ثمّة وجهٌ آخر، غريبٌ عن مألوفِي.

لمِحتها في الزّاوية، تقفُ متوارِيَة بين النّسوة، لم يكُن حضُورها كحضورِهن، ولا وقفتها كوقفَتهن، ثوبها لم تُحكهُ يدُ القرية، ونَظراتها كانت تحاوُل أن تخفي شيئًا من القلقِ، شعرتُ للحظَة أنّ الهوَاء من حولهَا صارَ أثقل، كأنَّها طيفٌ جاءَ من بعيدٍ لا يعرِف لهُ مكانًا في هذهِ الأرضِ.

لم أدرِ لمَ شدّتني إليهَا، ولا لمَ بقيتْ عيني تلاَحقُها رُغم أنّني أمقتُ إبدَاء فُضولي، فرحتُ أهزّ رأسي كمَن يريدُ طردَ الخَاطر، لكنّه ظلّ عالقًا كشوَكةٍ في الحَلق.

سِرت بين الصُّفوفِ، أصغِي للرّعية حتّى خُتم اللِّقاء، متكَلمًا حِين يوجبُ الكلاَم، بصوتٍ لم أحتَج فيه أن أرفعَه، فالكلّ هُنا يعرِف أن الكلمةَ إن غادَرت ثغرِي فهي عهدٌ وميزان، ولم يقابِلني منهُم سوى الايمَاء وتمتمات الشُّكر، لكنّ ذهني لم يكن خالصًا لهُم هذه المرّة

فهنَاك مشوّشاتٌ لا ينبغِي أن تكُون.

حين انفضّ الجمع وتفرّقوا في السُّبل، دنَوت من راجَا حَارسي المَوثوق، والذي يرافقُني لكلّ مكانٍ تطأه قدَميّ، مُلقيا عليهِ تسَاؤلي بنبرٍ خافتٍ، مشيرًا على العنصُر بنظّارتي الشّمسية قبل أن أعيدها إليّ.

« مَن تلكَ التي كانَت تقِف بين النّسوَة؟ »

خلتهُ سيشفِي فضولي بردّه لكِن نظراته المتحيّرة دَلّتني على عدمِ معرفتهِ، لم يكُن يركز مَع إشارتِي لذلك أجَابني.

« سيّدي لم ألمح غير وجُوه نعرفهَا مذّ سنين..»

كيفَ لم يلمحها وهُو الذي كَان منتصبًا قُربها؟ زممتُ شفتّي بامتعَاض كونَ الأمر لم يمرّ علي مرور الكرَام مثله، وها أنا أشيرُ بالنظّارة مرّة أخرى عليها علّه يلتقط اختلافَها آمرًا إيّاه بلهجة صارمَة.

« ابحثِ لي في شأنِها..

اسمها، فصلهَا، أصلهَا، من أينَ جاءت ولمَ جاءت

أريدُ كلّ المعلومات اللّيلة قبل الغد! »

هاهو ينحنِي بطَاعة عقبَ أن ألقيتُ عليه تلك الأوامر جاعلاً إيّاه متيقنا أنّه مجبرٌ غير مخيّر في المدّة الزّمنية، في الأخيرِ يجبُ علينَا أخذُ الحذَر، من يُؤكد لي أنّها مجرّد مدنيّة عاديّة؟ أو شخص غير مشكُوك في أمره؟ رُبّما هي عينٌ للأعدَاء من يدري!

مضَيتُ بعدهَا نحوَ الطّريق المؤدّي إلى مَقر الجمعيّة الخيريّة،كنتُ أعلَم أن ثمّة تحضيرَات جارِية هناك، وقَد بلغنِي قبل أيَّام أنّهم يستعدّون لافتتَاح العَام الدّراسي الجديدِ، في الأخيرِ أنا المتكَفّل بكلّ متطَلباتِهم والمسؤولُ عن أفكَارهم وإن كنتُ لا أُشرف عليهِ بنفسِي دائمًا،

فإن اسمِي كَافٍ ليكونَ سندًا له.

لطَالما رأيتُ أنّ العلمَ ليسَ زينَة، بل قوّة تحفُظ المجتمَع من الانحدَار، حتّى النّساء لهنّ نصِيبّ فيه؛ وإن اعترَض بعضُ كبار السنّ، فأنا أعلم أن الجَهل لا يورِث إلا العَطب، كُنت قَد صفعتُ طاولةَ الاجتمَاع مع السّادة بقرَار حدِيث، ألا وهُو تدريس الفَتيات ورغمَ الهرجِ والمرجِ الذي حصَل، إلاّ أنّهم لن يتمرّدوا عن قرارِي، لكِن لستُ أدري بعد إن أتمّوا كلّ التحضيرات حيَال هذا!

فور أن بلغتُ المقرّ تمّ استقبالي بحفاوةٍ من قبل المديرِ، من ثمّ دَلّني على مكتبهِ أين تبادَلنا أطرَاف الحدِيث غايَة أن بلغنَا للنُّقطة الأهمّ، فعدّلت من جلستِي سائلاً.

« هَل جلبتُم من تتكَفّل بالفتيات؟ »

« آه ذاك المَوضوع..نعم لقَد وصلت اليوم فقَط، لم يتسنّ لنَا لقاؤها لكِن أرسلت لنا رسالَة حول قدُومها غدًا إن شَاء الله..»

أومأتُ برأسِي راضيًا عن عملهِم لكِن لم أتوقف عن التَّعمق في هذا الموضوعِ، طالما أنّه حسّاس خصوصًا بالنّسبة لأهالي القَرية.

« أرنِي معلومات الأستاذة »

لمحتُ بين طيّات تجاعيدهِ بعضًا من التّوتر الذي لاَ تبريرَ له، سوى الخشية..لكن مِن ماذا؟ حينها طَالت يدّه ناح الدّرج وسحبَ الملفَ لي، نظراتي كانت تلوح بينَ تقاسيمه وبين الملفِ ذاك، وفور أن وقعَ بين كفَيّ رحت أفتحه متفحصًا إيّاه، لكن ما وجدتهُ في أوّل صفحَة جعلَ أحدَ حاجبِي يرتفِع..لم أكُن أتوقع

تِلك الفتاة الغريبَة، صورتها..

ومِن المعلومات اتّضح أن اسمها ميرَاب، وكيفَ لاَ وهُو يليقُ على الصَّفاء فكيفَ تُكدر نقاوةَ ما رأيته اليَوم، أشكّ أن هذا سيحصل يومًا، حينها ارتفعَ جانبُ ثغرِي تلقائيًا وكأنّي كدتُ مكيدَة لفريسَة وهاهي تقعُ في شبَاكي دُون عنَاء، لكِن فجأة سددتُ الملف دفعة واحدَة مدلكًا بين حاجبّي..وهمسٌ غادرَ ثغري

لا حولَ ولا قوّة إلاّ بالله..

كيفَ لي بالتّفكير في هكذا أشيَاء، هذا حتمًا لستُ أنا

شير محمّد خان ما الذي يحدث؟ هذه نظرةٌ خاطفَة فحَسب!

لم أكُن أُصادرُ دهشتِي كثيرًا؛ فالدَّهشة في مقَامي تُقرأ ضُعفًا، والضُّعف في هذه الأرضِ يُفسَّر على أنه ثَغرة للخصُوم،

لذلك كتَمت ما جَال في خاطِري، ومضيتُ إلى بالبَهو مغادرًا حـجرة المديرِ، وهذَا الأخيرُ كَان يتلعثمُ الشكرُ على شفتيْه، وقبلَ أن أختفي عن ناظريه قلتُ بهدوءٍ يختزن الصرامَة.

« اسمَع كَرِيم، نَحن لا ننكرُ على أحدٍ طرِيق العِلم،

بل نَجعله طرِيق النّاس كلهُم..

لكننِي لا أريدُ فوضَى مسَارب ولا تعدّد مشَارب،

كُلّ معلمة أو متعلمةٍ تدخُل هذه الدّار عليها أن تُقَيَّد في سجلّها،

وأن تُعرّف بعنوانِها وأهلها ومقصَدها،

وأن تَعلم أن بينَ هذا السّقف حرمًا لا يُنتهك »

هزّ رأسه موافقًا، والقَلق يشفّ في عينيْه حينها أخبرتهُ بأن يجلبَ سجلّ تلك المُسمّاة ميرَاب فعاد أدرَاجهُ لغرفتهِ وأنا أبقيتُ ناظرَيّ على القاعاتِ الشّاغرَة التي ستكُون ملأى عن قريبٍ بإذن الله..

شعُور أن تسهم في تطوِير ذواتِ الصّغار لا يمكنُ أن تجد له نعتٌ أبدًا..

هاهُو يعودُ الملفّ إلى كَفي مرّة أخرَى حينها استأنفتُ إلقاء أوامرِي عليهِ، مشيرًا على المَمر الشرقي الخلفِي الذي أمعنتُ النّظر إليه قبل مجيء كرِيم.

« أدخلُوا أسماء البَنات جميعًا، ورتّبوا لهن فصُولاً في الصفّ الشّرقي، وافتحُوا الممرّ الخلفي للنِّساء وحدهنّ، كذَلك أريد نظامًا واضحًا للحضُور والانصرَاف، لا رَجل يدخُل عليهِنّ إلا بخُبرٍ وبسَنَدٍ

ومن يتعرّض لمعلّمة بكلمَة سُوء، رجلاً كانَ أو صبيًّا،

فليستعدّ لحَد السّوط، لن تنتهك حُرمة النّساء وحتمًا ليسَ تحتَ حكم شير محمّد خَـان، فهمت؟ »

أقسمُ أنّ عنقهُ في حالةٍ يُرثى لها من كثرة الايمَاء، لا أحبّ هذه الحركَات فالله قَد خلقَ لنَا لسانًا للحدِيث وما أنا إلا بعبدٍ مثله..

« وهَل نُثبتُ هذا نِظامًا مكتوبًا حضرَة الآغا؟ »

« نظامًا مكتوبًا وممهورًا بختمِي ولْيُعلَّق على الباب كما تُعلّق الوصايَا »

كنتُ ألقِي عليهِ الكلمَات والعقلُ كان يرنُو ويغورُ في مكانٍ آخرٍ تمامًا.. ليس خوفِي من تعليِم البنَات، فذاك رأيي قديمٌ

لا يُزايد عليه أحدٌ، إنما خَوفِي من الحجارَة التي تلقيها يدٌ متهوّرة في ماءِ القريةِ الرَّاكد، التغيير يُخيف من اعتَاد عاداتٍ لا يفرّق بين العُرف فيها والشَّرع، وأنا أعرِف أنّ فِي الأطراف رجالًا لا يطيقون

أن يرَوا لوحةً على بابِ مدرسَة للبناتِ دُون أن ينَالهم هياجٌ أعمَى.

التفتُّ إلى الحَارس الواقفِ خَلف البابِ، معربًا بهدُوء.

« أرسِل اثنين من الرِّجال ليتابعُوا مجلسَ النّساء غدًا ساعةَ افتِتاح الترشيحِ، واحرِص على أن لا يلوّحوا بسلاحٍ، لكن لِيعلم كلّ من يمرّ أن المكَان في كَنفنا »

« سَمعًا وطاعَة »

عدتُ إلى الملِف المرتخِي بين أصابعِي، كانَت سطورُه شحيحةً لا تشبِعُ فضولًا،  مِـيراب الاسمُ وحدَه يترك فراغًا واسعًا من حَوله، كأنَّه بحرٌ لا ضفَاف لهُ، فَبادرتُ المديرِ بسؤالٍ مباغتٍ حتمًا لم يكُن ينتظر سمَاعه.

« من زكّاها؟ »

تعانَقت أنامِله وكأنّها تنسجُ كلمَاتٍ لتغادره وهاهُو أخيرًا يردّ.

« وَصلتنَا برفقة عجوزٍ تُدعى بيبي خدِيجة – على ما ذُكر – وقدَّمتْها بلسَانها، وقَالت إنّها من أهلِ الصَّلاح والاستقَامة، وأنها جاءَت لتُعين بنات القَرية على القِراءة »

تناهَى إلى سمعِي اسمُ بِيبي خديجَة فخفّ عنّي بعض ما ثقل، تلك امرأةٌ عركتها الأيام، ما عرفتُ عنها إلا صِدقًا وحزمًا.

« إذا زكّتها الجَدة، فأمرُها مقبولٌ مَبدئيًّا، غير أنّي أحبّ أن أعرِف من أين تُمسك هذه الفتَاة حبلهَا، اكتبوا لي كتابًا إلى الجدَّة، سلّموه بيدٍ أمينة، واسألوُها أن تُرسل إليّ اسمَ العائلة وبدايَات النَّسب، ليس من باب الشَّك، بل من بَاب الضَّبط »

أومأ المديرُ مرّة أخرَى وخالَ أن أوامرِي انتهت وأني سأهمّ بالمغادرة، فاستَوقفتُهُ مرّة أخرَى.

« وثمّة أمرٌ، لا أريدُ لهذٌه المتطوّعة أن تُدرّس خارِج هذه الأسوَار حتى نَستوثق من الأمرِ كلّه، هنا نضمَن النظَام والحرم، وهنَاك – فِي العرَاء – يكثرُ القيلُ والقالَ وتضِيع الرَّقابة »

ها أنا أغادرُ لكِن تلك السّاحة سَحبتني من قمّة الكهُولة إلى قاعِ طُفولتي، أينَ كُنّا ننشدُ النّشيد الباكستَاني ونلقي التّحية العسكرِية في الأرجَاء، مشَاعرٌ مبعثرَة دَفعتني لوضعِ كفّي على صدرِ الشّال الملفوفِ حول كتفَيّ، حيث يسكُن قلبي كطائرٍ ذو جُناحين،

جناحٌ من الحَديد، وجناحٌ من القطنِ، الحدِيد للخصُوم حين يشهّرون أنيابهُم، والقطن للرَّعية حين يَطلبون حقّهم.

غريبٌ كيفَ يتعايشَان في قفصٍ واحدٍ.

مشيت الهَوينى بين الأشَجار حتى بلغت البابَ، مومِئا للحارس أن يسبقني، لكن رَجلاً خمسينيًّا أوقفني على استِحياء، وعيناه تدُوران في محجريهما خوفًا من تطاولٍ لا يحتمله المقَام.

« يا آغا… في السوق… يقولُون إن إعلانَ البنات قد أُزيل من باب الدكّان الكَبير لعمرَان، وأنّ بعضَ الصّبية رمُوه بالحجارة ثم مزّقوه »

لم أحرّك ساكِنًا ولم أُبد ضيقًا، لكنّ البرودة تسلّلت إلى أطرَافي كما تفعل حين يداهمُك مطرٌ في ليلٍ قارسٍ، وبنبرٍ حثيثٍ يحفر معنَاه في الحجر سألت.

« ومَن هؤلاء الصِّبية؟ »

« لاَ ندري يا آغا… قيلَ أنّ فيهم وجوهًا من أطرَاف البَلدة، وربما من نواحُي آل عزيز،كلامُ سوقٍ، لا حجّة فيه »

آل عَزيز...

الاسم وحدَه كافٍ ليوقظ في الدّم حرارةً أعرفها كما أعرُف وجهي في المرآة، ما عَاد بيننا وبينَهم إلا جدارٌ رقيق من صَمتٍ ضرورّي، نكتم تحتَه نارًا رُبّما تتصيّد أوّل شرارةٍ لتشتعِل، مسحَتُ عن وجهي أثر الخاطرِ، وأعربتُ.

« اذهَب، قُل لصاحب الدُّكَان أن يلصق الإعلاَن مرّة أخرى، وليحرسْه إن استطاعَ..

أمّا الصبية، فسيجدًون من يردَعهم إن عادوا »

تابَعت الطَّريق إلى عربَتي، لكِن دَاخلي كانَ قَد غادرَ إلى ميدَان آخرٍ، تذكّرتُ اللّقاء الأوّل لهؤلاء الخصُوم، وكيفَ كَانت أول رصاصَة فِي حياتي درسًا بلا مُعلّم، ليس الفَتى من يقسـو على عدوّه، بل من يقسُو على هواه ساعةَ الهيَاج.

أنا أعرِف أنّ العودَة إلى سَاح الصِّدام لا تحتَاج إلاّ إلى كلمَة، وأعرف أيضًا أن كلمةً أخرى قد تقِيم جسرًا فوق هاويَة، لِذلك أتمسّك الآن بالخَيط الأدَق، أنْ أمنعَ الضَّجيج، وأن أُمضي النذر اليسيرَ مِن الحزمِ في الوقت الذي ترَى فيه العيون أنّ القبضة مفتُوحة.

عادَت السّيارةُ تسير بي في طَريق القصر، والمحاصِيل على جانبيّ الطريق تستعرض ألوانها، وجماعةً من النّساء يحملن سلال الخبزِ على رؤوسهنّ، لكِن ما لفتَ انتباهِي هو طفلةٌ تنظر إليّ وهي تُخفي نِصف وجهها خلف ذراع أمّها.

تذكّرتُ إذْ ذاكَ طفولتِي، وكَيف كانت أمّي تُعلّمني في زَاوية الدارِ حروفًا كتبتُ بها بعد سنينِ أحكامِي ووصَلياي، لولا تلكَ الزاوية، لكنتُ اليوم راعيًا لا سُلطان لهُ إلاّ على ناقةٍ وشاةٍ

العِلم يرفع المَرء حتّى في عيُون نفسِه.

عِند بوابة القَصر، كان الحرَس على هيئتهم المعهُودة، أينَ حيّاني كبيرهم بإيماءَة سريعةٍ، ثم تبعني إلى داخِل البهو راجَا، فقلتُ له.

« أريدُ خبرًا عن المَرأة التي سألتُك عنها، لا أريدُ ظلالًا ولا أشباحًا، بل اسمًا وبيتًا وكفيلًا، وإن سألَك أحدٌ عن سبَب السّؤال، فقُل الآغا يسألُ عن كلّ جديدٍ في البلدَة، لا تُشِعُّوا قصةً قبل أن تُشقَّ »

« مَأمورُون سَيّدي »

دلفتُ إلى المجلسِ فكَانت أمّي أمينة بيكم، وجدتِي بيبي جنان، في صدرِ الحرم، والنّسوة حولهمَا ينظّمن ما يلزمُ لوليمةٍ صغيرة تُقام للمدرّسات والمتطوّعات في مطلعِ الأسبوعِ، مَا أعجب الأقدَار حين تتساير على طرقٍ لا نخطّها بأيدينا!

هاتَان المرأتان هما سرّ قوتي وسِرّي الأكبَر

أحنَيت رأسي في سلامٍ صامِت، فرفعتا إليّ العيون التي تحمِل من الحنوّ ما يُخفض جناحَ الرجل صقرًا كانَ أو بازًا.

قالت أمي بنبرةٍ لا تخلـو من تفحّص.

« رجعتَ متعبًا، كَان يومكَ طويلاً..»

« الحمدُلله على نعمة الولدِ الصّغير، آخرُ حبّة في العنقُود..

الدّلال شيء يُحسد عليهِ »

كَان هذا نبر حكِيم خَان، أخي الأصغر وهي يلوح بهاتِفه في الهواء، ممّا دفعني لقلب روامقِي عنه، فلستُ في مزاجٍ لتفاهة الشّباب، يومِي كان أطولُ من مسيرته برمّتها.

أومأت الجدة بعصاهَا القصِيرة، وقالَت وهي تُداري فضُولها بوقارٍ.

« سَمعنا أن المدرسة تُعدّ لبناتِ القرية، أحسنُ ما فعَلت،

البنت تُبنى كما يُبنى الوَلد، ومن ظنّ أن الجهل يحفِظ العرضَ فقد خان العرض »

لم أُجِب ليس لأنّني أعتَرِض بَل لأننِي أعرف أن أيّ كلامٍ في هَذا الموضع سيُجرّني إلى ما لا أريدُ إظهَاره الآن

لقد رأت عَينِي ما رَأت اليوم، ولا أريدُ لتردّدٍ أن يفضحَني أمام نسوةٍ لا تخفى عليهنّ خلجَات الرجَال.

اعتذرتُ بلباقَة، متخّذا من تعبِي حجّة للمغادرَة،

فلا شيء يريحُني الآن سوى حجرتي..

هناكَ، في السّكون الذي لا يسمِع فيه المَرء إلا خَفق قَلبه، سمحتُ لمُقلي بأن تتوهَ على حدائق الزيتونِ وطيورَ المسَاء التي قد بدأت ترتحل إلى أعشاشِها، فَالسّماء تمسَح فوق رؤوسُ الأشجار بزرقةٍ متعبةٍ، تمامًا كمَا أحاولُ طمسَ ما يجُول مخيّلتي.

جلستُ إلى مَكتبي، واضعًا بذاكَ الملفّ على الَخشب المَصقول، تلمّستُ بسبابتي حاشيَة الورقة، كأنّ اللمس قد يفصَح عن خفيّ خبرها.

لكِن توقفتُ عن هذَا حالمَا لفت انتباهي شَيء في الرُّكن الأيسر من الاستمارة، ختمٌ صَغير بالمداد الأزرَق، لم أنتبه له أوّل وهلَةٍ، دقّقت النظرَ واتضَح أنّه خَتم الجمعية، نعم… لكّن تحته خطّ أدنى،

يكاد لا يُرى: (المزكّي: ز. ع.) توقّفت..الأحرف قليلة، لكنها غذّت شكوكِي كما تُغذّي قطرةُ الزيتِ نارًا.

ز. ع… من تَكُون؟ زهرَة؟ زليخَة؟ ز… عَزيز؟

الاسمُ الأخير لم يكن فكرَة، بل زلّة خاطرٍ لا، لا يُعقل أن تمتدّ يدٌ من آل عزيز إلى مدرّسةٍ في مدرستنا، هذا تأويلٌ سابقٌ لأوانهِ، ومع ذلك… الحذر تاجُ العقل.

كتبت هامشًا على الورقَة.

(تُراجَع الأحرُف – يُستوثق مَن المزكّي).

والذِي أخلّ توازنَ الهدُوء في غرفتي كَان طرقًا سريعًا، وكأنّه إنذارٌ ما، وأوّل ما لمحتُ عند سماحِي للطّارق بالولوجِ كَان خادمي القديم، على وجهه قلقٌ لا يستنِيم.

« سيّدي، جاء صبيٌّ من السوق يلهَث، يقول إن مشادّةً وقعَت عند باب الجمعية، بعض الرجال عارضُوا تعليق الإعلاَن الجديد، وتدخّلت نسوةٌ فوقعت بينهم كلماتٌ لا تلِيق، والمدير بعثَ إليك يستأذن في إغلاق البابِ حتى يهدأ القيلُ والقال »

أسدلتُ جفنَيّ للحظَة ، ومرّ في صدري ما يمرّ في صَدر فارسٍ يسمع صهيل فرَسه قبل الوَقع، محَـال، إغلاقُ البابِ ليس حلًّا؛ البَاب إذا أغلقناه اليَوم فتحناه غدًا بثمنٍ أكبر.

« لا يُغلق بابٌ فُتح باسم العِلم، قُل للمدِير الباب يُفتح والإعلانُ يُعلّق، وليقف رجلاي على بُعد، لاَ للقتَال، بل الوقُوف كالظلّ على الجدارِ، وَمن أرادَ الشّغب فليعلم أن لهذَا البيت يدًا لا تُرى حين تضرب »

تردّد الخَادم وهو يستأنفُ كلماته.

« وَهل نرسِل إلى بيتِ العجُوز خديجة من يُطمئنها؟ بلغنَا أن الفتاة التي جاءَت معها هي صَاحبة الإعلاَن »

نظرتُ إليه مليًّا

إذن، وصلت الأخبَار إلى الناس أسرع مما تصل إلى مكَاتبي.

« نعم.. أرسلوا من يُخبرها أن القرية دارُها، وأننَا لا نخذل ضيفًا دخلَ من بابنا، وليُبلّغها أن عليها أن تمكَث في الظلّ حتى نُحسن إشعَال السّراج، هذا أمر ليسَ طلبًا! »

بعدَ أن خرَج، بقيتُ منتصِبًا في قلبِ الغرفَة، يدِي خَلف ظَهري، وكتفي يُنزلان عباءةً أثقل من الصُّوف، في هذهِ اللَّحظات أعرفُ وحدي مَعنى أن تَكون الصَّخرة التي تُكسر عليها الأيدّي..

ليسَ لأنّك تحبّ الكسر، بل لأنَّك لا تريد أن تُكسر

رقَاب مَن في ذِمّـتك..

- انتهى البَارت الثّاني -

شكلي وأنا ندلعكم يوميا؟؟

الرواية بدَت تتولع من بداياتها، كيف كان البارت؟؟

وش رايكم بعدالة شير، على فكرة بحياتي ما كتبت شخصية بطل بهذا الشكل، هو عاطفي وشاعري وفي نفس الوقت عنده ذيك القسوة، أبطالي السابقين ما كانوا يبينو العاطفة أو أفكارهم الرقيقة عكسه..

وظهر شخص جديد في العيلة لي هو حكيم خَان خوه الصغير المدلل

هذا رح يكون ملح وسكر الرواية 😭💗🤏

برأيكم الختم هذاك ع.ز وش يخصّ؟؟

وبرأيكم صح لعزيز خان والمدير هل كان يعلم؟ هل كذب عليه وقال خديجة باش يسلك روحه؟؟ أو قال الحقيقة وهو أيضا يكيدون له مكيدة..

برأيكم هل ميراب رح تكون عاقلة وتسمعله الكلام؟ هو قال أمر ليس طلب، يعني ما تطلعيش من البيت، هل رح تسمع؟؟

ولا تكون عنيدة

المهم نلتقي عن قريب في فصلٍ جديد

عن قريب بإذن الله.💗

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مِيراب: مُطلقُ العنَان.

المؤلف الخَـنســ ــاء | 🇩🇿
2025/08/26 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة