ارتعشت أصابع يدها بخوف... حينما انزلقت ملعقة الطعام تُحدث صريرا، جعل كل من على الطاولة ينتبه لها لكن هي لم تنتبه لشيء سوى نظرات أبيها القاتلة التي رمقها بها ....هي لم تكن تقصد ذلك لكن وبالنظر لمفاصل يده التي ابيضت سيجد سبب آخر ليحشرها بكلامه السام ، ككل مرة .....لم ترفع عينيها أكثر لترى أمها...كانت متيقنة أن لاشيء يعنيها سوى الثبات على هدوئها ،ورمقهم بابتسامة تماثل منصبها الراقي ليست ابتسامة منافقة....أو زائفة ...أو مخادعة....لقد كانت بالفعل تلمع بصدق وهذا ماكان يجعل دواخل آدا تنهار....ببطء....لما...فقط لا تنظر لها كذلك....!!...لما تعتقد أن كل لمسة موجهة إليها....ماهي إلا شيء مقيدة به ....تعاملها جيدا....تقوم بواجبها كأم.....نعم لكن....تلك البصمة التي تضيفها كل أم لأطفالها....هي تفتقدها....أحيانا تشعر وكأنها ليست أمها لولا ماتسمعه من أفواه الآخرين كل مرة يمدحون جمالها والذي بالطبع ورثته منها .....استأذنت باحترام متعللة بألم بطنها، لتذهب لغرفتها.....لأنه من غير الإحترام أن تترك طاولة الطعام في حضور العائلة الملكية لذلك وجدت مبررا سخيفا.....ولم تكن رغبتها الحقيقية وراء ذلك....سوى الهروب من أبيها....ليست قادرة على بدأ شجارا عقيما معه....لن ينتهي إلا بجرح مشاعرها وإشباع رغبته القوية بذلك.....وفي غفلة منها جُرّت من رسغها بقساوة نحو ممرات الطابق....تأوهت بألم حينما رُدِخ ضهرها على الحائط لتلتف قبضة
خشنة على عنقها الرقيق يجعلها تطرف بتفاجئ مؤلم نحو الفاعل سرعانما استبدلت بابتسامة حزينة تسللت لشفتاها :
...أبي.....
لم يكن عليها قولها...لم يكن يجدر بها نطقها هذا لم يزده سوى حقدا آخر تجاهها....عيناه الخضرواتان في كل مرة تنظر إليها ترى كمية القساوة والكراهية التي يحملها اتجاهها أردف بصوت يشوبه الإشمئزاز والقرف ككل مرة وهذا لم يزد قلبها سوى انكسارا آخر :
أعتقد أنك بدأتِ تُفردي جناحاتك بحرية لاتريدين أن أكسرها لكٍ بالطبع.....ألم أقل لك لاتظهري أمامي..أمن الصعب أن تختفي من كل بقعة أكون فيها....!!!
.ثم ألم تفهمي للآن يا..آدا لست والدك ... لاتعامليني هكذا...فقط لو رأيتي مايحمله قلبي لكي....لما استطعتي أن تنظري إليّ الآن ولما كنت قادرة على نطق تلك الكلمة....أنا لست أبيك....
همس الأخيرة ببرود جعل عضامها تقشعر لنبرته تلك تساقطت دموعها ببطء تنظر إليه بألم وترجي:
أريد أن أعرف فقط لما تفعل ذلك بي....لم أجرئ ولو مرة على رفع عيناي نحوك رغم إهانتك المستمرة نحوي...لم أستطع حتى الدفاع عن نفسي في كل مرة أتعرض للقساوة منك ....فقط تكلم أبي...لما جعلت يداك تخنقني وتؤذيني عوض أن تربت نحوي ....
خفضت رأسها بيأس ..لاتريد النظر إلى عيناه...لاتريد...في كل مرة تقنع نفسها لعله يظهر ولو قليلا من الرحمة نحوها...لاشيء...لاتجد سوى الفراغ...التجاهل...اللامبالاة...والكثير من الكلام السام الذي يقذفه كل مارأى وجهها كالآن...
...ابتسامة ساخرة توسطت شفتاه الغليضتين:
لأنك يا...آدا لعنة...مسخ...لاتجلبي سوى النحس... لما حولك...في كل مرة أنظر لعيناك هاته...أستطيع أن أرى ماسيحدث مستقبلا لنا... ولأنه بقدر ماتطلبين عطفي نحوك...بقدر ماأريد سفك دمائك ...لاتنتظري مني أن أمنحك شيء...سوى الموت... لأنني في الحقيقة سأكون في قمة سعادتي....إذا كان موتك على يدي ....رفع يداه نحو عينيها يلمسهما ببريق شيطاني ليكمل :
إليك مني سرا....منذ اللحضة التي أبصرتك بها أردت وبشدة أن لا تذوقي طعم الحياة أردت وضع نهاية للعنتك...لأنك ومنذ ولادتك لم تكوني سوى عبئ أُرغمت على تحمله....سوى حبل مشنقة التف حول عنقي....أنهى كلماته الاذعة بصراخ حاد نحو تلك الجامدة أمامه....ليضيف بسخرية أكبر.
..لم ينقذك سوى ذلك اللعين....في كل مرة ...في كل مرة...أضعك على حافة الموت...أجده ينتظرك بحياة أخرى....شد كتفاها الرخوتين بقوة يدفعها للإتصاق بالحائط أكثر ... دون مقاومة منها...
لذلك في كل مرة ترينني فيها....فقط اختبئي كالجرذ اللعين....لاتجعليني ألمح طيفك....لاتجعلي يداي ترتوي بدمائك داخل القصر....لأن نهايتك ستكون قاسية....قاسية...وفي أقذر مكان....
دفعها بعنف ثم غادر بخطوات ثقيلة مخلفا ورائه قلب محطم....انزلقت على طول الجدار ترخي جسدها بخذلان كحال عيناها ....تيقنت جيدا هاته المرة أنه لم يخذلها هذا الرجل المدعو أبيها بل هي من تلهفت للمزيد ....منه....هي من انتظرت أن يذوب جليد قلبه نحوها....هي من تعمق داخل مشاعرها....احتضنت نفسها بشفقة ترسخ داخل أعماقها أن الشخص الذي انتظرت عناقه قابلها بصفعات سيضل آثرها محفور... طالما هي على قيد الحياة....رمى عليها حقيقة أنه ليس أباها عالما أنها علمت بحقيقته الأشهر الفائتة، صدفة حينما كان يتشاجر مع أمها ....كلماته الاذعة...الكراهية التي يكنها لها ....واعترافه أنه منذ ولادتها وهو يبغضها وأنه متلهفا لوضع حد لحياتها جعلتها متيقنة أن ماوراء هذا حقيقة كبرى لايمكن تعليل كرهه اتجاهها فقط لأنها ليست ابنته هناك أكثر من هذا .....شهقت بألم تدلك جهة صدرها تشعر أن قلبها يُعتصر...ويالتها كانت قادرة على نسيان ماقاله...هي تعلم جيدا....أن في كل مرة ستلتقي نظراتهم ستعاود سيل كلماته تضرب أيسرها....من جديد....دون حتى أن يتفوه بها مجددا ...لقد كانت تقيد نفسها دوما أمامه حتى لاتتفوه بشيء يزيد بلة على علاقتهم لكنه...هو...دون حتى أن يرمش اعترف ...صِدْق نظراته أشعرتها أنه كان يود قول المزيد أن يُحدث شرخاً أكبر داخلها...هي لم تفعل شيء...لطالما كانت مسالمة عن باقي الأطفال...لم تتجرأ يوما أن تحدث شجارا مع الأخرين..دوما وحيدة....إذا كيف استطاع أن يقول على أنها مسخ لعين....لربما معه حق بالفعل...أين والدها الحقيقي ،لماذا تركها طوال ستة عشر عاما..ألا يهمه أمرها حقا....أمن المقرف أن يكون لديه ابنة مثلها....أكان من السهل عليه تركها كأنها خردة وليست ابنته من صلبه...لربما كانت مجرد نزوة...هي حتى لاتستطيع سؤال أمها عن ذلك ...لأنها بالطبع لاتعلم أنها علمت حقيقتها...طوال مدة معرفتها لذلك وفي كل مرة تنظر لوجه أمها متأملة أن تبوح لها يوما عن ذلك لاتقابلها سوى بمعاملة مزيفة لأم تحب ابنتها...هي بالفعل أكثر فتاة محضوضة بالعالم...أحضان تنطق كراهية وسما دون حواجز ....وأحضان يلفها العطف والحنان لكن بالنظر جيدا ستجد أن ما يركن أسفلها لربما أقسى مما تسمعه من أبيها...إنها فقط لاتعلم لما هذا كله.....جرت أقدامها بتثاقل نحو غرفتها،دلفت نحو الداخل تنظر لسريرها المُرتب ...ابتسمت بمرارة لما تعيشه...حتى النوم ...هي لاتستطيع أن تفعل ذلك بطبيعية....فقط بالدواء...إنها تعاني من الأرق...لاأحد يعلم بذلك...فتحت الدرج المقابل لسرير تُخرج علبة بيضاء فتحتها ترتشف أكثر ماتأخده في المعتاد...فقط تريد النوم...حتى الكوابيس التي تؤرقها...تريدها الآن....مشاعر ثقيلة تحتجز قلبها الآن...ولو بقيت مستيقضة....بالتأكيد...ستفعل أي شيء لتخمدها ...حتى لو عنى ذلك أن تنتشله من مكانه ....استرخت على السرير تطالع السقف بشرود ...ارتسمت إبتسامة نابعة من قلبها حينما تذكرته...أرادته الآن وبشدة لعله يخفف ولو قليلا لما تحمله داخلها دون حتى أن تبوح له لكن ولسوء حظها... هو ليس هنا....أشغال مملكته تجعله في وضع صعب لكنه ومع ذلك يهرع إليها كأنها الشيء الوحيد لديه...حينما ذكره أبيها وأنه أنقذها مرارا....شعرت أن حاجزا يُبنى حولها...وكأن أبيها مهما استطاع أذيتها بكلماته لن يجرأ على المساس بها شعرت أن ثاديوس لايحميها فقط في حضوره....وأنه حتى لولم يكن معها مجرد اسمه يكفي للحفاظ على حياتها...لأنهم يعرفون جيدا أنه قادر على هدم مملكة والإطاحة بهم واحد تلو الآخر دون أن يرف له جفن ...... فقط من أجلها ....
yakin chawni