اعتراف

اعتراف

18 0

ملاحضة : ابتداء من الفصل الأول إلى فصل لم أحدده بعد سيكون عبارة عن مقتطفات وأحداث من الماضي حدثت للأبطال حتى لاتعتقدوا أن هناك تداخل في الأحداث فيما بعد )

❄❄❄❄❄❄

بملامح مثالية يتخللها ابتسامة مستمتعة على طرف شفته بالكاد ترى أمامها،ينظر إليها بهدوء وثبات عكس دقات قلبه الهائجة،ولو أنها لم تكن مشغولة بجره ورائها بحماس طفولي،يكاد يقسم أنها ستسمعها بوضوح...نطق بصوته الرخيم...:

" آدا....إلى أين....ليست مصيبة جديدة....أليس كذلك..."

كادت أن تفلت ضحكة رجولية منه.....حينما التفت إليه بنظرات تفيض من الغيض،بينما تضم يدها إلى صدرها....مع طولها القصير ذاك،أعطى لقلبه منظر مُحبّب إليه....

"أتقصد أنني جالبة للمصائب...عضت شفتاها بقوة حينما انهمر سيل من الدموع على وجنتاها،اتسعت عيناه بندم لما قاله،اندفع إليها يضم وجهها بين كفيه الضخمتين حيث استرسل بنبرة متلعثمة:

" لم أكن أقصد....آدا...لاتبكي....حسنا...ثم همس بصدق يفاجئها ككل مرة يتفوه بها :

سأرافقك أينما تذهبين....حتى الموت ....أنت تعلمين ذلك...."

أكل الندم قلبها لكلماته....كانت فقط تمزح،أرادت أن ترى ماذا سيفعل،لكن بعد هذا...لربما تلك الدموع المُنهمرة الآن،لم تكن مزيفة،بل نابعة من صدق كلماته....

ضمّته إليها تحقق رغبة قلبها،شدّته أكثر كما فعل هو،ووسط كل هذا الهدوء قفز إلى عقلها سؤال.....لم تستطع تقبله...

....ماذا لو لم يكن ثاديوس معها في هذه الحياة....!!!!؟

لاتريد التفكير في الأمر ثانية....لاتريد.....إنه حقيقة هاهو بين يديها الآن....ليست هلوساتها مجددا....

ثاديوس كان طوق نجاتها على مر ستة عشر عاما إلى الآن،كنظرة سطحية للعلاقة بينهما ستجد البرود،والامبالات من طرفه،والفضول والعناد من طرفها،لكن بمجرد أن تدّقق أكثر إنها مختلفة كلياّ.....داخل تلك العيون الرمادية الحادة ستجد حب نقي لها فقط،ومهما نظروا له بعيون خائفة خوفا من بطشه زاد تعلقها به أكثر ....هي لاتخشاه....هي تخشى الحياة اللعينة من سلبه لها.....

وضعت كفيها داخل يده تجرّه معها،مُتوغلة بين أشجار الغابة الكثيفة،منذ الصباح وهي تشعر بالحماس لرؤية ردة فعله...لمفاجئتها...التمعت عيناها بفرح حينما قاربت على الوصول،استدارت برأسها تنظر إليه لتجد نظره عليها ككل مرة،وجديا يجب أن تسأله...حرفيا في كل مرة تتواجد معه....أو حتى مع الآخرين،تجد نظره مُركز عليها هي فقط....بالطبع لاتكره ذلك....وإنما فقط تشعر بأن نظراته تعري كيانها،دون سؤال....دون بحث...عيناه الفاتنة...دوما تستطع كشفها....

ابتسمت باتساع تراقبه كيف حملها،حينما وصلا إلى منحدر،تشبتت بعنقه تستشعر عضلاته الصلبة أسفل القميص الحريري الأسود الذي يرتديه،جعدت ملامحها بعبوس تنظر إليه....

"ثاديوس....ألن تغير طبعك باختيارك للملابس السوداء دوما...لو كنت فقط تعيش معنا بالقصر،لأرغمتك على تغيير خزانة ملابسك كلها..."

أغلقت فمها بكف يدها باستحياء،لمّا نظر إليها بطريقة لعوبة....

"ممم....أتريدين العيش معي ...آدا...فقط قولي...سأحقق لكي أمنيتك فورا...."

ماذا يقصد....تبا....منحرف وسيم...

دفنت وجهها داخل صدره تمنعه من النظر لحمرة وجهها،ياإلهي أصبح هذا الوسيم....خطرا على نابضها....

انسلّت بين ذراعيه القوية،تقف ترتب فستانها الأبيض الطويل...

"والآن دوري...هيا أغمض عيناك...وتشبت بيدي،بضع خطوات وسنصل..."

راقبت الإستغراب الذي علا وجهه،لتسرع بإغماض عيناها بريبة:

"لقد قلت أنك تثق بي..لما...!!!

قطع كلامها بسرعة،يمسك يدها إليه بينما أغمض عيناه....

دقّ أيسرها بعنف لما فعله،حاولت إحكام يده الضخمة بين يديها الصغيرة،تقترب منه تجرُّه بمحاذاتها....

وأخيرا....اتسعت ابتسامتها بحماس تدور حوله...

"عند العد لثلاثة ستفتح عيناك ثاديوس....اتفقنا..."

أومأ بخضوع يتبع جنونها كما يفعل دوما،فقط لتأمر هي لينفذ هو،على الرغم من مظهره الثابت والصرامة التي يتّسم بها أمام أفراد المملكة،إلا أن بحضورها تنهار حصونه،نظره منها تذيب الجليد الملتف بقلبه،لايعلم كيف تأثر عليه،وتسلب لبّ عقله ببرائتها،لكن الشيء الوحيد الذي يحرص على المحافضة عليه هي ابتسامتها... إن سقطت ستسقط الرؤوس ولن يهتم للعنة أخرى لأنه يعلم ماتعانيه في غيابه....يحاول بكل بجهده لحمايتها...

قطع تفكيره الشارد صوتها الناعم...

"ثلاثة....هيا انظر...."

فتح رماديتاه يشبع فضوله لما أحضرته إليه،وقبل حتى أن يستفسر بشيء،همّت تقول بخفوت ممزوج بخجل واضح....

" جميلة أليست كذلك....لقد وجدتها صدفة بقيت أزورها لأيام عديدة،لأعرف هل من أحد يأتي إليها،لكن لم أجد ،لذلك صنعت هذا الممر الصغير،لففته بالأشواك وأغصان الأشجار المكسورة من كل جانب تفادي لإكتشافها أحد"

جالت عيناه على المكان لازال يستوعب ماذا فعلت هذه الصغيرة ....أسفل بقليل من ذلك المنحدر تجد ممر مغطى من كل الجوانب،بضع خطوات داخله وستجد نفسك،أمام بحيرة صغيرة نسبيا،بينما هناك أرجوحة خشبية كبيرة متدلية، ومعلقة من كلا الجانبين،بحبل متين مربوط،بشجرتين ضخمتين تحيط بالبحيرة،تمنع بضلالها الرؤية،ولو مررت فوق ذلك المنحدر،لن تتمكن من رؤية شيء سوى الأغصان الطويلة المنبثقة من الأسفل....

أكملت بهمس لكنه استطاع سماعها:

"أردته أن يكون سري ثاديوس...فقط أنا ...وأنت..."

ردّدّ كلماتها بعنف داخل عقله...لتتسلّل ابتسامة نحو شفتيه،ينظر إليها خلف رموشه السوداء بعشق....إنه يعترف....لقد وقع في حبها حد الثمالة...وفي كل مرة ينظر إليها تتجدد مشاعره نحوها،وفي كل مرة يضن أنه وصل لأقسى أحاسيسه،يدرك أن حبه لها لانهاية،ولابداية له....فقط متاهة يستمتع بتجربة كل شيء فيها...

فرّكت باطن يدها بتوتر،تخطف النظر إليه منتظرة رأيه...

اقترب منها ببطء يميل برأسه جانبا،يناظرها بعشق كحال قلبه،شعرت وكأن الهواء أصبح ثقيل فجأة....اختلت ضربات قلبها،حينما رفع يده الرجولية يلمس وجنتيها المشتعلتين بلطف....أمن الطبيعي أن يتوقف قلب شخص إثر لمسة ....أظن أن يمكن أن يحدث ذلك بالنظر لحالتها الآن...وجنتيها احتقنت بالدماء،فستانها المنكمش داخل قبضتها توشك على تمزيقه،الرجفة التي اكتسحت سائر بدنها بسببه... إنه خطر عليها...أصبحت تدرك ذلك بالفعل...

احتلت عقدة بين حاجبيها لماقاله:

"لماذا ...آدا..."

وقد لاحض هو عدم فهما ليكمل بهدوء عكس مايجول بداخله....

"قلتي أنكي تريدين أن يبقى سري....فقط أنا وأنتِ.....لماذا..."

مرّت لمحة ألم داخل سوداويتاها فجأة،هو لايعلم الآن أن دواخلها بدأت تنقلب رأسا على عقب،لايعلم أن جواب سؤاله يألم قلبها،يؤلمه وبشكل سيء،لاشيء جيد في حياتها باستثنائه...هو ....في حياتها البائسة هذه تعلمت شيئان عليك أن تختار إما أن تكون ممثل بارعا يبرع في وضع الأقنعة المزيفة مُجارات لما حوله،وهذا كان من نصْبِ عائلتها،وإما أن يكون لك ملجأ تحتمي به...وهذا كان لثاديوس...كان هو سرها....لذاك أرادت أن تصنع عالما يخصهما فقط،بعيدا عن كل شيء،وجدت ثغرها ينطق بما يبوح به قلبها المريض.....

"أتعلم ثاديوس....بعد نهاية كل يوم...أخاف أن أغمض عيناي....فقط....فقط لكي لاأجدك سرابا...."

مهلا يارفاق....لقد كان اعتراف غير مباشر لفتاة لاتتجاوز ستة عشر عاما...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أبواق الملائكة

المؤلف yakin chawni
2025/08/03 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة