شرار

شرار

19 0

الفصل السادس عشر

"العالم الذي لا ينام"

لم أعد أميّز ما هو حلم وما هو يقظة.

الدماء لم تعد مجرد رموز في كوابيسي... صرت أشمّها. أذوقها. أشعر بأنها تسيل من جدران عقلي.

كان الجدار خلفي ينبض... حرفيًا.

أنفاسي ثقيلة، والسكون في الغرفة صار خانقًا. نظرت إلى الممرضة التي دخلت لتتفقدني-امرأة في الثلاثينات، عيناها حادتان كمن تعودتا على الجنون، لكن ما قالته فجأة جمّد الدم في عروقي:

"روزالين..."

اقتربت بخطى بطيئة.

"أنتِ لستِ مريضة. لستِ مثل الباقين. أنا... أنا رأيتُ الدمية."

تصلّبتُ في مكاني.

"أي... دمية؟"

قلت بصوت مبحوح.

"الدمية ذات الفستان الأزرق... والشرائط الحمراء. التي تُغمض عينيها ثم تفتحهما حين تبتسم... تلك التي ظهرت فجأة في غرفة الكاميرات أمس."

جلدي اقشعرّ، وأنا أرتجف من الداخل.

"لقد عادت..."

الممرضة اقتربت أكثر وهمست: "إنها ليست دمية فقط، أليس كذلك؟ إنها شيء آخر... شيء يعيش."

لكن قبل أن أفتح فمي، انقطع التيار الكهربائي.

انطفأت الأنوار.

الظلام احتلّ الغرفة دفعة واحدة، حتى أننا لم نعد نرى شيئًا سوى الضوء الخافت القادم من الممر.

ثم...

صوت.

ضحكة.

ضحكة الطفلة.

ولم يكن صداها من بعيد.

بل كان خلفي تمامًا.

استدرت ببطء.

ووجدت الجدار... يتحرك.

نعم، يتحرك.

كأن شيئًا بداخله يُحاول الخروج.

الممرضة تمسّكت بي وهي تهمس: "إنه الجدار الذي يفصل بيننا وبينهم... لا تنظري، لا تنظري يا روز..."

لكني نظرت.

و... الجدار انشق.

منه خرج نورٌ مائلٌ للحمرة، كأننا ننظر إلى فجرٍ شيطاني.

ثم ظهرت بوابة... سوداء، طويلة، مرسومة عليها عيون مفتوحة، كلها تحدّق بي وحدي.

و رأيتني... طفلة.

نعم، كانت روزالين الطفلة، تقف أمام البوابة، تُمسك الدمية بفستانها الأزرق.

لكن الدمية لم تكن ساكنة.

كانت تتحرّك.

تفتح عينيها، وتضحك.

ضحكة مريضة، طويلة، تسيل منها دماء سوداء على ذقنها.

قالت الدمية:

"أهلاً بعودتك، بندق... إلى بيت الذكريات المحروقة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مقبرة الذاكرة|| Cemetery of Memory

المؤلف Sadan Sarahneh
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة