الفــــصــــلــــ³ / وشـــــــــم

الفــــصــــلــــ³ / وشـــــــــم

17 0

كل ما فيكِ... يُربكني. عيناكِ، صوتك، حتى سكوتك، كأنكِ كُنتِ دائمًا النقص الوحيد في عالمي."

.

.

.

"هنا؟"

همست كاميلا باستغراب، وهي تنظر إلى المبنى أمامها. كان المتجر بواجهة سوداء عميقة تتخللها لمسات من الأحمر القاتم، مثل وعدٍ خفي بشيء لا يُنسى.

أومأ لها رافائيل دون أن ينطق، ثم ترجّل من الدراجة أولًا، قبل أن يساعدها على النزول برفق.

ما إن لمست قدماها الأرض، حتى عاد ليقبض على يدها، بقوة هادئة، يمرّر إبهامه فوق بشرتها بين الحين والآخر بطريقة جعلت قلبها يتعثر في صدرها.

لم يكن السبب أنها في أرض البشر، أو لأنها تسللت من مملكتها معه دون أن تعرف لماذا وافقت.

بل السبب... أنه هو.

رافائيل.

الشخص الذي كانت تتهرب من نظراته قبل يومين فقط، واليوم، مجرد قربه منها يُربك كيانها.

نظرت إلى المتجر من جديد، ولاحظت اللافتة الصغيرة أعلاه.

محل وشوم.

شهقت بصمت، وقبل أن تسأله، قال بصوته العميق:

"إنه خاص بي."

استدارت نحوه بدهشة، لكنه لم يمنحها وقتًا للرد.

اكتفى بابتسامة هادئة، وكأن ردة فعلها راقت له، ثم سحبها خلفه نحو الباب دون أن يترك يدها.

دلفا إلى الداخل، ليغمرهما ضوء خافت، تختلط فيه رائحة الحبر الجاف والجلد الجديد.

المكان بأكمله يشبهه: الجدران مغطاة بتصاميم مميزة يغلب عليها الأسود والأحمر، الأثاث بسيط لكنه أنيق، وكل زاوية توحي بشيء أعمق من مجرد وشم.

شعرت بنبض قلبه لا يزال قريبًا منها، حتى وهو يترك يدها أخيرًا ليتوجه إلى أحد الأدراج. نظرت إلى يدها الفارغة، شعرت بفراغ لم تعرفه من قبل... لكنها ابتسمت.

"أنت أول شخص أحضره إلى هنا."

قالها دون أن ينظر إليها، منشغلًا بأدواته.

وقفت في مكانها، تحدّق في تصاميم الحبر المتناثرة أمامها... وفي داخلها، ارتسمت عبارة لا يمكن تجاهلها:

رافائيل يفتح لي عالمه.

حين انتهى من تجهيز كل ما يلزمه، نظر إليها للحظة، ثم وبهدوء نزع سترته من فوق رأسه، تاركًا الجزء العلوي من جسده عاريًا أمامها.

رفعت حاجبًا واحدًا، تحدّق فيه بنظرة ماكرة، قبل أن تنطق بنبرة فيها الكثير من العبث:

– "هل تحاول إغرائي يا سيد رافائيل؟"

ابتسم وهو يتجه بثقة إلى مقعد الوشم، جلس بطريقة رجولية، متكئًا على ظهر الكرسي، مسترخيًا بالكامل، عينيه لا تفارق عينيها.

– "صدقيني... أنا أحاول ذلك منذ زمن. والآن، هيا يا ايتها الشيطانه الصغيرة، قومي بعملك."

أشار بيده إلى أدوات الوشم المرتبة بعناية، لتحدّق فيه بصدمة خفيفة وهي تشير لنفسها:

– "هل... هل تخبرني أنني من ستضع لك الوشم؟"

أومأ بهدوء، ثم أعاد رأسه إلى الخلف، مغمضًا عينيه بثقة كاملة، كمن يسلّم نفسه دون مقاومة.

لكنه ما إن شعر بثقل جسدها فوقه حتى فتح عينيه بسرعة، ليجدها فوقه، تنظر له ببراءة مصطنعة.

– "ماذا؟" قالت بابتسامة صغيرة، "عليَّ أن أجد وضعية مريحة للعمل، أليس كذلك؟ لذا، استرخِ فقط."

همس بتنهيدة خافتة:

– "تبا..."

ثم رفع يديه ليمسك خصرها بثبات، خشية أن تفقد توازنها، لكنه ما إن فعل حتى شعر برجفة خفيفة في جسدها، لم تخفَ عنه.

أعاد رأسه إلى الوراء، مغلقًا عينيه مجددًا، يحاول تجاهل سيل المشاعر المتدفق. أما هي، فأخذت نفسًا عميقًا ثم بدأت العمل... اختارت منطقة دقيقة، بين عظمتين بارزتين أسفل كتفه، مكانًا يتطلب لمسة مركّزة وثقة كاملة.

كانت مندمجة في عملها، بينما هو كان مندمجًا في وجودها... في أنفاسها القريبة، في دفء يدها فوق جلده، في فكرة أن أول وشم على جسده سيكون من صنعها هي.

"انتهيت..."

همست بها أخيرًا، وصوتها يحمل مزيجًا من التعب والرضا. لم تكن تعلم كم من الوقت مضى، لكنها كانت حريصة، دقيقة، وكأنها تنقش شيئًا على قطعة من روحها، لا مجرد وشم على الجلد.

استقامت ببطء، تتأمل ما صنعت، بينما هو نهض بدوره، يتقدّم نحو المرآة بخطوات هادئة. توقف أمامها، ليرى النتيجة... وصمت.

عكست المرآة رسمًا صغيرًا، لكنه حمل وزنًا أثقل من الكلمات:

زهرة كاميليا سوداء، تتفتح برقة على جلده، تتشابك بتلاتها في رمز لا نهائي مرسوم بخطٍ رفيع، وكأن الزهرة تنبت من طرف الرمز، ومن الطرف الآخر، قطرة حبر صغيرة تنساب منه، كأنها دمعة متجمدة في منتصف الانحدار.

وقفت خلفه، تميل برأسها على كتفه، فالتقت عيونهما في انعكاس الزجاج. كانت نظراته ساكنة، وكأن قلبه توقف قليلًا... ثم جاء صوتها همسًا، دافئًا كاعترافٍ خجول:

– "الـكاميليا السوداء ترمز للقوة... والجمال الذي يحمله الحزن بصمت.

أما رمز اللانهائية... فهو وعد لا ينكسر، عهد بالخلود حتى لو تغيّر كل شيء.

والدمعة... هي الذاكرة، الخسارة التي صنعتنا، أو الحب... الذي لم يمت، حتى لو تكسّر في الطريق."

كان بإمكانه أن يشعر بكل كلمة سكنت جلده قبل قلبه.

لم تقل إنها رسمت حكايتهم... لكنها كانت تعلم، وهو شعر بذلك أيضًا.

ابتسمت أخيرًا، قطعت الصمت بعبارة بسيطة:

– "علينا أن نرحل الآن..."

لكنّه لم يتحرك. بقي ينظر في المرآة، لا يرى الوشم فقط، بل يرى مَن وضعته... ويرى نفسه معها، هناك، في كل تفصيلة. 

. * . * . * . * . * . * .

كان راڤائيل يسير عبر الرواق الواسع بخطوات سريعة، ثابتة، تُحدّدها نغمة لا هوادة فيها

 كان يرتدي بذلة سوداء بالكامل، أنيقة بقدر ما هي صارمة، إحدى يديه في جيب بنطاله، والأخرى تمسك هاتفه،

وعيناه تتنقلان بين الرسائل.

ابتسم بخفة حين وقعت عيناه على رسالتها، تلك التي انتزعها من زحام يومه وضجيج رأسه.

كتب الرد بسرعة، وكأنه يخشى أن يتسرّب شيء من مشاعره بين الحروف، ثم أغلق الهاتف وأعاده إلى جيبه.

مرر أنامله بخفة على موضع الوشم الذي صنعته له،تلك الزهرة السوداء... رمزهما، سرهما.

وما إن وصل إلى الباب العتيق، حتى تلاشت الابتسامة عن وجهه، واستقامت ملامحه في قناع الجدية والبرود.

طرق ثلاث طرق خفيفة.

– "ادخل."

دخل المكتب.

رائحة الكتب القديمة، والخشب الداكن، والوقت نفسه بدا وكأنه ينحني وقارًا لهذا المكان.

رفوفٌ تعانق الجدران، وستائر ثقيلة تُخفي النوافذ، وطاولة ضخمة تتوسط المكان

خلفها جلس رجل، كأنما خرج من زمنٍ آخر.

شعره أبيض نقي، كثيف ومنسدل بنظام، تتناغم معه لحيته المهذبة بدقة، ونظارة رفيعة تقف على أرنبة أنفه كما لو خُلقت لأجلها.

رجل يبدو في منتصف عقده الخامس... لكن الحقيقة؟ لقد تجاوز المئة عام منذ زمن بعيد، لكنه لم يكن بشريًا... بل عنقاء ملكي.

رفع عينيه ببطء عن الأوراق، وحدّق في راڤائيل، دون دهشة.

بل كمن ينظر في مرآة... تعكس نسخة أصغر، أكثر جموحًا، وأقل صبرًا.

قال بصوته العميق:

– "المجلس كلّمني مجددًا... بشأن زواجك."

أجابه راڤائيل بنبرة باردة، كمن يقطع حبل الحديث قبل أن يُشدّ:

– "ذلك لا يعنيهم."

– "بل يعنيهم، ما دمت الوريث. شئت أم أبيت."

أجاب دون تردد، كمن حفظ هذا النقاش جيدًا:

– "لديك أبناءٌ آخرون... وأحفاد. نحن لسنا سلالة على وشك الانقراض، أبي."

تنهّد الرجل العجوز، ونظر إليه طويلاً، كأنما يفتّش عن شرارة يعرفها جيدًا.

– "نساء الأرض لسن منّا يا راڤائيل... لا يمكن لابنة الماء أن تحكم أرض النار."

لكن راڤائيل لم يُجب. ملامحه بقيت جامدة، كأنها صخرة تغلي تحتها نيران لا تهدأ.

هذا الخط... لا يُسمح لأحد بتجاوزه.

قال بهدوء مخيف:

– "أتمنى ألا تفتح هذا الموضوع مجددًا. لا أريد كسر قلبك، أبي... لكنني سيّء حين أغضب."

ساد الصمت لبرهة، ثم سأل الأب، بصوت خافتٍ محمل بالحذر:

– "وماذا ستفعل... حين يظهر رفيقها؟"

استدار راڤائيل قليلًا، وكأنه يهرب من الجواب، ثم قال بنبرة حاسمة:

– "بعد ايام، سيُعقد مجلس السماء لمناقشة شأن آل فراي."

– "حكّام الأرض؟"

– "سأذهب لإبلاغ سيدتهم بنفسي."

– "قد تواجه اعتراضات..."

– "القانون واضح."

ثم أضاف، وقد صلبت نبرته:

– "أنا أفعل ذلك فقط احترامًا للبروتوكول، لا أكثر."

استدار كليًا، وغادر.

وحين خرج من القصر، كانت السماء تمطر صمتًا، والهواء مشبعًا بالشرر.

فتح راڤائيل جناحيه. كانا مزيجًا مذهلًا بين الأحمر الناري والبرتقالي المتوهج، كأنما جسّد لهيبًا حيًّا.

ضرب بهما الهواء بقوة، فاهتزت الأرض من تحته، واندفعت السحب فوقه كما لو انقسمت احترامًا لغضبه.

انطلق نحو السماء، مخلفًا وراءه إعصارًا لا يُقاوم.

وترك خلفه والده، واقفًا في المكتب، يحبس تنهيدة ثقيلة، وهمس لنفسه:

– "أنت تخطئ، يا بني... وهذا ليس جيدًا."

جاءه صوت من خلفه، ناعمٌ ولكنه ثابت، صوت يعرفه جيدًا:

– "ولماذا لم توقف النار... قبل أن تورثها له؟"

استدار ليراها جالسة باستقامة، نظراتها عميقة كالماضي، وصوتها مغمور بالحقيقة.

كانت هناك، دومًا هناك... حيث تبدأ الإجابات التي لم يجرؤ يومًا على مواجهتها.

. * . * . * . * . * . * .

كانت تحاول الاسترخاء، تُغمض عينيها، تأمل لحظة بلا وجع... لحظة واحدة فحسب، تنتمي لها.

إلا أن السكون انكسر.ذاك الشعور... تلك الهالة.

فتحت عينيها، ببطء، ووجهها يُقابل مدخل القاعة.

كان هو.

يمشي كما لو أن الأرض قد صُنعت لتطاوع خطواته.

بذلته السوداء كأنها خيط الليل، عيناه تقدحان شررًا هادئًا، وكل خطوة منه تصنع وقعًا لا يُنسى.

لم يكن بحاجة ليتحدث، فوجوده وحده إعلان.

هو السيّد، هو الغريب الذي بات مألوفًا، وهو اللغز الذي لا يمنحك ترف التجاهل.

نظرت إليه، وهي تشعر بالهواء يبرد من حولها.

اختفى الدفء... وحتى الضعف، تراجع من تلقاء نفسه.

رغم غرابة شعورها نحوه، ورغم كمّ الأسئلة التي تراكمت في رأسها، لم تستطع أن تُبعد عينيها عنه.

كانت رجفة غير مفهومة تسري في جسدها كلما رأته.

شعور خفيّ، لا اسم له... ولكن وجوده كان يربك كيانها بأكمله.

وحين وقف أمامها، لم يقل شيئًا... فقط رمقها بنظرة سريعة، ثم أومأ لها، فابتسمت له فورًا، كأن قلبها يسبقها دائمًا نحوه.

لكن لم يطل الأمر، فقد سرت هالة أخرى في المكان، تعادل قوّته... بل تفوقها حكمة.

بريسكا، جدتها، دخلت بهدوءٍ مهيب.

خطواتها بطيئة، لكنها لا تحتاج للإسراع... فالهيبة تمشي قبلها.

كاميلا تنظر بين الاثنين... قوتان عظيمتان تقفان الآن وجهًا لوجه.

سيّد أرض العنقاء، جلّاد ممالك السبع، ووريث العرش الناري.

وسيدة الخوارق، ملكة القوى القديمة... جدتها.

راڤائيل لم يركع، لم ينحني، لكنه أمال رأسه قليلًا... إيماءة احترام نادرة، لا يفعلها إلا مع من يرى أنهم يستحقونها حقًا.

قالت بريسكا بصوت منخفض، لكنه يحمل من السلطان ما يكفي لإسكات الجبال:

"هل أتيت لتخبرني؟ أم لتأخذ رأيي؟"

لم تُغيّر نبرتها، لكن عيناها كانت تراقبه عن كثب.

أجاب راڤائيل بنفس هدوئه المربك:

"أتيت لأعرف... إن كنت مخطئًا."

ارتفع حاجب بريسكا قليلًا، كأنها تقرأ ما لم يُقل.

كانت تعلم أن وجوده هنا ليس لطلب نصيحتها... بل ليرى كيف تراه.

هو لا يأخذ الأوامر من أحد، لكن احترامه لها ليس أمرًا عابرًا.

ثم، ولأول مرة منذ دخوله، ابتسمت بريسكا.

ابتسامة خفيفة، غامضة، لا تُقرأ بسهولة.

كاميلا رمشت بدهشة.

"جدتي... تبتسم له؟!"

فهي تعرف تمامًا رأي جدتها في سكان "إنتركتيا"، خاصة بعد الحادثة التي حُجز فيها عمّها "أدريان" على يد والد راڤائيل هناك.

ومع ذلك، ها هي جدتها تبتسم، وتقول بهدوء:

"من قتل، يُقتل يا راڤائيل...

لكن، قبل أن تُعيد الأرض لأصحابها، عليك أن تُعلّم الخروف أن يكون ذئبًا... كي ينجو بين الذئاب."

راڤائيل ابتسم بدوره

"إنه يبتسم؟ جدتي تتحدث عن القتل... وهو يبتسم؟!"

تمتمت كاميلا لنفسها بذهول.

اقتربت بريسكا منه، وهمست له بشيء لم تسمعه، لكنّها رأت وجهه يتغير...

غضب، ثم هدوء، ثم سكون.

ثم التفتت جدتها، وغادرت القاعة دون كلمة أخرى، وكأنها ألقت حجرًا في بحيرة، ثم انسحبت.

راڤائيل بقي للحظة... ثم نظر إلى كاميلا.

قال بسخرية واضحة، وصوت مرح:

"لا تكوني قطة فضولية، يا سموّ الأميرة."

كاميلا شهقت بصمت، حاجبها ارتفع بصدمة:

"هل قال لتوي أنني فضولية؟!"

هو في أرضها، قصرها، بلا دعوة... ويتّهمها بالفضول؟

تبا له... وتبا لغروره... وتبا لشعره الطويل اللامع، ولعينيه، وللنمش الذي تعرف مكانه على أنفه وخديه...

وتبا لها، لأنها تحفظ كل تفاصيله.

"مختل... قطعًا مختل. حسنًا... سأجعله يتوسّل إليّ كي أتحدث معه. سأجعله يندم على كل تلك النظرات المتعالية."

ومع ذلك... لم تستطع أن تُنكر أن قلبها قد خفق مرة أخرى، حين ابتعد.

✦ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ✦

- واضح طبعا أن روايتي هادئه للغايه 😌 ؛

- وسعيده جدا جدا 😇

- لــــيــــلــــيــــث 🍒

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الكاميليا السوداء| النهايه

المؤلف lilith🍒
2025/07/11 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة