الفصل الخامس

الفصل الخامس

19 2

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته كان "منتصر" و والدته و أخواله الثلاثة يقفون في المكان المُتفق عليه عند أسوار المدينة، و كلٌ في واد، لا تستطيع "مرام" تصديق ما يحدث، لقد اقترب الموعد الذي أفنت عمرها تنتظره، اليوم الذي تواجه فيه "نجم" و تسترد حياتها و أمانها و تثأر لزوجها. ما زالت تتذكر وجهه الكريه حين دخل عليها فجأة محاولًا مسها، استطاعت الهروب منه لكنها لم تستطع أن تهرب من الكابوس الذي أصبحت عليه و الذي كان بسببه، بسمته التي تظهر جشعه و هو يُتوج كملك دون أدنى اكتراث بأخيه الذي مات، تلك الليلة حين علمت بأمر حملها و انتظرت زوجها لتخبره، وجه زوجها المتألم دون معرفة سبب لهذا، حين استيقظت لتجده جثة هامدة. كلما نظرت لولدها تذكرت زوجها الذي قُتل و أُهدرت دماؤه ثم لم يتحرك أحد ليأخذ بثأره أو يعاقب الفاعل إذ أنه زيف الحقائق و أظهر براءته الزائفة، عاشت تلك الأعوام على أمل الإنتقام ممن قتل زوجها و لم ينظر إلا للملك و المال. تسلل بعض الوجل إلى قلب "منتصر"، و أخذ يتساءل، هل هو أهل لحكم مملكة بأكملها كما تخبره أمه؟ هل سيستطيع فعلها و الإنتصار على "نجم" حقًا؟ كانت والدته تروي له عن والده كثيرًا، في كل موقف يمر بحياته كانت والدته تخبره: لو كان أبوك هنا لفعل كذا، لو رآك أبوك "شهاب" لشعر بالفخر لكونك ولده... حتى صار والده البطل الذي يسكن عقله و قلبه في طفولته، مرشده الحكيم في مراهقته، ملهمه الحنون في شبابه، دون أن يراه! تأفف أحد أخواله الثلاثة "عمار" قائلًا: - متى يأتين أولئك الفتيات؟! وافقه الجميع فيما قاله، فقد تأخرن كثيرًا للحد الذي جعلهم يظنون أنهن كن يخدعنهم. كادوا يعودون إلى حيث أقاموا قبل أن يروا فتاة سمراء نحيفة قليلًا ذات عينين سواداوين و هي تلحق بهم لاهثة: - أنتم من تبحثون عن القرط؟ توجهت الأنظار نحوها و أومأ لها "منتصر" يجيبها بـ'نعم' فقالت بثبات تجاهد للحفاظ عليه: - إنه معي                                 ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ وقفت تتابعهما و هما تجرّان بعينيها، خارجها صامتة لكن بداخلها يصرخ، جلست القرفصاء بعد أن تأكدت أنهم رحلوا لتبحث في الأرض حتى وجدته مُلقى عليها، التقطته فمسحت عليه بردائها، ثم وقفت تنظر إليه بعينين حائرتين لدقائق، ذلك القرط الذي عنده البداية و النهاية، قرط أحمر على شكل فراشة، يبدو براقًا جميلًا، في كل مرة تنظر إليه تشعر أنه يناديها. و جعلت تتذكر ما حدث قبل أن يقتاد الجنود "هند" و "هاجر": قال واحد منهم و الذي قد بدا أنه قائدهم و ابتسامة مرتسمة على شفتيه: - سنقدم لكن عرضًا توقف لثانية ثم تابع: - سنأخذ من معها القرط فقط، و سنترك الباقيتين. إنه أسعد يوم في حياة الجندي، هكذا ظن، فقد وضع الملك جائزة قيمة لمن يجد القرط و يأتي بصاحبه، هو لا يعرف قيمة القرط، هو يعرف قيمة الجائزة فقط. و قد قرأت "هند" هذا في عينيه و ابتسامته، فأدركت أن بعض الحيل قد تنفع مع هذا الشارد الذي لا يفكر إلا بما قد يعطيه سيده، فهمست في أذن "زينة" بـ: - يجب على إحدانا أن تفر بالقرط، سآخذ القرط منكِ و أضعه أمام أعين الجنود كي يأخذوني وحدي ثم أقذف القرط دون أن ينتبهوا لتأخذيه أنتِ و "هاجر"، تذكرا أنني سأحتاجكما. ثم سحبت القرط و حدث ما حدث. - عليكِ أن تركزي يا "زينة" أخبرت نفسها بصوت عالٍ بعدما زفرت، القرط بين يديها، "هند" و "هاجر" في خطر، من في أيديهم مساعدتهما و تخليصهما في إنتظارها، استجمعت شجاعتها و انطلقت تهرول نحو أسوار المدينة كي لا تتأخر أكثر من ذلك.                                     ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ كانتا تسيران مقيدتا الأيدي مع أولئك الجنود يقودهم ذلك الشخص البغيض و الإبتسامة تكاد تشق وجهه، يتطلع إلى الجائزة الذي قد يكافئه بها ملكه، و كلٌ من "هند" و "هاجر" تتأففان و تدعوان أن تأتي "زينة" لتخلصهما، وصلوا إلى قصر الملك فدخلوا إليه بهما، رآهم الملك و كله شوق لرؤية ذاك القرط الذي قد يجعله أقوى، فقد وهن و تقدم في العمر و أصبح لا يأمن غدر قريب أو بعيد، لذا يريد أن يضمن قوته ضد أي شخص قد يفكر بمسه بشر. قال بصوت جامد صلب تتخلله بعض الهشاشة بسبب تقدمه في السن : - أين القرط؟ أمر القائد "هند" بأن 'أخرجي القرط' فمثلت أنها تفتش في جيبَي ردائها و قالت بصدمة من الواضح جدًا أنها مصطنعة: - لا أجده! صرخ "نجم" في وجهها: - كيف لا تجدينه؟ ألم تقولي بأنه معكِ؟ ردت "هند" بارتباك: - نعم...و لكنني... لا أجده، يبدو أنه سقط من جيبي حين جرني الجنود إلى هنا. كانت "هاجر" تحاول كتم ضحكتها و بدا على ملامح "هند" أنها تكذب فصرخ بها "نجم" مجددًا: - هل تظنوننا أبناء الخامسة؟! توقف لهنيهة ثم أردف: - أنتما تكذبان هذا لا شك فيه. ثم نظر لحراسه و أمرهم: - لتُسجنا الآن ثم تُضربان أمام العامة في الصباح كي لا يفكر أحد بالاستهزاء بالملك. و بالفعل اقتادهما الحراس مجددًا إلى الزنازين لتجلسا حتى الصباح.                          ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆ - ستنقذون "هند" و "هاجر" أليس كذلك؟ خرج ذاك السؤال من في "زينة" مرتعشًا خائفًا بعد أن قصت عليهم ما حدث و هن في طريقهن لهم، طمأنها "منتصر" بقوله: - لا تقلقي، حتى لو لم نغلب "نجم" فسنخلصهما. همست السيدة "مرام" بمقتٍ تجلّى في ملامحها: - الخبيث "نجم" لم ينسَ أمر القرط إلى اليوم! ازداد "منتصر" حماسًا بعدما رأى مقت أمه لـ"نجم"، فهو لم يره و لم يحمل كرهًا له لكنه يشعر بأنه يود الفتك به و بأي أحد يفكر بلمس أمه الحبيبة، لذا سأل: - متى يحين موعد اجتماع الشعب؟ ردت "زينة" و هي تنظر للشمس علها تتوقع الساعة التي هم بها: - أخبرناهم أن يجتمعوا عند قصر الملك في الظهيرة. - إذن يُفترض أن نجدهم هناك الآن. أومأت "زينة" فنادى "منتصر" في الجميع كي يتحركوا إلى هناك. بينما هم يسيرون سألت "زينة" و سؤالًا لم تفكر به من قبل، فقالت في إستحياء: - كيف سيستعمل الأستاذ "منتصر" القرط؟ ردت عليها "مرام": - عن طريقي. نظرت لها "زينة" باستغراب ففسرت الأخرى: - القرط لا يمنح القوة لمن يرتديه فقط، فقد يمنح قوة أعظم  لآخر إن كان من يرتديه يتمنى له الخير. حين تتمنى له الخير؟ رائع، تستطيع منح الشخص قوة لا مثيل لها حتى لو لم تشعر بها، فقط لأنك تتمنى له الخير. تفكرت "زينة" في أمر تلك المرأة المدعوة "مرام"، إنها سيدة قوية، لم تنسَ حقها و تتركه يضيع مقابل العيش بسلام داخل المملكة دون افتعال مشكلات مع "نجم"، لم ترضَ بالذهاب لعالم مختلف لا يعرفها فيه أحد لتعيش بأمان مع ولدها كي لا تنسى زوجها، ظلت حية على ذكراه، ترى أي إحسان أحسنه ذلك الرجل لزوجته كي تستمسك بذكراه و تستميت بالدفاع عن حقه هكذا؟! و أي قصة حب تلك التي جمعت بينهما؟! بعد سير استمر طويلًا فأرهقهم، وصلوا حيث المكان المقصود... قصر الملك "نجم". نظر و حاشيته من نافذة قصره إلى الناس المجتمعة الذين يتصببون عرقًا و تكاد الشمس تلفح وجوههم لشدة حرارتها، يتلفتون حولهم في حيرة، أين أولئك الفتيات اللاتي جمهمنهم؟ هل كن يخدعنهم أم ماذا؟ ظلوا على تلك الحال فترة مما جعل "نجم" يشك بأمرهم فقال لأحد حراسه المقربين: - هل تراهم يريدون القرط الذي يظنون أنه مع الفتاتين؟ - لا أعتقد يا سيدي، فلا أحد يهتم بالقرط كثيرًا لأن الأغلب يظنونه أسطورة. قال "نجم" بقلق: - لست مطمئنًا و بينما يقف الناس يتململون، فقد كانت الخطة المتفقة أن ينتظروهن لأمر ما في خاطرهن لم يخبرن به، شيء يضمن لهم الإنتصار، لأنهم لو هجموا عليه و هم عزل دون سلاح ستكون الغلبة للملك و جنوده في الثانية الأولى، ظهرت "زينة" من العدم فوقفت أمامهم جميعًا، حين نظرت أمامها ذُعرت من العدد الذي تناست أمره، "هاجر" ليست موجودة لتشعل الحماسة بطاقتها العفوية، الأمر عليها، هي المسؤولة، حاولت فتح فيها لتنطق لكنها لم تقدر، لم تلعب يومًا دور البطولة، كانت دومًا تقف في الزاوية، لاحظت السيدة "مرام" الواقفة بقربها ذلك و هم أحد إخوتها للتحدث بلًا من "زينة" لكن السيدة "مرام" أعادته و تقدمت منها هي، مع لمسة لطيفة على كتفها و همسة تقول: - يحتاج المرء أحيانًا إلى لحظة تهور كي يحقق ما يسعى إليه. استعذبت "زينة" الكلمات و شعرت كأنها أزاحت من عليها حملًا لا تعرف ما هو، فقالت بصوت خرج واثق، عال، و جامد: - قد جمعناكم اليوم لتأخذوا حقكم، لتنزعوا من نصب نفسه ملكًا عليكم دون وجه حق، اليوم تنتقمون ممن أذلكم و استعبدكم، اليوم ترفعون راية العزة للأبد بإذن الله. هلل الجميع خلفها، حينها أحست "زينة" بإحساس مختلف، بأنها تملك العالم، قوية لا تهاب شيء، عكس ما عاشت عمرها عليه، أدركت الآن أن لحظة التهور التي يحتاجها كلٌ منا هي من أكثر اللحظات الفارقة في دنيانا، حين ننزع رداء الخوف و نبدله برداء الثقة، حينها يمكننا القول بأننا نملك العالم.                              ∆∆∆∆∆∆∆∆∆∆

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قرط الملكة

المؤلف آيـة حـسـيـن
2024/06/16 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة