عقارب الساعة تشير الى السادسة بالتمام ، المدرسة هادئة و فارغة فالجميع لزم حجرته بعد انتهاء الدوام !
في احد ممرات المدرسة ذو الظلام الخافت ، و بهندام أسود قاتم انتصبت تلك الشهباء ، لا تتبين منها شيئا سوى خصلات شعرها البيضاء ... تفرك كلتا يديها بخوف بالغ ، فيما قد استوطن الشحوب معالم وجهها و زينت حبات العرق جبينها
مسحت جبينها المتعرق بأناملها الرقيقة ، و طردت أنفاسها المتوترة عند ظهور صديقتها لورا في أقصى الممر ، تشير لها بالتقدم نحوها ، بخطوات مترددة و خائفة شقت طريقها نحو صديقتها ، فؤادها يخفق بشدة داخل قفصها الصدري ، يترصد كل حركة مفاجئة أو صوت مباغت !
و على حين غرة سمعت صرير باب ما يُفتح ، تلاه صوت خشن على ما يبدو أنه يتحدث في الهاتف ، سكنت اوريليا مكانها ، تسارعت وتيرة تنفسها و ارتعدت أوصالها برعب و هلع ... وقع أقدامه يقترب و صوت حديثه اصبح يتردد على مسامعها بوضوح بالغ ، تسلل صوت لورا الهامس لمسامعها و هي تحثها على التقدم .. لكنها لم تقوى على الحراك
يقال أن الندم بعد فوات الأوان كالقبلة على جبين الميت ! و هو بالضبط ما أدركته اوريليا في تلك اللحظة ، أرادت أن تحظى بمغامرة ترويها لأحفادها ربما يوما ما ، لذا وافقت على طلب لورا للتسلل خارج المدرسة الداخلية ، و كانت تلك المرة الأولى التي تقدم بها على فعل شبيه لهذا ... و على ما يبدو أنها الاخيرة كذلك لأن أباها لن يتهاون مع أي فعل طائش قد يبدر منها ، لطالما ادهشتها قساوة عقوباته و يستطيع مخيخها تخيل و تصور مدى شناعة عقوبتها في حال ما ان تم القبض عليها ... الآن !
لم تكد أوريليا أن تنجر وراء تفكيرها الداخلي أكثر إلا و بيد تنتشلها من مكانها ، فتحت جفونها بثتاقل لتقابلها ملامح لورا القلقة ، تنهدت اوريليا بارتياح لتعقب لورا على فعلتها قائلة بهمس شديد
" لقد كان ذلك وشيكا "
ازدردت اوريليا ريقها تحاول اللحاق بانفاسها المتسارعة ثم أردفت
" لقد كانت حماقة عندما ايدتك لورا دعين ... "
قاطعتها لورا عندما وضعت كفها على فاهها تمنعها من الكلام فيما اشارات لها بسبابتها ان تلتزم الهدوء ، لحظات مرت كالدهر عندما مر الرجل أمامهما و تبين انه لم يكن سوى الحارس
بهدوء تام امالت لورا رأسها للجهة اليسرى ... تشير للباب الخلفي للمدرسة ، نزعت يدها بلطف من فاه اوريليا ثم اولتها ظهرها تمشي بتأني ، اتبعتها اوريليا بخطوات صامتة ، توقفت الفتاتان اما تلك البوابة الرمادية التي تفصل بينهم و بين ساحة المدرسة ، نظرت لورا الى اوريليا و قالت بتساؤل
" هل انت مستعدة لخوض هذه التجربة يا طفلة القمر "
لم ترد اوريليا على سؤال صديقتها فيما صوبت نظراتها على تلك البوابة ، التي كانت الفاصل كذلك في حياتها ، ربما يعتبره البعض امرا عاديا مثل لورا ، لكن بالنسبة لفتاة أمضت جل حياتها حبيسة بين الجدران ، و تتلقى الاوامر كأنها اسيرة فلم يكن عاديا البت ! بل كام قرار مصيريا سيحدث فارقا ملحوظا في شخصيتها ...
كان الجمود يعلو محياها بينما هي تصارع افكارها و مشاعرًا تختبرها لأول مرة ، اخيرا ... شق ثغرها تلك الملامح التي لا توحي بشيئ بابتسامة عريضة ، توهجت اعينها ببصيص من الحماس ، نظرت الى تلك القابعة بجنبها تنتظر ردها بترقب و هزت رأسها للاعلى و الاسفل تخبرها بموافقتها ، قفزت لورا معانقة اياها بشدة فيما تكتم صوت ضحكاتها بصعوبة بالغة ، بادلتها اوريليا العناق و هي تردف بمزاح قبل ان تسحب جسدها بعيدا عن احضان صديقتها
" لنذهب قبل أن استسلم لفؤادي الواجف "
اومأت لورا لها بتأييد و قالت بجدية
" معك حق "
مدت يدها الى تلك البوابة تحت نظرات اوريليا المترقبة و فتحتها بهدوء ، تحاول جاهدة ان تفتحها دون أن تصدر صوتا مزعجا ... اصدرت البوابة صريرا منخفضا و كأنها عقدت اتفاقا معهما ، افسحت لورا الطريق لاوريليا ، فمرت هي الاولى و تبعتها لورا بعد ان القت نظرة اخيرة على الممر
الشمس قد قاربت على الغروب كليا و السماء تستعد لأول ظلمة لها في هذه الليلة و هذا ما يدعى بالغسق ، هب نسيم بارد جعل اوريليا تلف كلتا يديها حول جسدها الهزيل فيما انكمشت على نفسها داخل فستانها الرهيف ، عكس لورا التي فتحت يديها كانها تعانقه و اندفعت راكضة نحو الصور الذي يحيل بينهم و بين الخارج
عقدت اوريليا حاجبيها باستغراب عندما رأت الاتجاه الذي ركضت نحوه لورا ، لحقتها بخطوات مسرعة و صاحت بخفوت
" مهلا ! الى أين انت ذاهبة "
استدارت لورا اليها بابتسامة عريضة تعكس مدى سعادتها و ردت عليها بنبرة مشابهة
" و ماذا بعد يا طفلة القمر ألم يحن الوقت بعد ! "
اقتربت اليها بخطوات مرحة ثم استرسلت حديثها بمزح و تلاعب
" أم أن فؤادك وجف بهذه السرعة ؟! "
ابتسمت اوريليا و اجابت بهدوء و ثبات
" ليس ذاك و لكن الباب الخلفي من الجهة المعاكسة "
رفعت لورا كتفيها بلا مبالاة و قالت
" و ان يكن ! "
ضيقت اوريليا عيونها بها ثم اردفت بادراك
" اتقصدين اننا سنتسلق السور للعبور الى الخارج ! "
" الا اذا اردت أن يمسك بنا الحارس "
نبست لورا بهذه الكلمات ، مذكرة اياها بالحارس و ما قد تؤول اليه الاوضاع في حال ما تم القبض عليها ، لم تمهلها وقتا اضافيا للتفكير اذ اكملت جريانها نحو السور و تسلقته بخفة و رشاقة تدل على اعتيادها لهذا الامر ، تتبعتها اوريليا بقلة حيلة و هي تردف بتبرم
" لكني أجهل كيفية التسلق لورا "
جلست لورا على السور ، مفرقة كلتا رجليها على جانبيه ، وجهت أنظارها الى اوريليا التي يبدو عليها الاستياء بوضوع و مدت يدها اليها ثم قالت بتشجيع
" تقدمي فحسب و سأساعدك "
مكثت اوريليا مكانها فاسترسلت لورا باقي حديثها عندما لاحظت ترددها
" هيا اوريليا لا تخافي ، لن أفلت يدك أبدا أعدك حتى و إن وقعتي سنقع معا "
ابتسمت في آخر كلامها مظهرة صدقه ، زفير عميق صدر عن اوريليا و هي تقرر التقدم نحوها ، لتنبس لورا بتوضيح على الفور
" ضعي قدمك اليمنى على ذلك الفراغ ثم مدي يدك لي "
أومأت اوريليا بفهم و وضعت قدمها اليمنى على ذلك الفراغ ، ثم مدت يدها ل لورا الثي سرعان ما أمسكت بكفها و حاولت رفعها و هي تقول
" ادفعي نفسك الى الاعلى و حاولي الوصول الى سطح السور بيديك "
ضغطت اوريليا على فكها من شدة الثقل الذي يعطي الجاذبية قابلية اكثر لسحبها للأسفل ، جاهدت نفسها و هي تحاول رفع ماتبقى من جسدها الضئيل ، أخيرا لامست أناملها سطح الصور ، لتحاول بعدها تنظيم وتيرة تنفسها ، فيما مدت لورا يدخا لخصرها تعينها على رفع جسدها ، تشبثت قبضتا يداها بقوة أعلى السور ، كتمت أنفاسها و هي تدفع نفسها للأعلى للمرة الاخيرة و بقوة أكبر ، شدتها لورا اليها أكثر ، مدت اوريليا رجلها بسرعة الى الجانب الاخر لتنجح اخيرا بتسلقه ، تبادلت الفتاتان نظرات فارغة لثواني قبل أن تنخرط كلاهما في نوبة ضحك
لم تستطع لورا كتم صوت قهقهتها العالية ، لتسرع اوريليا بوضع يدها على فاهها لتكتم الصوت العالي الذي تصدره، لكنها مالت بجسدها للجنب الاخر لتتغلب عليها الجاذبية هذه المرة فتقع من السور ... حاولت لورا امساكها لكنها سقطت هي الاخرى كذلك ، لم يمهلهما الوقت ثانية منه ليستوعبا الألم أو يدركا مكانه عندما سمع صوت بوابة المدرسة يفتح
قامت لورا بسرعة متجاهلة أوجاعها و سحبت يد اوريليا جاعلة اياها تستقيم لتتأوه بألم ، جرتها لورا خلفها بين الزقاق و اوريليا تحاول مجاراتها لكنها فشلت في اخفاء المها اكثر فصاحت بها مستنجدة
" لوراا توقفي ركبتي تؤلمني لا استطيع المشي عليها اكثر "
واصلت لورا مسيرها و هي تخبرها بهدوء
" يجب ان نبتعد عن الارجاء اوريليا "
حدقت بها اوريليا باستغراب محررة يدها من قبضتها ثم اخبرتها قائلة بهدوء
" لورا ، لقد ابتعدنا على المدرسة بالفعل ، انظري حولك "
توقفت لورا و تفحصت المكان بقلق للحظات ثم أبدت ارتياحها قائلة بادراك
" معك حق ، لقد تجاوزنا حيز المدرسة ... اسفة لم الاحظ "
ابتسمت اوريليا و ردت بود
" لا عليكِ "
اومأت لورا لها بامتنان ثم نبست بتساؤل
" اذن ، ما أخبار اصابتك "
امالت اوريليا رأسها تنظر الى مكان الاصابة ثم قالت بهدوء
" انه يؤلم بعض الشيئ لكنني اعتدت لذا كل شيئ على ما يرام "
وضعت لورا يداها على خاصرتها و قالت
" جيد ، اذن ما رأيك في الحصول على وشم جديد ! مثل الذي حصلت عليه "
عقدت اوريليا كفيها وراء ظهرها و نبست بشيئ من الخجل
" في الحقيقة ... لم يسبق لي و أن حصلت على وشم و لا اعتقد أن الامر سيروق لوالدي لذا لا أظنها فكرة جيدة "
همهمت لورا بتأييد ثم أردفت
" ربما ليست بالفكرة الجيدة لكنها ستصبح كذلك حينما تحصلين عليه في مكان خاص و لا تتاح رؤيته للجميع "
أنهت كلامها بغمزة جعلت الحرارة تتصعد بتلك الشهباء جاعة حمرة شديدة تطفو فوق خديها ، قهقهت لورا عاليا على ملامح صديقتها الخجولة و التي لم تشبهها في اي خصلة من خصالها ، مدت يدها اليها ساحبة اياها بلطف خلفها و هي تقول
" حسنا تعالي لن نحصل على وشم اذن ، ساصطحبك أولا لاخد بعض الصور بجانب سيارات فارهة في مستودع مجمع الاغنياء لكي نتباهى بها على منصة الانستغرام ما رأيك "
هزت اوريليا كتفيها بلا مبالاة ثم افصحت عما يجول بفكرها بكل صراحة
" لا داعي للتباهي نحن بالفعل غنيتين "
لم ترد عليها لورا بل جرتها خلفها مرة اخرى ، ضحكت اوريليا بخفوت على صديقتها و تبعتها
لم يكن المستودع يبعد بالكثير عنهما ، مجرد اميال فقط ، تنحت لورا جانبا امام بابه و انحنت باستعراض قائلة
" تفضلي سموك "
جارتها اوريليا في حركتها عندما انحنت هي الاخرى مبتسمة بأدب و أردفت
" شكرا "
تقدمت للداخل تتفحص كل انش من المستودع ، ثم قالت باستغراب
" اليس من الغريب وجود هذه السيارات الفارهة في مستودع مثل هذا ! رث و بالي حت ... "
صمت لسانها عن الكلام عند حل الظلام بالمستودع ، لم يبقى سوى نو خافت قادم من اضواء الشارع ، تراجعت اوريليا خطوات للخلف و هي تلتف حول نفسها بذعر و هلع ، تسارعت نبضات قلبها ، و شعرت بضياع الهواء من حولها ففتحت فاهها بحثا عنه ، فقدت القدرة على التمييز بين الواقع و الماضي ، بل كانت حبيسة للحظاتها القاسية ، هي تشعر به ... تشعر به معها ، تشعر بانفاسه و بصوته الغاضب و هو يوبخها ، ها هو يقيدها ، اخفت يداها وراء ظهرها و شهقت ببكاء حاد ، تهز رأسها بالنفي و تواصل التراجع للخلف ، لكنها تصطدم بشيئ صلب ، تجمدت حواسها و ارتعدت أوصالها ، لم تكد تلتفت الا و شعرت بنغزة في كتفها ثم يد تضع فوق رأسها كيسا قماشيا أسودا ... و كان آخر ما رأته علامة X01 الموشوم على معصمه
.....
وسط كوخ بالي صغير و بارد ، تتسرب اشعة الشمس به من خلال بعض الشقوق التي تزين خشباته
فتحت اوريليا جفونها بثتاقل ، بينما يعصف الالم برأسها ، جالت بنظرها حول ارجاء المكان الذي هي به ، استغرقت بضع لحظات لتتوالى ذكريات ما حدث داخل مخيخها ، حاولت الاعتدال في الجلوس لكن يداها المقيدتان لم يسعفاها على ذلك ، زفرت انفاسها المرتعبة و نظرت من حولها مرة اخرى تستكشف المكان ، لا تعلم لما و كيف و اين هي الان ، و هذه الفكرة تزيدها رعبا و هلعا و ... ندما لأنها طاوعت لورا في التسلل من المدرسة !!
عقدت حاجبيها عندما تذكرت لورا ، يا ريتها الان معها لتهون عليها الامر ، لكن عدم تواجدها حعل دماغها يطرح عليها تساؤلات و احتمالات جديدة ، انهل الدمع من عيونها فيما ارخت رأسها باستسلام على الخشب البارد ، الأمر يزداد سوءا ، و جهلها للمصير الذي ينتظرها هنا يُشعرها بعجزها و قلة حيلتها ...
الصرير الذي أصدره صوت الباب و هو يُفتح ، جعلها ترفع رأسها ناحيته ، ليظهر منه شاب نحيف نوعا ما و ذو طول فارع ، انعكاس اشعة الشمس على ظهره جعل الظلام يحل على ملامحه مانعا اوريليا من تبينها ، تقدم منها بخطوات واثقة و مع اقترابه وضحت ملامحه شيئا عن شيئ ، شاب أشقر و ذو بشرة حنطية و ملامح حادة أو ... غاضبة ربما !
اطرقت اوريليا نظراتها عنه عندما شعرت بتحديقاته نحوها ، لتلمح Y08 الموشومة بمعصمه ، تذكرت معصم ذلك الشاب الذي اختطفها و وشم X01 ، رفعت حاجبا واحدا تحاول حل لغز الوشوم هذا ، لكنه قاطعها عندما نبس باستهزاء
" لا تهدري دموعك عزيزتي عبثا اؤكد لك ان مستقبلك بحاجة اليها اكثر من حاضرك ثم ان دموعك لن تجديك نفعا هنا "
لم ترفع اوريليا بصرها نحوه بل نكست رأسها تحاول الهرب من نظراته الحارقة ، اقترب إليها أكثر ثم جثى على ركبة واحدة و مد يده الى يداها المقيدتان خلف ظهرها و همهم
" $#$ كأباك $&$ "
رفعت اوريليا رأسها بسرعة و نظرت اليه بحدقتين متسعتين من الذهول الذي اعتراها جراء شتيمته البديئة الذي ألقاها ببساطة و كأنه يتلو قصيدة ما
صوب نظراته نحو عيونها المندهشة و قال بسخرية
" ألم تكون تعلمي أن اباك مجرد $&$ "
لحظتها استوعبت اوريليا الكلام الذي يتفوه به ، ادردت ريقها ثم اردفت بتساؤل خافت
" أ .. أبي "
ابتسم الشاب و علق بتهكم واضح متجاهلا سؤالها
" للحظة ظننتك خرساء "
لم يمهلها وقتا للاجابة ، بل انتصب واقفا ثم رفعها نحوه من مرفقها و أخبرها بجمود
" اتبعيني و لا تحاولي الهروب ، اي حركة منك توحي بهذا ستتسبب بمقتلك صغيرتي "
اولاها ظهره مغادرا ، أزالت اوريليا اثار الدموع بأناملها ثم لحقت به تحاول مجاراة خطواته ، وصولا لباب الكوخ توقفت ، عندما استشعرت اشعة الشمس الحارقة فوق بشرتها الحساسة ارتدت بخطواتها للوراء ، مثيرة انتباه الشاب الغاضب لها ، التفت يلاحظها باستغراب ثم همهم بادراك
" أ أنت من أطفال القمر ! "
اكتفت اوريليا بايماءة صغيرة برأسها ، طرد الشاب انفاسه الغاضبة ثم و على حين غرة نزع سترته و رفعها باتجاه الشمس حاجبا نورها على ارويليا ، نظرت اليه اوريليا بأعين فضولية و مندهشة ، قلب نظراته منها ثم تكلم بهدوء و عدم اهتمام
" لن ننتظر غروب الشمس على الاغلب ، هيا "
نكست اوريليا رأسها فيما رفع يديه بالسترة و مشى ، لتواقفه اوريليا في سرعة المشي ، تفكر في تصرفه الشي لا يبدر الا من قلب رحيم ، و هذا ما بث في كيانها شيئا من الامان ، تجولت نظراتها تستكشف المكان الذي هي به ... اخضرار الغابة و النسيم الهادئ الذي يهب بها و نقاوة الهواء الذي تستنشفه جعلها تشعر و لأول مرة أنها حرة ... و غير مقيدة بأحكام أبيها رغم أنها مختطفة !
بعد قطع أميال من الغابة ، استطاعت اوريليا ان تلمح مجموعة من الفتيات و الفتيان جالسين على الركب و ناكس الرؤوس ، ايديهم مقيدة بحبل وثيق و قماش اسود يلتف حلو عيونهم حاحبا عنهم الرؤية و جانب كل شخص منهم شاب او فتاة ، لم تستغرق اوريليا الكثير من الوقت لتفهم انها لم تكن المختطفة الوحيدة ، و ان اختطافها لم يكن محض صدفة بل كان امرا مخططا له ، و هذا التخطيط لم يكن عبثا بل مستهدفا للسياسيين ربما !
قطع حبل تفكيرها ذلك الشاب الذي اشار الى مكان مظلل ، ثم قادها اليه ، جثت على ركبتيها و اثناء انشغاله بتقييد يديها كانت أعينها تبحث عن صديقتها لكنها لم تستطع تبينها من بين الجميع ، و اخيرا ربطت اعينها بذاك القماش الاسود ، حاولت اوريليا ان تشغل تفكيرها بسر الوشوم و سر المنظومة الغريبة هذه و ذلك لتتجاهل فكرة الظلام الذي هي به الان ، لا تريد الغرق به و لا الغرق بماضيها كذلك ... خصوصا في هذه اللحظة
شعرت بشئ بارد يلتف حول معصمها ثم تهافت الى مسامعها وقع اقدام قوية ، جعلتها تتخد وضعية الترقب و الترصد ، و ما هي الا ثواني و صدح صوت رجولي خشن في الارجاء
" مرحبا بالجميع في منظومتنا المتواضعة ، اتمنى ان تعجبكم ضيافتنا و انا متأكد من هذا "
ألقى كلامه بتهكم ساخر ثم أضاف
" يروقني شكلكم المذل هذا ، صورة لابناء الوزراء بهذه الوضعية ستشعل مواقع التواصل اليس كذلك Y02 "
اجابه المدعو Y02 بجدية و جمود
" أنت تعلم اني سيئ بها "
هز الاخر رأسه فيما رسمت شفاهه ابتسامة تدل على سعادته ، انتقلت نظراته بين الجميع و هو يحك لحيته ثم قال
" لن تشعل المواقع فقط بل ستحرق قلوب ذويكم "
صمت هنيهة ثم واصل حديثه بنفس نبرته المتهكمة و الساخرة
" هذا ان وُجد لديهم ، على كل ... ضيافتنا لكم لن تطول ، إن أردتم العيش بها بسلام فعليكم إتباع تعليمات المشرفين عليكم إلى أن يتم الافراج عنكم ... هنا السلطة لنا ، لا وجود لكم ولا لقوانينكم ، القانون هنا هو قانون الغابة اي ان القوي يأكل الضعيف لذا اي خرق لاوامرنا سيتسبب بخرق سلامتكم "
عم الهدوء بعد اخر تصريح قام به ذلك الشاب الحنطي ، لحظات و تقدم كل شخص الى رهينة معينة ... شعرت اوريليا بيد تزيح عنها الرباط الذي على اعينها ، لتتوضح لها الرؤية ... لم يمهلها Y08 الوقت الكافي الذي يسمح لها بالبحث بين وجوه باقي الرهائن عن صديقتها .. لورا
قام بسحبها بهدوء و دون ان يصدر اي كلام ، كذلك اوريليا كانت هادئة رغم ان داخلها يضج بالافكار و ... الاسئلة
كان باقي الرهائن يمشون ورائها بمسافة بعيدة نوعا ما ، حاولت الالتفاف لكنه احكم قبضته على مرفقها ليجعلها تأن بألم واضح ، تجاهل المها و اوضح بجمود
" تريثي طفلتي ... ان اردتي سلامتك "
لم تنبس اوريليا بحرف ، بل قبضت كفها بشدة ، وصلو اخيرا لمستودع كبير ، اقتربو بخطواتهم اكثر حتى اصبحو امام بابه الرمادية ، دفعه Y08 ثم مد يده باسطا كفه و هو يقول
" تفضلي ، ستنالين شرف اختيار أول سرير هنا "
تقدمت اوريليا بخطى حذرة و عيناها تجوب المكان بفضول ، كانت المساحة على شكل مستطيل ، و بها ستة أسرة ، وقع بصرها على ذلك السرير بجانب النافذة ... استدارت لقائدها حسب ما فهمت من كلام الاخر ، و اشارت بسبابتها نحو السرير
ابتسامة جانبية علت شفاه Y08 ، اقترب بخطواته الكبيرة نحوها ثم نظر للنافدة و قال
" اختيار موفق يا طفلة ، سترعين القمر و النجوم بأعينك كل ليلة "
احاطت اوريليا جسدها بكلتا يداها ، رغم انها محتجزة في غابة مجهولة الا أنها شعرت بالأمان امام هذا الغريب ، رمقته بحدقتين مترددتين ، تريد سؤاله او ... استجوابه ، عقلها يضج بالأسئلة لكنها متخوفة من رد فعله
لاحظ ترددها ليجلس فوق سريرها بأريحية و يردف
" اخبريني مالذي يجول بعقلك و تريدين معرفته "
فركت اوريليا كفيها بتوتر و اجابته بنبرة منخفضة
" لما ... لما تغيرت معاملتك لي فجأة "
قضب الاخر حاجبيه باستغراب و قال
" كيف تغيرت "
لتجيبه محافظة على مستوى نبرتها السابقة
" اصبحت لطيفا و ... و مراعي "
ابتسم مرة ثانية ، كأنه يثبت لها صحة ما تفوهت به ثم قال
" ربما لانك تشبهين شخصا غادرني لكن لم يغادر قلبي ، عيناك ... عيناك تشبه المحيط الذي بعيونه و كذلك بياض خصلات شعرك يشبه الثلج الذي كان بشعره هو الاخر "
صمت ثقيل عم بعد اخر كلام له ، لتنبس اوريليا بادراك
" هل كان ... هل كان هذا الشخص من ... أطفال القمر "
لم يجبها بل ظل ساكتا ثم تنهد و قام من سريرها ، نظر اليها بعيون خالية من اية مشاعر ثم قال
" لم أكن اعلم اني اثرت انتباهك لتهمك تفاصيلي يا طفلة "
اقترب منها و مد يده ناحيتها و امرها بهدوء
" مدي الي معصمك "
لم تجادله اوريليا ، و مدت معصمها بكل طاعة ، وضع Y08 يده في جيبه و استخرج اسوارة حديدية خشنة ثم وضعها حول معصمها ، نظرت اليها اوريليا و هي تهمس بالكلمة المحفورة بها باستغراب
" الرهينة 08 !! "
رفعت مقلتيها اليه بتعجب ظاهر على ملامحها ، ليسحب يده و يرجعها الى جيبه قبل ان يجيبها بهدوء
" نعم انت كذلك ، ستتم مناداتك بهذا الاسم "
" الا يوجد شخص هنا يملك اسم ، او انا الجميع عبارة عن ارقام و حروف دون معنى "
نبست اوريليا بشيئ من السخط ، ابتسم Y08 لهالة الغضب الذي احاطت بها فجأة و قال
" كنت اظن أن Y08 اسم يناسب شخصا مثيرا مثلي ... لكن ان لم يعجبك فنادني ب « المثير » لا اظن أن هناك اسما يليق بي غيره "
انهى كلامه بغمزة جعلتها تخفض رأسها خجلا متداركة نبرته المتلاعبة التي تستهزأ بغضبها ، تجاوزها موليا اياها بظهره ، و تزامن ذلك مع دخول باقي الرهائن ..
زفرت اوريليا انفاسها المحرجة و نظرت الى الامام ، حيث تقبع كل فتاة وراء شخص يملك وشما على معصمه ، جالت ببصرها بين الفتايات تبحث عن لورا ، لكنها لم تجدها ، تنهدت بضيق و خوف و تمنت ان تكون بخير و انها استطاعت الهرب قبل اختطافها ، نظرت لست شباب ثم نقلت اعينها بين وشومهم ... و لاحظت ان الكل يملك وشما بحرف Y لكن الارقام تختلف و هي مرتبة من Y03 الى Y08
و بينما هي تحاول فك شيفرة الوشوم هذه ، دلف للمكان شاب اخر ... ذو بشرة سمراء داكنة ، و ملامح حادة و شعر اشعت ، رماها بنظراته قبل ان ينقلها الى Y08 ، ليشير لها الاخر بالتقدم نحوه
تقدمت اوريليا نحوه بحرج و توتر بالغ ، و خطوات بطيئة ليجدبها من مرفقها بجانبه ، همهم الشاب ذو البشرة السمراء و قال و هو يرفع يده و يفصح عما بداخله
" ستبيتون في هذا المستودع من اليوم الى ان يحين وقت الافراج عليكن ! كل رهينة لديها رقم معين و ذلك الرقم يُتبعها بالمشرف الذي يقف بجانبها "
نقلت اوريليا نظراتها بين معصمها الذي يحمل اسوارة " الرهينة 08 " و بين معصم الواقف بجانبها و الي به وشم Y08 ، و استطاعت فهم الرقم الذي تحمله ... واصل الاسمر حديثه جاذبا انتباههم مرة اخرى
" كل رهينة ملزمة باتباع اوامر المشرف عليها بصفة اولى ثم اوامر الباقي بصفة ثانية ... و اي عصيان او شكوى تبدر من المشرف نحوها ستسبب بمقت. لها و المسؤول عن هذا هو انا أو ... شريكتي التي تقاسمني الاشراف عليكم "
كانت اوريليا تسمع كلامه بتركيز بالغ ، لعل و عسى يجيبها عن بعض الاسئلةةالتي تدور في عقلها ، لكنه اثار اهتمامها اكثر عندما افصح بطريقة غير مباشرة عن وجود الجنس اللطيف هنا دونها هي و باقي الرهينات
تقدم نحو الخارج عندما انهى كلامه ، و في تلك اللحظة حانت من اوريليا نظرة نحو معصمه و وجدت وشم Y02 ، و هنا بدر لها اسئلة جديدة ..
هل الارقام هنا توحي عن اهمية الاشخاص و ترتيبهم ؟؟ و ما بال الجميع هنا يحمل حرف Y عكس الذي اختطفها ... كان معصمه يحمل وشم حرف X ؟؟
استفاقت من شرودها على بكاء بعض الفتايات الخافت ، صفق احد الشباب او .... المشرفين ، و الذي كان حاملا لوشم Y05 و صاح بأمر
" لتأخد كل واحدة منكن سرير ، لدينا عمل في المساء لذا استعدو "
خرج الجميع بعدها سوى Y03 ، صاح به Y05 قائلا
" يان ... هيا للخارج انت الاخر "
ابتسم الاخر بسماجة و نقل نظراته اللعوبة بين الفتايات و اردف
" أنت قاس القلب حقا ، كيف يمكن الا ينفطر فؤادك و دموعهن تُذرف هكذا "
لم يجبه الاخر بل سحبه عنوة الى الخارج بصمت ، نظرت اوريليا لباقي الفتايات الباكيات ثم تقدمت نحو سريرها و استلقت عليه مولية اياهن ظهرها .
.....
داخل ذلك المستودع البارد و الكئيب ، به ست فتيات ، تجلس كل فتاة على سرير مهترئ ، كأن كل الحياة التي حظو بها ماكانت الا ساعات قبل منتصف الليل لتحل عليهم بعدها لعنة سندريلا و يتحولن من اميرات الى .... رهائن محتجزات في غابة مجهولة !
مرت بالفعل ساعات طويلة ، و لم يأت احد لهم ، نظرت تلك الشقراء ذات الملامح الحادة و الشعر المجعد القصير لهن ثم نبست
" و ماذا بعد ! "
نظرت اليها التي بجانبها ، و كانت عكسها ، ذو ملامح طفولية و ناعمة و شعر املس فحمي و بشرة بيضاء ناصعة ، لتسترسل الشقراء كلامها
" أ سنبقى هكذا "
التفت اليها باقي الفتايات سوى اوريليا و فتاة اخرى ذات بشرة قمحية شاحبة و جسد نحيل ، لترفع الشقراء معصمها نحوهم ، تريهم الاساورة التي عليها (الرهينة 03)
" بإساورة حديدية مكتوب عليها رهينة و اضيف اليها رقم ، و داخل مستودع في غابة مجهولة ، داخل منظومة لا نعرف عنها شيئا الا أنها اختطفتنا انتقاما من ذوينا ! "
ضحكت تلك السمراء بألم و دموعها لم تجف بعد على خديها ثم قالت بسخرية و تهكم
" اذن ماذا نفعل ، هل نقتلهم و نهرب اذن يالرهينة رقم 03 !! "
بانت معالم الاستياء على ملامح الاخرى ، لترد بهجوم
" لا ، دعينا ننتحب و ننتظر لحظة اعدامنا ككبش الفداء مثلما تفعلين يا ... الرهينة 05 "
و قبل ان ترد عليها ، تكلمت ذات الشعر الفحمي بتوبيخ لطيف تعكس ملامحها الطفولية
" توقفوا عن هذا النقاش رجاءا ، لن يجدي نفعا و دعونا نفكر بحل اخر منطقي "
لتنبس تلك التي يجاور سريرها سرير اوريليا بثبات و هدوء
" معها حق ، الهروب من هنا يشبه الدخول في متاهة ، و البقاء ... اما البقاء فهو عدم البحث عن مخرج داخل تلك المتاهة ، لذا ... علينا التواصل مع احد من ذوينا في الخارج و ارسال موقعنا له ، لكن هذا لن يتم بسهولة ، يلزمنا خطة محكمة .... هل أنتن موافقات ؟؟ "
نظر الفتايات الى بعضهن البعض ثم صاحت الشقراء
" لا تنظري الي انا بالتأكيد موافقة ، لن أظل مكتوفة اليدين انتظر اعدامي "
بعد كلامها صوبت اعينها على الرهينة 05 و الرهينة 04 و قالت
" و انتن "
تنهدت تلك الجميلة و ازاحت بعضا من خصلاتها السوداء على وجهها و نبست بهدوء
" و أنا كذلك "
عقب جوابها ما كان لتلك الباكية الا أن تهز رأسها بتردد بالغ ، لتضحك الشقراء على ملامحها و تقول
" هوني عليك الأمر يا فتاة ، اذن ما الخطة "
صمتت تلك الفتاة و هي توجه انظارها نحو اوريليا و الفتاة الذي كان سريرها بعيدا نوعاما عنهم ، لتنبس بهدوء
" مزالت رهينتان لم يبديا رأيهما "
ظل الصمت سيد الموقف ، بحيث لم تنل اي اجابة من كليهما ، لتتنهد و تقف من سريرها و هي توجه كلامها نحوهما
" أنا لا اجبركما على الانضمام يا رفاق و لكن ... "
القت نظرة خافتة على المستودع و استرسلت حديثها
" مدام هذا المستودع سيكون بيتنا ، فلبيتنا اسرار ... و لن تخرج هذه الاسرار من هنا أبدا ، أيمكنني أخد وعد منكما "
نظرت اليها تلك النحيلة بعدم اهتمام ثم أولتها ظهرها ، لتنبس اوريليا بهدوء بالغ
" يمكنكم الاطمئنان بشأني ... اتمنى لكن حظا وفيرا في الهروب حقا "
ابتسمت تلك الواقفة بامتنان و فرحة لم تستطع اخفائها ، احاطت خصرها بكلتا يداها ثم اردفت بشيئ من الحماس
" حسنا ، انا اثينا لورو ابنة وزير الداخلية السابق فيليبوس لورو ، ابلغ من العمر 23 "
ابتسمت الشقراء و وقفت بدورها و هي تقول
" هيلين مارتيني ابنة وزير الشؤون الاجتماعية ديمتري مارتيني و أبلغ من العمر 20 "
لتردف ذات الملامح النامعة بود بالغ
" ميلينا غراسيا الابنة الوحيدة لوزير الصحة فيليب غراسيا و عمري 19 سنة "
مسحت الرهينة 05 دموعها و وضعت خصلات شعرها وراء اذنها و هي تخبرهم عن اسمها بخفوت
" اريانا مولر ابنة الوزير السابق للفلاحة ، غابريال مولر و ابلغ من العمر 20 سنة "
ابتسمت لهم اثينا بلطف و هي تقول
" اسمائكن جميلة ، لا تستحق ان تعوضها كلمة رهينة مع رقم غبي مثلما قالت هيلين "
انهت حديثها و هي ترمق ظهر اوريليا بفضول ، لتقترب منها رويدا و تسألها بهدوء
" و أنت ما اسمك ؟! ممن يكون والدك ؟! "
صمت طويل صدر من اوريليا ، حتى ظنت اثينا و باقي الفتايات انها لن تجيبها ، لكنها اخيرا أردفت بخفوت
" الرهينة 08 ، وفقط "
نظرت الفتايات لبعضهن باستغراب ، لتكتم اوريليا صوت شهقاتها مطبقة شفتها العليا على السفلى ... تساقطت دموعها فوق الوسادة راسمة طريقها فوقها ، تتألم من سخرية القدر منها !
هل ستخبرهم انها ابنة رئيس الوزراء و هو من اخفاها عن اعين الجميع خوفا من الفضيحة و خجلا من العار الذي ارتبكه مع والدتها الهاربة !
لم يكن والدها سببا في مأساتها فقط بل هو من صنعها ، لم يكن سندها و لا الحب الاول في حياتها كفتاة كما يشاع ، كانت ترى الكره بعيونه كلما تطلع لها او ذُكر اسمها على مسامعه ، حاول جاهدا بأن يحطم طفولتها و حياتها ... و نجح ! صنع لها مجلدا من الذكريات التعيسة ، حطم شخصها و جعلها ركام من العقد النفسية ، حول احلامها لرفات من الاماني المدفونة ، تفنن بتعذيبها و خلق مخاوفها و كان بطل كوابيسها الوحيد ! و گأن ذلك لم يكف لتخطفها المنظومة هي ... الابنة المنبوذة دون اخوتها الباقين و المفضلين لدى والدها ، هي تعلم أنه لن يهتم لوجودها هنا هذا ان لم يكن وراء مسألة الاختطاف هذه !
و كم آلمتها تلك الفكرة ، شعرت و كأن قلبها يسقط في بئر عميق و مظلم ، قبضت بأناملها الرقيقة على ملاءة السرير تجبر نفسها على التماسك ، و لكن كيف يمكن ذلك ؟! كيف لها ان تتماسك و روحها منهارة ! تساءلت لحظتها عن قسوة القدر احيانا عندما يُحمل البعض ثمن اغلاط الغير ... هي لم تختر أن تولد نتيجة شهوة عابرة بين رجل سياسي و امرأة من الطبقة العامة ، كما لم تختر أن تكون من أطفال الغسق ، فلما يعاندها القدر بقسوته و يحملها ذنب غيرها بينما هي من ارتُكب في حقها الذنب !
كتمت غصتها بحلقها و اغلقت جفونها تبحث عن مهربها عبر النوم ، سافرت افكارها بعيدا ... بعيدا نحو البئر الذي وقع به قلبها ، تتهافت على مسامعها احاديث باقى الفتايات ، لتغفو عيناها على احاديثهم
.....
مرت الساعات ببطئ شديد داخل المستودع ، بين اربعة جدران رمادية مهترئة ، جلست الفتايات فوق فراشهن بوهن و قليل من الغضب ، حيث اشتد عليهن الجوع و العطش ، قد اسدل الليل ستائر ظلامه بالفعل و رغم ذلك لم يأت أحد ، و لم تجرأ أي منهن في الخروج من المستودع
التفت هيلين الى اثينا و اردفت بامتعاض
" لن يأت أحد ، سنبقى جياع و عطشى هكذا "
تنهدت اثينا ثم ردت
" ما باليد حيلة هيلين ، لن نستطيع الخروج و كما لا نستطيع محاسبتهم "
اردفت اريانا بتحسر و تمني
" أنا فقط اتمنى أن يكون عشاءهم صحي و لا يثير حساسية بشرتي ، اخر ما اريد الوقوع به هو التعامل مع بثور جديدة "
ضحكت هيلين بسخرية ثم اردفت بتهكم واضح
"بئسا لك و لبثورك يا فتاة ، هل هذا يجعلك تمتنعين عن الاكل ! "
اومأت لها اريانا بالايجاب ، لتميل هيلين رأسها ثم تتكأ على مرفقها الايمن و تقول
" اذن سأحظى بحصة اضافية ، يناسبني ذلك حقاا "
ضحكت ميلينا بخفوت على ملامح اريانا المنزعجة من هيلين و ردودها ، لتردف بهجوم
" حسناا لطيفتي انه شيئ يخص الاناث لذلك لن يكون عقلك الصغير قادرا على استيعابه "
ابتسمت في اخر كلامها ثم رمت شعرها للوراء بغرور و استلقت على سريرها مولية هيلين و ميلينا ظهرها ، نظرت هيلين الى اثينا ثم الى ميلينا بعيون متسعة من الدهشة ، لتنفجر ميلينا ضاحكة بعدما فشلت في تمالك ضحكتها اكثر ، شاركتها اثينا الضحك لتقول هيلين بدهشة و عدم تصديق
" شيئ يخص الاناث و لن يكون عقلي قادرا على استيعابه !! أتظن تلك أن الملصقات التي وضعتها على اظافرها من صفات الانوثة !! "
نظرت اثينا بتحذير لهيلين ثم وضع سبابتها على شفاهها عندما رأت اريانا تنظر لاظافرها بحزن بليغ ، تثاءبت ميلينا بنعاس و اتكئت على سريرها و هي تقول بتعب
" تصبحن على خير فتايات لقد تمكن مني النعاس "
ابتسمت اثينا لها و اردفت و هي تعدل فراشها
" تصبحين على خير ، على ما يبدو انهم لن يأتو حقا لذا سأنام انا ايضا و انت هيلين "
زمت شفاهها ثم استقامت في جلستها و قالت بتحد
" سأنتظر لن أتمكن من النوم و بطني تغرد هكذا لذا اتمنى لكن احلام سعيدة "
اومأت لها اثينا بتفهم و استلقت هي الاخرى بإعياء واضح ، لم يمر وقت طويل حتى اعلنت هيلين استسلامها هي الاخرى ، ليسقط رأسها جانبا ، و لحظتها استدارت اوريليا ناحيتهم بترقب ، و بعدما تأكدت أن الجميع نيام قامت من مكانها بهدوء
لفت يداها على جسدها الضئيل و سارت باتجاه باب المستودع فاتحة اياه بهدوء و حذر ، اصدر صريرا طفيفا جعلها تحبس انفاسها للحظات معدودة ، خرجت من المستودع ثم اوصدت الباب مرة اخرى بحيث يسمح لها فتحه في العودة
ضمت جسدها بقوة بين يديها ثم رفعت رأسها للقمر ، و الذي كان الضوء الوحيد الذي يضيئ الغابة ، تنهدت و شكرت الله انهم وضعو بضعا من المصابيح داخل المستودع و الا لم يكن لنور القمر ان يصل للداخل
ابتسمت عندما تذكرت الحديث الاخير الذي جرى بين الفتايات و كيف ان اخر رغبة لاحداهن هي ظهور بثور على وجهها في حين كانت اقصى اماني اوريليا ان لا تتعرض لنوبة هلع في غياب النور
مشت بهدوء متوغلة داخل الغابة اكثر ، متجاهلة ذلك الصوت الذي يصرخ بها محذرا اياها من عواقب فعلتها ، لحظات و تهافت على مسامعها اصوات متداخلة ، قهقهة و صراخ و القليل من الاغاني ، عقدت حاجبيها و تقدمت لمصدر الصوت اكثر ، لتتوضح الصورة اكثر و ترى المتحرش ... تقصد Y03 واقفا فوق صخرة ، رافعا يده التي يمسك بها كأسا من الخمر نحو الحشد الذي حوله و صاح بثمالة
" اذن نخب الانتقام و نخب ... نخب زاااك و لو ... "
لم يكمل كلامه حين جذبته فتاة ذات هيئة مألوفة بالنسبة ل اوريليا ، نزل بسهولة نظرا لشدة ثمالته ، لتقف الفتاة مكانه ، اختبئت اوريليا خلف الشجرة و عيناها تركزت على الفتاة بفضول
استدارت الفتاة بابتسامة مشرقة تدل على مدى سعادتها ، تجمدت اوصال اوريليا لحظتها و هي تشاهد صديقتها الوحيدة تقف وسط الحشود لتحتفل بنخب اختطافها ، سرت رجفة على طول ظهرها ، و شعرت بالهواء يختفي من حولها ، تسارعت دقات قلبها بفزع ، تراجعت للوراء بخطوات متعثرة ، و هي تتمنى ان تختفي من هذا العالم باسره ... تعثرت بحجرة صغيرة لتقع ارضا اثرها جاذبة اليها الانتباه
كتمت انفاسها بكفها و هي تتسحب بهدوء الى الخلف ، و بمجرد ما انتشر صوت ضحكاتهم في الارجاء ، قامت اوريليا من مكانها بسرعة ثم مشت بهرولة و .. ضياع ، تحارب نفسها كي لا تتعرض لنوبة هلع ، سالت عبراتها تباعا عندما شعرت بذلك الالم يضغط على قلبها ، وضعت يدها فوقه ثم نظرت لاتجاهات الغابة بحيرة و قد أدركت انها اضاعت طريق العودة ، صوت ضحكات قادمة جعلت انفاسها تهرب من جديد ، استدارت ناحية الصوت ، تنظر الى مصدره بعيون شاخصة ، و هي تحاول جاهدة ان تسترق بعضا من الاوكسجين لرئتيها المختنقتان لكن دون جدوى ، تشكلت ضبابة على مقلتيها عندما امتلئت عيونها بالدموع ، لتحجب عنها الرؤية ، تذكرت لورا ... وقوفها ذلك و ... فرحتها البادية على ملامحها ، ثم مرت صور سريعة داخل مخيلتها لذكريات قضتها رفقتها بالمدرسة الداخلية ... الا ان وصلت لتلك الذكرى ... عندما اقنعتها بالتسلل و ساعدتها مدعية انها تريدها خوض بعض من المغامرة و ان تتحرر من هذا السجن و لو لمدة قصيرة ، لكنها لم تكن سوى خدعة ، اظهرت لها الحب و الحنان فقط لتقودها الى هنا
صدرت شهقة حادة من اوريليا ، تعبر عن مدى خذلانها و انكسارها من لورا ، هزت رأسها بالنفي عندما تردد على مسامعها صوت اباها و هو يوبخها قائلا
" بعض الناس تُخلق مثلك ، منبوذة من الكل ، ليستغلها الجميع و يُنفسوا غضبهم عن طريقها ، انت خلقت لهذه الغاية فقط ، مجرد حمقاء "
تردد الصوت مرة اخرى و بنبرة اعلى من وراءها ، شعرت اوريليا بالظلام يحيط بها من كل الجهات ، و حاصرتها الذكريات البشعة من كل مكان ، لم تقوى على الحراك
وضعت يدها حول عنقها تحاول التنفس ، لكن شبح الماضي لم يغادرها و الذكريات لم ترحمها ، شهقت ببكاء و اردفت بخوف بالغ
" أبي "
اقترب وقع الاقدام منها ، رفعت قدمها بصعوبة من الارض ثم ركضت ... ركضت الى النقطة التي تجهلها ، لم تكد تخطِ خطوتها الخامسة الا و جسم صلب تصطدم به ، ابتلعت ريقها عندما تسللت رائحة رجولية تعرفها جيدا الى جيوبها الانفية ، تقافزت الدموع من عيونها ، رفعت رأسها بمهل الى الاعلى ، ليخيل لها ان القابع امامها هو والدها
ارتفع صدرها باظطراب و تسارعت وتيرة تنفسها ، احاط ذلك الشخص خصرها بيديه ثم ضرب خدها بيده الاخرى و قال بنبرة هادئة و ثابتة
" تنفسي ، انت بأمان "
أحس بتصلبها بين يده ليظن أنه استطاع بث الامان بكلماته لكنه تفاجئ عندما انتفضت بين يده و هي تحاول دفع صدره الصلب بيدها الرقيقة ، عقد حاجبيه باستغراب و هو يسمعها تهمس بصعوبة
" اس.. اسفة ا ... ابي "
شدد قبضته حولها لتحاول دفعه بقوة اكبر ، وضع يده على ذقنها و رفع رأسها ناظرا الى محيط عيونها ، تحركت تفاحة ادم الخاصة به من الاعلى الى الاسفل ، لم يشعر بنفسه الا و هو ينحني لمستوى رأسها و يضع شفته على شفتها ، لتتوقف عن الحراك و ترتخي يدها التي كانت تحاول دفعه من صدره قبل قليل
ترك ذقنها و ابتعد عليها انشا واحدا و همس بحنان
" اهدئي انت بأمان معي "
••••• End of chapter •••••
نهااية أول فصل من أنثى الغسق ♡ الحماااااس و الفرحة ملياااااار😭🩷 هرمت من أجل هذه اللحظة 5200 كلمة حرفياااا شبت لكتابتهم و اخيرااا القفلة شو رايكم فيها و ماهي توقعاتكم للقادم ✦ لا تنسو الفوت و ترك ارائكم في الاحداث و الاسلوب لانها اول رواية لي بالفصحى 😩🩷 ++ قراءة ممتعة ♡
Inst : tip_speace
Tipana♡