كانت في مكتبها تتكئ على كرسيها الناعم المنفوش تضغط بيدها الايسر المسن على لوحة مفاتيح حاسوبها بسرعة تدل على خبرتها في استعماله بينما الايمن مشغول بإمساك ببعض الاوراق و الدفاتر تقربهم الى وجهها المليء بالتجاعيد خاصة بعد تضييقها لزرقاوتيها بتركيز لتتمكن من قراءة احرفهم فرغم ارتدائها النظرات الا انها لم تستعد نظرها بالكامل لكونها قد اصبحت في الستينات.. بالنسبة لعجوز مثلها فكونها لاتزال قادرة على ادارة الاعمال امر يستحيل تصديقه..
لكنها لم تكن اي سيدة مسنة.. فهي مانويلا آرسيلتو اكبر افراد عائلتها الاحياء و اكثرهم قوة و خبرة..
هي الابنة الثالثة للعائلة.. توفي والداها و اخواها الاكبر سنا و كذلك زوجها ميغيل بسبب تقدمهم في السن، و انفصل عنها ابنائها الثلاثة بعد بلوغهم ليكتشفو انفسهم .. لم يزرها احد منذ ست سنوات كانت خلالها تراقب اوضاعهم بهدوء..
اخبارهم المعروفة على وسائل التواصل و الجرائد و اخبارهم السرية الخاصة بالمافيا و التي تستعمل للحصول عليها جواسيس بخبرة سنين طويلة اختارتهم بنفسها حتى لا يتمكن احد ولو كان زعيم دولة من اكتشافهم.. لقد كانت الاقوى في احدى فترات حياتها و هي تعلم تماما ما يجب عليها القيام به.. لقد قامت بالتستر على اسوء فضائح احفادها التي لا يمكن لاحد نسيانها بسهولة و قتلت اخطر العصابات المحلية التي هددتهم بسرية تامة.. كانت كظلهم الذين لم يشعرو به قط.. تنظف ورائهم بهدوء و تصحح اخطائهم بصبر.. رغم تخليهم عنها الا انها كانت دائما هناك لاجلهم.
لقد كانت جدة حقيقية.
بدأت روتين اعمالها المعتاد مبكرا اليوم لانه يصادف تاريخ مولد حفيدتها الكبرى ماريا.. بالطبع لم تكن لتذهب لحضور حفلها لانهم لم يكلفو نفسهم عناء ارسال دعوة رخيصة لها حتى، لكنها سترسل هدية ثمينة كما تفعل كل سنة مع كافة احفادها بسرية و بهوية مجهولة دون معرفة آبائهم فهم يكرهونها..
رادت الانتهاء من عملها مبكرا لتخرج للتسوق لاجل هذا لكن شيئا ما عكر مزاجها فجأة اثناء تصفحها لاحد مجلات الاخبار التي صورت مقابلة مع ابنها البكر لويس البارحة حيث اعلن في هذا عن تخليه عن اسم عائلته الاول و انه سيواصل انجازاته تحت اسمه الخاص..
"الى ما يخطط هذا الساذج هذه المرة..؟ "
تمتمت بهذا بسخط و غضب جعلانها تضغط على الاوراق بيدها بقوة لا تناسب عجوزا في سنها.. بينما تعض شفتها السفلى بنفاذ صبر و عيناها تواصل القراءة بسرعة تدل على تخطيها لأغلب الكلمات بينما تبحث عن الأهم.
رغم كره ابنائها لها لم يتجرأ اي منهم من قبل على التخلي عن اسم العائلة.. بعيدا عن مدى احتياجهم له و اهميته التي تحميهم سياسيا و تجاريا فهو اسم والدهم المحب الذين يحترمونه.. لكن لويس السخيف قد تجاوز الخط المسموح له بهذه الحركة.. فعله لهذا يدل على شيء واحد فقط وهو رغبته في دفعها من حياته الى الابد..
تخليه عن اسمه يعني تخلي ابنائه عنه ايضا.. هو لا يدرك ابدا مدى كبر حجم تهوره هذا.
خرجت مسرعة من تطبيق الاخبار لتتجه بسهم فئرتها الى صفحة المراسة السرية تكتب كلمة المرور و تدخل اول حساب ظهر لها لترى شيئا جعلها تتراجع بكرسيها المتحرك الى الوراء على امل الا تتمكن من قراءة المزيد من مكانها هذا..
لم تكن سوى بيانات و تقارير من جاسوسها عن اخبار المافيا.. لقد تعرض بالفعل ابن لويس الوحيد خافيير الى محاولة اغتيال من شخص مجهول كُتب عنه في التقرير فقط انه تابع للمافيا..
مدت يديها الى جانبي رأسها تدلكهم بهدوء كي توقف الصداع الذي اصابها.. بسبب صبيانية أول من خرجو رحمها فإن حفيدها المسكين في المستشفى الان في غيبوبة تربطه وسط الحياة و الموت..
لم يكن هذا الخبر الوحيد.. تم اختطاف حفيدتها آلما ايضا لكن المصدر لم يكن نفسه مما يعني ان العديد من الاشخاص المختلفين يقومون بهذه الاعتداءات.. حسنا على الاقل يوجد من هو ذكي ليستغل غباء لويس.
لم تكن قلقة حقا بشأن آلما لانها تعرف كيف ستجدها.. لا يمكن ان يتم القيام بعمل مفاجئ كهذا بشكل مثالي.. خاصة ان حركة لويس كانت شيئا لم يستعد له اي احد.. لذا فهناك الكثير من الفجوات و الاخطاء التي سيرتكبها خاطف آلما.. ارتدت نظاراتها الدقيقة التي عادة ما تؤلم عيناها فقط لتقرأ تفاصيل التقرير امامها.. تدحرجت زرقاوتيها لفترة بين تلك الاسطر حتى توقفت في احدها.. اسرعت بامساك هاتفها الحديث تضغط الى أعداد محفوظة في الشاشة امامها لتضغط على كلمة اتصال قبل ان تضع الهاتف على اذنها..
"هي لم تبتعد.. لا تزال في الجهة الجنوبية لذا احضر الجميع للبعث.. ان لم ارى جسدها امامي بعد ساعة ساحرقك حيا والتر. "
انهت حديثها بنبرة تهديدها الحادة الشهيرة قبل ان تنهض من مكانها و تمد يدها الى جرس الخدم في حافة الطاولة لتهرع خادمتها الشخصية اليها تنتظر اوامرها بهدوء..
"يبدو ان اطفالي المدللين نسيو ان جسدي لا يزال متصلا بروحي.. اضن ان زيارة لطيفة ستذكرهم بهذا. "
ابتلعت الخادمة ريقها بقلق كونها فهمت تهديد سيدتها فهي ليست ممن يستخدمون كلمة لطيف في جملة جيدة.
كانت الخادمة على وشك الذهاب لاخبار الخدم للاستعداد لتجهيز سيدتها لكن الاخيرة اوقفتها باشارة واحدة من اصبعها..
"اوه و اخبري فرناندو ان يضع جميع اراضي لويس للبيع و احرصي على ان يجعل الامر ينتشر في الانترنت حتى يتجاوز قصة خافيير"
"امركِ سيدتي"
"سيكون من اللطيف رؤية اطفالي يجتمعون امامي مجددا و اخيرا.."
🪼Kala