الفصل الأول « ٠١ » : ﴿ رغيف الخبز الأوّل ﴾

الفصل الأول « ٠١ » : ﴿ رغيف الخبز الأوّل ﴾

19 0

\( ملاحظة \! : جميع الأماكن و الشخصيات بما في ذلك الأحداث محض اختراعات من وحي الخيال \.\.\. \) \_\_ " الماضي ، ذلك الحمل الثقيل الذي لطالما أرهق كثيرين ممن خلفوا فيه وصمة سوء ، تماما كمن يسرب الحبر على أوراقٍ بِيض ، ثم يعض على أطراف أصابعه نادما على ما فعل ، و ما من امرئٍ إلا و له ماضٍ ، جميلا كان أو دامسا يعج بالذكريات القاتمة ، فهل يمكن للمرء أن ينسى ماضيه حقًّا ، أم أن الظلال لا تزول مهما أشرقت شمس الحاضر ؟ " \_\_ ﴿ ليلة اليوم الأول من ديسمبر ﴾ في تلك الليلة ، اكتنف الظلام أرجاء شوارع مونترلون ، و هي بلدة صغيرة تقع في إحدى ضواحي فرنسا ، نسيم الليل ينساب بلطف ليداعب أوصال كل عابر في ذلك الدرب الهادئ ، كان سيل و هو رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره عائدا من عمله كالمعتاد ، حاملا معه ظلا أثقل من حقيبته ، هائما في الجزء الخلفي من عقله بين أفكار و ادعاءات مختلفة ، أنسته لسعات البرد القارس الذي ظل يتسلل إلى عظامه كأنفاس شبح واهن يهمس على بشرة جلده الحنطي ، تلك التي لطالما شبهها رفاقه بلون طين شاطىء روسيليه ، حين تلفحه شمس المساء و تتركه دافئا رطبا ، كذكرى لا تجف \. صوت صرير الباب يكسر ذلك الصمت الذي ظل يخيم على شقته لساعات ، حاملا معه همومه و أحزانه ، هو يعلم \_ أن لا أحد ينتظر عودته بلهفة عدا أشباح ماضيه الأليم التي ظلت تطارده في صحوته و تنهش روحه في راحته ، و تهز كيانه و أمانه كل مساء \_ تهمس في أذنه كل ليلة بخطاياه ، لتتأكد من ردم أي أمل قد يبنيه خلال غيابه ، تنأى روحه عن المقاومة ، و يكاد جسده لا يجد وقتا للراحة \.\.\. لكن ، كل شيء اليوم مختلف تماما ، فعند دفعه لباب شقته بعد صوت تخبط مفاتيحها ، أول ما وقعت عليه فضيتاه هو منظر ذلك الفتى المتكوم داخل بطانية في إحدى زوايا صالته ، و الذي كان يحدق في صمت يصم الأذان بشكل مريب ، غير مرتاح لذلك الكيان الغريب الذي اِختطفه من وحدته دون أن يلمس منه شعرة\.\. بلطفٍ صامتٍ ، أربكه أكثر مما آلمه \. دنا سيل من طاولة في الصالة و وضع حاجيات كان قد اقتناها في طريق عودته سابقا ، لم يحتوي الكيس على أساسيات مهمة تذكر بل كان ممتلأً بالحلوى و السكاكر الصغيرة ، التقط جهاز التحكم و شغل التلفاز ليتركه على قناة تبث رسومًا متحركة ، خلع معطفه بروية قبل أن يغادر و يترك الغرفة تعج بعالم ممتزج ما بين ألوان و نغمات ندية انسابت من ذلك الجهاز لتعانق أطيافا لطيفة تبحث عن دفء و حنان ، بينما كان يأخذ حماما مريحا يغسل به الألم و الهموم التي التصقت بجسده بعد يوم طويل و شاق من العمل الدئوب \. بمجرد أن لاحظ الصبي المتكوم أنّ صوت قعقعة أقدام الرجل قد اختفى ، لمعت عيناه ، و أحاط به فضوله الطفولي ليدفعه زاحفا نحو كيس السكاكر ، فأخذ يقلب فيه بتردد كمن اكتشف شيئا جديدا يجهل ماهيته ، أهو آمن أم دخيل قد يغدر به في أيّة لحظة\. تمر الدقائق ، و يبدو أنه اندمج في ذلك الكوكب الزهري المرصع بالأحلام و النوتات التي تدور حوله متباهية بمدى عذوبتها و نعومتها ، و كان قد أحدث مزيجا من الفوضى فوق أريكة سيل التي نالت منها الأيام و ثقل المسؤولية \. في المقابل لدينا سيل ، و الذي كان قد انتهى بالفعل بعد أن انغمس في الماء الدافىء الذي احتضنه لدقائق تمددت و كأنها دهر لا ينقضي ، و ها قد حانت الفرصة ليمنح شعره البني بعض العناية ، أخذ يقلم أطرافه بحذر بمقص معدني باهت كالبستاني حين يرعى نباتاته و يهتم بشجيراته بحب في حديقته الخاصة \_ أخذته الهموم بعيدا عن صوت ذلك العالم الصاخب خلف الجدران ، و الذي يستمتع به أحدهم خلال تلك اللحظة التي يتقلب فيها داخله بِوابلٍ من المشاعر المتناقضة ، و ظلت تلك التساؤلات تنبثق لباطن عقله باستمرار ، يطرحها له صوته الداخلي ببساطة ‹كيف آل بك المطاف لإحضار صبي إلى هنا ؟ أي نوع من الأشخاص أنت ؟› \_\_\_\_ بدأ كل شيء بسلسلة من الأحداث ، لكي نفهم ماهيتها ، علينا أن نطّلع على نبذة من حياة بطلنا \. " ولد سيل في كنف عائلة بلا حول و لا قوة بأحد أزقة مدينة ڤالمير ، اشتهرت هذه المدينة بجمالها و شعبيتها ، فكانت مبانيها و موضة سكانها تصرخ بالطراز الغربي ، كنيويورك بالطبع و من غيرها ، تعج بناطحات السحاب و السياح القادمين من شتى بقاع الأرض لقضاء عطلاتهم و الاستمتاع بالخدمة و الرفاهية التي تقَدَّم هناك ، من جانب آخر ، كانت أحياؤها الخلفية تكابد الحياة على الهوامش ما بين ألم و فقر مدقع ، حيث الجوع رفيق ، البرد غطاء ، و الأمل مجرد عابر سبيل \.\.\. في صباه ، اضطرته الحاجة ليكون نشالا ، ففي الصباح يتجول ما بين الجيوب و في المساء يتقاسم مسروقاته مع عصابته الصغيرة ، و هكذا انقضت أول عشرين سنة من عمره ، حتى جرته الحياة بأغلال الطمع و الحاجة الزائفة لعالم العصابات ، حيث عاش متخوما بالمال ، موهوما بالقوة ، محاطا بالنساء ، و كل ما قد رغب به انحصر بين كفيه ، و على الرغم من ذلك لم يكن سعيدا ، ظل يخوض صراعا باطنيا ، حتى أدرك أن هناك ما ينقصه \. استمر لسنوات على هذا الحال ، باحثا عن ما يملأ به هذا الفراغ ، يبتاع ما لا يرضيه ، يتخلص ممن يعصيه ، يعيش محاطا بتأنيب و خواءٍ مرير ، فرغم سلطته القوية التي مكنته من التخلص من أي شيء قد يعكر صفو مزاجه لم يتمكن من التخلص من وسواسه الملازم ، حتى أدرك أنه احتاج راحة البال ، لكن ليحصل على شيء جيد عليه التضحية بشيء آخر قيم بحوزته ، و هذا الأمر ليس بالهين أمامه \. و مضت الأيام ، و الأشهر ، و بضع سنوات ، استغرق سيل فترة طويلة حتى بدأ ينشق عن عالمه الذي وطأ إليه بكامل رضاه ، و ها هو يفر منه الآن ، فهل الدخول إليه كخروجه ؟ بالطبع لا ، فقد عاش لفترات يتلقى التهديدات ، و تارة يتعرض لمحاولات إغتيال بغاية دفن لسانه للأبد ، و كلها باءت بالفشل ، اضطر للتخلي عن جل ما امتلكه من ثروة و قوة ، و غادر خالي الوفاض في رحلة طويلة لنهج آخر الى مدينة أخرى مختلفة تماما عما كان يعيشه \.\. " ﴿ مونترلون ﴾ شتان بينها و بين ڤالمير ، ببيوت من حجر و طين ، و مبانٍ عتيقة الصميم ، بتاريخ عريق و طبيعة أخّاذة ، أُناس بقلوب خفاقة ، و لأرواح راقِةٍ ، لسجايا برّاقة ، رائحة الخبز عمرت الأرجاء ، هكذا عاشت هذه المدينة متمسكة بأصلها و نسبها ، يسكنها السكون و تغمرها أنفاس الطبيعة بنقائها كالنجوى ، لتكون البلدة المثالية لشخص مهموم كسيل الذي ضحى بكل ما امتلكه ليعيد فتح جزء جديد من حياته ، فهل الصفحات تقلب لتغطي عما سبقها من خراب أم أن بقع الحبر أوضح من أن تتوارى خلف ورقة بيضاء ؟ بعد أسابيع قليلة من مكوثه ، وجد عملا يغطي به نفقات معيشته ، في مخبز صغير ، لم ينكر حقيقة انه كرهه بصدق لسبب يجهله ، يسير بداخله بجسد حاضر و روح غائبة ، فلم يكن الهدوء في مونترلون كفيلا ليثبط من عواطفه المتضاربة ، و ليمحوا اثار عواصفه النفسية التي مرت به كما كان يأمل سابقا \.\.\. لم يمتلك أي هدف يعيش لأجله و لا أملا ليتمسك به لتغيير حياته في ظل ظلمته ، ففي كل مرة يعود لشقته بعد كدٍّ و عناء ، لا يجد شيئا مميزا لفعله غير الاستلقاء منهكا كشهيد خاض حربا فتاكة قبل أن يُغدر به ، تستمر تلك الأرواح تؤنبه ، لتشرخ فؤاده و شغفه ، لتلقي به إلى زاوية كره فيها ذاته و اسمه ، و سولت له أفكارا أفكار لئيمة ، كخيوط سم تتسلل لعقله بسلاسة ليعتنقها دون أن يدرك ذلك ، فالشخص دون أمل أو هدف كالمبصر حين يسير خلال الظلام القاتم دون معرفة وجهته ، كروح هائمة في عالم يسوده الغمام ، قد تتواجد به الأنوار ، لكنها فاقدة للشغف الذي يقودها نحو ذلك الأمل ، و لا طاقة لها للحراك شبرا ، لتظل تكرر يومها إلى زمن مجهول الأمد ، ربما يعترضها القدر ليقتادها لسبيل آخر ، إما للأسوء أو الأحسن ، دون خيار للرفض أو الهرب ، و إما أن توافيها المنية فتنتقل لعالم آخر جديد إلى مصير لا يعلمه إلا الله \.\.\. \- ذات صبيحة شتوية باكرة ، بينما كان متوجها إلى بلدية مونترلون الشعبية لتسجيل بعض الأوراق المتعلقة بإقامته المؤقتة ، اجتذبه منظر طفل نائم على أوراق الخريف المتناثرة خارج الباب الجانبي للمبنى ، كان الهواء يسرح بين نسيج ملابسه الخفيفة يرفعها حينا و يدغدغ بشرته العارية حينا آخر ، تكسو ساقاه الكدمات مع لدغات البرد القارس ، و دون أن يعي سيل ، وجد أقدامه تقتاده نحو هذا الصبي متأملا مظهره الشفيق ، شعره بني بلون قشر الكستناء ، يتوهج حين ينساب نور الشمس متغلغلا بداخله كخيوط منسوجة من ذهب نفيس ، مما أشعل بداخل سيل شعلة من الفضول الدامي ، ما الذي أجبر صغيرا بريئا في هذا الطقس القاسي لينام على الرصيف مع ملابس لا تقي من البرد نسماته ، و لا تستر من العراء خيطا من الخجل ؟ تناهى إلى مسامع الفتى وقع خطوات خفيفة على أوراق الخريف المتناثرة ، فأحدث صوت خشخشة طفيف ارتجف له جفنه ، و فتح عينيه بتوجس ، لتلتقي عيناه بنظرات سيل ، و الذي ذاب فيهما عندما تمعنه الطفل بصمت طويل ، عسليتان اللامعتان تتوهجان كبريق عسل الأكاسيا الذهبي ، و كأنهما قيراطان من نور أذابتهما الشمس في مرمر \.\.\. عجز الرجل عن التحكم بلسانه للحظات ، و سرعان ما استعاد رباطة جأشه أمام هذا الطفل النقي ، و همّ مبعثرا حروفه على عجل : « أين والداك يا هذا \.\.\.\. » عمت لحظة صمت و غطى سيل فاهه بكفه \. يا لوقاحة ما تفوّه به لتوّه \! أ طفلا تخاطب أم الصاح الذي اعتدت تقاسم غلطاتك معه ؟ لمّ شتات نفسه مؤنبا لسانه على ما قال ، متنهدا ، ليرتب معانيه بلباقة تجنبا لسوء الفهم : « لمَ ينام صغير ظريف مثلك في هذا الجو القارس هنا ؟ ، هل تخلى عنك والداك ؟ » اكتفى الصبي في تحديق صامت ، تارة يتثائب و يترنح تارة أخرى كالأصم الذي لا يسمع و لا يعي ما يقال ، في ظل استغراب سيل الذي حكم عليه بالصمم حتما \.\. لاحظ سيل ضلوع الفتى البارزة و جسده الهزيل الذي بدا له و كأنه يتوسل بصمت لفتات خبز ينقذه ، فمنظره قال كل شيء عنه ، اندفع لجيب حقيبته و اخذ يقلب بداخلها عن شيء يمنحه له ، حتى انتقى منها رغيف خبز كان قد خصصه لافطاره ، لكنه آثره على نفسه ، و دفعه لحضن الصبي في هدوء دون ان ينبس بحرف كمن يدفع بذنبه بعيدا عن صدره \. لم يكن يعلم سبب تحركاته التي تجري دون تحكم منه ، أهي بدافع الشفقة أم بدافع تخليص روحه من خطاياها ؟ ، لكن ما كان قد أيقنه بالفعل أن رغيف الخبز هذا لن يكون أي رغيف قد يتناوله الصبي في حياته \.\. أخذ الصبي يلتهم الرغيفة بنهم كمن ذاق الخبز لأول مرة في عمره ، حتى أن ملامح الرجل تيبست مما رآه ، لم يتوقع أن طفلا بهذه اللطافة قد يتحول لوحش أمام قطعة خبز ، و اكتفى بمشاهدته في صمت ، افترض ان الفتى أصم ، و أنه قد تم رميه كما ترمى القمامة منذ زمن ، تسلل الحزن الى قلبه لذلك المنظر ، و دون أن يعي ، وجد نفسه قد أخذ الصبي معه إلى شقته ، و ها هو الآن أمام بابها يجلس بعد أن أدرك ما قد أحضرته يداه ، طفل في المنزل ؟ بالكاد يعتني بنفسه ناهيك عن حمل طفل بين ذراعيه و العدْو به إلى منطقته الخاصة \.\.\. ترك الصبي فوق الأريكة و ألقى له ببطانية ليدفئ بها جسده المتجمد ، و غادر مهرولا ليلحق بدوامه في المخبزة ، ظل يتقلب داخليا ، قلبه مضطرب ، و كأن فكره يسابق كل شيء عدا راحته ، أخذ يخلط بين الطلبات كالمجنون ، لدرجة أن رئيسه قد فكر بجدية في منحه عطلة تشافي بعد اشتكاء الزبائن منه \.\.\. في طريق عودته استوقفته ساقاه بشكل تلقائي عند دكان يبيع حلويات للصبيان ، حاول تجاهله و استئناف طريقه لكن قدماه تأبى الانصياع لأوامره ، فغدى يحشر في حقيبته كيس السكاكر غير مصدق لما يفعله ، هو حتما مصاب بنوع ما من الجنون ، ذلك الرجل القاسي الذي اعتاد على سفك الدماء دون رحمة ، يحيى قلبه ليحتضن بحنان صبيا لا يعرف حتى اسمه ؟ \_\_\_ خرج سيل من الحمام و بيده منشفة ليجفف بها الماء الذي يقطر من شعره ، فوجد أن الصبي قد غفى و حوله فوضى من السكاكر توزعت و كأنها نجوم أحاطت بالقمر ، و التلفاز ما زال يلقي بنغماته التي تتعارض مع جو المكان هنا و هناك دونما كلل \. تنهد سيل بثقل للمنظر ، فلم يسبق له أن نظف فوضى ما خلف طفل ، لكنه مرغم على ذلك ، سواء شاء أم أبى ، زحزح الصبي بعيدا عن البعثرة التي سببها حماسه ، و أسدل عليه غطاه ليعود مجددا الى المنطقة المقلّبة شاحذا عزيمته كمن سيحارب ضد جيوش من السكاكر الصغيرة \. \- في نهاية المطاف ، القى سيل بجسده على مرتبته ، متأوها لألم ظهره بعد بذل مجهود إضافي منهك ، لكنه شعر ببعض الرضى عن نفسه ، و هذه أول مرة يساوره فيها هذا الاحساس بعد زمن طويل ، لكن ما شغل عقله حقا هو :" ما الذي سيفعله بهذا الفتى غدا ؟ " أ يرجعه من حيث أتى به ؟ أو يبحث عن عائلته ؟ أم أن هناك من سيقرر بدلا عنه بشيء قد يغير مجرى حياته ؟ ظلت التساؤلات تدفعه بعيدا عن الواقع ، حتى جرفته إلى هاوية الأحلام في سبات عميق \.\.\. \- و هكذا انقضى يوم سيل على عكس ما اعتاد أن يعيشه ، فمن عساه هذا الصبي ؟ و ما الذي يقبع خلف تلك العيون البريئة يا ترى ؟ و ما المصير الذي سيسلكه بطلنا خلال هذه الحكاية ؟ ~ يتبع ~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَأَجْلِنَا

المؤلف psmouza
2025/06/18 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة